Indexed OCR Text
Pages 541-560
وقال يوسف بن يعقوب القاضي: حدثنا أبو الرَّبيع، قال: أخبرنا أبو
معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، قال: جاء
جبريل إلى النبي ◌َّ وهو خارج من مكة، قد خَضَبه أهلُ مكة بالدِّماء، قال:
ما لَكَ؟ قال: خضبني هؤلاء بالدِّماء وفعلوا وفعلوا، قال: تريدُ أن أُرِيكَ
آيَةً؟ قال: نعم. قال: ادعُ تلك الشجرة. فدعاها رسولُ اللهِ مَّه، فجاءت
تخطّ الأرضَ حتى قامت بين يديه، قال: مُرْهَا فلترجع إلى مكانها. قال:
ارجعي إلى مكانكِ فَرَجعَت، فقال رسول الله مَ ﴾: حسبي. هذا حديث
(١)
صحيح (١).
وقال ابن إسحاق(٢): حدثني وَهْبِ بن كيسان، قال: سمعت عبدالله بن
الزُّبير يقول لعُبيد بن عُمَير بن قَتَادة اللَّيثي: حَدِّثْنَا ياعُبيد الله(٣) عن كيف كان
بَدْء ما ابتدىء به رسول الله بَّ﴾ من النُّبوة حين جاءه جبريل. فقال عُبيد بن
عُمَير: كان رسول الله ◌َ ◌ّ يجاور في حِراء من كلّ سنة شهراً، وكان ذلك ممّا
تتحنّث به قريشٌ في الجاهلية. والتحثُّثَ التبرُّر.
قال ابن إسحاق(٤): فكان يجاور ذلك في كلّ سنة، يطعم مَنْ جاءه من
المساكين، فإذا قضى جواره من شهره، كان أول ما يبدأ به الكعبة، فيطوف
ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله كرامته، وذلك الشهر
رمضان، خرج ◌َّ إلى حِراء ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه
الله فيها برسالته، جاءه جبريل بأمر الله تعالى. قال رسول الله وَ ل: ((جاءني
وأنا نائم بنمطٍ من ديباج فيه كتاب، فقال: إقرأ. قلت: ما أقرأ؟ قال:
فَغَتَّني(٥) به حتى ظننت أنّه الموت، ثم أرسلني فقال: إقرأ. قلت: وما
أقرأ؟ فغتَني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: إقرأ. قلت: وما
أقرأ؟ ما أقول ذلك إلّ افتداءً منه أن يعود لي بمثل ما صنع بي، فقال: ﴿اقْرَأْ
(١) دلائل النبوة ١٥٤/٢. وأخرجه أحمد ١١٣/٣، والدارمي (٢٣)، وابن ماجة
(٤٠٢٨).
(٢) ابن هشام ٢٣٥/١.
هكذا في الأصل، ولعل هذا من خطاب ابن الزبير له، وإلا فاسمه: ((عُبيد)) حسب.
(٣)
(٤) ابن هشام ٢٣٦/١.
(٥) أي: عصرني عصراً شديداً حتى وجدت منه المشقة.
٥٤١
بِأَسْمِ رَبِّكَ لَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمَ فَ﴾ [العلق]، فقرأتها ثم انتهى عني،
وهَبَبت من نومي، فكأنَّما كتبت في قلبي كتاباً)). في هذا المكان زيادة،
زادها يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق، وهي: ولم يكن في خلق الله أحدٌ
أبغض إليَّ من شاعرٍ أو مجنونٍ فكنت لا أطيقُ أنظر إليهما، فقلت: إنَّ
الأبعد، يعني نفسه، لشاعرٌ أو مجنون، ثم قلت: لا تَحَدَّثُ عني قريش بهذا
أبداً، لأعمدن إلى حالقٍ من الجبل، فلأطرحنّ نفسي فلأستريحنّ، فخرجت
حتى إذا كنت في وسطٍ من الجبل، سمعت صوتاً من السماء يقول: يا
محمد أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا جبريل
في صورة رجلٍ صافٍّ قدميه في أُفق السماء، فقال: يا محمد أنت رسول الله
وأنا جبريل. فوقفتُ أنظر إليه، فما أتقدَّمُ ولا أتأخَّرُ، وجعلت أصرف
وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحيةٍ منها إلاّ رأيته كذلك، فما
زلت واقفاً حتى بعثت خديجةُ رُسُلها في طلبي، فبلغوا أعلى مكة ورجعوا
إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك. ثم انصرف عني، فانصرفت إلى أهلي،
حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذِها مضيفاً إليها(١) فقالت: يا أبا
القاسم أين كنت؟ فَوالله لقد بعثتُ رُسُلي في طلبك حتى بلغوا أعلى مكة
ورجعوا. ثم حَدَّثْتُهَا بالذي رأيتُ، فقالت: أبشِر يا ابن عمي واثبت فوالذي
نفسُ خديجة بيده إنّي لأرجو أن تكون نبيَّ هذه الأمة(٢).
ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقتْ إلى ورقة بن نوفل، وهو
ابن عمها، وكان قد تَنَصَّر وقرأ الكتب، فأخبرته بما رأى وسمع، فقال
ورقة: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، والذي نفسي بيده لئن كنتِ صدقت يا خديجة، لقد
جاءه الناموسُ الأكبر الذي كانَ يأتي موسى وإنّه لنبيُّ هذه الأمة فقولي له
فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله ◌َ﴾ فأخبرته بقول وَرَقة، فلما قضى
جواره طاف بالكعبة، فلقيه ورقة وهو يطوف فقال: أخبرني بما رأيتَ
وسمعت، فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبيُّ هذه الأمة، ولقد
جاءكَ النّاموسُ الأكبر الذي جاء موسى ولتُكَذَّبُنَّه ولتُؤْذُنَّه ولتُخْرَجُنَّه
(١) أي: ملتصقاً بها.
(٢) ابن هشام ٢٣٧/١-٢٣٨.
٥٤٢
ولتُقاتَلُنَّه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصُرَنَّ الله نصراً يعلمُهُ، ثم أدنى
رأسه منه فقبّل یافوخَه .
وقال موسى بن عُقبة في ((مغازيه)): كان محّ فيما بَلَغَنا أوّل ما رأى أنّ
اللهِ أراه رؤيا في المنام، فشقَّ ذلك عليه، فذكرها لخديجة، فعصمها الله
وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر. ثم أخبرها أنّه رأى بطنه شُقَّ ثم
طُهِّر وغُسِّل ثم أعيد كما كان، قالت: هذا والله خيرٌ فأبشِر. ثم استعلن له
جبريل وهو بأعلى مكة، فأجلسه في مجلسٍ كريم مُعجِب كان النبي
ـية
صَلِ له
يقول: أجلسني على بساط كهيئة الدُّرْتوك (١) فيه الياقوتَ واللُّؤلؤ، فبشره
برسالة الله عزّ وجلّ حتى اطمأنَّ.
الذي فيها من شقّ بطنه يُحتَمَل أن يكون أخبرها بما تم له في صِغَره
ويُحتَمَل أن يكون شُقَّ مرةً أخرى، ثم شُقَّ مرة ثالثة حين عُرِج به إلى
السماء .
وقال ابن بُكَير عن ابن إسحاق(٢)، فأنشد ورقة:
حديثك إيّانا فأحمد مُرسَلُ
إن يَكُ حقّاً يا خديجة فاعلمي
من الله وحيٌّ يَشرح الصَّدرَ مُنزَلُ
وجبريل يأتيه وميكالُ مَعْهما
ويشقى به العاني الغويُّ المُظَلَّلُ
يفوز به من فاز فيها بتوبة
ومَنْ هو في الأيام ما شاء يَفعَلُ
فسبحان من تَهوي الرّياحُ بأمره
وأقضاؤه في خلقه لا تُبَدَّلُ
ومَن عرشهُ فوق السَّماوات كلّها
وقال ابن إسحاق(٣): حدثني إسماعيل بن أبي حَكيم أنّ خديجة قالت
لرسول الله وَلـ: أي ابن عم، إن استطعتَ أن تُخبرني بصاحبك هذا الذي
يأتيك إذا جاءك. قال: ((نعم)). قال: فلمَّا جاءه قال: ((يا خديجة هذا
جبريل)). قالت: يا ابن عم قُم فاجلس على فخذي اليُسرى، فقام فجلس
عليها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم، قالت: فتحوّل فاقعد على فخذي
اليُمنى. فتحول فقعد على فخذها، قالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت:
(١) ستر له خمل.
(٢) دلائل النبوة ١٥٠/٢.
(٣) ابن هشام ٢٣٨/١-٢٣٩، ودلائل النبوة ١٥٢/٢.
٥٤٣
فاجلس في حِجري. ففعل، قالت: هل تراه؟ قال: نعم. فتحسَّرت فألقت
خِمَارها، ثم قالت: هل تراه؟ قال: لا. قالت: اثبت وأبشِر فَوَالله إنّه لَمَلَكٌ وما
هذا بشيطان. قال: وحدثتُ عبدَالله بنَ حسن هذا الحديث فقال: قد سمعت
أمّي فاطمةَ بنتَ حسين تحدث هذا الحديث، عن خديجة، إلاّ أنِّي سمعتُها
تقول: أدخلت رسولَ الله وَلّل بينها وبين دِرعها فذهب عند ذلك جبريل،
فقالت: إنَّ هذا لَمَلَكٌ وما هو بشيطان.
وقال أبو صالح: حدثنا اللَّيث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني
محمد بن عبَّاد بن جعفر المخزومي أنّه سمع بعضَ علمائهم يقول: كان أوّل ما
أنزل الله على نبيه: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّك٠َ﴾ إلى قوله: ﴿مَالَزْ يَعْلَمَثَ﴾ [العلق] فقالوا:
هذا صدرُها الذي أُنزِل على رسول الله بَّهَ يوم حِراء، ثم أُنزل آخِرُها بعدُ بما
شاء الله(١).
وقال ابن إسحاق(٢): ابتُدِىء رسولُ الله مَالّ بالتنزيل في رمضان، قال الله
تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ ®﴾﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا
أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ ٠﴾ [القدر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةٍ مُّبَرَّكَةٍ ﴾
[الدخان](٣).
