Indexed OCR Text
Pages 741-760
فرأيت النّبِيَّ وَّ﴿، فإذا رجلٌ حَسَنُ الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين، وإذا من لَدُن نَحْرِه إلى سُرَّته كالخيطِ الممدودِ شَعْره، ورأيته بين طمرين. فدنا منّي فقال: ((السّلامُ عليك))(١). وقال المسعوديّ، عن عثمان بن عبدالله بن هُرْمُز، وقاله شَرِيك، عن عبدالملك بن عُمَيْر، كلاهما عن نافع بن جُبَيْر، واللّفظ لشَرِيك قالَ: وصف لنا عليٌّ النّبِيَّ ◌ََّ فقال: كان لا قصير ولا طويلٍ وكان يتكفَّأُ في مِشْيَتِهِ كأنّما يمشي في صَبَبٍ - ولفْظ المسعوديّ: كأنّما يَنْحَطَّ من صَبَب - لم أرَ قبلَهُ ولا بعده مثله. أخرجه النّسائيّ(٢). عَون بن أبي جُحَيْفَة، عن أبيه، قال: صلّى النّبِيُّ بِّ بالبطحاء، وقام النّاسُ فجعلوا يأخذون يديه فيمسحونَ بهما وجوههم، فأخذتُ يدَه فوضعتُها على وجهي، فإذا هي أبردُ من الثَّلْج، وأطيبُ رِيحاً من المِسْك. أخرجه البخاري تعليقاً(٣). وقال خالد بن عبدالله، عن عُبَيْد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قيل لعليّ: انْعَتْ لنا النّبِيَّيِ ◌ّ. فقال: كان لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطُّول أقرب، وكان شَخْن الكفّ والقَدَم، في صدره مَسْرُبَة، كأنّ عَرَقَه لؤلؤ، إذا مشى تكفَّأ كأنّما يمشي في صَعَدٍ . ورُويَ نحوه من وجهٍ آخر عن عليّ (٤). وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنَس، قال: ما مَسِسْتُ بيدي ديباجاً ولا حريراً، ولا شيئاً ألْيَن من كَفِّ رسولِ الله ◌ِّ، ولا شَممتُ رائحةً قطَّ أطيبَ من رِيحِ رسولِ الله ◌ِّل. أخرجه البخاري(٥). (١) دلائل النبوة ٢٤٨/١ . (٢) هكذا قال وما أظنه إلا واهماً، فإن النسائي لم يخرجه، وإنما أخرجه الترمذي (٣٦٣٧) فلعله أراد أن يكتب الترمذي فكتب النسائي. وهو في دلائل النبوة ٢٥١/١-٢٥٢. (٣) البخاري ٢٢٩/٤. (٤) ابن سعد ٤١٢/١، ودلائل النبوة ١/ ٢٥٢. (٥) البخاري ٢٣٠/٤، ودلائل النبوة ٢٥٤/١. ٧٤١ وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ثابت(١). وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، فذكر مثله وزاد: كان رسولُ الله ◌َّهُ أزهرَ اللون، كأنّ عَرَقَه اللّؤلؤ، إذا مشى تكفَّأ. أخرجه مسلم (٢). وقال شُعْبة، عن يَعْلَى بن عطاء: سمعت جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: أتيتُ النّبيَّ بِّهِ وهو بمِنَى فقلت: ناوِلْني يدَك، فنَاوَلَنِيها، فإذا هي أبردُ من الثّلجِ وأطيب رِيحاً من المِسْك. وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنَس، قال: دخل علينا رسول الله مَّ، فقال عندنا، فعرقَ وجاءت أمّي بقارورةٍ، فجعلتْ تُسْلِتُ العَرَقَ، فاستيقظ النَّبيُّ بَِّ فقال: ((يا أمّ سُلَيْم ما هذا الذي تصنعين))؟ قالت: هذا عَرَق نجعله لطِيبنا، وهو أطيبُ الطَّيب. أخرجه مسلم (٣). وقال وُهَيْب: حدثنا أيّوب، عن أبي قلابة، عن أَنَس فذكره، وفيه: وكان مَّ كثير العَرَق. رواه مسلم (٤). خاتم النُُّوَّة قال حاتم بن إسماعيل: حدثنا الجُعَيد بن عبدالرحمن، قال: سمعت السّائب بن يزيد قال: ذَهَبَتْ بي خالتي فقالت: يا رسول الله إنّ ابن أختي وَجِعٌ، فمسح رأسي ودعا لي بالبَرَكَة، ثمّ توضّأ فشرِبْتُ من وَضُوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زِرّ الحَجّلة. أخر جاه(٥)، ووَهِمَ من قال: رِزّ الحَجَلة، وهو بَيْضها . وقال إسرائيل، عن سِماك، سمع جابر بن سَمُرة، قال: كان رسول الله مَّه وجهه مستديراً مثل الشمس والقمر، ورأيت خاتم النُّبُوَّة بين كتفيه مثل بيضة الحمامة، يُشبه جسَدَه. أخرجه مسلم(٦). (١) مسلم ٧/ ٨١. (٢) مسلم ٧/ ٨١. مسلم ٧/ ٨١، ودلائل النبوة ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨ . (٣) (٤) مسلم ٧/ ٨١. (٥) البخاري ٢٢٧/٤، ومسلم ٨٦/٧، ودلائل النبوة ٢٥٩/١. (٦) مسلم ٧/ ٨٥، ودلائل النبوة ١/ ٢٦٢ . ٧٤٢ وقال حمّاد بن زيد وغيره: حدثنا عاصم الأحول، عن عبدالله بن سَرْجِس قال: دُرْتُ خلفَ النبيّ بِّهِ، فنظرت إلى خاتم الثُّبُوَّة بين كتفيه عند نُغضَ(١) كتفه اليُسْرَى، جُمْعاً، عليه خِيلان كأمثال الثآليل. أخرجه مسلم أطول من هذا(٢). وقال أبو داود الطَّيَالِسِيّ(٣): حدثنا قُرَّة بن خالد، قال: حدثنا معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، قال: أتيتُ النّبِيَّ بِّه فقلت: يا رسولَ الله أرِني الخاتم. قال أدْخِلْ يدك، فأدخلتُ يدي في جُربَّانه(٤)، فجعلت ألمُس أنظر(٥) إلى الخاتم، فإذا هو على نُغضٍ كتفه مثل البيضة، فما منعه ذاك أنْ جعلَ يدعو لي، وإنَّ يدي لَفي جُربانه. رواه يحيى بن أبي طالب، عن أبي داود، لكن قال: ((مثل السِّلْعة)). قال عُبَيْد الله بن إياد بن لَقِيط: حدثني أبي، عن أبي رِمْثَة، قال: انطلقتُ مع أبي نحو النّبيِّ مَّة، فنظر إلى مثل السِّلعة(٦) بين كتفيه، فقال: يا رسول الله إنّي كأطبِّ الرجال، أَفَأْعالجها لك؟ قال: ((لا، طَيَّبها الذي خَلَقَها)). رواه الثَّوْرِيّ، عن إياد بن لَقِيط، وقال: ((مثل التُّفَّاحة)). وإسناده (٧) صحيح (٧). وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا عبد الله بن مَيْسَرة، قال: حدثنا عَتَّاب، قال: سمعت أبا سعيد يقول: الخاتم الذي بين كَتِفَي النّبِيِّ مَثّ لحمة نابتة (٨) . وقال قيس بن حفص الدّارِميّ: حدثنا مَسْلَمَة بن عَلْقَمَة، قال: حدثنا (١) هو أعلى الكتف. مسلم ٨٦/٧، ودلائل النبوة ٢٦٣/١ . (٢) (٣) مسنده (١٠٧١)، ودلائل النبوة ٢٦٤/١ . أي : في جيب قميصه . (٤) (٥) هكذا كتب المصنف ووضع علامة بينهما، فكأنه يريد أنها هكذا وردت في الرواية، وهي كذلك عند الطيالسي أيضاً. (٦) أي: غدة بين الجلد واللحم. (٧) دلائل النبوة ٢٦٥/١. (٨) دلائل النبوة ٢٦٥/١. ٧٤٣ داود بن أبي هند، عن سِماك بن حرب، عن سلامة العِجْليّ، عن سَلْمان الفارِسيّ، قال: أتيتُ رسول الله بََّ، فألقى إليَّ رداءه، وقال: انظُرْ إلى ما أمرتَ به. قال: فرأيتُ الخاتمَ بين كتفيه مثل بيضةِ الحمام. إسناده حَسَن(١). وقال الحُمَيْديُّ: حدثنا يحيى بن سُلَيْم الطَّائفيّ، عن ابن خُثَيَّم، عن سعيد بن أبي راشد، قال: لقيتُ التَّنُوخِيَّ رسولَ هِرَقْل إلى رسول الله مَله بحمص، وكان جاراً لي شيخاً كبيراً قد بلغ الفَنَد (٢) أو قريباً، فقلت: ألا تُخْبِرُني؟ قال: بلى، قدِم رسولُ الله ◌ِّهِ تَبُّوك، فانطلقتُ بكتابِ هِرَقْل، حتى جئت تَبُوكَ، فإذا هو جالس بين ظهري أصحابه مُحْتَبٍ على الماء، فقال: ((يا أخا تَنُوخ))، فأقبلتُ أهوي حتى قمتُ بين يديه، فحَلَّ حَبْوَتَه عن ظهره، ثمّ قال: ((هاهنا امضٍ لِما أُمِرْتَ به)). فَجُلْتُ في ظهره، فإذا أنا بخاتمٍ في موضع غُضْرُوف الكتِفَ مثل المحجمة الضَّخْمَةِ (٣) . باب جَامع مِنْ صفاته عليه السلام قال عيسى بن يونس: حدثنا عمر بن عبد الله مولى غُفْرَة، قال: حدثني إبراهيم بن محمد من وَلَدِ عليّ، قال: كان عليّ رضي الله عنه إذا نعتَ رسولَ اللهُ بِّه قال: لم يكن بالطويلِ المُمَغَّط ولا القصير المتردِّد، كان رَبْعَةً من القوم، ولم يكن بالجَعْد القطِطَ ولا بالسِّبَط، كان جَعْداً رَجِلاً، ولم يكن بالمطهَّم ولا المُكَلْثَم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مُشْرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المُشاش والكِتِف - أو قال الكَتَد - أجردُ ذا مَسْرُبَة، شَثْنُ الكفَّيْنِ والقَدَمَيْن، إذا مشى تَقلَّعَ كأنّما يمشي في صَبَب، وإذا التفت التفت معاً، بين كتفيه خاتم النُّبُوَّة، أجود النّاس كفّاً وأجرى النّاس صدْراً، وأصدقهم لهجةً، وأوفاهم بذمّة، وألْينهم عرِيكةً، وأكرمهم عِشْرةً، (١) دلائل النبوة ٢٦٦/١. (٢) أي: كبر سِنُه وبلغ أرذل العمر. (٣) دلائل النبوة ١/ ٢٦٦. ٧٤٤ من رآه بَديهةً هابه، ومن خالطه معرفةً أحبّه، يقول ناعتُهُ: لم أرَ قَبْلَهُ ولا بعده مثله ێ﴾(١) . وقال أبو عُبَيْد في ((الغريب)): حَدَّثَنِيه أبو إسماعيل المؤذِّب، عن عمر مولى غُفْرَة، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفيّة قال: كان عليٍّ إذا نَعَتَ، فذكره(٢). قوله: ليس بالطّويل الممغّط: يقول ليس بالبائن الطُّول. ولا القصير المترِدِّد: يعني الذي تردّد خَلْقُهُ بعضُه على بعض، فهو مجتمع ليس بسَبَط الخَلْق، يقول: ليس هو كذلك ولكنّه رَبْعَة. والمُطَهَّم: قال الأصمعيّ: التّام كلّ شيء منه علی حِدَتِه، فهو بارع الجمال. وقال غيره، المُكَلَثَم: المدوَّر الوجْه، يقول: ليس هو كذلك ولكنّه مسنون . والدَّعَجِ: شِدَّة سواد العَيْن. والجليل المُشَاش: العظيم رؤوس العِظام مثل الرُّكْبَتَين والمِرْفَقَين والمَنْكِبين . والكَتَد: الكاهل وما يليه من الجسد. وشَثْنُ الكفَّين: يعني أنّها إلى الغِلَظ . والصَّبَب: الانحدار. والقَطِط: مثل شَعْرِ الحَبَشَة . والأزهر: الذي يخالطَ بياضَه شيءٌ من الحُمْرَة. والأمهق: الشديد البياض. وشَبْح الذراعين: يعني عَبْل الذّراعينِ عريضهما . والمَسْرُبَة: الشَّعْرِ المُسْتَدَقّ ما بين اللُّبَّة إلى السُّرَّة. وقال الأصمعيّ: التقلُّع: المشي بقُوَّة(٣). وقال يَعْلَى بن عُبَيْد، عن مُجمِّع بن يحيى الأنصاريّ، عن عبدالله بن (١) دلائل النبوة ٢٦٩/١ - ٢٧٠ . (٢) دلائل النبوة ١/ ٢٧٠ . (٣) دلائل النبوة ١/ ٢٧١ - ٢٧٢. ٧٤٥ عِمران، عن رجلٍ من الأنصار، أنّه سأل عليّاً، عن نعتِ رسول الله فقال: كان أبيضٌ مُشْرِبًا حُمْرةً، أدعج، سبِط الشَّعر، ذو وَفْرَةٍ، دقيق المَسْرُبَة، كأنّ عُنُقَه إبريق فِضّة، من لُبَّتِهِ إلى سُرَّتِهِ شَعْرٌ، يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شَعْرٌ غيرُه، شَشْنُ الكفّ والقَدَم، إذا مشى كأنّما ينحدر من صَبَب، وإذا مشى كأنّما يتقلَّع من صخْرٍ، وإذا التفت التفت جميعاً، كأنّ عَرَقَه اللُّؤلؤ، ولَرِيحُ عَرَقِهِ أطيِبُ من المِسْك، ليس بالطّويل ولا بالقصير، ولا العاجز ولا اللّئيم، لم أرَ قبلَهُ ولا بعده مثله. قال البيهقي (١): أخبرنا أبو عليّ الزُّوذبَاريّ، قال: أخبرنا عبدالله ابن عمر بن شَوْذب، قال: أخبرنا شُعَيب بن أيّوب الصَّرِيفِيني، عنه. وقال حفص بن عبدالله النَّيْسَابُورِيّ: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن حُمَيْد، عن أنس، قال: لم يكن النّبِيُّ مَ﴿ بالآدم، ولا الأبيض الشديد البياض، فوق الرَّبْعَة ودون الطَّويل، كان من أحسنِ مَنْ رأيتُ من خَلْقِ الله، وأطيبه ريحاً وأَلْينه كفّاً، كان يُرسلُ شَعْرَه إلى أنصاَفِ أُذُنَيْه، وكان يتوكأ إذا مشی(٢) . وقال مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ، قال: سُئل أبو هريرة عنٍ صفةِ النّبِيِّ ـها التـ فقال: كان أحسنَ النّاسِ صَفَةً وأَجْمَلَها، كان رَبْعَةً إلى الطُول ما هو، بعيدَ ما بين المَنْكِبَيْن، أسِيلَ الخَذَّيْن(٣)، شديدَ سواد الشَّعْر، أكحلَ العينين، أَهْدَبَ، إذا وطِىء بقَّدَمِهِ وطِىءَ بكُلّها، ليس أخمص، إذا وضع رداءه عن مَنْكِبِه فكأنّه سَبِيكة فِضّة، وإذا ضحِك يتلألأ، لم أرَ قبله ولا بعده مثلَه. رواه عبدالرزاق عنه. وقال (٤) أبو هشام محمد بن سليمان بن الحَكَم بن أيّوب بن سليمان الكعبيّ الخُزاعيّ: حدثني عمّي أيّوب بن الحَكَم، عن حِزام بن هشام، عن أبيه، عن جدّه حُبَيْش بن خالد رضي الله عنه - الذي قُتِل بالبطحاء يوم (١) دلائل النبوة ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤. (٢) دلائل النبوة ١/ ٢٧٤. كتب في هامش الأصل: ((الأسيل الخد: أن لا يكون مرتفع الوجنة)). (٣) (٤) كتب في هامش الأصل: ((قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد)). ٧٤٦ ٠ الفتح، وهو أخو عاتكة - أنَّ النّبيَّ ◌َّ خرج من مكة هو وأبو بكر، ومولىً لأبي بكر عامر بن فُهَيْرَة، ودليلهم عبد الله بن الأَرَيْقط اللَّيْتِيّ، فمزُّوا على خيمتَيْ أمّ مَعْبَد الخُزاعية، وكانت بَرْزَةً جَلْدَةً تحتبي بفِناء القُبَّة، ثمّ تَسْقي وتُطعِم، فسألوها تمراً ولحماً يشترونه منها، فلم يصيبوا شيئاً، وكان القوم مُرْمِلين مُسْنِتِين، فنظر رسول الله ◌َله إلى شاةٍ في كِسْر الخَيْمة، فقال: ((ما هذه الشّاة يا أمَّ مَعْبَد))؟ قالت: شاةٌ خلَّفها الجَهْدُ عن الغَنَمِ. فقال: ((هل بها من لَبَن))؟ قالت: هي أجْهَدُ من ذلك. قال: ((أتأذنين أنْ أَحْلُبَها))؟ قالت: نعم بأبي وأُمّي، إنْ رأيتَ بها حَلْباً فاحْلُبْها. فدعا بها، فمسح بيده ضَرْعَها، وسمَّى الله، ودعا لها في شاتها، فتفاجَّتْ عليه، ودرَّت واجْتَرَّتْ، ودعا بإناءٍ يُرْبِضُ الرَّهْط، فحلب ثَجّاً حتّى علاه البَهاء، ثمّ سِقاها حتى رَوِيَتْ، ثمّ سقَى أصحابَه حتى رَوَوا، ثمّ شرب آخِرَهُم. ثمّ حَلَبَ ثانياً بعد بدْءٍ، حتّى ملأ الإناء، ثمّ غادره عندها وبايعها، وارتحلوا عنها . فَقَلَّ ما لِبِثَتْ، حتّى جاء زوجُها أبوِ مَعْبَد، يسوق أعْنُزاً عجافاً تساوكن هزلاً مُخَّهُنَّ قَليل. فلمّا رأى أبو مَعْبَد اللَّبَنَ عجِبَ، وقال: من أين لكِ هذا يا أمّ مَعْبَد؟ والشاء عازبٌ حِيال، ولا حَلُوبَ في البيتِ؟ قالت: لا والله، إلّ أنّه مَزَّ بنا رجلٌ مُباركٌ من حاله كذا وكذا، قال: صِفِيه لي، قالت: رجلٌ ظاهرُ الوَضَاءة، أَبْلَجُ الوجْه، حَسَنُ الخَلْقِ، لم تَعِبْه ثُجلة، ولم تُزْرِ به صَعْلة(١)، وسيمٌ قَسِيم، فِي عينيه دَعَجٌ، وفي أشفاره وطَف(٢)، وفي صوته صَحَلَ(٣)، وفي عُنُقِهِ سَطَع (٤)، وفي لحيته كثائة، أزَجُّ أَقْرَنُ، إنْ صَمَت فعليه الوقار، وإنْ تكلّم سما وعلاهُ البهاءُ، أجملُ النّاس وأبهاه من بعيدٍ، وأحسنُهُ وأحلاه من قريبٍ، حُلْوُ المنطِق، فصْلٌ لا نَزْر ولا هَذَر، كأنّ مَنْطِقَه خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَذَّرْنَ، رَبْعَةٌ لا يائس من طُول، ولا تقتحمه(٥) عينٌ من قِصَر، غُصنَّ بين غُصْنَين، فهو أنضر الثلاثة مَنْظَراً، وأحسنهم قدْراً، له (١) أي: صغر الرأس. أي: طول الأشفار. (٢) (٣) أي: صوت فيه بخّة . (٤) السطع : طول الرقبة . (٥) أي: لا تزدريه . ٧٤٧ رُفَقاءُ يَحُقُون به، إنْ قال أنصتوا لقوله، وإن أمَرَ تَبَادروا إلى أمره، محفودٌ محشودٌ، لا عابس ولا مفنّد. :٥ قال أبو مَعْبَد: فهذا والله صاحب قُريش، الذي ذُكِر لنا من أمره، ولقد هَمَمْتُ أنْ أصْحَبَه، ولأفعلنَّ إنْ وجدتُ إلى ذلك سبيلاً. وأصبح صوتٌ بمكة عالٍ، يسمعون الصَّوتَ، ولا يدرون مَن صاحبه، وهو يقول : رفيقيْن قالا خيمتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ جزى الله ربُ الناسِ خيرَ جزائه فقد فاز مَنْ أمسى رفيقَ محمدٍ هما نَزَلاها بالهُدَى واهْتَدَتْ به به من فَعالٍ لا تُجارى وسُؤْدَدِ فيالَ قُصَيِّ ما زَوَى الله عنكُمُ ومقعَدُها للمؤمنين بمَرْصدِ فإنّكُم إنْ تسألوا الشَّاةَ تَشْهَدٍ عليه صريحاً ضَرَّة الشّاةِ مُزْبِدٍ يُردِّدُها في مصدرٍ ثمّ مَوْرِدِ لِيَهْنِ بني كَعْبٍ مَكانَ فَتَاتِهم سَلُوا أختكم عن شاتها وإنائها دعاها بشاةٍ حائلٍ فَتَحَلَّبَتْ فغادَرَها رَهْناً لديها لحالبٍ فلمّا سمع بذلك حسّان بن