Indexed OCR Text
Pages 581-600
وعن سَلمى أنَّها دخلت على أمِّ سَلَمة وهي تَبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيتُ رسول الله مَ ◌ّه في المَنام، وعلى رأسه ولحيته التُّراب، فقلت: ما لَكَ يا رسول الله؟ قال: ((شهدت قَتْل الحسين آنفًا)). أخرجه الترمذي من حديث أبي خالد الأحمر، قال: حدثنا رَزين، قال : حدثتني سلمی. قلت: رزين هو ابن حَبيب، كوفي. قال الترمذي: هذا حديث غريب(١) . وقال حمَّاد بن سلمة، عن عمَّار: سمعت أمَّ سَلَمة قالت: سمعت الجِنَّ تبكي على حُسين وتَنوح عليه . ورُوي عن أمِّ سلمة نحوه من وجه آخر. وروى عطاء بن مُسلم، عن أبي جَناب الكَلْبي، قال: أتيت(٢) كربلاء، فقلت لرجل من أشراف العَرب بها: بلغني أنكم تَسمعون نَوْحِ الجِنِّ، فقال: ما تلقى أحدًا إلا أخبرك أنّه سمع ذلك، قلت: فأخبرني ما سمعتَ أنتَ، قال: سمعتُهم يقولون : مسَحَ الرسولُ جَبينَه فَلَهُ بَرِيقٌ في الخُدُود أبواه من عَلْيَا قُرَي ◌ِشِ وجَدُّه خيرُ الجُدود رواه ثَعْلب في أماليه، قال: حدثنا عُمر بن شبَّة، قال: حدثنا عُبيد بن جَنَّاد، قال: حدثنا عطاء، فذكره. وقال الزُّبير بن بكار: حدّثني محمد بن حسن المَخْزومي، قال: لما أُدخِلِ ثَقلُ الحُسين على يزيد ووُضِع رأسُه بين يديه بکی يزيد، وقال : نُفَلِّق هَامًا من رجالٍ أحِبَّةٍ إلينا وهم كانوا أعقَّ وأَظْلَما أما والله لو كنت أنا صاحبك ما قتلتُك أبدًا. فقال عليّ بن الحُسين: ليس هكذا، قال: فكيف يا ابن أم؟ قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد ٢٢].، وعنده عبدالرحمن بن الحَكم أخو مروان، فقال: لَهَامٌ بِجَنْب الطَّفِّ أَدْنى قَرابةً من ابن زياد العبدِ ذِي النَسَب الوَغْل (١) الترمذي (٣٧٧١). وانظر تمام تخريجه فيه. (٢) في د: ((ثم أتيت))، وليست في بقية النسخ، ولا في تهذيب الكمال ٦ / ٤٤١ . ٥٨١ سُمَيَّة أمسى نَسْلُها عَددَ الحَصى وبنتُ رسولِ الله ليس لها نَسْل فضربَ يزيدُ صدرهُ، وقال: اسكت. قال يحيى بن بُكَير: حدَّثني اللَّيث بن سعد، قال: أبى الحسينُ أن يُستأسَر، فقاتلوه، فقُتل، وقُتل آبنه وأصحابه بالطَّفِّ، وانطلق ببنيه عليّ وفاطمةَ وسُكَينة إلى عُبيد الله بن زياد، فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية، فجعل سُكَينةَ خلف سَريره، لئلاَّ ترى رأس أبيها، وعليّ بن الحُسين في غُلَّ، فضَرب يزيد على ثنيَّتِيَ الحُسين، وقال: نُقلَّق هامًا من أُناس أعِزَّةٍ علينا وهُم كانوا أعِقَّ وأظلما فقال عليّ: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّ فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا﴾ [الحديد ٢٢] فثقل على يزيد أن تمثّل ببيت، وتلا علي آية فقال: بل ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَبْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ﴾﴾ [الشورى ٣٠]، فقال عليّ: أما والله لو رٍآنا رسولُ اللهِ بَّ مَغْلولين، لأحبّ أن يخلّينا من الغلِّ. قال: صدقتَ، خَلَّوهم. قال: ولو وقفنا بين يدي رسول الله مَله على بُعْدٍ لأحبَّ أن يُقرِّبنا، قال: صدقت، قَرِّبوهم، فجعلت فاطمةُ وسُكينة يَتَطاولان لَيَرَيا رأس أبيهما، وجعل يزيد يَتَطاول في مَجْلسه ليستره، عنهما، ثم أَمَرَ بهم فجُهِّزوا، وأصلح آلتهم وأُخرجوا إلى المدينة . كثير بن هشام، قال: حدثنا جعفر بن بُرقَان، عنٍ يزيد بن أبي زياد، قال: لما أُتي يزيدُ بن معاوية برأس الحُسين جعل ينكُت بمِخْصَرةً(١) معه سنَّة، يقول: ما كنتُ أظنُّ أبا عبدالله بلغ هذا السنَّ، وإذا لحيتُه ورأسه قد نَصل من الخضاب الأسود. وقال ابن سَعْد(٢)، عن الواقدي والمَدائني، عن رجالهما: إنَّ مُحَفِّز(٣) بن ثعلبة العائِذي، عائذة قريش، قَدِم برأس الحُسين على يزيد، فقال: أتيتُك يا أمير المؤمنين برأس أحمق الناس وألأمهم، فقال يزيد: ما ولدت أمُّ مُحَفِّز أحمق وألأم، لكن الرَّجل لم يقرأ كتاب الله: ﴿تُؤْتِ الْمُلْكَ (١) ما يتوكأ عليه كالعصا، وما يأخذه الملك والخطيب يشير به . (٢) طبقات ابن سعد ١ / ٤٨٦. (٣) ضبطه المصنف في المشتبه ٥٧٣، وضبطه الدار قطني في المؤتلف ٤ / ٢١٣٩ بفتح الفاء، وضبطه ابن الكلبي في الجمهرة بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء المخففة (توضيح المشتبه ٨ / ٥٧). ٥٨٢ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءٌ﴾ [آل عمران ٢٦] الآية . ثم بعثَ يزيدُ برأس الحُسين إلى عامِله على المَدينة، فقال: وددت أنه لم يبعث به إليَّ، ثم أمرَ به، فدُفن بالبَقيع عند قبر أُمِّه فاطمة . وقال عبدالصَّمد بن سَعيدِ القاضي: حدثنا سُليمان بن عبدِ الحَميد البَهْراني، قال: سمعتُ أبا أميَّة الكَلاعي، قال: سمعت أبا كَرِب قال: كُنت في القوم الذين توثَّبوا على الوليد بن يزيد، وكُنت فيمن نَهب خَزائِنهم بدمشق، فأخذتُ سَفَطًا وقلت: فيه غنائي، فركبت فرسي وجعلتُه بين يديَّ، وخرجتُ من باب تُوما ففتحته، فإذا بحَريرة فيها رأسٌ مكتوبٌ عليه: ((هذا رأس الحُسين))، فحَفَرْت له بسيفي ودفنته . وقال ابن جرير الطبري(١): حُدِّثْت عن أبي عبيدة، أنَّ يونس بن حبيب حذَّثه، قال: لما قُتل الحُسين وبنو أبيه، بعث ابن زياد برُؤوسهم إلى يزيد، فسُرَّ بقتلهم أولاً، ثمٍ نَدِم فكان يقول: وما عليَّ لو احتملت الأذى وأنزلت الحُسِين معي، وحكّمته فيما يُريد، وإنْ كان عليَّ في ذلك وَهَنَّ في سُلطانِي حِفْظًا لرَسول الله ◌ِِّ، ورعاية لحقُّه وقَرابته، لعن الله ابنِ مَرْجانة، يريدُ عُبيد الله، فإنَّه أخرجه واضطره، وقد كان سأل أن يُخلِي سَبيلُه، ويرجعَ من حيث أقبل، أو يأتيني فيضعُ يده في يدي، أو يلحق بثغرٍ من الثُّغور، فأبى ذلك وردَّه عليه، فأبغضني بقتله المُسلمون . وقال المدائني، عن إبراهيم بن محمد، عن عَمْرو بن دينار: حدَّثني محمد بن عليّ بن الحُسين، عن أبيه، قال: لما قُتل الحُسين دخلنا الكوفة، فلقينا رجل، فدخلنا منزله فألحفنا، فنمتُ، فلم أستيقظ إلا بحسِّ الخَيل في الأزقّة، فحُملنا إلى يزيد، فدمعت عَينه حين رآنا، وأعطانا ما شئنا، وقال لي: إنه سيكون في قَومك أمورٌ، فلا تدخل معهم في شيءٍ، فلما كان من أهل المَدينة ما كان، كتبَ مع مُسلم بن عُقبة كتابًا فيه أماني، فلما فرغ مسلم من الحَرَّة بعث إليَّ، فجئتُه وقد كتبت وصيَّتي، فرمى إليَّ بالكتاب، فإذا فيه: استوصٍ بعلي بن الحُسين خيرًا، وإنْ دخل معهم في أمرهم فأمَّنه واعفُ عنه، وإنْ لم يكن معهم فقد أصاب وأحسنَ . وقال غير واحد: قُتل مع الحُسين ابن عمِّه مُسلم بن عَقيل بن أبي (١) تاريخ الطبري ٥ / ٥٠٦. ٥٨٣ طالب، وقدٍ كان في آخر سنة ستين، قتله ابن زياد صَبْرًا، وكان الحُسين قد قدَّمه إلى الكوفة، ليخبر من بها من شيعته بقُدومه، فنزل على هانئ بن عُرْوة المُرادي، فأحسنَّ به عُبيدالله بن زياد، فقَتَلَ مُسْلِمًا وهانِئًا . وممَّن قُتل مع الحُسين يوم عاشوراء إخوته بنو أبيه: جعفر، وعَتيق، ومحمد، والعباس الأكبر بنو علي، وابنه الأكبر عليّ، وهو غير عليّ زين العابدين، وابنه عبدالله بن الحُسين، وابن أخيه القاسم بن الحسن، ومحمد ابن عبدالله بن جَعْفر بن أبي طالب، وأخوه عَون، وعبدالله وعبدالرحمن ابنا مُسلم بن عَقيل رضي الله عنهم. وفيها ظنًّا وتخمينًا، قدم على ابن الزُّبير وهو بمكة المختارُ بن أبي عُبيد الثَّقفي من الطائف، وكان قد طُرد إلى الطائف. وكان قويَّ النفس، شديدَ البأس، يُظهر المُناصحة والدَّهاء، وكان يختلف إلى محمد ابن الحنفية، فيسمعونَ منه كَلامًا يُنكرونه، فلما مات يزيد استأذن ابن الزُّبير في المضيِّ إلى العراق، فأذن له وركن إليه، وكتب إلى عامله على العراق عبدالله بن مُطيع يُوصيه به، فكان يختلف إلى ابن مُطيع، ثم أخذ يُعيب في الباطن ابن الزبير ويُثني على ابن الحنفيّة، ويدعو إليه، ويُحرِّض أهل الكوفة على ابن مُطيع، ويكذب وينافق، فراج أمرُه واستغوى طائفة، وصار له شيعةٌ، إلى أن خافه ابن مُطيع، وهَرب منه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. سنة اثنتين وستين توفي فيها بُرَيدة بن الخُصَيب، وعبد المطّلب بن ربيعة بن الحارث الهاشمي، ومَسْلَمة بن مُخْلَّد، وأبو مُسلم الخَوْلاني الدَّاراني الزَّاهد، وعَلْقمة بن قَيس النَّخعي الفقيه . وفيها استعمل عُبيدُ الله بن زياد أميرُ العراق على السند(١) المنذِر بن الجارود العَبْدي، ولأبيه الجارود بن عَمرو صُحبة. وكان المنذر من وجوه أهل البصرة من أصحاب عليّ، قتله الحجاج. (١) في تاريخ خليفة: ((ولى عُبيدالله بن زياد المنذر بن الجارود ثغرَ قَتْدابيل)) وقندابيل مدينة بالسند كما في مراصد الإطلاع ٣/ ١١٢٥ . ٥٨٤ وفيها غزا سَلْم بن أحوز(١) خوارزم فصالَحوه على مال، ثم عبر إلى سمرقند، فنازَلَها، فصالحوه أيضًا . وفيها نقض أهل كابل، وأخذوا أبا عبيدة بن زياد بن أبي سفيان بن حَرْب أسيرًا، فسار أخوه يزيد في جيش، فهَجَم عليهم، فقاتلوه، فقُتل يزيد، وقُتل معه زيد بن جُدعان التَّيْمِي والد عليّ بن زيد، وصِلة بن أشيم العَدَوي، وولداه(٢)، وعمرو بن قثم(٣)، وبُدَيل بن نُعيم العَدوي، وعُثمان ابن آدم العُذْوي (٤)، في رجال من أهل الصِّدق. قاله خليفة (٥) . وأقام الموسم للناس عُثمان بن محمد بن أبي سُفيان بن حرب . سنة ثلاث وستين فيها توفي ربيعةُ بن كَعب الأسلمي، ومَسروق بن الأجدع. وفيها وقعة الحَرَّة على باب طَيْبة، واستُشهد فيها خَلْقٌ وجماعةٌ من الصَّحابة . وفيها بعث سَلْمُ بن زياد ابن أبيه طَلْحة بن عبد الله الخُزاعي واليًا على سِجْستان، فأمره أن يَفْدي أخاه من الأسر، ففَداه بخمس مئة ألف، وأقدمه على أخيه، وأقام طَلْحة بسِجستان. وفيها غزا عُقبة بن نافع من القَيروان، فسار حتى أتى السُّوسَ الأقصى، وِغَنم وسَلم، وردّ فلقيه كُسَيْلة وكان نصرانيًا، فالتقيا، فاستُشهد في الوقعة عُقبة بن نافع، وأبو المُهاجر دينار مولى الأنصار، وعامَّة أصحابهما. ثم سار كُسَيْلة الكلب، فسار لحربه زُهير بن قيس البَلَوي خَليفة عُقبة على القَيروان، فقُتل في الوقعة كُسَيْلة، وهُزم جنوده، وقُتلت منهم مَقْتلةٌ كبيرة. قصة الحرة : قال جُويرية بن أسماء: سمعتُ أشياخنا يقولون: وفَدَ إلى يزيد عبدُالله (١) في تاريخ خليفة: ((سلم بن زياد)). (٢) في تاريخ خليفة: ((وابنه)) . (٣) في تاريخ خليفة: ((عمرو بن قتيبة)). (٤) في تاريخ خليفة: ((العدوي))، وما هنا مجود في النسخ. (٥) تاريخ خليفة ٢٣٥ - ٢٣٦. ٥٨٥ ابن حَنْظلة بن الغسيل الأوسيُّ المدني، وله صُحبة، وفَدَ في ثمانية بنين له فأعطاه يزيد مئة ألف، وأعطى لكل ابن عشرةً آلاف، سوى كِسْوتهم، فلمَّا رَجَع إلى المدينة، قالوا: ما وراءك؟ قال: أتيتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بَنيَّ هؤلاء لجَاهَدْتُهُ بهم، قالوا: إنَّه قد أكْرَمَكَ وأعطاك، قال: نعم، وما قبلت ذلك منه إلا لأتقوَّى به عليه، ثم حَضَّ الناسَ فبايعوه. وقال خليفة بن خياط (١): قال أبو اليَقْظان: دَعوا إلى الرِّضا والشُّورى، وأمَّروا على قريش عبدالله بن مُطيع العَدَوي، وعلى الأنصار عبدالله بن حَنظلة، وعلى قبائل المُهاجرين مَعْقِل بن سِنان الأشجعي، وأخرجوا من بالمَدينةِ مِن بني أميّة . وقال غيره: خَلَعوا يزيد، فأرسل إليهم جيشًا عليه مُسلم بن عُقْبة، وأرسل أهل المدينة إلى مياه الطَّريق، فصَبُّوا في كلِّ ماء زِقَ فَطِران وغوَّروه، فأرسلَ الله السماء عليهم، فما استقوا بدَلْوٍ . وجاء من غير وجهٍ أن يزيد لما بلغه وثوبُ أَهل المدينة بعامِله وأهل بيته، ونَفْيهم، جَهَّز لحَرْبهم مُسلم بنِ عُقبةِ المُرِّي، وهو شيخٌ، وكانت به النوطة، وجَهَّز معه جَيْشًا كثيفًا، فكلَّم يزيدُ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في أهلِ المَدينة، وكان عنده، وقال: إنما تقتل بهم نَفْسَك، فقال: أجل أقتُل بهم نفسي واشتفي، ولك عندي واحدة، آمر مُسلمًا أن يتّخذ المدينة طَريقًا، فإن هم لم ينصُبِوا له الحربَ، وتَركوه يمضي إلى ابن الزُبير فقاتله، وإنْ مَنعوه وحاربوه قاتَلَهم، فإن ظَفَرِ بهم قتل من أشرفَ له وأنهبها ثلاثًا، ثم يمضي إلى ابن الزُبير. فكتب عبدُالله بن جعفر إلى أهل المَدينة أن لا تَعرضوا لَجَيْشه، فورد مُسلم بن عُقْبة، فمنعوه ونَصَبوا له الحَرْب، ونالوا من يزيد، فأوقَع بهم وأنهبها ثلاثًا، وسار إلى ابن الزُبير، فمات بالمُشَلَّل(٢)، وعهد إلى حُصين بن نُمَير في أول سنة أربع وستين. وروى محمد بن عَجْلان، عن زيد بن أسلم، قال: دخلَ عبدالله بن مُطيع ليالي الحَرَّة على ابن عُمر، فقال ابن عُمر: سمعتُ النبيَّ ◌ِ﴾ يقول: ((مَن نَزَعِ يدًا من طاعةٍ لم يكن له حُجَّة يوم القيامة، ومن مات مُفارقًا (١) تاريخ خليفة ٢٣٧ . (٢) جبل يُهْبط منه إلى قديد من ناحية البحر. ٥٨٦ للجماعة فإنَّه يموت موتَةً جاهليةً))(١). وقال المَدائني: توجَّه مُسْلم بن عُقبة إلى المَدينة في اثني عشر ألف رجلٍ، ويقال: في اثني عشر ألف فارس، وخمسة عشر ألف راجل، ونادى مُنادي يزيد: سيروا على أخذِ أُعطِياتكم كملاً، ومَعونة أربعين دينارًا لكل رجل. فقال النُّعمان بن بشير ليزيد: وجِّهني أكْفِكَ، قال: لا، ليس لهم إلّ هذا الغَشمة، والله لا أقيلهم بعد إحساني إليهم وعَفوي عنهم مرَّة بعد مرة، فقال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين في عَشيرتك وأنصار رسول الله محلِّ، وقال له عبدالله بن جَعْفر: أرأيت إنْ رجعوا إلى طاعَتِك، أتقبلُ ذلك منهم؟ قال : إن فَعلوا فلا سبيلَ عليهم، يا مُسلم إذا دَخلت المَدينة ولم تُصَدَّ عنها وسَمعوا وأطاعُوا فلا تعرضنَّ لأحدٍ، وامض إلى المُلْحد ابن الزُّبير، وإن صَدُّوك عن المَدينة فادْعُهم ثلاثة أيام، فإن لم يُجيبوا فاستَعِنْ بالله وقاتِلْهم، فستَجِدهم أول النَّهار مَرضى، وآخره صُبْرًا، سيوفهم أبطَحية، فإذا ظَهَرْتَ عليهم، فإن كان بنو أمّيَّة قد قتل منهم أحد فجرد السَّيف واقتل المُقْبل والمُدبر، وأجْهِزْ على الجَريح وانهَبْها ثلاثًا، واستَوصِ بعليّ بن الحُسين، وشاور حُصَين بَن نُمَير، وإن حَدَثَ بك حَدَثٌ، فولْه الجَّيش. وقال جرير بن حازم، عن الحسن، أنَّه ذكِر الحَرَّة فقال: والله ما كادَ ينجو منهم أحدٌ، ولقد قُتل ابنا زينب بنت أم سَلَمة، فأتيتُ بهما فوَضَعْتهما بين يديها، فقالت: والله إنَّ المُصيبة عليَّ فيكما لعَظيمة، وهي في هذا، وأشارت إلى أحدِهما، أعظم منها في هذا، وأشارت إلى الآخر، لأنَّ هذا بسط يَدَه، وأما هذا فقَعد في بيته، فدُخِل عليه فقُتل، فأنا أرجو له. وقال جَرير بن عبد الحميد، عن مُغيرة، قال: أنهب مُسْرف(٢) بن عُقبة المَدينة ثلاثًا، واقتُضَّ فيها ألف عَذراء. قال يزيد بن الهاد، عن أبي بكر بن المُنْكدر، عن عطاء بن يسار، عن السَّائب بن خَلَّد، أنَّه سمع رسولَ الله ◌ِلّه يقول: ((مَن أخاف أهل المدينة أخافه الله، وعليه لَعْنة الله والملائكة والناسُ أجْمَعين)). رواه مسلم بن أبي (١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٢/ ٧٠ و٩٣ و٩٧ و١٢٣ و١٣٣. وأخرجه مسلم ٦ / ٢٢ من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه، به . (٢) هو مسلم بن عقبة، وقد سُمي ((مسوفًا» بعد وقعة الحرّة. ٥٨٧ مريم، وعبدالله بن عبدالرّحمن بن أبي صَعْصَعة، عن عطاء، عن السائب(١)، وخالَفهم موسى بن عُقبة، عن عطاء، فقال: عن عُبادة بن الصَّامت، والأول أصخُ. وقال جُوْيريةُ بن أسماء: سمعتُ أشياخنا من أهل المَدينة يتحدَّثونَ قالوا: خَرَجَ أهلُ المدينة يومِ الحَرَّةِ بجُموع كثيرة، وهيئة لم يُر مثلها، فلما رآهم أهلُ الشام كَرِهوا قتالَهم، فأمر مسلم بن عُقبة بسريره، فوُضع بين الصفّين، ثم أمر مِناديه: قاتِلُوا عنِّي أَوْ دَعوا، فشدَّ الناسُ في قتالهم، فسمعوا التكبير خَلْفهم من المدينة، وأُقْحِم عليهم بنو حارثة وهِم على الحَرَّة فانهزم الناسُ، وعبدالله بن حَنْظَلة متسانِدٌ إلى بعضٍ بنيه يَغطّ نومًا، فَتَّبِهه ابنه، فلمَّا رأى ما جَرَى أمرَ أكبر بنيه، فقاتلَ حتى قُتل، ثمٍ لم يزَل يُقدِّمهم واحدًا واحدًا، حتى أتى على آخرهم، ثم كُسر جَفن(٢) سَيفه، فقاتل حتى قُتل . وقال وُهَيْب بن خالد: حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، قال: قيل لعبد الله بن زيد يوم الحَرَّة: ها ذاك ابن حَنْظلة يُبايع الناس على المَوت، فقال: لا أبايع عليه أحدًا بعد رسول الله قال﴾. إسناده صحيح (٣). وقال الواقدي: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن صالح بن أبي حَسَّان. وأخبرنا إسماعيل بن إبراهيم المَخْزومي، عن أبيه. وحدثنا سعيد بن محمد ابن عمرو بن يحيى، عن عبَّادٍ بن تميم، كُلٌّ قد حدَّثني، قالوا: لما وَثب أهلُ الحَزَّة، وأخرجوا بني أُمية عن المدينة، واجتمعوا على عبدالله بن حَنْظلة، وبايعهم على الموت، قال: يا قوم اتَّقوا الله، فوالله ما خَرَجنا على يزيد حتى خِفْنا أن نُرمى بالحِجارة من السَّماء، إن رجُلاً ينكحُ أمهات الأولاد والبنات والأخوات ويشرب الخمرَ ويدعُ الصَّلاة، قال: فكان ابن حَنْظلة يبيتُ تلك اللَّيالي في المسجد، وما يزيد على أن يشربَ، يُفْطر على شُربة سَويق ويصومُ الدهر، وما رُؤي رافعًا رأسه إلى السَّماء أحيانًا، فلمّا قرب القوم خَطب عبدُالله بن حَنظلة أصحابه، وحَرَّضهم على القتال، وأمرهُم (١) أخرجه أحمد ٤/ ٥٥ و٥٦، والنسائي (٤٢٦٥) من هذا الطريق. (٢) هو غمد السيف . (٣) أخرجه أحمد ٤/ ٤١ من هذا الطريق. وأخرجه البخاري ٤ / ٦١ و٥ / ١٥٩، ومسلم ٦/ ٢٧ من طريق عمرو بن يحيى، عن عباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد، به . ٥٨٨ بالصَّدق فِي اللّقاء، وقال: اللهم إنَّا بك واثقون، فصبَّح القوم المدينة، فقاتل أهلُ المدينة قتالاً شَديدًا حتى كثُر أهلُ الشام، ودُّخلت المدينةُ من النَّواحِي كُلُّها، وابن حَنْظلة يَحضُّ أصحابهُ على القتال. وقُتل الناس، فما ترى إلا رايةَ عبدالله بن حَنْظلةَ يمشي بها مع عصابةٍ من أصحابه، فقال المولى له: احم لي ظهري حتى أصلِّيّ الظّهر، فلمَّا صلَّى قال له مَولاه: ما بقي أحدٌ، فَعَلامَ تُقيم ولواؤهُ قائمٌ مَا حَوله خمسة، فقال: ويحكَ، إنَّما خَرَجنا على أن نَموت، قال: وأهل المدينة كالنِّعام الشَّرُود، وأهل الشَّام يَقتُلون فيهم، فلمَّا هُزم الناس طَرح الدِّرع، وقاتلهم حاسِرًا حتى قَتَلوه، فوقف عليه مَروان وهو ماذٌّ إصبعه السَّبَّابة، فقال: أما والله لئن نصبْتَها مَيْتًا لطالما نصبتَها حيًّا (١). وقال مبارك بن فَضالة، عن أبي هارون العَبْدي، قال: رأيتُ أبا سعيد الخُذْريَّ ممعَّط اللحية، فقلت: تَعْبَث بِلِحْيتك، فقال: لا، هذا ما لقيت من ظَلَمة أهل الشَّام يوم الحَرَّة، دخلوا عليَّ زمن الحَرَّة فأخذوا ما في البيت، ثم دخلت عليَّ طائفة، فلم يجدوا في البيت شيئًا، فأسِفوا وقالوا: أضْجِعوا الشيخ، فأضْجَعوني، فجعل كلُّ واحد منهم يأخذُ من لَحيتي خُصْلة . وعن بعضهم قالوا: ودخلوا المدينة ونَهَبوا وأفسدوا، واستحلُّوا الحُرمة . قال خليفة(٢): فجميع مَن أُصيب من قريش والأنصار يوم الحَرَّة ثلاث مئة وستة رِجال، ثم سَرَد أسماءهم في ثلاثة أوراق، قال: وكانت الوقعة لثلاثٍ بَقينَ من ذي الحجّة . الواقدي: حدَّثني أبو بكر بن أبي سَبرة، عن يحيى بن شِيلٍ، عن أبي جَعفر، أنَّه سأله عن يوم الحرّة: هل خَرج فيها أحدٌ من بني عبد المطّلب؟ قال: لا، لِزِموا بيوتهم، فلمَّا قَدِم مُسرف وقتل الناس، سأل عن أبي، أحاضِرٌ هو؟ قيل: نعم، قال: ما لي لا أراه، فبلغ ذلك أبي، فجاءه ومعه ابنا محمد ابن الحنفية، فرحَّب بأبي، وأوسع له على سريره، وقال: كيف كنت؟ إنَّ أمير المؤمنين أوصاني بك خيرًا، فقال: وَصَلَ الله تعالى أميرَ المؤمنين، ثم سأله عن عبدالله والحسن ابني محمد، فقال: هُما ابنا عمِّي، فرحَّب بهما . (١) طبقات ابن سعد ٥ / ٦٦ - ٦٨. (٢) تاريخ خليفة ٢٤٠ - ٢٥١. ٥٨٩ قلت: فممن أصيب يومئذ: أميرُهم عبدالله بن حَنْظلة، وبنوه، وعبدالله بن زيد بن عاصِم الأنصاري الذي حكى وضوءَ رسول الله ◌ِله ومَعْقِلُ بن سنان الأشجعي، حامل لواء قومه يوم الفَتْح، وواسِع بن حبَّان الانصاري، مُختلف في صُحبته، وكثير بن أفلح مولى أبي أيوب الأنصاري، أحدٌ من نسخ المَصاحف التي سيَّرها عثمانِ رضي الله عنه إلى الأمصار، وأبوه أفلح، ومحمد بن أبي الجَهْم بن حُذيفة العدوي، ومحمد بن أبي حُذيفة، قُتلا مع مَعقِل الأشجعي صَبرًا. وممَّن قُتل يومئذ: سعد، وسُليمان، ويحيى، وإسماعيل، وسَليط، وعبدالرحمن، وعبدالله بنو زيد بن ثابت الصلبه. قاله محمد بن سعد(١). وممَّن قُتل يوم الحَرَّة: إبراهيم بن نُعيم النَّخَّام بن عبدالله بن أسيد القُرشي العَدَوي. قال ابن سعد(٢): كان ابن النَّخَامِ أحدَ الرُّؤوس يوم الحَرَّة، وقُتل يومئذ، وكان زَوجَ رُقَيَّة ابنة عمر بن الخطّاب. وُقتل يومئذ عبدالرحمن بن حويطبٍ بن عبدالعزى القرشي العامري(٣). وقُتل يوم الحَرَّة أيضًا محمد بن أُبيِّ بن كَعْب، وعبد الرّحمن بن أبي قتادة، ويزيد ووَهْب ابنا عبدالله بن زَمَعة، ويعقوب بن طَلْحة بن عبيد الله التَّيمِي، وأبو حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري القارىء الذي أقامه عُمر يُصلِّي بالناس التّراويح، وقد روى عن أبي بكر وعمر، وروى عنه سعيد المَقْبري، ونافع مولى ابن عمر (٤). ومنهم عِمْران بن أبي أنس، توفي النبيُّمَ﴾. وله ستُّ سنين، والفضل ابن عبّاس بن ربيعة بن الحارث بن عبدالمطّلب، ويزيدُ بن عبدالرَّحمن بن عوف الزّهِري، ومحمد بن عَمْرو بن حَزْم الأنصاري، ومحمد بن ثابت بن قیس بن شمَّاس. قال عوَانة بن الحَكم: أتى مُسلم بن عُقبة بيزيد بن عبدالله بن زَمْعة بن (١) طبقات ابن سعد ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٥، وذكر ابن سعد أن زيد بن زيد بن ثابت ممن قتل يوم الحرة أيضًا . (٢) الطبقات الكبرى ٥/ ١٧١ . (٣) طبقات ابن سعد ٥ / ١٧٢ . (٤) وهو من رجال التهذيب ٢٨/ ١١٧. ٥٩٠ الأسود الأسدي، فقال: بايعْ على كتابِ الله وسُنَّة نبيِّه، فامتنع، فأمر به مسلم فقُتل. وقال جُويرية: دخلٍ مسلم بن عُقْبة المدينة، ودعا الناس إلى البيعةِ، على أنهم خَوَلٌ ليزيد، يحكم في أهلهم ودمائهم وأموالهم ما شاءَ، حتى أُتي بابن عبدالله بن زَمْعة، وكان صديقًا ليزيد وصفيًا له، فقال: بل أبايعك على أني ابن عمّ أمير المؤمنين، يحكم في دمي وأهلي، فقال: اضربا عُنقه، فوثب مروان بن الحكم فضمَّه إليه، فقال مُسلم: والله لا أُقيلهُ أبدًا، وقال: إِنْ تَنخَّى مَروان وإلا فاقتُلوهما معًا، فتركه مروان، فضربت عنقه. وقُتِل يومئذٍ أيضًا صَبرًا أبو بكر بن عبدالله بن عُمر بن الخطّاب، وأبو بكر بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالِب، ويعقوب بن طَلْحة بن عُبيد الله. وجاء أنَّ مَعْقِل بن سنان، ومحمد بن أبي الجَهُم كانا في قصر العَرَصة، فأنزلهما مسلم بالأمان، ثم قَتَلهما، وقال لمحمد: أنت الوافد على أمير المؤمنين، فوَصَلَكَ وأحسن جائزتك، ثم رجعتَ تشهد عليه بالشُّرْب. وقيل: بل قال له: تُبايع أميرَ المؤمنين على أنك عبدٌ قَنٍّ، إن شاء أعتَقَك، وإن شاء استَرقَّك، قال: بل أُبايع على أنِّي ابن عَمِّ كريم، فقال: اضربوا عُنقه. ورُوي عن مالك بن أنس، قال: قُتِلَ يومِ الحرّة من حَمَلةِ القرآن سبع مئة . قلت: ولمَّا فعل يزيد بأهل المَدينة ما فَعل، وقَتل الحُسين وإخوته وآله، وشَرب يزيد الخَمر، وارتكب أشياء مُنكرةً، بغضه النَّاس، وخرج عليه غیرُ واحد، ولم يُبارك الله في عُمره، فخرج عليه أبو بلال مِرْداس بن أُدَيَّةَ الحَنْظَلي. قال ثابت البناني: فوجّه عبيد الله بن زياد جيشًا لحَرْبه، فيهم عبد الله بن رَباح الأنصاري، فقتله أبو بلال. وقال غيره: وجَّه عُبيد الله بن زياد أيضًا عَبَّاد بن أخضر في أربعة آلاف فقاتلوا أبا بلال في سواد مَيْسان، ثم قُتل عبَّاد غيلةً. وقال يونس بن عُبَيد: خرج أبو بلال أحدُ بني ربيعة بن حَنْظلة في أربعين رجلاً، فلم يُقاتل أحدًا ولم يَعْرض للسَّبيل، ولاسأل، حتى نفد زادُهم ونَفقاتهم، حتى صاروا يَسْألون، فبعثَ عُبيد الله لقتالهم جَيْشًا، عليهم عبدالله بن حِصْنَ الثَّعلبي، فهُزمزا وقتلوا أصحابهُ، ثم بعث عليهم عبَّاد بن أخضر، فقتلهم أجمعين. ٥٩١ وروى غسَّان بن مُضَر، عن سعيد بن يزيد، قال: خَرجَ أبو بلال من البَصرة في أربعين رجلاً، فلمٍ يقاتلوا، فحدَّثني من كان في قافلةٍ، قال: جاؤونا يقوِدونَ خيولهم، فتكلّم أبو بلال، فقال: قد رأيتُم ما كان يُؤتى إلينا، ولعلَّنا لو صَبرنا لكانَ خيرًا لنا، وقد أصابتنا خَصَاصَة، فتصدَّقوا، إنَّ الله يَجزي المُتصدِّقين، قال: فجاءه التجَّار بالبدَر، فوَضَعُوها بين يديه، فقال: لا، إلا درهمين لكلِّ رجل، فلعلَّنا لا نأكُلَها حتى نُقتل، فأخذ ثمانين درهمًا لهم، قال: فسار إليهم جُنْدٌ فقَتَلوهم. وقال عَوْف الأعرابي: كان أبو بلال صَديقًا لأبي العالية، فلمَّا بلغ أبا العالية خُروجه، أتاه فكلّمه فما نفع. وقال ابن عُيَيْنَة: كان أبو بلال يَلْبس سِلاحه في اللَّيل، ويركَب فَرسه فيرفع رأسه إلى السَّماء ويقول: إِنِّي وزنتُ الذي يبقى لأعدِله ما ليسَ يَبقى فَلا والله ما اتَّزنا خوفُ الإله وتقوى الله أخرَجني وبيعُ نفسي بما ليست له ثَمَنَا وخرج نافع بن الأزرق في آخر خلافة يزيد، فاعترَضَ الناس، فانتدب له أهل البَصرة مع مُسلمٍ بن عُبَيس العُبْشَمي القُرشي، فقُتلا كلاهما. قال معاوية بن قُرَّة: خرجت مع أبي في جَيْش ابن عُبَيَس، فلقيناهُم بُدُولاب(١)، فقتل منا خمسة أمراء. وقال غيره: قُتل في الوقعة قُرَّة بن إياس المُزَني أبو معاوية، وله صحبة ورواية . وقال أبو اليَقْظان: قَتَلَ ربيعة السَّلِيطي مسلم بن عُبيس فارسَ أهلِ البصرة، ولما قُتل ابنُ الأزرق رأست الخُوارج عليهم عبدالله بن ماحوز، فسارَ بهم إلى المدائن. ولما قُتل مَسعود المعني غلبوا على الأهواز وِجَبوا المال، وأتتهم الأمداد من اليَمامة والبحرين، وخرج طَوَّاف بن المُعلَّى السَّدوسيُّ في نفرٍ من العرب، فخَرج في يوم عيدٍ، فحَكَّم، قال: لا حُكم إلا لله عند قصر أوسٍ، فرماه الناسُ بالحِجارة، وقاتله ابن زياد ثلاثة أيام، ثم قُتل وتَمزَّق جَمْعُه. (١) قرية بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ. ٥٩٢ سنة أربع وستين توفي فيها ربيعة الجُرَشيُّ في ذي الحِجَّة بمرج راهِط، وشَقيق بن ثور السَّدوسي، والمِسور بن مَخْرَمة، والضَّخَّاك بن قيس الفِهري، ويزيد بن مُعاوية، ومَعن بن يزيد السُّلمي، وابنه ثور، والنعمان بن بشير في آخرها، ومعاوية بن يزيد بن معاوية، والوليد بن عتبة بن أبي سفيان الأموي، والمنذر بن الزُّبير بن العوَّام، ومُصْعب بن عبدالرحمن بن عَوْفٍ، ومَسْعود ابن عمرو الأزْدي، ومُسلم بن عُقْبة. قال محمد بن جرير (١): لما فرغ مُسلم بن عُقبة المُرِّي من الحَرَّة، توجَّه إلى مكة، واستَخْلف على المدينة رَوْح بن زِنْباعِ الجُذَاميُّ، فأدركَ مُسلمًا الموتُ، وعَهِد بالأمر إلى حُصَين بن نُمَير، فقال: انظر يا بَرذعة الحِمار، لا تُرْعِ سَمعَكَ قريشًا، ولا ترُذَّنَّ أهل الشام عن