Indexed OCR Text
Pages 121-140
فعوذي بالعزاءِ فإنَّ فيه ثوابُ اللهِ والفضلُ الجزيلُ وقولي في أبيك ولا تَمَلِّي وهل يجزي بفضلٍ أبيك قيلُ فقبر أبيك سيِّدُ كلِّ قَبرِ وفيه سيِّدُ النَّاسَ الرسولُ قيل: إنَّ أبا سفيان حجَّ فحلق رأسه، فقطع الحلَّق تُؤلولاً كان في رأسه، فمرض منه ومات بعد مَقْدمه من الحجِّ بالمدينة، وصلّى عليه عمر . تُوفي بعد أخيه نَوْفل بأربعة أشهر، في قَوْل. صفيّ عمَّ رسول الله وَظله . وشقيقة حمزة، وحجل، والمُقوَّم، وأُمُّهم زُهرية تزوَّجها الحارثُ بن حرب بن أميَّة فتُوفي عنها، وتزوَّجها العوَّام بن خُوَيلد، فولدت له الزَّبير حَوَاريَّ رسول الله، وعبدالكعبة. والصَّحيح أنَّه لم يُسْلم من عمَّاتِ رسول الله بَلَ سواها. وَوَجَدت على أخيها حمزة وَجدًا شديدًا، وصبرت واحتسبت. وكانت يوم الخندق في حصن حسان بن ثابت، قالت: وهو معنا في الحصن مع الذَّرِّية فمرَّ بالحصن يهوديٌّ فجعل يُطيفُّ بالحصنِ والمسلمون في نُحُور عدوهِم، فذكرت الحديث وأنَّا نَزَلَت وقَتَلَت اليهوديَّ بعمودٍ كما تقدم في غَزْوة الخندق . تُوفيت صفيّة سنة عشرين، ودُفنت بالبقيع عن بضع وسبعين سنة . أبو الهيثم بن التيِّهان(١) البَلَويُّ، حليفُ بني عبدالأشهل. كان أحدَ نُقباءِ الأنصار، شهدَ بدرًا والمشاهد كلَّها، وكان من خيارِ الصَّحابة، وهو الذي أضاف النبيَّ ◌َّ في الحديثِ المشهور(٢). واسمه (١) قيده المؤلف بتشديد الياء آخر الحروف، وسيأتي في آخر الترجمة أنه بالتخفيف أيضًا . (٢) وهو حديث أبي هريرة، قال: خرج رسول الله مح لل ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر. فقال: ((ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟)). قالا: الجوعُ يا رسول الله. قال: ((وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما ... )) الحديث، وقد أخرجه مسلم ١١٦/٦ و١١٧، وابن ماجة (٣١٨٠). ١٢١ مالك بن التَّيِّهان بن مالك بن عُبيد البَلَوي القُضاعي حليف بني عبدالأشهل. وقيل: هو أنصاري من أنفسهم، شهدَ العَقَبتين . وقيل: بل تُوفي سنة إحدى وعشرين، وأخطأ من قال: قُتلَ بصِفِّين مع عليٍّ، بل ذاك أخوه عُبيد. والقِّيْهان: بالتخفيف كذا يقوله أهل الحجاز، وشدَّده ابنُ الكلبيِّ. ١٢٢ سنة إحدى وعشرين قيل: فيها فتح عَمْرو بن العاص الإسكندرية. وقد مرَّتْ. وفيها شكا أهلُ الكوفة سعدَ بنَ أبي وقَّاص وتعتَُّّوه، فصرفه عمر وولَّی عمَّار بن ياسر على الصَّلاة، وابنَ مسعودٍ على بيت المال، وعثمانَ بنَ حُنَيْف على مساحة أرض السَّواد. وفيها سار عثمان بن أبي العاص فنزل تَوَّج (١) ومَصَّرَها. وبعث سوار بن المُثَنَّى العبديَّ إلى سابور، فاستُشْهِدَ، فأغار عثمان بن أبي العاص على سِيف البحر والسَّواحل، وبعثَ الجارودَ بن المُعَلَّى فقُتِلَ الجارود أيضاً . عن المُفَضَّل بن فضالة، عن عيَّاش بن عبَّاس القِتْباني، وعن غير واحدٍ أنَّ عَمْراً سار من فلسطين بالجيش من غير أمر عُمَر إلى مصر فافتتحها، فعتب عمرُ عليه إذ لم يُعْلِمْهِ، فكتب يستأذنُ عِمرَ بمناهضةِ أهلِ الإسكندرية، فسار عَمْرو في سنة إحدى وعشرين، وخلّف على الفُسْطَاط خارجة بنَ حُذافة العدويّ، فالتقى القبطُ فهزمهم بعد قتالٍ شديد، ثمّ التقاهم عند الكِرْيَوْن(٢) فقاتلوا قتالاً شديداً، ثم انتهى إلى الإسكندرية، فارسلَ إليه المُقَوْقِس يطلبُ الصُّلحَ والهدنةَ منه، فأبى عليه، ثم جَدَّ في القتال حتى دخلها بالسيف، وغنم ما فيها من الروم، وجعل فيها عسكراً عليهم عبدالله ابن حُذافة السَّهْميّ، وبعث إلى عمر بالفتح، وبلغ الخبرُ قسطنطين بن هِرَقْل فبعث خَصِيّاً له يقال له منْوِيل في ثلاث مئة مركب حتى دخلوا الإسكندرية، فقتلوا بها المسلمين ونجا مَنْ هرب، ونقض أهلها، فزحف إليها عَمْرو في خمسةَ عشر ألفاً، ونصبَ عليها المجانيق، وجدَّ في القتال حتى فتحها عَنْوَةً، وخرّب جُدُرَها. رُؤَّي عَمْرو يخرّب بيده. رواه حمَّاد بن سَلَمَة، عن أبي عمران، عن عَلْقَمَة . (١) مدينة بفارس قريبة من كازرون. (٢) اسم موضع بالقرب من الإسكندرية بمصر . ١٢٣ نهاوند وقال النَّهَّاس بن قَهْم، عن القاسم بن عَوْف الشَّيْباني، عن السّائب بن الأقرع، قال: زحف للمسلمين زحْفٌ لم يُرَ مثله قط، زحف لهم أهلُ ماه وأهلُ أصبهان وأهل هَمَذان والرّيّ وقُومِس ونهَاوَنْد وأَذْرَبَيْجان، قال: فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فشاور المسلمين، فقال عليٍّ رضي الله عنه: أنت أفضلنا رأياً وأعلمُنا بأهلك. فقال: لأستعملنَّ على النَّاس رجلاً يكون لأوَّل أسِنَّةٍ يلقاها، يا سائب اذهب بكتابي هذا إلى النُّعمان بن مُقَرِّن، فَلْيَسِرْ بِثُلُفَيْ أهل الكوفة، ولْيبعَثْ إلى أهلِ البصرة، وأنتَ على ما أصابوا من غنيمة، فإنَّ قُتِلَ الثُّعمان فحُذَيفة الأميرَ، فإنَّ قتِلَ حُذَيفة فجرير بن عبدالله، فإنْ قُتِلَ ذلك الجيش فلا أراك. وروى عَلْقَمَة بن عبدالله المُزَنيُّ، عن مَعْقِل بن يَسار أنَّ عمر شاور الهُرْمُزان في أصبهان وفارس وأذْرَبَيْجان فأيَّتهنَّ يبدأ، فقال: يا أميرَ المؤمنين أصبهانُ الرأس، وفارس وأذْرَبَيْجان الجناحان، فإنْ قَطَعْتَ أحدَ الجَنَاحَيْن مالَ الرأسُ بالجناح الآخر، وإنْ قَطَعْتَ الرأسَ وقع الجناحان، فدخل عمر المسجد فوجد الثُّعمان بن مُقَرِّن يصلِّي فسَرَّحِه وسرَّح معه الزُّبَيْر ابن العَوَّام، وحُذَيْفَة بن اليَمَان، والمُغِيرَة بن شُعْبَة، وعَمْرو بن مَعْدِي كرِب، والأشعث بن قيس، وعبدالله بن عمر، فسار حتَّى أتى نَهَاوَنْد، فذكر الحَديثَ إلى أنْ قال النُّعْمان لمّا التقى الجَمْعان: إِنْ قُتِلْتُ فلا يَلْوِي عليَّ أحدٌ، وإنّي داعي الله بدعوةٍ فأمِّنُوا. ثمَّ دعا: اللَّهُمَّ ارزُقْني الشَّهَادَةَ بنصر المسلمين والفتْح عليهم، فأمَّن القومُ وحملوا فكان التُّعْمانُ أوَّلَ صريع . وَّروى خليفة(١) بإسنادٍ، قال: التقوا بنَهَاوَنْد يوم الأربعاء فانكشفت مُجَنَّبة المسلمين اليُمْنى شيئاً، ثم التقوا يوم الخميس فثبتت المَيْمَنَةُ وانكشف أهلُ المَيْسَرة، ثم التقوا يومَ الجمعة فأقبل النُّعْمان يخطُبُهم (١) تاريخه ١٤٨ . ١٢٤ ويحُضُّهم على الحملة، ففتح الله عليهم. وقال زياد الأعجم (١): قَدِمَ علينا أبو موسى بكتابِ عمرَ إلى عثمان بن أبي العاص: أمّا بعدُ، فإنِّي قد أمْدَدْتُك بأبي موسى، وَأنتَ الأمير فتطاوَعَا والسَّلام. فلمّا طال حصار إصْطَخْر بعث عثمان بن أبي العاص عدَّة أمراء فأغاروا على الرَّساتيق. وقال ابن جرير(٢) في وقعة نَهَاوَنْد: لمَّا انتهى النُّعْمان إلى نَهَاوَنْد في جيشه طرحوا له حَسَك الحديد، فبعث عيوناً فساروا لا يعلمون، فزجر بعضُهم فَرَسَه وقد دخل في حافره حَسَكةٌ، فلم يبرح، فنزل فإذا الحَسَك، فأقبل بها، وأخبر النُّعْمان، فقال الثُّعْمان: ما تَرَوْن؟ فقالوا: تقهقر حتَّى يروا أنّك هاربٌ فيخرجوا في طلبك، فتأخَّرَ الثُّعْمانُ، وكَنَسَت الأعاجمُ الحَسَك وخرجوا، فعطف عليهم التُّعْمانُ وعبَّأ كتائبه وخطب النَّاس، وقال: إِنْ أُصِبْتُ فعليكم حُذيفة، فإنْ أُصِيبَ فعليكم جرير البَجَليُّ، وإنْ أُصِيب فعليكم قيس بن مكشوحٍ، فوجد المُغيرةُ في نفسه إذا لم يستخلفْه، قال: وخرجت الأعاجمُ وقد شَدُّوا أَنفُسَهم في السلاسل لئلا يفرُّوا، وحملَ عليهم المسلمون، فرُمي النُّعْمانُ بسهمٍ فقُتِل، ولفَّه أخوهِ سُوَيْد بن مُقَرّن في ثوبه وكتم قتْلَه حتّى فتحَ اللهُ عليهم، ودفع الراية إلى حُذَيْفة . وقتل الله ذا الحاجب، يعني مقدِّمَهم، وافتُتِحت نَهَاوَنْد، ولم يكن للأعاجم بعد ذلك جماعة . وبعث عمر السَّائبَ بنَ الأقرع مَوْلى ثقيف - وكان كاتباً حاسباً -، فقال: إنْ فتح اللهُ على النّاس فاقْسِم عليهم فَيْثَهم واعْزِلِ الخُمُسَ. قال السّائب: فإنّي لَأَقْسِمٍ بين النّاس إذ جاءني أعجميٌّ، فقال: أَتُؤَّمِّنَنِي على نفسي وأهلي على أنْ أَدُلَّكَ على كنزٍ يَزْدَجِرْد يكون لك ولصاحبك؟ قلت: نعم، وبعثت معه رجلاً، فأتى بسَفَطَيْن عظَيمين ليس فيهما إلّ الدُّرّ والزَّبَرْجَد واليواقيت، قال: فاحتملتُهما معي، وقدِمْتُ على عمر بهما، فقال: أَدْخِلْهُما بيتَ (١) نفسه ١٥٠. (٢) تاريخ الطبري ١١٥/٤ - ١١٧. ١٢٥ المال، ففعلتُ ورجعت إلى الكوفة سريعاً، فما أدركني رسولُ عمر إلّ بالكوفة، أناخ بعيره على عُرْقُوب بَعِيري، فقال: الْحَقْ بأمير المؤمنين، فرجعتُ حتَّى أتيتُه، فقال: ما لي ولابنٍ أُمِّ السّائب، وما لابنِ أُمِّ السّائب ولي، قلتُ: وما ذاك؟ قال: واللهِ ما هو إلاَّ أَنْ نمتُ، فباتتْ ملائكةٌ تسحبني إلى ذَيْنِك السَّفَطَيْن يشتعلان ناراً يقولون: (لَنَكْوِيَنَّك بهما))، فأقول: ((إِنِّي سأقسِمُهما بين المسلمين))، فَخُذْهُما عنِّي لا أبَالَكَ فَالْحَقُ بهما في أُعْطِية المسلمين وأرزاقهم، قال: فخرجتُ بهما حتى وضَعْتُهما في مسجد الكوفة، وغَشِيني الثُّجَّار، فابتاعهما منّي عَمْرو ابن حُرَيث بألفَيْ ألف دِرْهَم، ثم خرج بهما إلى أرض العجم فباعها بأربعة آلاف ألف، فما زال أكثرَ أهلِ الكوفة مالاً . وفيها سار عَمْرو بن العاص إلى بَرْقَة فافتتحها، وصالحهم على ثلاثة عشر ألف دينار. وفيها صالح أبو هاشم بن عُتْبة بن ربيعة بن عبد شمس على أنطاكية وملقية(١)، وغير ذلك. وأبو هاشم من مسلمةِ الفتح، حسُن إسْلامُه، وله حديثٌ في سُنَن النسائيِّ وغيرها (٢). روى عنه أبو هريرة، وسَمُرَة بن سَهْم. وهو خال معاوية. شهِد فتوحَ الشَّام. وفيها تُوفي : طُلَيحة بن خُويلد بن نَوْفل الأسديُّ رضي الله عنه. أسلم سنة تسع، ثم ارتد وتنبَّ بنَجْدٍ وحارب المسلمين، ثم انهزم ولَحقَ بنواحي دمشقَ عند آل جَفْنَةَ، فلمَّا تُوفي الصِّدِّيق تاب وخرج مُحْرِمًا بالحجِّ، فلمَّا رآه عمر، قال: يا طُليحة لا أحبُّك بعد قتل عُكاشة بن (١) هكذا بخط المؤلف مجودة، ولعلها ((ملقونية)) التي ذكرها ياقوت في معجمه، وقال: ((بلد من بلاد الروم قريب من قونية)) (٦٣٦/٤). (٢) النسائي ٢١٨/٨، وهو عند أحمد ٤٤٤/٣، والترمذي (٢٣٢٧)، وابن ماجة (٤١٠٣). ١٢٦ مِحْصن، وثابت بن أقرم. فقال: يا أمير المؤمنين رجُلين أكرمهما الله بيدي ولم يُهنِّي بأيديهما. ثم حسن إسلامُه وشهد القادسية، وكتب عمر إلى سعد أَنْ شاور طُلَيحةَ في أمر الحربِ ولا تُولِّه شيئًا . وقال ابن سعد: كان طُليحة يُعدُّ بألفِ فارسٍ لشجاعته وشدَّته. وقال غيره: استُشهد طُلَيحة بنَهَاوند(١). سوى ت(٢): خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم القُرشيُّ المخزوميُّ، أبو سُليمان المكِّيُّ سيفُ الله تعالى، كذلك لقبه النبيُّ چ . وأُّه لُبابة أختُ مَيْمونة بنت الحارث الهلاليّة أمّ المؤمنين. شهد غزوة مُؤْتَةً وما بعدها. وله أحاديث؛ روى عنه ابن عباس، وقيس بن أبي حازم، وجُبير بن نُفَير، وأبو وائل، وجماعة. وكان بَطلاً شجاعًا ميمونَ النقيبة، باشر حروبًا كثيرة، ومات على فراشه وهو ابن ستين سنة، ولم يكن في جسده نحو شِيرٍ إلاّ وعليه طابع الشُّهداء رضي الله عنه . وقال جُوَيرية بن أسماء: كان خالد من أمَدِّ النَّاس بَصَرًا . وقال عُرْوة بن الزُبير: لما استُخلف عمر كتب إلى أبي عُبيدة: إنِّي قد ولَّيْتُك وعزلتُ خالدًا. قال خليفة(٣): فَوَلَّى أبو عُبيدة لمَّا افتتح الشامَ خالدًا على دمشق . وقال أبو عُبيدٍ، وإبراهيم بن المنذر، وجماعة: إنَّه تُوفي سنة إحدى وعشرين بحمص، وقال دُحيم وحده: مات بالمدينة . مناقب خالد كثيرة ساقها ابن عساكر(٤)، من أصحِّها ما رواه ابن ابي خالد، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت خالدَ بن الوليد أُتي بسُمٍّ فقال: (١) لخص الترجمة من تاريخ دمشق ١٤٩/٢٥ - ١٧٢. أي: أخرج له أصحاب الكتب سوى الترمذي، فرقمه: (خ م د ن ق). (٢) (٣) لم يرد هذا القول في تاريخ خليفة، وإنما نقله المصنف من تاريخ ابن عساكر. (٤) ومنه لخص المصنف الترجمة ٢١٦/١٦ - ٢٨٢. ١٢٧ ما هذا؟ قالوا: سٌُّ، فقال: ((باسم الله)) وشربه . وروى يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السَّفَر، قال: قالوا لخالد: احْذَرِ الأعاجمَ لا يسقونكَ الُّمَّ، فقال(١): ائتوني به، فأُتيَ به، فاقتحمه، وقالَ: ((باسم الله)) فلم يضرّه شيئًا . وقال الأعمش، عن خَيْئمة، قال: أُتَيَ خالدٌ برجُلِ معه زقُّ خمرٍ، فقال: اللَّهُم اجعله خلاّ، فصار خلّ . جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: وقع بين خالد بن الوليد وعمار كلام، فقال عمار: لقد هممتُ أن لا أكلمك أبدًا. فقال النبيُّ بِّه: يا خالد مالكَ ولعمَّار، رجلٌ من أهل الجنّة قد شهد بدرًا. وقال: يا عمَّار إنَّ خالدًا سيفٌ من سيوف الله على الكفَّار. قال خالد: فما زلت أحبُّ عمَّارًا من يومئذٍ . سُفيان الثَّوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي وائل، قال: بلغ عمرَ أنَّ نِسوةً من نساء بني المُغيرة قد اجتمعن في دارٍ يبكين على خالد بن الوليد، فقال عمر: وما عليهنَّ أنْ يبكين أبا سليمانَ ما لم يكن نقعٌ أو (٢) القلقة وحشيُّ بن حرب بن وحشيٍّ، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ أبا بكر عقد لخالد وقال: إنِّي سمعت رسولَ الله ◌ِّله يقول: ((نِعم عبدالله وأخو العشيرة خالد بن الوليد سيفٌ من سيوف الله سلَّه الله على الكُفَّار والمنافقين)). رواه أحمد في مُسنده(٣) . ع: العلاء بن الحَضْرِمِي، واسم الحَضْرَمي عبدالله بن عباد بن أكبر بن ربيعة بن مقنَّعَ بن حَضْرَموت. حليف بني أُمية، وإلى أخيه تُنْسَب بئر مَيْمون التي بأعلى مكة، في الأصل بخط المصنف: ((فقالوا)) ولعلها زلة قلم. (١) (٢) النقع: الغبار أو رفع الصوت، واللقلقة: الصياح والجلبة عند الموت. (٣) أحمد ٨/١، وإسناده ضعيف، لجهالة حرب بن وحشي. لكن للحديث شواهد تقوية، فمعناه صحيح. ١٢٨ احتفرها في الجاهليّة ميمونُ بن الحَضْرميِّ، ولهما أخوان: عَمرو، وعامر . وكان العلاءُ من فُضلاء الصَّحابة، ولاهُ رسولُ اللهِ مَ لّ ثم أبو بكر وعمرُ البحرين، وقيل: إنَّ عمر ولاَه البصرةَ فماتَ قبل أنْ يصلَ إليها، واستعمل عمر بعد العلاء أبا هريرة على البحرين. له عن النبيِّ مَّ: ((مُكثُ المُهاجر بعد قضاء نُسُكه بمكة ثلاثًا)(١). روى عنه السَّائبُ بن يزيد، وحيَّان الأعرج، وزياد بن حُدَير. وقال منصور بن زاذان، عن ابن سيرين: إنَّ العلاءَ بن الحَضْرميِّ كتب إلى النبيِّ مَ # فبدأ بنفسه . وقال محمد بن إسحاق: كان الحَضْرميُّ حليفَ حرب بن أُميَّةٍ. وقيل له الحَضْرَميِّ لأنه جاء من بلاد حَضْرَ موت. وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: بعث أبو بكر الصِّدِّيق العلاءَ في جيشٍ قِبَلَ البحرين، وكانوا قد ارتدُّوا، فسار إليهم وبينه وبينهم عرض البحر حتى مَشَوا فيه بأرجلهم وقطعوا كذلك في مكانٍ كانت تجري فيه السُّفُن، وهي اليوم تجري فيه، فقاتَلَهم وأظهره اللهُ عليهم وسلّموا ما منعوا من الزَّكاة . أخبرنا إسحاق بن أبي بكر، قال: أخبرنا يوسف بن خليل، قال: أخبرنا محمد بن أبي زيد، قال: أخبرنا محمود، قال: أخبرنا ابن فاذشاه، قال: حدثنا سليمان الطبراني، قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن بسطام، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم صاحب الهَرَوي، قال: حدثنا أبي، عن أبي كعب صاحب الحرير، عن الجُرَيريِّ، عن أبي السَّليل، عن أبي هُريرة قال: لَمَّا بعث النبيُّ بَّهِ العلاءَ بن الحَضْرَميِّ إلى البحرين تبعتُهُ فرأيتُ منه ثلاث خِصَالٍ لا أدري أيَّتهنَّ أعجب: انتهينا إلى شاطىء البحر فقال: ((سَمُّوا واقتحموا))، فسمَّينا واقتحمنا، فعبرنا فما بَلَّ الماءُ إلاَّ أسافِلَ خِفاف أبلنا، فلمَّا قَفَلنا صرنا بعدُ بفَلاةٍ من الأرض، فليس معنا ماءٌ، فشَكَونا إليه، فصلَّى ركعتين، ثم دعا فإذا سحابةٌ مثل التُّرس، ثم أرخت عَزَاليها فَسُقينا (١) أخرجه البخاري ٨٧/٥، ومسلم ١٠٨/٤ و١٠٩، وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي، حديث (٩٤٩). تاريخ الإسلام ٢/ م٩ ١٢٩ واستقينا. ومات بعدما بعثه أبو بكر إلى البحرين لمَّا ارتدَّت ربيعةٌ، فأظفره الله بهم، وأعطوا ما منعوا من الزّكاة، ومات فدفناه في الرمل، فلمَّا سرنا غير بعيدٍ قُلنا يجيء سَبعٌ فيأكله، فرجعنا فلم نره. روى نحوه مُجالد بن سعيد، عن الشَّعبي مُرسلاً بأطْوَل منه . مُجالد، عن الشعبيِّ أنَّ عمِرَ كتبَ إلى العلاء بن الحَضْرَمي - وهو بالبحرين - أنْ سِرْ إلى عُتْبة بن غَزْوان فقد ولَّيتُكَ عَمَلهُ، إنِّي ظننتُ أنَّك أغنى عن المسلمين منه، فماتَ العلاءُ قبل أنْ يصل إلى البصرة. كذا هذا. عن أبي هريرة، قال: بعثني رسولُ الله ◌ِّ إلى البحرين مع العلاء بن الحَضْرَميِّ، وكنت أؤذن له(١). وعن المِسْوَر بن مَخْرَمة أنَّ النبيَّ بََّ بعث العلاءَ بن الحَضْرَميِّ إلى البحرين، ثم عزله بأبان بن سعيد(٢). وذكر ابن سعد (٣) أنَّ أبا بكر استعمل العلاءَ على سَرِيَّةٍ فسبى وغَنم(٤). الجارود العَبْدُّ، سيّد عبدالقيس . هو أبو عَثَّاب، وقيل: أبو غِيَاثٍ، وقيل: أبو المنذر، الجارود بن المُعَلَّى، وقيل: اسمه بِشْر بن حَنَش. ولُقِّبَ جارودًا لكونه أغار على بكر بن وائل فأصابهم وجرّدهم . وَفَد في عبدالقيس سنة عشرٍ من الهجرة- وكانوا نَصَارى - فأسلم الجارود، وفرح النبيُّ وَّ بإسلامه وأكرمه. روى عن النبيِّ بَّ أحاديث. روى عنه عبد الله بن عمرو بن العاص، ومُطَرِّف بن عبداللهِ ابن الشِّخِّير، وزيد بن علي القَمُوصي، وأبو مسلم الجَذْمي، وغيرهم. اختَطّ بالبصرة. (١) طبقات ابن سعد ٣٦٠/٤. (٢) نفسه . (٣) طبقاته ٣٦١/٤ - ٣٦٢. (٤) جله من تهذيب الكمال ٤٨٣/٢٢ - ٤٨٧. ١٣٠ قُتل شهيدًا ببلاد فارس سنة إحدى وعشرين، وقيل: قُتل مع النُّعمان ابن مُقَرِّن(١). ع: التُّعمان بن مُقَرِّن المُزنيُّ، أبو عَمرو، ويقال: أبو حَكيم. من سادة الصَّحابة، كان معه لواء مُزَينة يومَ الفتح. روى عنه ابنه معاوية، ومَعْقل بن يسار، ومسلم بن الهَيْصم، وجُبَير حَية الثقفي. وكان أمير الجيش يوم فتح نَهَاوند فاستُشهد يومئذٍ، ونعاه عمرُ على المنبر وبكى (٢) . (١) ينظر طبقات ابن سعد ٥٥٩/٥ - ٥٦١، والاستيعاب لابن عبدالبر ٢٦٢/١-٢٦٤. (٢) الترجمة من تهذيب