ثابت شبّب يجاوب الهاتفَ، فقال: وقُدِّسَ مَن يَسْرِي إليهم ويَغْتَدِي لقد خاب قومٌ زال عنهم نبتُهم تَرَخَّلَ عن قومٍ فَضَلَّتْ عُقُولُهُمْ هَدَاهم به بعد الضَّلالة ربُّهم وهل يستوي ضُلّلُ قومٍ تَسَفَّهُوا وقد نزلَت منه على أهل يثرب نبيِّ يَرَى ما لا يَرَى النّاس حوله وإنْ قال في يوم مقالةً غائبٍ وحَلَّ على قومِ بنورٍ مجدَّدٍ وأرشَدَهُم مَن يَتْبَعُ الحقَّ يَرْشُدِ عمايتهم هادٍ به كلَّ مُهتدٍ رِكابُ هُدىً حلَّتْ عليهم بأسعُدِ ويتلو كتابَ الله في كلِّ مسجدٍ فتصديقُها في اليوم أو في ضُحَى الغَدِ بصُحْبته مَن يُسْعِدِ الله يَسْعَدِ لِيَهْنِ أبا بكرّ سعادةُ جَدّه قوله: إذا مشى تَكَفَّأ: يريد أنّه يَمِيد في مِشْيَته، ويمشي في رِفَقِ غير مُخْتال. وقوله: فخماً مفخّماً: قال أبو عُبَيْد: الفخامة في الوجه نُبْله وامتلاؤه، ٧٤٨ مع الجمال والمَهابة. وقال ابن الأنباريّ: معناه أنّه كان عظيماً مُعَظَّماً في الصُّدُور والعيون، ولم يكن خَلْقه في جسمه ضخماً. وأقْنَى العِرْنَيْن: مرتفع الأنف قليلاً مع تَحَدُّب، وهو قريب من الشَّمَم . والشنب: ماء ورِقّة في الثَّغْر. والفَلج: تَبَاعُدُ ما بين الأسنان. والدمية: الصُّورة المصوّرة . وقد روى حديثَ أمّ مَعْبَد أبو بكر البيهقيّ(١) فقال: أخبرنا أبو نصر بن قَتَادة، قال: أخبرنا أبو عَمْرو بن مطر، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن موسى بن عيسى الحُلْواني، قال: حدثنا مُكْرَم بن مُحْرِز بن مَهْدِيّ، قال : حدثنا أبي، عن حِزام بن هشام. فذكر نحوه. ورواه أبو زيد عبدالواحد بن يوسف بن أيوب بن الحُكَم الخُزاعيّ بِقُدَيْد، إملاءً على أبي عَمْرو بن مطر، قال: حدثنا عمي سليمان بن الحكم. وسمعه ابن مطر بقُدَيْد أيضاً، من محمد بن محمد بن سليمان بن الحكم، عن أبيه . ورواه عن مُكْرَم بن محرز الخُزَاعيّ - وكنيته أبو القاسم - يعقوب بن سفيانِ الفَسَوِيّ، مع تقدُّمِه، ومحمد بن جرير الطّبري، ومحمد بن إسحاق ابن خُزَيْمة، وجماعة آخرهم القطيعيّ. قال الحاكم: سمعت الشيخ الصّالح أبا بكر أحمد بن جعفر القطيعيّ يقول: حدّثنا مُكْرَم بن محرز عن آبائه، فذكر الحديث، فقلت له: سمعته من مُكْرم؟ قال: إي والله، حجّ بي أبي، وأنا ابن سبع سنين، فأدْخَلَني على مُكَرَم. ورواه البيهقي أيضاً في اجتياز النَّبِيَّ بِّ بخيمَتَيْ أمّ مَعْبَد، من حديث الحَسَن بن مُكْرَم، وعبدالله بن محمد بن الحسن القَيْسي، قالا: حدثنا أبو أحمد بشْر بن محمد المَرْوَزِي السُّكَّرِيّ، قال: حدثنا عبدالملك بن وهب (١) دلائل النبوة ٢٧٦/١. ٧٤٩ المَذْحِجي، قال: حدثنا الحُرّ بن الصَّاح، عن أبي مَعْبَد الخُزاعيّ، أنّ رسول اللهِ وَّ﴾ لمّا خرج هوٍ وأبو بكر، وعامر بن فُهَيْرة، ودليلُهم عبد الله بن أُرَيْقط اللَّيثي - كذا قال: اللَّيثي، وهو الدّيلي - مُّوا بخيمتَيْ أمّ مَعْبَد، فذكر الحدیث بطوله. وقولها ظاهر الوَضَاءة: أي ظاهر الجَمال. ومُرْمِلِين: أي: قد نفد زادُهم. ومُسْنِتِين: أي: داخلين في السَّنة والجدْب. وكِسْر الخيمة: جانبها. وتفاجَّت: فتحت ما بين رِجْلَيها . ويربض الرَّهط: يرويهم حتى يَثْقُلُوا فيربضوا، والرَّهْط من الثلاثة إلى العشرة . والثَّجُّ: السَّيْل. والبهاء: وبيض رغوة اللَّبن، فشربوا حتى أراضوا، أي: رَوَوا. كذا جاء في بعض طُرُقِه . وتَسَاوَكْن: تَمايلن من الضَّعْف، ويُرْوَى: تشاركن، أي: عَمَّهُنَّ الهُزَال . والشاء عازب: بعيد في المرعَى . وأَبْلَجُ الوجه: مُشْرِقُ الوجه مُضِيئه. والثُّجْلَةُ: عِظَمُ البطنِ مع استرخاء أسفله. والصَّعْلة: صِغَر الرأس، ويُرْوَى صُقْلة(١) وهي الدِّقّة والضُّمرة(٢)، والصُّقْلَ(٣): منقطع الأضلاع من الخاصرة. والوسيم: المشهور بالحُسن، كأنّه صار الحُسْن له سِمَةً. والقسيم: الحَسَن قِسْمة الوجه . (١) ضبطها المؤلف هكذا. جَوّد المؤلف تقييدها . (٢) (٣) كذلك. ٧٥٠ والوَطْف: الطُول. والصَّحَل(١): شبه البُخَّة(٢). والسَّطع: طول العُنُق. لا تقتحمه عين من قِصَر: أي: لا تزدريه لِقِصَره فتجاوزُهُ إلى غيره، بل تَهَابُهُ وتَقْبَلُه. والمحفود: المخدوم. والمحشود: الذي يجتمع النّاسُ حوله. والمُفَنَّد: المنسوبُ إلى الجهل وقِلَّة العقل. والضّرَّة: أصل الضَّرْعِ. ومُزْبدِ : خُفِض على المجاورة. وقوله: فَغَادَرَها رَهْناً لديها لِحَالب: أي: خلَّفَ الشَّاةَ عندها مُرْتهنة بأنْ تدرّ. وقال سُفْيان بن وكيع بن الجرّاح: حدثنا جُمَيْع بن عمر العِجْلَيّ إملاء، قال: حدثنا رجل من بني تميم - من ولد أبي هالة زوج خديجة، يُكنَى أبا عبدالله - عن ابنٍ لأبي هالة، عن الحسن بن عليّ رضي الله عنهما، قال: سألت خالي هندَ بن أبي هالة - وكان وصَّافاً - عن حِلَية النَّبِيَّ ◌ِلّهِ، وأَنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلَّقُ به، فقال: كان رسول الله فَلَ فخماً مفخَّماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، أطول من المربوع وأقصر من المشذَّب(٣)، عظيم