قال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق(٤)، قال: هَمَزَ جبريلُ بعقبه في ناحية
الوادي، فانفجرت عينٌ، فتوضّأ جبريل ومحمد عليهما السلام، ثم صلى
ركعتين ورجع، قد أقرَّ الله عينه، وطابت نفسُه، فأخذ بيد خديجة، حتى أتى
بها العينَ فتوضّأ كما توضّأ جبريل، ثم صلّى ركعتين هو وخديجة، ثم كان هو
وخديجة يصليان سرّاً، ثم إنّ علياً جاء بعد ذلك بيوم فوجدهما يصلَيان فقال
عليٌّ: ما هذا يا محمد. فقال: دينٌ اصطفاهُ الله لنفسه وبعث به رُسُله فأدعوكَ
إلى الله وحده وكُفرِ باللّت والعُزَّى. فقال عليّ: هذا أمر لم أسمعْ به قبلَ
دلائل النبوة ٢ / ١٥٧.
(١)
(٢)
ابن هشام ٢٣٩/١.
كتب المؤلف في حاشية نسخته إضافة لكنّه تنبه إلى أنها قد مَرّت فكتب قبالتها ((مَرّ))
(٣)
وهي: ((وقال ابن أبي عدي، عن داود، عن عامر الشعبي، قال: أنزلت النبوة على رسول
الله ◌َلّ وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين يُعلّمه الكلمة والشيء، ولم
ينزل القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل القرآن على
لسانه عشرين سنة)).
(٤) دلائل النبوة ١٦٠/٢- ١٦١. وانظر ابن هشام ٢٤٤/١.
٥٤٤
اليوم، فلستُ بقاضٍ أمراً حتى أُحَدِّث به أبا طالب. وكره رسولُ الله ◌َِّ أن
يُفشي عليه سِرَّهُ قبل أن يستعلن عليه أمره، فقال له: يا عليّ إذْ لم تُسلم
فاكتم، فمكث عليٌّ تلك الليلة ثم أوقع الله في قلبه الإسلام، فأصبح فجاء
إلى رسول الله وقَّه وأسلم، وبقي يأتيه على خوفٍ من أبي طالب، وكَتَم
إسلامه .
وأسلم زيد بن حارثة، فمكثا قريباً من شهرٍ، يختلفُ عليٍّ إلى رسولِ
الله ◌َثير، وكان مما أنعم الله على عليّ أنّه كان في حِجر رسول الله ◌ِلّه قبل
الإسلام .
وقال سَلَمَة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق(١): حدثني عبدالله ابن
أبي نجيح، عن مجاهد، قال: أصابت قريشاً أزمةٌ شديدة، وكان أبو طالب
ذا عيالٍ كثيرة، فقال النبي ◌ِّ للعباس عمه - وكان مُوسِراً - إنَّ أخاك أبا
طالب كثير العيال، وقد أصابَ الناسَ ما ترى، فانطلق لنخفف عنه من
عياله، فأخذ النبي وَ لَ عليّاً، فضَمَّهُ إليه، فلم يزل مع رسول الله مَ ل حتى
بعثه الله نبيّاً فاتبعه عليٌّ وآمن به .
وقال الدَّراوَردِيّ، عن عمر بن عبدالله، عن محمد بن كعب القُرَظيّ،
قال: إنّ أوّل من أسلم خديجة، وأول رجُلَين أسلما أبو بكرٍ وعلي، وإنّ أبا
بكر أول من أظهر الإسلام، وإنّ عليّاً كان يكتم الإسلام فَرَقاً من أبيه، حتى
لقيه أبوه فقال: أسلَمتَ؟ قال: نعم، قال: وازر ابنَ عمِّك وانصُره. وقال:
أسلم علي قبل أبي بكر(٢).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدثني محمد بن عبدالرحمن بن
عبدالله بن الحُصَين التميمي أنّ رسول الله بِ ◌ّه قال: ((ما دعوتُ أحداً إلى
الإسلام إلا كانت عنده كبوةٌ وتردُّد ونظرٌ، إلاّ أبا بكرٍ، ماعتم(٤) منه حين
ذكرته وما تردد فیه)).
(١) ابن هشام ١/ ٢٤٦، ودلائل النبوة ١٦٢/٢.
(٢) دلائل النبوة ١٦٣/٢.
(٣) دلائل النبوة ١٦٤/٢.
(٤) كتب المؤلف على حاشية نسخته: ((تأخر)).
اريخ الإسلام ١/م٣٥
٥٤٥
وقال إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن أبي ميسرة أنَّ النبي ◌ِّ كان إذا
بَرَزَ، سمع من يناديه، يا محمد، فإذا سمع الصوت انطلق هارباً، فأسرَّ ذلك
إلى أبي بكر، وكان نديماً له في الجاهلية (١).