الكمال ٤٥٨/٢٩ - ٤٦١. وفي هذا الموضع كتب الصلاح الصفدي بخطه على حاشية الأصل: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك في الميعاد السادس عشر على مؤلفه، فسح الله في مدته)). ١٣١ سنَةٌ اثنتَيْن وعِشرين فيها فُتِحت أذربيْجَان على يد المُغيرة بن شعبة، قاله ابن إسحاق(١)، فيقال: إنَّه صالحهم على ثمان مئة ألف درهم. وقال أبو عُبَيْدة(٢): افتتحها حبيبُ بن مَسْلَمَة الفِهْرِيُّ بأهل الشام عَنْوةً ومعه أهلُ الكوفة، وفيهم حُذَيْفة، فافتتحها بعد قتالٍ شديد. فالله أعلم. وفيها غزا خُذَيْفة مدينةَ الدِّينَوَر فافتتحها عنوةً، وقد كانت فُتِحت لسعد ثم انتقضت . ثم غزا حُذَيْفة ماه سندان فافتتحها عَنْوةً، على خُلْفٍ في ماه، وقيل : افتتحها سعدٌ، فانتقضوا. وقال طارق بن شهاب: غزا أهلُ البصرة ماه فأمدَّهم أهلُ الكوفة، عليهم عمَّارُ بن ياسر، فأرادوا أن يُشْرَكوا في الغنائم، فأبى أهلُ البصرة، ثم كتب إليهم عمر: الغنيمة لمن شهد الوقعة . وقال أبو عُبَيْدة: ثم غزا حُذَيْفة هَمَذَان، فافتتحها عَنْوةً ولم تكن فُتِحَت. وإليها انتهى فتوح حُذَيْفة. وكلُّ هذا في سنة اثنتين. قال: ويقال هَمَذان افتتحها المُغيرة بنُ شُعبة سنة أربع وعشرين، ويقال: افتتحها جرير بن عبدالله بأمر المغيرة. وقال خليفة بن خياط(٣): فيها افتتح عَمْرو بن العاص أطرابُلُسَ المغرب، ويقال: في السنة التي بعدها . وفيها عُزل عمّار عن الكوفة. وفيها افتُتحت جُزجان . وفيها فتحَ سُوَيْد بن مُقَرِّ الرّيَّ، ثم عسكر وسار إلى قُومِس فافتتحها . وفيها أُبيُّ بن كعب، تُوفي في قول الواقدي ومحمد بن عبدالله بن نُمير (١) تاريخ خليفة ١٥١ . (٢) نفسه . تاريخ خليفة ١٥٢ . (٣) ١٣٢ ومحمد بن يحيى الذُّهلي والترمذي، وقد مرَّ سنة تسع عشرة. مِعْضَد بن يزيد الشَّيبانيُّ. استُشهد بأذْرَبِيجان، ولا صُحبة له. ووُلِد فيها يزيد بن معاوية . وقال محمد بن جرير(١): إنَّ عمر أقرَّ على فَرج الباب عبد الرحمن بن ربيعة الباهِليّ وأمره بغزو التُّرْك، فسارٍ بالنَّاس حتى قطع الباب، فقال له شهريران: ما تريد أنْ تصنع؟ قال: أُنَاجِزُهمَ في ديارهم، وبالله إنَّ معي لأقْواماً لو يأذن لنا أميرُنا في الإمعانِ لَبَلَغْتُ بهم السُّدَّ. ولمَّا دخل عبدُالرحمن على الثُّرك حالَ اللهُ بينهم وبين الخروج عليه، وقالوا: ما اجْتَرأ على هذا الأمر إلاّ ومعهم الملائكة تمنعهم من الموت، ثم هربوا وتَحَصَّنُوا، فرجع بالظَّفَرِ والغنيمة. ثم إنَّه غَزَاهم مرَّتين في خلافة عثمان فيَسْلَم ويَغْنَم، ثمّ قاتلهم فاستُشْهد - أعني عبد الرحمن بن ربيعة رحمه الله تعالى - فأخذ أخوه سلمان بن ربيعة الراية، وتحيَّز بالنّاس، قال: فَهُم - يعني التُّرْك - يستسقون بجسد عبدالرحمن حتى الآن. خبر السُّدِّ الوليد: حدثنا سعيد بن بشير، عن قَتَادَة، قال: أخبرني رجُلان، عن أبي بكرة الثَّقفي، أنَّ رجلاً أتى رسولَ الله بَيرٍ فقال: إنِّي قد رأيتُ السُّدَّ، قال: كيف رأيته؟ قال: رأيته كالبُرد المُحَبَّر. رواه سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَة مُرْسلاً، وزاد: طريقة سوداء وطريقة حمراء، قال: قد رأيته، قلتُ: يُرِيدُ حُمْرَةَ النُّحاسِ وسوادَ الحديد. سعيد بن أبيَ عَرُوبة، عن قَتادَة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، يروي ذلك عن النَّبِيِّ ◌ََّ قال: ((إنَّ يأجوج ومأجوج يحفرونه كلَّ يوم، حتى إذا كادوا أنْ يروا شعاعَ الشمس قال الذي عليهم: ارجِعُوا فستحفرونه غداً، فيُعِيدُهُ الله كأشدّ ماكان، حتّى إذا بَلَغَتْ مدَّتُهم حفروا، حتى إذا كادوا أن يروا الشمسَ قال الذي عليهم: ارجِعُوا فستحفرونه إنْ شاء الله غداً، (١) تاريخ الطبري ٤ /١٥٥. ١٣٣ فيعودون إليه كهيئته حين تركوه فيحفرونه، فيخرجون على النَّاس، ويتحصَّنُ النَّاسُ منهم في حصونهم، فَيَرْمُون بسهامهم إلى السماء فترجع فيها كهيئة الدماء، فيقولون: قهرنا أهلَ الأرض وعَلَوْنا أهلَ السماء، فيبعث الله نَغَفاً (١) فيقتلهم بها))(٢) . ذكر ابنُ جرير في ((تاريخه))(٣) من حديث عَمْرو بن مَعْدِي کرِب عن مطر ابن بلج التميمي، قال: دخلتُ على عبدالرحمن بن ربيعة بالباب وشهريران عنده، فأقبل رجلٌ عليه شُحُوبةٌ حتى دخلَ على عبدالرحمن فجلس إلى شهريران، وكان على مطر قَباءُ بُرْد يمنيّ أرضُه حمراء ووشْيُه أسود. فتساءلا، ثم إنَّ شهريران، قال: أيّها الأمير أتدري من أينَ جاء هذا الرجلُ؟ هذا رجل بعثتُه نحو السّدِّ منذ سنتين ينظر ما حاله ومَن دونه، وزوَّدْتُه مالاً عظيماً، وكتبتُ له إلى مَنْ يَليني وأهديتُ له، وسألتُه أن يكتب له إلى مَن وراءه، وزوَّدتُه لكلِّ مَلِك هديّة، ففعل ذلك بكلِّ مَلِكِ بينه وبينه، حتّى انتهى إلى ذلك السّدّ في ظهره، فكُتِبَ له إلى عامله على ذلك البلد فأتاه، فبعث معه بازِيارَه(٤) ومعه عُقابه وأعطاه حريرة، فلما انتهينا إذا جبلان، بينهما سُدٌّ مسدود حتى ارتفع على الجبلين، وإنَّ دون السُّدّ خندقاً أشدّ سواداً من اللّيل لِبُعْده، فنظرت إلى ذلك كلّه وتفرَّسْتُ فيه، ثم ذهبتُ لأنصرف، فقال لي البازيار: على رِسْلكَ أكافئك لأنّه لا يَلِي ملِكٌ بعد ملِكٍ إلاّ تقرَّبَ إلى الله بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به هذا اللهب، قال: فشرّح بضعة لحمٍ معه وألقاها في ذلك الهواء، وانقضَّتْ عليها العُقاب، وقال: إنْ أدركَتْهَا قبل أن تقع فلا شيء، فخرج عليه العُقابِ باللَّحْم في مَخَاليبه، فإذا قد لصق فيه ياقوتَةٌ فأعطانيها وها هي ذِه، فتناوَلَها شهريران (١) أي: دودًا. (٢) أخرجه أحمد ٢/ ٥١٠ ٥١١، والترمذي (٣١٥٣)، وابن ماجة (٤٠٨٠)، وأبو يعلى (٦٤٣٦)، والطبري في تفسيره ٢١/١٦، وابن حبان (٦٨٢٩)، والحاكم ٢٨٨/٤. وإسناده صحيح، ولكن في رفعة نكارة، ولعله من كلام كعب الأحبار، فانظر تعليقنا على سنن ابن ماجة ٥/ ٥٣٧ . (٣) تاريخ الطبري ١٥٩/٤ . (٤) أي: صاحب الباز أو الموكل به. ١٣٤ فرآها حمراء، فتناولها عبدالرحمن ثم ردَّها، فقال شهريران: إنَّ هذه لخيرٌ من هذا - يعني الباب - وايْمُ الله لأنتم أحبُّ إليَّ مَلَكةً من آلٍ كِسْرَى، ولو كنتُ في سلطانهم ثُمَّ بلغهم خبرُها لانتزعوها مِنِّي، وأيْمُ الله لا يقومُ لكم شيءٌ ما وفيتم أو وَفَى مَلِكُكُم الأكبر. فأقبل عبدالرحمن على الرسول، وقال: ما حال الشُّدِّ وما شبهه؟ فقال: مثل هذا الثوب الذي على مطر، فقال مطر: صَدَقَ والله الرجلُ لقد بَعَّد ورأى ووصف صفة الحديد والصُّفْر. فقال عبدالرحمن الشهريران: كم كانت قيمة هاتيك؟ قال: مئة ألف في بلادي هذه، وثلاثة آلاف ألفٍ في تلك البلدان. وحدَّث سلامِ التَّرْجُمان، قال: لمّا رأى الواثقُ بالله كأنَّ السُّدَّ الذي بناه ذو القَرْنَيْن قد فُتِح وجَّهني وقال لي: عَايِنْه وجِثْني بخبره، وضمَّ إليَّ خمسين رجلاً، وزوّدنا، وأعطانا مئتي بَغْلِ تحمل الزّاد، فشخِصْنا من سامرّاء بكتابه إلى إسحاق وهو بتفْلِيس، فكتب لنا إسحاق إلى صاحب السرير، وكتب لنا صاحب السرير إلى ملك الّلان، وكتب لنا ملك الّلان إلى فيلانشاه، وكتب لنا إلى ملك الخَزَر، فوجَّه معنا خمسةَ أدِلاء، فسرنا من عنده ستةً وعشرين يوماً، ثم صرنا إلى أرض سوداء مُنْتِنَةٍ، فكنّا نَشْتَمُّ الخَلَّ، فسرنا فيها عشرةَ أيام، ثُمَّ صرنا إلى مدائنَ خرابٍ ليس فيها أحد، فسرنا فيها سبعةً وعشرين يوماً، فسألْنا الأدلاء عن تلك المدن، فقالوا: هي التي كان يأجوجُ ومأجوجُ يطرقونها فأخْرَبوها. ثم صرنا إلى حصونٍ عند السّدّ بها قومٍ يتكلّمون بالعربية والفارسية، مسلمون يقرؤون القرآن، لهم مساجدُ وكتاتيب، فسألونا، فقلنا: نحن رُسُلُ أمير المؤمنين، فأقبلوا يتعجبون ويقولون: أميرُ المؤمنين! فنقول: نعم، فقالوا: أشيخٌ هو أم شاب؟ قلنا: شاب، فقالوا: أينَ يكونُ؟ فقلنا: بالعراقِ بمدينة يقال لها سُرَّ مَنْ رأى، فقالوا: ما سمعنا بهذا قط . ثم صرنا إلى جبل أملس ليس عليه خضراء، وإذا جبل مقطوع بوادٍ عرضه مئة ذراع، فرأينا عضَادَتَيْن مبنيَّتَيْنِ مِمَّا يلي الجبلَ من جنبتي الوادي عرض كلّ عضادةٍ خمسة وعشرون ذراعاً، الظاهر من تحتها عشرة أذرُع خارج الباب، وكلَّه بناء بلبِنٍ من حديد مُغَيَّب في نُحاس، في سُمْك خمسين ١٣٥ ذراعاً، قد رُكِّبَ على العضادتين على كلِّ واحدةٍ بمقدار عشرة أذرع في عرض خمسة، وفوق الدروند بناءٌ بذلك اللَّبن الحديد إلى رأس الجبل، وارتفاعه مَدَى البصر، وفوق ذلك شُرَف حديد لها قَرنان يلِجُ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، وإذا باب حديد له مِصْراعان مُغْلَقَان عرضهما مئة ذِراع في طول مئة ذراع في ثخانة خمسة أذرُع، وعليه قُفْلٌ طولِه سبعة أَذْرُع في غِلظ باع، وفوقه بنحو قامتين غَلْقٌ طوله أكثر مِن طول القُفْل، وقفيزاه كلُّ واحدٍ منهما ذراعان، وعلى الغلْق مفتاح معلّق طوله ذراع ونصف، في سلسةٍ طولها ثمانية أذرُع، وهي في حلقة كحلقة المَنْجَنيق. ورئيس تلك الحصون يركب في كلِّ جمعةٍ في عشرة فوارس، مع كلِّ فارس مِرْزبَّةٌ من حديد فيضربون القُّفْلَ بتلك المرازب ثلاث ضربات، يُسمع