عدوِّهم، ولا تقيمنَّ إلا ثلاثًا حتى تُناجز ابنَ الزبير الفاسِقِ، ثم قال: اللهم إنِّي لم أعمل عملاً قطَّ بعد الشَّهادتين أحبّ إليَّ من قتل أهل المدينة، ولا أرجى عندي منه، ثم مات فقدِم حُصَين على ابن الزبير، وقد بايعه أهلُ الحِجاز، وقدم عليه فلُّ (٢) أهل المَدينة، وقدم عليه نَجدةُ بن عامر الحَنفي الحَرُوريُّ، في أُنَاسِ من الخوارج، فجرَّد أخاه المُنذر لقتال أهل الشام، وكان ممَّن شهد الحَرَّةَ، ثم لَحِقَ به، فقاتَلَهم ساعة، ثم دُعي إلى المُبارزة، فضَرب كلُّ واحد صاحبه، وخرَّ ميتًا. وقاتل مُصعب بن عبدالرّحمنِ حتى قُتل، ثم صابرَهم ابن الزُّبير على القتال إلى اللّيل، ثم حاصروه بمكَّة شهر صَفر، ورموه بالمَنْجَنيق، وكانوا يُوقدون حول الكعبة، فأقبلت شَرَرَةٌ هبَّت بها الرِّيح، فأحرقت الأستار وخَشب السَّقف، سقفِ الكعبة، واحترق قَرْنا الكَبْشِ الذي فُدى به إسماعيل، وكان في السَّقف. قال: فبلغ عبدالله بن الزُّبير وهو مُخْصور موتُ يزيد بن معاوية، فنادى يا أهل الشام؛ إنَّ طاغيتكم قد هَلَك. فغَدَوا يُقاتلون، فقال ابن الزُّبير للحُصين بن نمير: أدْنُ منّي أحدِّثْك، فدنا فحدّثه، (١) تاريخ الطبري ٥/ ٤٩٦ - ٤٩٧ (٢) أي المنهزمين من أهل المدينة. تاريخ الإسلام ٣٨٥/٢ ٥٩٣ فقال: لا نُقاتلك، فائذَنْ لنا نَطُف بالبيت وننصرِفْ، ففعل. وذكر عَوَانة بن الحَكَم، أنَّ الحُصَين سأل ابن الزبير موعدًا باللَّيل، فالتقيا بالأبطَح، فقال له الحُصين: إنَّ يك هذا الرَّجل قد هَلك، فأنت أحقُّ الناس بهذا الأمر، هَلُمَّ نبايعك، ثم اخرج معي إلى الشَّام، فإنَّ هؤلاء هم وجوه أهل الشام وفُرسانُهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وأخذ الحُصين يكلَّمه سرًّا، وابن الزبير يجهر جهرًا، ويقول: لا أفعل، فقال الحُصين: كنت أظنُّ أنَّ لك رأيًا، ألا أراني أكلِّمك سرًّا وتكلَّمني جَهْرًا، وأدعوك إلى الخِلافة وتَعِدُني القتلَ، ثم قام وسار بجيشه، وندم ابنُ الزُّبير فأرسل وراءه يقول: لستُ أسيرُ إلى الشام، إنِّي أكره الخُروج من مكة، ولكن بايعوا لي بالشَّام، فإني عادل عليكم، ثم سار الخُصين، وقلَّ عليهم العَلْفُ، واجتَرَأ على جيشه أهل المَدينة وأهلُ الحجاز، وجعلوا يتخطّفونهم وذلُّوا، وسارَ معهم بنو أميّة من المدينة إلى الشام. وقال غيرُه: سار مُسْرف بن عُقبة وهو مريض من المدينة، حتى إذا صدر عن الأبواء هلك، وأمَّرَ على جيشه حُصَين بن نُمَير الكِنْدي، فقال: قد دعوتكَ، وما أدري أستَخْلِفك على الجيش، أو أقدِّمك فأضْرب عُنقك؟ قال: أصلحكَ الله، سهمُكِ، فارْم بي حيث شئت، قال: إنَّك أعرابيٌّ جِلْفٌ جافٌّ، وإنَّ قريشًا لم يُمكِّنهم رجَلٌ قطَ منِ أذنه إلاغَلبوه على رأيه، فسِرْ بهذا الجيش، فإذا لقيت القوم فاحذر أن تُمكَّنهم من أذنك، لا يكون إلا الوِقاف ثم الثّقَاف ثم الانصرافُ. وقال الواقدي: حدثنا عبدالله بن جعفر، عن أبي عَون، قال: جاء نَعي يزيد ليلاً، وكان أهلُ الشام يودون ابنَ الزُّبير، قال: أبو عَون: فقمت في مَشْربة لنا في دار مَخْرمة بن نوفل، فصُحْتُ بأعلى صوتي: يا أهل الشام، يا أهل النّفاق والشُّؤْم، قد والله الذي لا إله إلا هو مات يزيد، فصاحوا وسَبُّوا وانكسروا، فلمَّا أصبحنا جاء شابٌّ فاستأمنَ، فأمَّاه، فجاء ابن الزُّبير وعبد الله بن صَفْوان وأشياخٌ جُلُوسٌ في الحِجْرِ، والمِسْوِر يموتُ في البيت، فقال الشابُّ: إنكم معشر قريش، إنَّما هذا الأمر أمركُم، والسُّلطان لكم، وإنما خَرَجنا في طاعةِ رَجْل منكم وقد هلك، فإن رأيتم أن تأذنوا لنا فنطُوف ٥٩٤ بالبيت ونَنْصرف إلى بلادنا، حتى يَجْتَمعوا على رجلٍ، فقال ابن الزّبير. لا، ولا كرامة، فقال ابن صَفوان: لِمَ، بلى نفعل ذلك، فدَخلا على المِسْوَرَ فقال: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٤] الآية، قد خرّبوا بيت الله وأخافوا عُوّاده، فأخِفْهُم كما أخافوا عوَّادَه، فتراجعوا، وغُلِب المِسْوَرَ ومات من يومه . قلت: وكان له خمسة أيام قد أصابه من حَجر المَنْجنيق شقفة في خدِّه فهشَّم خذَّه. وروى الواقدي، عن جماعة، أنَّ ابن الزُّبير دعاهُم إلى نفسه، فبايعوه، وأبى عليه ابن عباس وابن الحَنفية، وقالا: حتى تَجْتَمع لك البلادُ وما عندنا خِلاف، فكاشَرهما، ثم أغلظ عليهما كما سيأتي. وقال غيره: لما بَلِغ ابن الزبير موتُ يزيد بايعوه بالخلافة، لما خَطبهم ودعاهم إلى نفسه، وكان قبل ذلك إنما يدعو إلى الشُّورى، فبايعوه في رجب . ولما هلك يزيد بويع بعده ابنه معاوية بن يزيد، فبقي في الخِلافة أربعين يومًا، وقيل: شهرين أو أكثر متمرِّضًا، والضَّخَّاك بن قيس يصلِّي بالنَّاس، فلما احتُضر قيل له: ألا تَسْتَخلف؟. فأبى، وقال: ما أصبت من حَلاوتِها، فَلِمَ أتحمَّل مَرارتها، وكان لم يغيِّر أحدًا من عُمَّال أبيه. وكان شابًّا صالحًا، أبيض جميلاً وسيمًا، عاش إحدى وعشرين سنة، وصلَّى عليه عُثمان بنِ عَنْبسة بن أبي سفيان، فأرادَت بنو أميَّة عُثمان هذا على الخِلافة، فامتنع ولَحِق بخاله عبدالله بن الزُّبیر . وقال حُصين بن نُمَير لمروان بن الحكم عند موت معاوية: أقيموا أمركُم قبل أن يدخل عليكُم شامَكُم، فتكونَ فتنةٌ، فكان رأي مروان أن يرد إلى ابن الزُّبير فيُبايعه، فقَدِم عليه عُبيدالله بن زياد هاربًا من العراق، وكان عندما بلغهُ موت يزيد خطب الناس، ونعى إليهم يزيد، وقال: اختاروا لأنفسكم أميرًا، فقالوا: نختارُك حتى يستقيمَ أمرُ النَّاس، فوضع الدِّيوان وبذل العطاء، فخَرج عليه سَلَمَة الرِّياحيُّ بناحية البَصرة، فدعا إلى ابن الُّبیر، فمال الناس إليه. ٥٩٥ وقال سعيد بن يزيد الأزْدي: قال عُبيدالله لأهل البَصرة: اختاروا لأنفسُكم، قالوا: نختارُك، فبايعوه، وقالوا: أخْرِجْ لنا إخواننا، وكان قد ملأ السُّجون من الخوارج، فقال: لا تَفْعلوا فإنَّهم يُفسدون عليكم، فأبوا عليه فأخْرجهم، فجَعلوا يُبايعونه، فما تتامَّ آخرُهم حتى أغلَظوا له، ثم خَرجوا في ناحية بني تميم . وروى جَرير بن حازم، عن عمِّه، أنَّهم خرجوا فجعلوا يمسَحُون أيديهم بجُدُر باب الإمارة، ويقولون: هذه بيعةُ ابن مَرْجانة، واجترأ عليه الناس حتى نَهبوا خَيله من مَرْیطه . وقال غيره: فهَرب بالليل، فاستَجار بمَسعود بن عمرو رَئيس الأزد فأجاره. ثم إنَّ أهل البصرة بايعوا عبدالله بن الحارث بن نَوْفل الهاشمي بَّهِ، ورَضوا به أميرًا عليهم، واجتمَع النَّاس لتتمة البيعة، فوثَبتِ الحرُوريَّة على مَسعود بن عَمرو فقتلوه وهرب الناس، وتفاقم الشرّ، وافترقَ الجيش فرقتين، وكانوا نحوًا من خمسين ألفًا، فاقتتلوا ثلاثة أيام، فكان على الخوارج نافع بن الأزرق. وقال الزُّبير بن الخِرِّيت، عن أبي لَبيد: إنَّ مَسْعودًا جهّز مع عبيد الله ابن زياد مئة من الأزد، فأقدموه الشام. وروى ابنُ الخِرِّبت، عن أبي لَبيد، عن الحارث بن قيس الجَهْضَمي قال: قال ابن زياد: إني لأعرف سوء رأي كان في قومك، قال الحارث: فوقفتُ عليه فأردفتُه على بغلتي، وذلك ليلاً، وأخذتُ به على بني سُليم، فقال، مَن هؤلاء؟ قلت: بنو سُليم، قال: سَلِمْنا إن شاء الله، ثم مررنا على بني ناجية وهم جلوس معهم السِّلاح، فقالوا: من ذا؟ قلت: الحارث بن قيس، قالو: امضٍ راشدًا، فقال رجل: هذا والله ابن مرجانة خلفه، فرماه بسهم، فوضعه في كُور عمامته، فقال: يا أبا محمد مَن هؤلاء؟ قلت: الذين كنت تزعم أنَّهم من قُريش، هؤلاء بنو ناجية، فقال: نَجونا إن شاء الله، ثم قال: إنك قد أحسَنت وأجمَلت، فهل تصنعُ ما أشيرُ به عليك، قد عرفت حال مسعود بن عَمرو وشرفه وسنِّه، وطاعة قومه له، فهل لك أن تَذْهب بي إليه، فأكون في دارهِ، فهي أوسط الأزد دارًا، فإنك إن لم تفعل تَصدَّع ٥٩٦ عليك أمر قومك. قلت: نعم، فانطلقت به، فما شعرَ مسعود وهو جالس يُوقد له بقَضيب على لَبِنة، وهو يُعالج أحد خُفَّيهِ بخلعه، فعَرَفَنَا فقال: إنه قد كان يتعوَّذ من طوارق السُّوء، فقلت له: أفَتُخْرِجه بعدما دخل عليك بيتك؟ فأمره، فدخل بيت ابنه عبدالغافِر، ورَكِب معي في جماعة منِ قَومه، وطاف في الأزد، فقال: إنَّ ابن زياد قد فُقد، وإنَّا لا نأمنُ أن نُلطّخ به، فأصبحَتْ الأزدُ في السّلاح، وأصبح الناس قد فقدوا ابن زياد، فقالوا: أين توجّه، ما هو إلا في الأزد؟ قال خليفة(١): قال أبو اليقظان: فسار مسعود وأصحابه يُريدون دار الإمارة، ودخلوا المَسجد وقتلوا قصَّارًا كان في ناحية المَسجد، ونهبوا دار امرأةٍ، وبعث الأحنفُ حين علم بذلك إلى بني تَميم، فجاءوا، ودخلت الأساورة المسجدَ فرموا بالنشَّاب، فيقال: إنهم فقأوا عين أربعين نفسًا. وجاء رجل من بني تميم إلى مَسعود فقَتله، وهَرب مالك بن مُسمع، فلجأ إلى بني عديٍّ، وانهزمَ النَّاس. وقال الزُّبير بن الخِرِّيت، عن أبي ◌َبيد: إن عُبيد الله قدم الشام، وقد بايع أهلُها عبدالله بن الزُبير، ما خلا أهل الجابية ومَن كان من بني أميّة، فبايع هو ومَروان وبنو أميّة خالد بن يزيد بن معاوية، بعد موت أخيه معاوية (٢) في نصف ذي القعدة، ثم ساروا فالتقوا هم والضَّخَّاك بن قيس الفِهْري بمَرج راهِط، فاقتتلوا أيامًا في ذي الحجة، وكان الضَّخَّاك في ستين ألفًا، وكان مَروان في ثلاثة عشر ألفًا، فأقاموا عشرين يومًا يلتقُون في كلِّ يوم. فقال عُبيد الله بن زياد لمَروان: إنَّ الضَّخَّاك في فُرسان قيس، ولِنَ تَنال منهم ما تُريد إلا بمَكيدة، فسَلْهم المُوادعة، وأعدَّ الخيل، فإذا كفُوا عن القتال فادهَمْهم، قال: فمَشت بينهم السُّفراء حتى كفَّ الضَّحَّاك عن القتال، فشدَّ عليهم مَروان في الخيل، فنهضوا للقتال من غير تَعبئة، فقُتل الضَّحَّاك، وقُتل معه طائفة من فرسان قيس، وسُنورد من أخباره في اسمه. (١) تاريخ خليفة ٢٥٨ - ٢٥٩. (٢) هكذا ذكر المصنف، وقال خليفة ٢٥٩: ((فبايعوا مروان بن الحكم ومن بعده لخالد بن يزيد بن معاوية، وذلك للنصف من ذي القعدة)). ٥٩٧ وقال أبو عُبيدة: لمَّا مات يزيد انتقَض أهل الريِّ، فوجَّه إليهم عامرُ ابن مَسعود أميرُ الكوفة محمد بن عمير بن عُطارد الدَّارمي، وكان إصبهبذ(١) الريِّ يومئذ الفَرُخان، فانهزم الفَرُّخان والمُشركون. وفيها ظهرت الخوارج الذين بمصر، ودَعوا إلى عبدالله بن الزُّبير، وكانوا يظُّونه على مَذْهبهم، ولحق به خلقٌ من مصر إلى الحجاز، فبعث ابن الزُّبِيَّر على مصر عبدالرحمن بن جَحْدم الفِهْري، فوثبوا على سعيد الأزدي فاعتزلهم. وأما الكُوفيون، فإنهم بعد هُروب ابن زياد اصطَلَحوا على عامر بن مَسعود الجُمَحي، فأقرَّه ابنُ الزبير. وفيهاِ هَدَم ابن الزُّبير الكَعْبة لما احتَرَقت، وبناها على قواعد إبراهيم الخليل صلَّى الله عليه وعلى نبيّنا للحديث المشهور، وهو في البخاري، ومتنه: أنَّ رسول الله بِيّ: قال: ((يا عائشة، لولا أنَّ قومَك حديثٌ عَهْدُهم بكُفرِ لنقضت الكَعْبة، ولأدخلت الحِجْر في