الهامة، رَجِلَ الشِعر، إذا انفرقت عقيصتُهُ فَرَق، وإلّ فلا يجاوز شَعْرُه شحمة أُذُنَيْه إذا هو وفَّره، أزهر اللَّوْن، واسع الجبين. أَزَجَّ الحواجب: سوابغ في غير قَرنٍ، بينهما عِرْقٌ يُدِرُّه الغَضَب، أقنى (٤) العِرْنَيْن، له نور يعلوه يَحْسَبه من لم يتأمَّلْه أَشَمّ، كثّ اللَّحْية، سهل جَوّد المؤلف فتح الصاد والحاء المهملتين. (١) (٢) جَوّد المؤلف تقييدها بضم الباء الموحدة. كتب المؤلف في حاشية نسخته: «هو الطُّوال)». (٣) (٤) كتب في هامش الأصل: ((الأقنى: من ارتفع أنفه في وسطه، والضليع: المتسع)). ٧٥١ الخدّين، ضَلِيع الفم، أشنب مُفَلَّج الأسنان، دقيق المَسْرُبَة، كأنّ عُنُقَهُ جيدُ دُمْيَةٍ في صفاء الفضّة، معتدل الخَلْقِ، بادِنٌ، متماسك، سواء البطن والصَّدْرَ، عريض الصَّدْر، بعيد ما بين المَنْكِبَيْن، ضخُم الكراديس، أنور المتجرَّد، موصول ما بين اللَّبَّة والشُّرَّة بشعر يجري كالخطْ، عاري الثَّْيَيْن والبطن، وما سوى ذلك، أشْعر الذراعين والمَنْكِبَيْن وأعالي الصَّدْر، طويل الزّنْدَيْنِ، رَحْب الرّاحة، شَئْن(١) الكفَّينِ والقَدَمَيْن، سائل - أو سائر - الأطراف، خُمْصان الأخمصَين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قَلْعاً، يخطو تَكَفِّياً، ويمشي هَوْناً، ذريع المِشْبِةِ، إذا مشى كأنّما يَنْحَطُّ من صَبَب، وإذا التَفَتَ التفت جميعاً، خافض الطَّرْف، نظرُهُ إلى الأرض أكثر من نظره إلى السّماء، جُلُّ نَظَرِهِ الملاحظة، يسوق أصحابه، ويَبْدُرُ مَن لَقِيه بالسلام. قال: قلت: صِفْ لي مَنْطِقَه، قال: كان رسولُ الله ◌ِيه متواصلَ الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السَّكْتِ، لا يتكلّمُ فيِ غير حاجةٍ، يفتتح الكلامَ، بأشداقه، ويختمه بأشداقه، ويتكلّمُ بجوامع الكَلِمِ، فَصْلِ لا فُضُول ولا تقصير، دَمِثٌ ليس بالجافِي ولا المَهين، يعظُم النّعمةَ وإِنْ دَقَّتْ، لا يذمّ شيئاً، غير أنّه لم يكن يذمّ ذَوَّاقاً ولا يمدحُهُ، ولا تُغْضِبُهُ الدُّنيا وما كان لها، فإذا تُعدِّيَ الحقّ، لم يعرفه أحد، ولم يَقُم لغضبه شيء حتى ينتصرَ له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفّه كلَها، وإذا تعجّب قَلَبَها، وإذا تحدَّثَ انَّصلَ بها، يضرب براحته اليمنى باطنَ راحته اليُسْرَى، وإذا غضب أعرضَ وأشاح، وإذا فرح غضَّ طَرْفَه، جُّ ضَحِكِه التََّسُّم، ويَفْتَزُّ عن مثل حَبّ الغَمَامِ. قال الحسن: فكتمتُها الحسينَ زماناً، ثمّ حدَّثْتُهُ فوجدتُهُ قد سبقني إليه، يعني إلى هند بن أبي هالة، فسأله عمّا سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مُدْخَله ومُخْرَجه وشكله، فلم يَدَعْ منه شيئاً. قال الحسين: فسألت أبي عن دخولِ رسولِ الله مَّ فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، وكان إذا آوى إلى منزله جزَّأْ دُخُولَه ثلاثة أجزاء: (١) كتب على هامش الأصل: ((الشئن: ضد اللين)). ٧٥٢ جُزْءاً لله، وجُزْءاً لأهله، وجُزْءاً لنفسه، ثم جَزَّءَ جُزأَهُ بينه وبين النّاس، ورد ذلك بالخاصّة على العامّة، ولا يدَّخِر عنهم شيئاً، فكان من سِيرته في جزء الأمّة إيثارُ أهل الفضل بإذنه، وقَسَمَهُ على قدر فضلهم في الدِّين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمّة من مسألته عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، يقول: ليبلّغ الشاهدُ الغائبَ، وأبلِغُوني حاجةَ مَن لا يستطيع إبلاغُها، فإنّه مَن أبلغ سلطاناً حاجةَ مَن لا يستطيع إبلاغَها، ثَبَّتَ اللهُ قدمَيْه يوم القيامة، ولا يُذْكَر عنده إلّ ذلك ولا يقبل من أحدٍ غيره، يدخلون رُوَّاداً، ولا يفترقون إلّ عن ذَواق ويخرجون أدِلّة، يعني على الخير. فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان يخزن لسانه إلاّ ممّا يعنيه، ويؤلِّفهم ولا يُنَفِّرهم، ويُكرِم كريمَ كلِّ قومٍ وِيُوَّيه عليهم، ويحذَرُ النّاسَ ويحترس منهم، من غير أنَ يطوي عن أحدٍّ بِشْرَه ولا خُلُقه، ويتفقّد أصحابه، ويسألُ النّاسَ عمّا في النّاس، ويحسِّنُ الحَسَن ويقوِّيه، ويُقَبِّحُ القبيحَ ويوهِّيه، معتدلَ الأمر غيرَ مختلف، لا يغفل مخافةَ أنْ يغفلوا أوٍ يَمَلُّوا، لكلِّ حالٍ عنده عتاد، لا يقصّر عن الحقّ، ولا يجاوزه، الذين يَلُونَهُ من النّاسِ خيارهم، وأفضلُهم عنده أعمّهم نصيحةً، وأعظمهم عنده أحسنهم مواساة (١). فسألته عن مجلسه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسولُ الله ◌ِلَةٍ لا يقوم ولا يجلس إلاّ على ذِكْر، ولا يوطِن الأماكنَ ويَنْهَى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يُعطي كلَّ جُلَسائه نصيبَهُ، ولا يحسَبُ جليسُه أنَّ أحداً أكرم عليه منه، مَنْ جالسه أو قاومه لحاجةٍ صابَرَهُ حتى يكون هو المنصرفَ. ومَن سأله حاجةً لم يردّه إلاّ بها، أو بميسورٍ من القَوْل. قدِ وَسِعَ النّاسَ منه بَسْطُهُ وخُلُقُهُ، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحقّ سواءً. مجلِسُهُ مجلس حِلْمٍ وحَيَاءٍ وصبرٍ وأمانةٍ، لا تُرْفَع فيه الأصوات، ولا تُؤَّبَنُ فيه الحُرَم، ولاَ تُنْثَى فلتاته، متعادلين (١) كتب ابن البعلي على هامش الأصل: ((بلغت قراءة على مؤلفه الحافظ أبي عبدالله الذهبي، كتبه ابن البعلي، وذلك في الخامس عشر)). ريخ الإسلام ٤٨٣/١ ٧٥٣ يتفاضلون فيه بالتَّقْوَى، متواضعين يوقّرون فيه الكبيرَ، ويرحمون فيه الصّغيرَ، ويُؤْثِرُون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. أخرج التِّرْمِذِيُّ أكثَرَه مُقَطَّعاً في ((كتاب الشّمائل))(١) . ورواه زكريا بن يحيى السِّجْزيّ، وغيرُه، عن سُفْيان بن وكيع . ورواه إسحاق بن رَاهُوية، وعليّ بن محمد بن أبي الخصيب، عن عَمْرو بن محمد العَنْقَزيّ، قال: حدثنا جُمَيْع بن عمر العِجْليّ، عن رجل يقال له يزيد بن عمر التميميّ - من ولد أبي هالة - عن أبيه، عن الحسن بن عليَ(٢)، وفيه زائد من هذا الوجه وهو: فسألته عن سيرتِه في جُلَسائه، فقال: كان دائم البِشْر، سَهْلَ الخُلُق، لَيِّنَ الجانب، ليس بفظُ ولا غليظٍ ولا سخّاب، ولا فَحّاش، ولا عَيَّاب، ولامَزَّاح، يتغافل عمّا لا يشتهيه، ولا يُؤْيَس منه، ولا يحبّب فيه، قد تَرَكَ نفسه من ثلاثٍ: من المِراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث: كان لا يذُّ أحداً ولا يعيِّره، ولا يطلب عَوْرَتَه، ولا يتكلّم إلّ فيما رجا ثوابه. إذا تكلّم أطرق جُلَساؤه كأنّما على رؤوسهم الطَّير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده الحديثَ، من تكلّم أنصتوا له، وكان يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون، ويصبر للغريب على الجَفْوة في مَنْطِقِه ومسألته، حتى إنْ كان أصحابُه ليستجلبونهم، ويقول: ((إذا رأيتم صاحبَ الحاجة يطلبها فارفدوه))، ولا يقبل الثَّنَاءَ إلّ عن مكافىءٍ، ولا يقطع على أحدٍ حديثَه بنَهْي أو قيام. فسألته: كيف كان سُكُوتُه؟ قال: على أربع: على الحِلْم،َ والحَذَر، والتدبُّر، والتفكّر، فأمّا تَدَبُّرُه، ففي تسوية النّظر وَالاستماع بين النّاس، وأَمّا تفكّرُهُ ففيما يبقَى ويفْنَى، وجُمِع لَه الحِلْم في الصَّبر، فكان لا يُغضِبه شيءٌ ولا يستفزّه. وجُمِع له الحَذَرُ في أربع: أَخْذَه بالخير(٣) ليُقْتَدَى به، وترْكِه القبيحَ لِيُنْتَهَى عنه، واجتهاده الرأيَ فَيما يُصْلِح ◌ُمَّته والقيام بهم، والقيام فيما جمع لهم أمرَ الدنيا والآخرة ◌َِّةِ. (١) الشمائل للترمذي (٨) و(٣٣٦)، وهو بطوله في دلائل النبوة ٢٨٦/١ - ٢٩٠. (٢) ابن سعد ٤٢٢/١ -٤٢٤ . (٣) على هامش الأصل: ((بالحسن)) في نسخة أخرى. ٧٥٤ ، ورواه بطوله كلّه يعقوب الفَسَويّ (١): حدثنا أبو غسّان النَّهْدِيّ، وسعيد ابن حمّاد الأنصاريّ المصري، قالا: حدثنا جُمَيْع بن عمر، قال: حدثني رجل بمكة، عن ابنٍ لأبي هالة، فَذَكَرَه. ورواه الطّبرانيُ(٢)، عن عليّ بن عبدالعزيز، عن أبي غسّان النَّهْدي. قرأتُ على أبي الهُدَى عيسى بن يحيى السبتي، أخبركم عبد الرحيم ابن يوسف الدمشقي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا أبو سعد الحسين بن الحسين الفانيذي، وأبو مُسْلم عبدالرحمن بن عمر السِّمْناني، وأبو سعد محمد بن عبدالملك الأسدي، قالوا: أخبرنا أبو عليّ الحسن بن أحمد بن إبراهيم التّاجر، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عُبَيْد الله بن الحسين بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب العَلَوي المعروف بابن أخي أبي طاهر، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن عليّ، قال: حدثني عليّ بن جعفر بن محمد بن عليّ، عن أخيه موسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، قال: قال الحسن بن عليّ رضي الله عنهما: سألت خالي هند ابن أبي هالة، عن حِلْية رسولِ اللهِ مٍَّ، وكان وصّافاً، وأنا أرجو أن يصف لي منه شيئاً أتعلَّقُ به، فقال: كان فَخْماً مفخَّماً. فذكر مثلَ حديث جُمَيْع بن عمر بطُوله، إلاّ في ألفاظِ: فقال في عريض الصدر: فسيح الصدر، وقال: رَحْب الجبهة بدل رحب الراحة، وقال: يبدأ بدل يبدرُ مَنْ لَقِيهُ بالسلام، وقال: طويل السكوت بدل السَّكْت، وقال: لم يكن ذَوَّاقاً ولا مُدَحة بدل لا يذمّ ذَواقاً ولا يمدحه، وأشياء سوى هذا بالمعنى . قوله متماسِك: أي ممتلىء البدن غير مُسْتَرْخٍ ولا رَهِلٍ، والمتجرّد: المُتَعَرّي، واللَّة: النَّحْر، والسّائر والسّائل: هو الطّويل السّابع، والأخمص: ما يلصق من القدم بالأرض، والممسوح: الأملس الذي ليس فيه شُقُوق، ولا وسخ، ولا تَكَسُّر، فالماء ينبو عنهما لذلك إذا أصابهما . (١) المعرفة والتاريخ ٢٨٤/٣-٢٨٧. (٢) المعجم الكبير ٢٢/ حديث (٤١٤). ٧٥٥ وقوله: زال قَلْعاً، المعنى أنّه كان يرفع رِجْلَيْه من الأرض رفعاً بقوّةٍ لا كَمَنْ يمشي اختيالاً وِيشحط مَدَاسه دلكاً بالأرض، ويُرْوَى: زال قَلَعاً. ومعناه: التثبُّت، والذَّريع: السريع. يسوق أصحابه: أي يُقَدِّمهم أمامَه، والجافي: المتكبِّر، والمَهين: الوضيع، والذَّواق: الطّعَام، وأشاح: أي اجتنب ذاك وأعرض عنه. وحَبُّ الغمام: البَرَد، والشّكل: النَّحو والمذهب، والعتاد: ما يُعَدُّ للأمرِ مثل السلاح وغيره. وقوله: لا تُؤَّبَن فيه الحُرَمُ: أي: لا تُذْكِر بقبيح، ولا تُنْثَى فَلَتَاتُه: أي: لا تُذاع، أي: لم يكن لمجلسه فَلَتَات فَتُذَاعِ، وَالنَّثا في الكلام: القبيح والحَسِن . وقد مرّ في حديث الإسراء أنّه قال: رأيتُ إبراهيم وهو قائمٌ يصلّي، فإذا أشبهُ النّاسِ به صاحبُكم، يعني نفسه صلّى الله عليهما. وقال إسرائيل عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، أن قريشاً أتوا كاهنةً فقالوا لها: أخبرينا بأقربنا شَبَهاً بصاحب هذا المقام، قالت: إنْ جَرَرْتُم كساءً على هذه السَّهلة، ثمّ مشيتم عليها أنبأتكم. ففعلوا، فأبصرت أثَرَ قدم محمد عليه السلام قالت: هذا أقربكم شَبَهاً به. فمكثوا بعد ذلك عشرين سنة أو نحوها، ثمّ بُعِث عليه السلام. وقال أبو عاصم، عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن عُقبة بن الحارث، قال: صلّى بنا أبو بكر رضي الله عنه العَصْر، ثمّ خرج هو وعليّ يمشيان، فرأى الحَسَنَ يلعب مع الغِلمان، فأخذه فحمله على عاتقه ثم قال : بأبي شبيه النبيِّ ليس شبيهاً بعليّ وعليّ يتبسّم. أخرجه البخاري(١)، عن أبي عاصم. وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانىء بن هانىء، عن عليّ رضي الله عنه قال: الحَسَن أشبه برسول الله ◌َّ ما بين الصَّدْر إلى الرأس، والحُسين أشبه برسولِ الله ◌ِلّ ما كان أسفلَ من ذلك(٢). (١) البخاري ٣٣/٥، ودلائل النبوة ٣٠٦/١ - ٣٠٧. (٢) دلائل النبوة ١/ ٣٠٧ . ٧٥٦ باب قوله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال النبي ◌َّ: ((أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهم خُلُقاً)). وقال البخاري ومسلم(١): مالك، عن ابن شهاب، عن عُرْوَة، عن عائشة، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله ◌ِ له بين أمرين، إلاّ أخذ أيْسَرَهُما، ما لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعدَ النّاسِ منه، وما انتقم لنفسه إلاّ أنْ تُنْتَهَكَ محارمُ الله، فينتقم لله بها . وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما ضرب رسولُ الله وَ بيده شيئاً قطْ، لا امرأةً ولا خادماً، إلاّ أنْ يجاهد في سبيل الله، ولا نِيلَ منه شيءٌ قطّ، فينتقم من صاحبِه، إلاّ أنْ يُنْتَهَك شيءٌ من محارم الله، فينتقم لله. رواه مسلم(٢). وقال أنَس: خَدَمْتُهُ مََّ عشرَ سِنين، فَوَالله ما قال لي أُفِّ قطّ، ولا قال لشيءٍ فعلتُهُ: لِمَ فعلتَ كذا، ولا لشيءٍ لم أفعلْه: ألا فعلتَ كذا؟. وقال عبدالوارث، عن أبي التّاح، عن أنس، قال: كان رسول الله أحسنَ النّاسِ خُلُقاً. أخرجه مسلم(٣). وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنَس: كان ◌ِّ أَجْوَدَ النّاس، وأجملَ الناس، وأشجعَ النّاس. مُتَّفقٌ عليه (٤) . وقال فُلَيْح، عن هلال بن عليّ، عن أنَس: لم يكن رسولُ الله ◌ِّ سَبَّاباً ولا فاحشاً، ولا لَعَّاناً، كان يقول لأَحَدِنا عند المَعْتِبَة: ما لَهُ تَرِبَ جبينُهُ. أخرجه البخاري(٥) . (١) البخاري ٢٣٠/٤ و٣٦/٨ و١٩٨/٨، ومسلم ٨٠/٧، ودلائل النبوة ٣١٠/١-٣١١. (٢) مسلم ٧/ ٨٠، ودلائل النبوة ١/ ٣١١. (٣) مسلم ١٧٦/٦، ودلائل النبوة ١/ ٣١٢ - ٣١٣. (٤) البخاري ٤ /٤٧ و١٦/٨، ومسلم ٧٢/٧، ودلائل النبوة ٣١٣/١. (٥) البخاري ١٥/٨ و١٨، ودلائل النبوة ٣١٤/١. ٧٥٧ وقال الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبدالله بن عَمْرو، أنّ رسول الله ◌ِ﴾ لم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً، وأنّه كان يقول: خِيارُكُم أحسنُكُم أخلاقاً. مُتَّفقٌ عليه(١) . وقال أبو داود(٢): حدثنا شُعْبة، عن أبي إسحاق، سمع أبا عبد الله الجَدَليّ يقول: سألتُ عائشةَ عن خُلُق رسولِ الله ◌َّ فقالت: لم يكن فاحشاً، ولا متفحِّشاً، ولا سخَّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسّيئة السَّيِّئَةَ، ولكنْ يعفو ويَصْفَح. وقال شُعْبة، عن قَتَادة: سمعت عبدَالله بن أبي عُتْبة، قال: سمعتُ أبا سعيد الخُدْرِيّ يقول: كان رسول الله وَّ أشدَّ حياءً من العَذْراء في خِدْرِها، وكان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه. مُتَّفقٌ عليه(٣). وقال ابن عمر: قال رسول الله بَ له: ((الحياء من الإيمان)) (٤). وقال مالك، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنَس، قال: كنتُ أمشي مع النبيِّ مَ﴿ وعليه بُرْد غليظ الحاشية، فأدركه أعْرابيٌّ فجبذَ بردائه جَبْذاً شديداً، حتّى نظرتُ إلى صفحة عاتقه قد أثَّرَتْ بها حاشيةُ البُرْد، ثمّ قال: يا محمد مُرْ لي من مالِ اللهِ الذي عندك، فالتفت إليه النّبيُّ ◌َّ فضحكَ، ثم أمرَ له بعطاء. مُتَّفقٌ عليه(٥). وقال عُبَيْد الله بن موسى، عن شَيْيان، عن الأعمش، عن ثُمامة بن عُقْبة، عن زيد بن أرقم، قال: كان رجلٌ من الأنصار يدخل على النبيِّ بَخيال ويأمنه، وأنّه عقد للنّبيِّ نَِّ عُقداً، فألقاه في بئرٍ فَصَرِعَ ذلك النّبِيَّ ◌َّ فأتاه مَلَكان يعودانه، فأخبراه أنَّ فلاناً عَقَد له عُقَداً، وهي في بئر فلان، ولقد اصْفَرَّ الماءُ من شدّة عقده، فأرسل النّبيُّ بَ﴿ فاستخرج العقد، فوجد الماءَ قد اصْفَرَّ، فحلّ العقد، ونام النّبيُّ بِّهِ. فلقد رأيتُ الرجلَ بعد ذلك يدخلُ على النّبِيِّ بَثّل، فما رأيته في وجه النّبيّ مَلّ حتّى مات. (١) البخاري ١٦/٨، ومسلم ٧٧/٧، ودلائل النبوة ٣١٥/١. (٢) هو الطيالسي، وهو في مسنده (١٥٢٠). البخاري ٤/ ٢٣٠ و٣١/٨-٣٢ و٣٥، ومسلم ٧٧/٧، ودلائل النبوة ٣١٦/١. (٣) (٤) البخاري ٩/١، ومسلم ٤٦/١ . (٥) البخاري ٢٩/٨، ومسلم ١٠٣/٣، ودلائل النبوة ٣١٨/١. ٧٥٨ وقال أبو نُعَيْم: حدثنا عِمْران بن زيد أبو يحيى المُلائيّ، قال: حدثني زيد العَمي، عن أنَس: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إِذا صافحه الرجلُ لا ينزِعُ يده من يده، حتّى يكون الرجلُ ينزع، وإنِ اسْتَقْبَلَه بوجهه، لا يَصْرفه عنه، حتّى يكون الرجل ينصرف، ولم يُرَ مُقَدِّماً رُكْبَتَهُ بين يدي جليسٍ له. أخرجهما الفَسوي عنهما في تاریخه(١) . وقال مبارك بن فَضَالة، عن ثابت، عن أنس: ما رأيتُ رجلاً التقم أُذُنَ النّبِيِّ بَّهِ فَيُنَخِّي رأسه، حتّى يكون الرجلُ هو الذي يُنَجِّي رأسَه، وما رأيتُ رسولَ الله أخذ بيدهِ رجلٍ فترك يده، حتّى يكونَ الرجلُ هو الذي یَدَعُ یده. أخرجه أبو داود(٢). وقال سليمان بن يسار، عن عائشة، قالت: ما رأيتُ رسولَ الله ـَ الله مستجمعاً ضاحكاً، حتّى أرى منه لهَوَاته، إنّما كان يتبسّم. مُتَّفقٌ عليه(٣). وقال سِماك بن حرب: قلت لجابر بن سَمُرَة: أكُنْتَ تجالسُ النّبِيَّ ◌ِ﴾؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مُصَلّه حتّى تَطْلُعَ الشمسُ، وكانوا يتحدّثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسّم. رواه مسلم (٤). وقال اللَّيْث بن سعد، عن الوليد بن أبي الوليد، أنّ سليمان بن خارجة أخبره، عن أبيه، أنّ نَفَراً دخلوا على زيد بن ثابت أبيه، فقالوا: حدَّثْنا عن بعض أخلاق رسول الله وَليّة، فقال: كنت جارَه، فكان إذا نزل الوحيُّ بعث إليَّ فآتِيه، فأكتبُ الوحيَ، وكنّا إذا ذكرنا الدُّنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرةَ ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطَّعام ذكره معنا (٥). وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب، عن عليّ قال : لمّا كان يوم بدر، اتّقينا المشركين برسول الله ◌ِ ﴾، وكان أشدَّ النّاس بأساً، وما كان أحدٌ أقربَ إلى المشركين منه(٦). (١) المعرفة والتاريخ ٢٨٩/٣، ودلائل النبوة ٣١٩/١ - ٣٢٠. (٢) أبو داود (٤٧٩٤)، ودلائل النبوة ٣٢٠/١ - ٣٢١. (٣) البخاري ١٦٧/٦ و٢٩/٨- ٣٠، ومسلم ٢٦/٣، ودلائل النبوة ٣٢٢/١. (٤) مسلم ٧٨/٦، ودلائل النبوة ٣٢٣/١ . (٥) دلائل النبوة ١/ ٣٢٣ . (٦) دلائل النبوة ٣٢٤/١ - ٣٢٥. ٧٥٩ وقال الثَّوْرِيّ، عن محمد بن المُنْكَدِر: سمعت جابراً يقول: لم يُسأل النّبِيُّ ◌َّهَ شيئاً قَطَ فقال: لا. مُتَّفقٌ عليه(١). وقال يونس، عن الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله، عن ابن عباس: كان رسولُ الله وَ أَجْوَدِ النّاس، وكان أجْوَدَ ما يكون في رمضان. مُتَّفقٌ عليه(٢). وقال حُميد الطّويل، عن موسى بن أنس، عن أبيه، قال: أتى رجلٌ النّبِيَّ ◌َّ فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومَه فقال: أَسْلِمُوا فإنَّ محمداً يعطي عطاءَ مَنْ لا يخافُّ الفاقة. أخرجه مسلم(٣). وقال مَعْمَر، عن الزُّهرِيّ، عن عُرْوة، عن عائشة: كان رسولُ الله مَلِ اللَّهِ إذا كان في بيته يخصِف نَّعْلَه، ويَخِيط ثَوْبَه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكُم في بيته (٤). وقال أبو صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، قيل لعائشة: ما كان رسولُ الله ◌َّه يعمل في بيته؟ قالت: كان بَشَراً من البَشَر، يفلي ثوبه، ويحلبُ شاتَه، ويخدم نفسه(٥) . وقال شُعْبة: حدثني مسلم الأعور أبو عبدالله، سمع أنَساً يقول: كان رسولُ اللهِ وَلّ يركبُ الحمارَ، ويلبسُ الصُّوفَ، ويُجيب دعوةَ المملوك، ولقد رأيتُهُ يومَ خَيْبَر على حمارٍ، خطامُهُ من لِيف (٦). وقال مروان بن محمد الطَّاطَريّ: حدثنا ابن لَهِيعة، قال: حدثني عمار ابن غَزِيّة، عنِ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: كان رسولُ الله ◌َّهِ مِن أَفْكَه النّاسِ مع صبيٍّ. وفي ((الصحيح)) (٧) أنَّ النّبيَّ بَ قال: أبا عُمَيْر ما فعل النُّغَيْرِ؟. (١) البخاري ١٦/٨ وفي ((الأدب المفرد)) ٢٧٩ و٢٩٨، ومسلم ٧٤/٦، ودلائل النبوة ٣٢٦/١. البخاري ٢٢٩/٤، ومسلم ٧٣/٦، ودلائل النبوة ٣٢٦/١. (٢) (٣) مسلم ٦/ ٧٤، ودلائل النبوة ٣٢٧/١ . (٤) دلائل النبوة ٣٢٨/١ - ٣٢٩. (٥) دلائل النبوة ٣٢٨/١ . (٦) دلائل النبوة ٣٣٠/١. (٧) البخاري ٣٧/٨و٥٥، ومسلم ١٢٧/٢ و١٧٦/٦ و٧٤/٧. ٧٦٠