إسلام السَّابقين الأوَّلينَ
قال ابن إسحاق(٢): ذكر بعضُ أهل العلم أنّ رسول الله بِ لّ كان إذا
حضرت الصّلاةُ، خرج إلى شِعاب مكة ومعه عليٍّ فيُصلّيان فإذا أمسيا
رجعا، ثم إنّ أبا طالب عبر عليهما وهما يُصلّيان، فقال للنبي ◌َّ: يا ابن
أخي ما هذا؟ قال: أي عم هذا دينُ الله ودين ملائكته ورُسُله ودين إبراهيم،
بعثني الله به رسولاً إلى العباد وأنتَ أي عم أحقُّ مَنْ بذلتُ له النّصيحةَ
ودَعَوتُهُ إلى الهُدَى وأحق من أجابني وأعانني. فقال أبو طالب: أي ابنَ أخي
لا أستطيعُ أنْ أفارقَ دين آبائي، ولكن والله لا يُخْلَصُ إليكَ بشيءٍ تكرهه ما
بقيتُ، ولمٍ يكلُّم عليّاً بشيء يكره، فزعموا أنّه قال: أما إنه لم يَدْعُكَ إلّ
إلى خيرٍ فاتَّبِعه. ثم أسلم زيد بن حارثة مولى رسولِ الله ◌ِ ◌َّ، فكان أوّل ذَكَرٍ
أسلم، وصلَّى بعد عليٍّ رضي الله عنهما.
وكان حكيم بن حزام قدم من الشام برقيق، فَدَخَلَت عليه عمته خديجة
بنت خُوَيلِد فقال: اختاري أيَّ هؤلاء الغِلمان شئتِ فهو لك، فاختارت
زيداً، فأخذته، فرآه النبيُّ بَل فاستوهبه، فوهبته له، فأعتقه وتبنّاه قبل
الوحي، ثم قدِم أبوه حارثة لموجَّدَتِه عليه وجَزَعِه فقال النبيِّله: ((إنْ شئتَ
فأقِم عندي، وإنْ شئتَ فانطَلِقِ مع أبيكِ))، قال: بل أقيمُ عندكَ، وكان يُدعى
زيد بن محمد، فلمّا نزلت ﴿ أَدْعُوهُمْ لِأَبَابِهِمْ خَ﴾ [الأحزاب] قال: أنا زيد
ابن حارثة .
(١) كتب صلاح الدين الصفدي بخطه المليح على حاشية نسخة المؤلف: ((بلغت قراءة
خليل بن أيبك في الميعاد الثاني، وسمع منه قصة سلمان الفارسي إلى آخره: محصن
بن عكاشة)).
(٢) ابن هشام ٢٤٦/١-٢٤٧.
٥٤٦
قال ابن إسحاق(١): وكان أبو بكر رجلاً مألفاً لقومه محيَّباً سهلاً، وكان
أنسَبَ قريشٍ لقريش، وكان تاجراً ذا خُلُقٍ ومعروف، فجعل لمّا أسلم يدعو
إلى الله وإلى الإسلام مَن وثِق به من قومه، مِمَّنْ يَغشاه، ويجلس إليه،
فأسلم بدعائه: عثمان، والزُّبير، وعبدالرحمن بن عوف، وطلحة بن
عُبَيد الله، وسعد بن أبي وقاص، فجاء بهم إلى رسول الله بَّ حين أسلموا
وصلُّوا، فكان هؤلاء النَّفر الثمانية أوّل من سبق بالإسلام وصلَّوا وصدَّقوا.
ثم أسلم أبو عُبيدة عامر بن عبدالله بن الجرّاح الفهرِي، وأبو سَلَمَة
عبد الله بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله المخزومي، والأرقم بن أبي الأرقم
ابن أسد بن عبدالله المخزومي، وعثمان بن مظعون الجُمَحِيّ، وأخواه قُدامة
وعبدالله، وعُبَيدة بن الحارث بن المطّلب بن عبدمَناف المطّلبيّ، وسعيد بن
زيد بن عَمرو بن نُفَيل العَدَوي، وامرأته فاطمة أخت عمر بن الخطاب،
وأسماء بنت أبي بكر، وخَبّاب بن الأَرَتّ حليف بني زُهرة، وعُمَير بن أبي
وقّاص أخو سعد، وعبدالله بن مسعود، وسَلِيط بن عمرو بن عبد شمس
العامريّ، وأخوه حاطب، وعيّاش بن أبي ربيعة بن المُغيرة المخزومي،
وامرأته أسماء، وخُنَيس بن حُذافة السَّهميّ، وعامر بن ربيعة حليف آل
الخطاب، وعبدالله وأبو أحمد ابنا جحش بن رئاب الأسدي، وجعفر بن أبي
طالب، وامرأته أسماء بنت عُمَيسٍ، وحاطب بن الحارث الجُمَحي، وامرأته
فاطمة بنت المُجَلَّل، وأخوه خطّاب، وامرأته فُكَيهة بنت يَسار، ومَعمَر بن
الحارث أخوهما، والسّائب بن عثمان بن مَظعون، والمطّلب بن أزهر بن
عبد عَوف العَدَوي الزُّهْريّ، وامرأته رَملة بنت أبي عَوف، والنّحام وهو نُعَيم
ابن عبدالله بن أسد العدوي، وعامر بن فُهَيرة مولى أبي بكر، وخالد بن
سعيد بن العاص بن أميَّة، وامرأته أُمَيْنَة بنت خَلَف، وحاطب بن عَمرو،
وأبو حُذَيفة مهشم بن عُتبة بن ربيعة، وواقد بن عبد الله حليف بني عَدِيّ،
وخالد، وعامر، وعاقل، وإياس بنو البُكَير حلفاء بني عَدِي، وعمّار بن
ياسر حليف بني مخزوم، وصُهَيب بن سِنان الَّمَريّ حليف بني تَيم.
(١) ابن هشام ١/ ٢٥٠.
٥٤٧
وقال محمد بن عمر الواقدي(١): حدثني الضَّحّاك بن عثمان، عن
مَخْرَمة بن سليمان الوالبي، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال: قال
طلحة بن عُبَيدالله: حضرت سوق بُصرَى، فإذا راهب في صَومعته يقول:
سلوا أهلَ الموسم، أفيهم أحدٌ من أهل الحَرَم؟ قال طلحة: قلت: نعم أنا.
فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومَن أحمد؟ قال: ابن عبدالله بن
عبدالمطّلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو آخر الأنبياء، مَخرَجُهُ من
الحَرَم ومُهاجَره إلى نخلِ وحَرَّةٍ وسباخ، فإيّاك أن تُسبق إليه. قال طلحة :
فوقع في قلبي، فأسرعتُ إلى مكة، فقلت: هل من حَدَثٍ؟ قالوا: نعم،
محمد بن عبدالله الأمين تنبّأ، وقد تبعه ابنُ أبي قُحافة، فدخلتُ عليه فقلت :
اتَّبعتَ هذا الرجل؟ قال: نعم، فانطَلِقِ فَاتَّبِعهُ. فأخبره طلحة بما قال
الرّاهب، فخرج به حتى دخلا على رسول الله وَليل فأسلم طلحة، وأخبر
رسولَ الله ◌ِ له بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نَوفل بن خُوَيَلد بن
العَدَوية فشدَّهما في حبلٍ واحد، ولم تمنعهما بنو تَيم، وكان نَوفل يُدعى
((أسد قريش))، فلذلك سُمِّ أبو بكر وطلحة: القَرينَين .
وقال إسماعيل بن مجالد، عن بيان بن بِشر، عن وَبَرة، عن هَمَّام،
قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: رأيتُ رسول الله صَ لّ وما معه إلّ خمسة
أعبدٍ وامرأتان وأبو بكر . أخرجه البخاري (٢).
قلت: ولم يذكر عليّاً لأنه كان صغيراً ابن عشر سنين.
وقال العباس بن سالم، ويحيى بن أبي كثير، عن أبي أمامة، عن عَمرو
ابن عبَسَة، قال: أتيتُ رسولَ الله ◌َله وهو بمكة مُستَخِفِياً، فقلت: ما أنتَ؟
قال: ((نبيٌّ)). قلت: وما النبيُّ؟ قال: ((رسول الله)). قلتُ: الله أرسلَكَ؟
قال: (نعم)). قلت: بِمَ أرسلَكَّ؟ قال: ((بأن يُعبد الله وتُكسر الأوثان وتُوصل
الأرحام)). قلت: نعمَ ما أرسلَكَ به، فمن تَبِعَكَ؟ قال: ((حُرّ وعبد))، يعني
أبا بكر وبلالاً، فكان عَمرو يقول: لقد رأيتُني وأنا رابع أو رُبع، فأسلمتُ
وقلت: أَتَّبِعُكَ يا رسولَ الله، قال: ((لا، ولكن إلحَق بقومك، فإذا أُخبرتَ
(١) طبقات ابن سعد ٢١٤/٣-٢١٥، ودلائل النبوة ١٦٦/٢.
(٢) البخاري ٥/٥-٦، ودلائل النبوة ١٦٧/٢.
٥٤٨
بأني قد خرجتُ فاتَّبِعني)). أخرجه مسلم(١).
وقال هاشم بن هاشم، عن ابن المسيب، أنه سمع سعد بن أبي وقّاص
يقول: لقد مكثتُ سبعةَ أيام، وإنّي لَئُلُثُ الإسلام. أخرجه البخاري(٢).
وقال زائدة، عن عاصم، عن زرّ، عن عبدالله، قال: أوّل من أظهر
إسلامه سبعة: النبي ◌َّل وأبو بكر، وعمّار وأمّه، وصُهَيب، وبلال،
والمقداد. تفرّد به يحيى بن أبي بُكَيْر(٣).
وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن سعيد بن زيد، قال: والله
لقدٍ رأيتُني وإنّ عمر لمُوثِقِي وأخته على الإسلام، قبل أن يُسلم عمر، ولو
أنّ أُحداً ارْفَضَّ للذي صنعتم بعثمان لكان. أخرجه البخاري (٤).
وقال الطَّيالسي في ((مُسنده))(٥): حدثنا حمّاد بن سَلَمَة، عن عاصم،
عن زِرّ، عن عبدالله بن مسعود، قال: كنت غلامًا يافعاً أرعى غنماً لعُقبة بن
أبي مُعَيط بمكة فأتى عليَّ رسولُ الله ◌َ له وأبو بكر، وقد فَرًّا من المشركين،
فقالا: يا غلام هل عندك لبنٌ تَسقينا؟ قلت: إنّي مُؤْتَمَنٌ ولستُ بساقيكما.