البيتِ، ولجعلت لها بابین، بابًا يدخل الناسُ منه، وبابًا يخرجونَ منه))، وقال: ((إنَّ قريشًا قَصرت بهم النَّفقة، فتركوا من أساس إبراهيم الحِجْر، واقتَصْروا على هذا)، وقال: ((إنَّ قومك عَمِلوا لها بابًا عاليًا، ليُدْخِلوا من أرادوا، ويمنعوا من أرادوا))(٢). فبناه ابنُ الزبير كبيرًا، وألصَق بابه بالأرض. فلما قُتل ابن الزبير وولي الحَجَّاج على مكة أعادَ البيت على ما كان في زمن النبيِّ مَّ، ونقضَ حائِطه من جهة الحِجْر فصغَّره، وأخرج منه الحِجْر، وأخذَ ما فضُل من الحِجارة، فدَّكها في أرض البيت، فعَلَّ بابه، وسدَّ الباب الغَربي. سنة خمس وستين توفي فيها أُسيد بن ظُهَير الأنصاري، وعبدالله بن عمرو بن العاص، ومَروان بن الحَكَم، وسُليمان بن صُرَد، والمُسيَّب بن نَجَبة، ومالك بن هُبيرة السَّكوني، وله صحبة، والتُّعمان بن بشير في أول السنة، وقيل: في آخر سنة أربع، والحارث بن عبد الله الهَمْداني الأعور. (١). هو لقب يطلق على أمراء طبرستان وهذه المناطق. (٢) البخاري ٢/ ١٨٠ و٩ / ١٠٦، وهو عند مسلم أيضًا ٤ / ١٠٠. ٥٩٨ ولمَّا انقَضَت وقعةُ مرج راهِط في أول السَّنة بايع أكثر أهلِ الشام لمروان، فبقي تسعة أشهر، ومَات، وعهد إلى ابنه عبدالملك. وفيها دخل المُهلَّب بن أبي صُفْرة الأزدي خُراسان أميرًا عليها من جهة ابن الزُبير، فكلَّمه أميرُها الحارثُ بن عبدالله بن أبي ربيعة المَخْزومي في قتال الأزارقة والخَوارج، وأشار بذلك الأحنفُ بن قيس، وأمدُّوه بالجيوش، فسار وحارب الأزارقة، أصحاب ابن الأزرق، وصابرهم على القتال حتى كَسَرهم، وقتل منهم أربعة آلاف وثماني مئة. وفيها سار مروان بجيوشه إلى مِصر، وقد كان كاتَبه كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد قاضي مصر، فحاصر جيشُه والي مصرَ لابن الزُّبير، فخندق على البلد، وخرج أهل مصر، وهو اليومُ الذي يُسمُّونه يوم التَّراويح، لأنَّ أهل مصر كانوا ينتابون القتال ويَسْتَريحون، واستحرَّ القَتْل فيِ المَعافر فقُتل منهم خلق، وقُتل يومئذ عبدالله بن يزيد بن مَعْدي کرِب الكَلاعي أحدُ الأشراف، ثم صالحوا مَروان، فكتب لهم كتابًا بيده، وتفرّق الناس وأخذوا في دفن قَتْلاهم وفي البُكاء. ثم تَجهَّز والي مصر عبدُالرَّحمن ابن جَحْدم وأسرع إلى ابن الزبير، وضرب مروان عنق ثمانين رجلاً تخلفوا عن مُبايعته وضرب عنق الأَكَيدر بن حُمام اللَّخمي سيِّد لَخْم وشَيخِها في هذه الأيام، وكان من قتلة عثمان رضي الله عنه، وذلك في نصف جُمادى الآخرة، يوم مات عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، وما قَدروا يخرجون بجنازة عبدالله، فدفنوه بداره. واستولى مروان على مصر، وأقام بها شهرين، ثم استعمل عليها ابنه عبدالعزيز وترك عنده أخاه بشر بن مَروان، وموسى بن نصير وزيرًا، وأوصاه بالمُبالغة في الإحسان إلى الإكابر، ورجع إلى الشام. وفيها وَفَد الزُّهري على مَروان، قاله عَنْبسة بن سعيد، عن يونس، عن الزُّهري: وفَدْت على مَرْوان وأنا مُحْتَلم. قلت: وهذا بعيدٌ، وإنما المعروفُ وفادته أولَ شيء على عبدالملك في أواخر إمارته. وفيها وجَّه مَروانٌ حُبَيَشَ بن دُلَجَةَ القَيْني في أربعة آلاف إلى المدينة، ٥٩٩ وقال له: أنت على ما كان عليه مُسلم بن عُقْبة، فسار ومعه عُبيدالله بن الحَكم أخو مَروان، وأبو الحَجَّاج يوسف الثقفي، وابنه الحجّاج وهو شابٌّ، فجهّز مُتولِّي البصرة من جهة ابن الزُّبير عمرُ بن عُبيد الله التَّيْمِي جَيشًا من البصرة، فالتقوا هم وحُبَيش بالرَّبذَة في أول رمضان، فقُتل حُبيشٍ بن دُلَجَة، وعُبيدالله بن الحكم وأكثر ذلك الجيش، وهرب من بقي، فتخطَّفَتهم الأعرابُ، وهرب الحَجّاج رِدْف أبيه. وفيها دعا ابن الزُّبير محمدَ ابن الحَنَفيَّة إلى بَيْعته فأبى عليه، فخَصره في شِعْب بني هاشم في جماعة من بنيه وشيعته وتَوعدهم. وفيها خرج بنو ماحوز بالأهواز وفارس، وتقدَّم عَسْكرهم، فاعترضُوا أهل المَدَائن، فقتلوهُم أجمَع، ثم ساروا إلى أصبهان، وعليها عَتَّاب بن ورقاء الرِّياحي، فقُتل ابن ماحوز وانهزم الخوارج الذين معه، ثم أمَّروا عليهم قَطري بن الفُجَاءة. وأما نَجدة الحَرُوريُّ فإنه قدم في العام الماضي في جموعه من الحَرُوريَّة على ابن الزبير وقاتلوا معه، فلمَّا ذهب أهلُ الشام اجتمعوا بابن الزُّبير وسألوه ما يقول في عثمان؟ فقال: تعالَوا العشيّة حتى أُجيبكم، ثم هيّأ أصحابه بالسِّلاح، فجاءت الخوارج، فقال نافع بن الأزرق لأصحابه: قد خشي الرجل غائِلتكم، ثم دنا منه فقال: يا هذا اتقِ الله وابغض الجائر، وعادِ أولَ مَن سنَّ الضَّلالة، وخالفَ حُكم الكتاب، وإن خالفت فأنت من الذين استَمْتَعوا بخَلاَقِهِم طيِّباتهم في حَياتِهم الدُّنيا. ثم تَكلَّم خَطيبُ القوم عُبيدة بن هِلال، فأبلغ. ثم تكلّم ابن الزُّبير، فقال في آخر مَقالته: أنا وليُّ عُثمان في الدُّنيا والآخرة، قالوا: فبرىء الله منك يا عدوَّ الله، فقال: وبرىء الله منكم يا أعداء الله، فتفرّقوا على مثل هذا، ورحلوا، فأقبلَ نافعُ بن الأزرق الحَنْظلي، وعبدالله بن صَفْوان(١) السَّعدي، وعبدالله بن إباض، وحنظلة بن بَيْهَس، وعبدالله وعبيدالله والزبير بنو الماحُوز اليَرْبوعي، حتى قدِموا البصرة، وانطلق أبو طالُوت وأبو فُدَيْك عبدالله بن ثَور وعطيّة (١) هكذا في النسخ كافة، وفي تاريخ الطبري ٥/ ٥٦٦، وابن الأثير ٤/ ١٦٧ ((عبدالله صفار)) . ٦٠٠