من وراء البابِ الضَّرْب فيعلمون أنَّ هناك حَفَظَة، ويعلم هؤلاء أنّ أولئك لم يُحْدِثُوا في الَبابِ حَدَثاً، وإذا ضربوا القُفْلَ وضعوا آذانهم يتسمَّعُون، فيسمعون دَوِيّاً كالرَّعْد. وبالقرب من هذا الموضع حِصنٌ كبير، ومع الباب حصنان يكون مقدار كلّ واحدٍ منهما مئتا ذراع، في مئتي ذراع، وعلى باب كلّ حصن شجرة، وبين الحصنين عين عَذْبة، وفي أحد الحصنين آلة بناء السّدّ من قُدُور ومَغارِف وفضْلة اللّبن قد التصق بعضُه ببعضٍ من الصَّدأ، وطول الَّلبِنَة ذراع ونصفَ في مثله في سمْك شِبْر. فسألنا أهْلَ الموضع هل رأوا أحداً من يأجوج ومأجوج، فذكروا أنّهم رأوا مرَّةً أعداداً منهم فوق الشُرَف، فهبت ريحٌ سوداء فألقتهم إلى جانبهم، وكان مقدار الرجل منهم شبْراً ونصفاً، فلما انصرفنا أخذ بنا الأدلاء، إلى ناحية خُراسان، فسِرنا إليها حتى خرجنا خلف سَمَرْقَنْد بتسعة فراسخ، وكان أصحاب الحصون زوَّدونا ما كفانا . ثم صرنا إلى عبدالله بن طاهر، قال سلام التَّرْجُمان: فأخبرتُهُ خَبَرَنا، فوصلني بمئة ألف دِرْهم، ووصل كلَّ رجلٍ معي بخمس مئة دِرْهم، ووصلنا إلى سُرَّ مَنْ رأى بعد خروجنا منها بثمانية وعشرين شهراً. قال مصنِّف كتاب ((المسالك والممالك))(١): هكذا أملى عليَّ سلام الترجُمان. (١) هو ابن خرداذبة، والخبر في كتابه ١٦٢ - ١٧٠ . ١٣٦ سنَةٌ ثَلاث وَعشرين فيها: بينما عمرُ رضيَ الله عنه يخطبِ إذْ قال: ((يا ساريةُ الجبلَ))، وكان عمر قد بعث ساريةَ بنِ زُنِّيم الدِّيليّ إلى فَسَا ودارابَجِرد فحاصرهم، ثمّ إنّهم تداعوا وجاؤوه من كلِّ ناحية والتقوا بمكان، وكان إلى جهة المسلمين جبلٌ لو استندوا إليه لم يُؤتوا إلاَّ من وجهٍ واحد، فلجؤوا إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم. وأصاب ساريةُ الغنائمَ فكان منها سَفَطْ جوهر، فبعث به إلى عمر فردَّه وأمره أنْ يقسمه بين المسلمين، وسأل النَّجَّابَ أهلُ المدينة عن الفتح وهل سمعوا شيئاً، فقال: نعم ((يا ساريةُ الجبَلَ الجبلَ)) وقد كِدْنا نهلك، فلجأنا إلى الجبل، فكان النَّصر. ويُرْوَى أنّ عمر رضي الله عنه سُئل فيما بعْدُ عن كلامه ((يا ساريةُ الجبلَ)) فلم يَذْكُرْه. وفيها كان فتح كَرمان، وكان أميرها سُهَيْل بن عَدِيٍّ. وفيها فتحت سجِسْتان، وأميرها عاصِم بن عَمْرو. وفيها فُتِحت مُكَّران(١)، وأميرها الحَكَم بن عثمان(٢)، وهي من بلاد الجَبَل . وفيها رجع أبو موسى الأشعريُّ من أصبهان، وقد افتتح بلادَها. وفيها غزا معاوية الصّائفةَ حتى بلغَ عَمُّورِية . (وفيها تُوفي)(٣) : ختِ ن ق: قَتَادة بن التُّعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب - واسمه ظَفَرٍ - بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس، أبو عمر الأنصاريُّ الظّفريُّ، أخو أبي سعيد الخُدْريِّ لأُمِّه، وقَتَادة الأكبر. شهد بدرًا وأُصيبت عينُهُ ووقعت على خدِّهِ يوم أُحُد، فأتى النبيَّ شَهَ الله عَلــ فغمز حَدَقته وردّها إلى موضعها، فكانت أصحّ عينيه . (١) هكذا بخط المؤلف، وتضبط ((مُكْران)) بسكون الكاف، لكن قال ياقوت: ((وأكثر ما تجيء في شعر العرب مشددة الكاف)). (٢) هكذا بخط المصنف، ولعل الصواب: ((الحكم أخو عثمان))، وهو ابن أبي العاص، كما في البداية والنهاية. ولكن الطبري سماه: الحكم بن عمرو التغلبي (تاريخه ٤ / ١٨١). (٣) ما بين الحاصرتين مني على قاعدة المؤلف. ١٣٧ وكان على مقدِّمة عمر في مَقْدمه إلى الشام، وكان من الرُّماة المذكورين. وله أحاديث، روى عنه أخوه أبو سعيد، وابنه عمر بن قَتَادة، ومحمود بن لَبِيد، وغيرهم. وعاش خمسًا وستين سنة رضي الله عنه. تُوفي فيها على الصحيح، ونزلَ عمرُ في قبره، وقيل: تُوفي في الّتي قبلها(١). عمر (٢) بن الخطّاب بن نُفَيْل بن عبدالعُزَّى بن رياح بن قُرط بن رَزاح بن عديٍّ بن كعب بن لُؤَّيّ، أمير المؤمنين، أبو حفص القُرَشيُّ العدويُّ، الفاروق رضي الله عنه. استُشْهد في أواخر ذي الحجَّة(٣). وأُّه حَنْتَمَةُ بنت هشام المخزوميّة أختُ أبي جهل. أسلم في السنة السادسة من النُّتَّةً وله سبعٌ وعشرون سنة . روى عنه عليٌّ، وابن مسعود، وابن عبّاس، وأبو هريرة، وعدّة من الصّحابة، وعلقمة بن وقّاص، وقيس بن أبي حازم، وطارق بن شهاب، ومولاه أسلم، وزِرّ بن حُبَيْش، وخلقٌ سواهم. وعن عبدالله بن عمر، قال: كان أبي أبيض تَعْلُوه حمرةٌ، طُوالاً، أَصْلَعَ، أشيَبَ. وقال غيره: كان أمْهَقَ(٤)، طُوالاً، أصلعَ، آدَمَ، أَعْسَرَ يَسَر (٥) . وقال أبو رجاء العطارديّ: كان طويلاً جسيماً، شديد الصَّلع، شديد الحُمْرة(٦)، في عارضيه خِفَّةٌ، وسَبَلته(٧) كبيرة، وفي أطرافها صهْبَة (٨)، إذا حَزَبَه أمرٌ فَتَلَها . (١) من تهذيب الكمال ٥٢١/٢٣ - ٥٢٣. (٢) انظر عن مصادر ترجمته تعليقنا على ترجمته في تهذيب الكمال ٣١٦/٢١. (٣) أي: سنة ثلاث وعشرين. (٤) أي: خالص البياض . أي : يعمل بیدیه جميعًا . (٥) (٦) أي: البياض، والعرب تقول: امرأة حمراء أي: بيضاء. (٧) طرف الشارب، وقيل: هو مجتمع الشاربين. (٨) أي: سواد في حُمرة. ١٣٨ وقال سماك بن حَرْب: كان عمر أرْوَح كأنّه راكب والنَّاس يمشون، كأنّه من رجال بني سَدُوس. والأرْوح: الذي يتدانى قدماه إذا مشى. وقال أنس: كان يخْضِب بالحنّاء. وقال سِماك: كان عمر يسرع في مِشْيَته . ويُرْوَى عن عبدالله بن كعب بن مالك، قال: كان عمر يأخذ بيده اليمنى أذُنه اليُسْرى ويَئِبُ على فرسه فكأنما خُلِقَ على ظهره . وعن ابن عمر وغيره - من وجوهٍ جيّدة - أنَّ النَّبيَّ نَ ◌ّه قال: ((اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلام بعمر بن الخطّاب))(١). وقد ذكرنا إسلامه في ((الترجمة النَّبويّة)). وقال ◌ِكْرمة: لم يزل الإسلام في اختفاء حتَّى أسلمَ عمر . وقال سعيد بن جُبَيْر: ﴿وَصَلِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾﴾ [التحريم] نزلت في عمر خاصّة . وقال ابن مسعود: ما زلنا أعِزَّةً منذ أسلم عمر(٢) . وقال شهر بن حَوْشَب، عن عبدالرحمن بن غَنم: إنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال له أبو بكر وعمر: إنَّ النَّاسَ يزيدهم حِرْصاً على الإسلام أنْ يروا عليك زيّاً حَسَناً من الدنيا. فقال: ((أفْعَلُ، وايْمُ اللهِ لو أنَّكما تتفقان لي على أمرٍ واحدٍ ما عصيتُكما في مشورةٍ أبداً). وقال ليثُ بن أبي سُلَيْم، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: قال رسولُ الله ◌ٍِّ: إنَّ لي وزيرين من أهلِ السماء ووزيرين من أهل الأرض، فوزيرايَ من أهلِ السماء جبريل وميكائيلَ، ووزيراي من أهلِ الأرض أبو بكر وعمر. ورُوِيَ نحوه من وجهين عن أبي سعيد الخُدْريّ. قال التِّرْمذيُّ في حديث أبي سعيد: حديث حَسَن(٣). قلتُ: وكذلك حديثُ ابنِ عبّاسٍ حَسَنٌّ (٤). (١) انظر كلامنا عليه مفصلاً في تعليقنا على ابن ماجة (١٠٥). (٢) أخرجه البخاري (٣٦٨٤). (٣) الترمذي (٣٦٨٠)، وقد تفرد بروايته عطية العوفي، وهو ضعيف، وفيه تليد بن سليمان وهو ضعيف أيضاً. (٤) قلت: وهذا فيه نظر، فإنه من رواية ليث بن أبي سليم بن زنيم، وهو ضعيف. ١٣٩ وعن محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، عن أنَس نحوه(١). وفي ((مسند أبي يَعْلَى)) من حديث أبي ذَرٍّ يرفعه: ((إنَّ لكلِّ نبيٍّ وزيرين، ووزيرايَ أبو بكر وعمر))(٢). وعن أبي سَلَمَة، عن أبي أرْوَى الدَّوْسيّ، قال: كنتُ مع رسولِ الله ◌ِّ فطلع أبو بكر وعمر، فقال: ((الحمدُ لله الذي أيَّدني بكما)). تفرَّد به عاصم ابن عمر، وهو ضعيف. وقد مَرَّ في ترجمةِ الصِّدِّيق أنَّ النَّبِيَّ مَ﴿ نظر إلى أبي بكر وعمر مقبلين، فقال: ((هذان سيّدا كُهُول أهلِ الجنَّة)) ... الحديثَ. وروى التِّرْمذيُ (٣) من حديث ابن عمر، أنَّ رِسولَ الله ◌ِ ◌َّل خرج ذات يوم فدخل المسجد، وأبو بكر وعمر معه وهو آخذٌ بأيديهما، فقال: ((هكذا نُبعَث يوم القيامة)). إسناده ضعيف. وقال زائدة، عن عبدالملك بن عُمَيْر، عن رِبْعيّ، عن حُذَيْفة، قال: قال رسول الله ◌َ﴾: ((اقتدوا باللَّذين من بعدي أبي بكر وعمر)) (٤). ورواه سالم أبو العلاء - وهو ضعيف - عن عَمْرو بن هرِم، عن رِبْعَيّ. وحديث زائدة حَسَن. وروى عبدالعزيز بن المُطَّلب بن حَنْطَب، عن أبيه، عن جدّه، قال: كنتُ جالساً عند النَّبِيَّ بِّ إذْ طلع أبو بكر وعمر، فقال: ((هذان السَّمعُ والبصَر))(٥). ویُروی نحوه من حديث ابن عمر وغيره. وقال يعقوب القُمِّي، عن جعفر بن أبي المُغيرة، عن سعيد بن جُبَيْر، قال: جاء جبريل إلى النَّبِيِّ بَ﴿َ فقال: ((أقْرِىء عمرَ السَّلامَ وأخْبِرْهُ أنَّ غضبه عَزَّ وجل ورِضاه حُكْم)). المُرْسَل أصحّ، وبعضهم يَصِلَه عن ابنِ عبّاس. (١) وهذا ضعيف أيضاً، فإن محمد بن ثابت البناني مجمع على ضعفه. (٢) وهذا لا يصح أيضاً من هذا الوجه. (٣) الترمذي (٣٦٦٩). (٤) أخرجه الترمذي (٣٦٩٠)، وتمام تخريجه في تعليقنا عليه. (٥) إسناده ضعيف لإرساله، قال الترمذي بعد أن أخرجه (٣٦٧١): ((وهذا حديث مرسل وعبد الله بن حنطب لم يدرك النبي ◌ِّليّ)). وينظر تمام تخريجه في تعليقنا عليه . ١٤٠