فقالا: هل عندك من جَذعَة لم يَنْزُ عليها الفحل؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها،
فاعتقلها أبو بكر، وأخذ النبيُّ رََّ الضّرع فدعا، فحفل الضّرِعُ، وأتاه أبو
بكرٍ بصخرةٍ مُنقَعِرةٍ، فحلب فيها، ثم شربا وسقياني، ثم قال للضّرع:
((اقلَص))، فقلص فلما كان بعدُ، أتيتُ رسولَ اللهِ له فقلت: علِّمني من هذا
القولِ الطيب، يعني القرآن فقال: إنّك غلام مُعَلَّم، فأخذتُ من فيه سبعينَ
سورة ما ينازعني فيها أحدٌ.
(١) مسلم ٢/ ٢٠٨، ودلائل النبوة ١٦٨/٢.
(٢)
البخاري ٢٨/٥، ودلائل النبوة ١٦٩/٢ - ١٧٠.
(٤) البخاري ٦٠/٥ و٦١ و٦٢ و٢٥/٩، ودلائل النبوة ١٧١/٢ .
(٣)
دلائل النبوة ٢ / ١٧٠ .
(٥) مسند الطيالسي (٣٥٣)، ودلائل النبوة ١٧١/٢. وأخرجه أحمد ٣٧٩/١ و٤٥٣ و
٤٥٧ و ٤٦٢، وانظر المسند الجامع حديث (٩٣٦٢).
٥٤٩
فصل في دعوة النبي ◌َّ عشيرته إلى الله
وما لقي من قومه
وقال جرير، عن عبدالملك بن عُمَير، عن موسى بن طلحة، عن أبي
هريرة، قال: لما نَزَلَت ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ {مَ﴾ [الشعراء] دعا النبيُّ
وَالثّ قريشاً، فاجتمعوا فعَمَّ وخَصَّ، فقال: ((يا بني كعب بن لُؤَّي أنقِذوا
أنفسكم من النار، يابني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد
شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار،
يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من
النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإنّي لا أملك لكم من الله شيئاً، غير
أنّ لكم رَحِماً سأبلُّها ببَلالها». أخرجه مسلم (١) عن قُتَيبة وزهير، عن جرير،
واتّفقا عليه(٢) من حديث الزُّهري، عن ابن المسيب وأبي سلمة، عن أبي
هريرة .
وقال سُليمان التَّيمي، عن أبي عثمان، عنٍ قَبيصة بن المُخَارق، وزُهير
ابن عَمرو، قالا: لمّا نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾﴾ [الشعراء] انطلق
رسولُ اللهِ بَّه إلى رَضِمَةٍ من جبل، فَعلاها ثم نادىٍ: يا بني عبد مناف، إنّي
نذير، إِنّما مَثَلَي ومَثَلُكُم كَمَثلٍ رَجُلٍ رأى العدوّ فانطَلَقَ يَرِبَأْ أهَلَه(٣)، فخشي
أن يسبقُوه فهتف: يا صَبَاحَاه. أخرجه مسلم (٤).
وقال يونس بن بُكير، عن ابن إسحاق(٥): حدثني من سمع عبد الله بن
الحارث بن نوفل، واستكتمني اسمه، عن ابن عباس، عن عليّ، قال: لمّا
(١) مسلم ١٣٣/١، ودلائل النبوة ١٧٧/٢ -١٧٨.
(٢)
البخاري ١٤٠/٦، ومسلم ١٣٣/١.
(٣) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته: ((يربأ أهله: يحفظهم)).
٠
مسلم ١٣٤/١، ودلائل النبوة ١٧٨/٢.
(٤)
(٥) دلائل النبوة ١٧٩/٢ - ١٨٠.
٥٥٠
نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾﴾ [الشعراء] قال رسول الله ◌َله: عرفت
أنّي إنْ بادَاتُ قومي رأيت منهم ما أكره، فصَمتُ عليها، فجاءني جبريل
فقال: يا محمد إنّك إنْ لم تفعل ما أمرك ربُّك عذَّبك. قال عليٍّ: فدعاني
فقال: يا عليّ إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أنّي إنْ
بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمتُ، ثم جاءني جبريل فقال: إنْ لم
تفعل ما أُمرت به عذّبك ربُّك، فاصنع لنا يا عليّ رِجلَ شاةٍ على صاع من
طعام وأعد لنا عُسَّ(١) لبن، ثم اجمع لي بني عبدالمطلب. ففعلَت،
فاجتمعوا له، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم
أعمامه أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب، فقدّمت إليهم تلك
الجَفنَة فأخذ رسول الله ◌َِّ منها حُذْية، فشقّها بأسنانه، ثم رمى بها في
نواحيها وقال: كُلُوا باسم الله. فأكل القوم حتى نَهلُوا عنه ما نرى إلاّ آثار
أصابعهم، والله إنْ كان الرجل منهم يأكل مثلها، ثم قال رسول الله څله :
((اسقِهِم يا علي)). فجئت بذلك القَعب، فشربوا منه حتى نهلوا جميعاً، وايْمُ
الله إنَّ كان الرجل منهم لَيَشرب مثله، فلما أراد النبيِّ أن يتكلّم بَدَرَهُ أبو
لَهَب فقال: لَهَذَّما (٢) سَحَرَكم صاحبُكم. فتفرَّقوا ولم يكلّمهُم، فقال لي
النبي ◌َّ من الغد: ((عُدْ لنا يا علي بمثل ما صنعتَ بالأمس)). ففعلتُ
وجمعتُهم، فصنع رسول اللّه ◌َليل كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا،
وشربوا من ذلك القَعب حتى نهلوا، فقال النبي بَله: (يا بني عبد المطلب
إنّي والله ما أعلمُ شاباً من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم، إني قد
جئتكم بأمر الدنيا والآخرة)».
قال أحمد بن عبدالجبار العُطاردي: بلغني أنّ ابن إسحاق إنّما سمعه
من عبدالغفار بن القاسم أبي مريم، عن المنهال بن عَمرو، عن عبدالله بن
الحارث .
وقال يونس، عن ابن إسحاق: فكان بين ما أخفى النبيُّ مَّ أمره إلى أنْ
أُمِرَ بإظهاره ثلاثُ سنين.
(١) أي: قدحاً كبيراً من اللبن.
(٢) كلمة يُتَعَجَّبُ بها .
٥٥١
وقال الأعمش، عن عَمرو بن مُرَّة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن
عباس، قال: لما نزلت ﴿وَأَنَذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾﴾ [الشعراء] ورهطك
منهم المخلصين خرج رسولُ الله ◌ِّهِ حتى صَعِدَ الصَّفا فهتف؛ يا صباحاه.
قالوا: مَنْ هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد، فاجتمعوا إليه، فقال: ((أرأيتُكم
لو أخبرتُكُم أنّ خيلاً تخرج بسفح هذا الجبل، أكُنْتُم مُصَدِّقِيَّ؟)) قالوا: ما
جَرَّبنا عليكَ كَذِباً، قال: ((فإنّي نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد)) فقال أبو
لَهَبِ: تَبّ لك، أَلِهذا جمعتنا. ثم قام، فنزلت ((تَبَّتْ يَدا أبي لهب وقد تب))
كذاً قرأ الأعمش. متفق عليه(١) إلا ((وقد تب)) فعند بعض أصحاب
الأعمش، وهي في صحيح مسلم (٢).
وقال ابن عُيَينَة: حدثنا الوليد بن كثير، عن ابن تَدْرس، عن أسماء بنت
أبي بكر، قالت: لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ ﴾ [المسد] أقبلت العَوراء
أمُّ جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فِهر (٣) وهي تقول:
وأمْرَهُ عصَيْنا
ودِینَه قَلَيْنا
مُذَمّماً أبينا
والنبي مَّ في المسجد، فقال أبو بكر: يا رسول الله قد أقبَلَت وأخافُ
أنْ تراكَ. قال: إنّها لنِ تراني، وقرأ قرآناً فاعتصم به وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ
اَلْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا ﴾﴾ [الإسراء]
فوقفتْ على أبي بكر، ولم تر النبيَّ وََّ فقالت: إنّي أُخبرتُ أنّ صاحبَك
هجاني، فقال: لا وَرَبّ هذا البيت ما هجاك، فَوَلَّت وهي تقول: قد عَلِمَت
قريشُ أنّي ابنة سيّدها(٤).
روى نحوه عليّ بن مُسهر، عن سعيد بن كثير، عن أبيه، عن أسماء.
وقال أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله مَّل قال:
((انظروا قريشاً كيف يصرف الله عني شَتْمهم ولَعنهم، يشتمون مُذَقَّماً
ويلعنون مذَمَّماً، وأنا محمد)). أخرجه البخاري(٥) .
(١) البخاري ١٢٩/٢ و٢٢٤/٤ و١٤٠/٦ و٢٢١ و٢٢٢، ومسلم ١٣٤/١ .
مسلم ١٣٤/١، ودلائل النبوة ١٨١/٢-١٨٢.
(٢)
(٣) أي: حجر.
(٤) دلائل النبوة ١٩٥/٢ - ١٩٦.
(٥) البخاري ٤/ ٠.٢٢٥
٥٥٢
وقال ابن إسحاق(١): وفشا الإسلامُ بمكةً ثم أمر الله رسولَهُ فقال:
﴿ فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾﴾ [الحجر] وقال: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا الَّذِيُرُ
اَلْمُبِينُ هَ﴾ [الحجر] قال: وكان أصحابُ رسولِ الله وَّه إذا صلّوا ذهبوا
في الشِّعاب واسْتَخْفُوا بصلاتِهم من قومهم، فبينا سعدُ بن أبي وقّاص في نَفَرٍ
بشِعب، إذ ظهر عليهم نفرٌ من المشركين وهم يصلّون فناكروهم وعابوا
عليهم وقاتلوهم، فضرب سعد رجلاً من المشركين بلحي بعيرٍ فشجَّه، فكان
أوّلَ دم في الإسلام، فلما بادىء رسول الله بَلَ قومَه وصدع بالإسلام، لم
يُبْعِد مِنَّه ولم يردُّوا عليه - فيما بلغني - حتى عابَ آلهتَهم، فأعظَمُوه وناكَرُوه
وأجمَعُوا خِلاَفَه وعَداوته، فحدَب عليه عمُّه أبو طالب، ومنعه وقام دونه،
فلمّا رأت قريش أنّ محمداً بَّهَ لا يُعتِبهم من شيءٍ أنكروِه عليه، ورأوا أنَّ
عمّه يمنعه مشوا إلى أبي طالبٍ فكلَّموه، وقالوا: إمّا أنْ تَكُنَّه عن آلهتنا وعن
الكلام في ديننا، وإمّا أن تُخلي بيننا وبينه. فقال لهم قولاً رفيقاً، وردّهم ردّاً
جميلاً، فانصرفوا. ثم بعد ذلك تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثَرَت قريش
ذِكرَ رسولِ اللهِ وَّ، وحضَّ بعضُهم بعضاً عليه، ومشوا إلى أبي طالب مرة
أخرى، فقالوا: إنّ لك نسَباً وشَرَفاً فينا، وإنّا قد استنهيناكَ من ابن أخيك
فلم تَنْهَه عنا، وإنّا والله ما نصبر على شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا حتى تَكُفَّه
أو ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحدُ الفريقين. ثم انصرفوا عنه، فعظُمَ
على أبي طالب فِراقُ قومه وعداوته لهم، ولم يَطِبْ نفساً أن يُسلم رسولَ الله
وَلَه لهم ولا أن يَخذُلَه.
وقال يونس بن بُكير، عن طلحة بن يحيى بن عُبَيد الله، عن موسى بن
طلحة قال: أخبرني عَقِيلُ بن أبي طالب، قال: جاءت قريش إلى أبي
طالب، فقالوا: إنّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا، فانهَهُ عنّا،
فقال: يا عَقِيل انطَلِقِ فائتني بمحمد. فانطلقتُ إليه فاستخرجتُه من حِفش أو
كِبس - يقول: بيت صغير-، فلمّا أتاهم قال أبو طالب: إنّ بني عمّكَ هؤلاء
قد زعموا أنّك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم فانتَهِ عن أذاهم. فحلَّق رسولُ
الله ◌َّه ببصره إلى السّماء، فقال: ((أترون هذه الشمسَ))؟ قالوا: نعم، قال:
(١) ابن هشام ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
٥٥٣
((فما أنا بأقدر على أنْ أدَعَ ذلك منكم علىٍ أن تستشعلوا منها شُعلةً)). فقال
أبو طالب: والله ما كَذَبَنَا ابنُ أخي قَطَّ فارجعوا. رواه البخاري في
(التاريخ))(١) عن أبي كُرَيب، عن يونس.
وقال ابن إسحاق(٢): وحدثني يعقوب بن عُتبة بن المغيرة أنّ قريشاً
حين قالت لأبي طالب ما قالوا، بعث إلى رسولِ الله وَل فقال: يا ابن أخي
إنَّ قومكَ قد جاءوا إليَّ فقالوا: كذا وكذا، فأبقِ عليَّ وعلى نفسك، ولا
تُحَمِّلني من الأمرِ ما لا أُطيقُ. فظنَّ رسولُ اللهِمَّ أَنّه قد بدا لعمّه بَدَاء وأنّه
خاذله ومُسلِمِه، فقال: ((يا عمّ لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في
شمالي على أنْ أتركَ هذا الأمرَ حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركتُه))، ثم
استعبر رسولُ الله ◌ِ ◌ّلَه ثم قام، فلمّا ولَّى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن
أخي. فأقبلَ إليه فقال: اذهب فقُل ما أحببتَ فَوَالله لا أُسلِمُك أبداً.
قال ابن إسحاق فيما رواه عنه يونس(٣): ثم قال أبو طالب في ذلك
شعراً.
حتى أُوَسَّد في التُّرابِ دَفِينا
والله لن يصِلوا إليك بجمعهم
أبشِرْ وقرَّ بذاك منك عيونا
فامضٍ لأمركَ ما عليكَ غَضَاضَةٌ
فلقد صدقت، وكنت قِدماً أمينا
ودعوتَني وزعمت أنّك ناصحي
من خير أديان البَرِيَّة دِينا
وعرضتَ دِيناً قد عرفتُ بأنهُ
لَوَجَدْتَنِي سَمحاً بذاك مبينا
لولا الملامةُ أو حَذَارِي سُبَّةً
وقال الحارث بن عُبَيد: حدثنا الجُرَيْري، عن عبدالله بن شقيق، عن
عائشة، قالت: كان النبيُّ بَّه يُحرس حتى نزلت ﴿وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ
النَّاسَِّ ◌َ﴾ [المائدة] فأخرجَ رأسه من القُّبَّة فقال لهم: ((أيّها النّاس انصرِفوا
فقد عَصَمني الله)) (٤) .
وقال محمد بن عمرو بن علقمة، عن محمد بن المُنكَدِر، عن ربيعة بن
التاريخ الكبير ٥١/٧، ودلائل النبوة ١٨٦/٢ -١٨٧.
(١)
ابن هشام ٢٦٦/١، ودلائل النبوة ١٨٧/٢ .
(٢)
(٣) دلائل النبوة ١٨٨/٢.
(٤) دلائل النبوة ٢/ ١٨٤.
٥٥٤
عبّاد الدُّؤليّ، قال: رأيت النّبيِ بَّه بسوق ذي المجاز يتبع النّاسَ في
منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجلٌ أحوَل تقدّ وجنتاه، وهو يقول: لا
يَغُرَّنَّكُم عن دِينِكُم ودينٍ آبائكم. قلتُ: مَن هذا؟ قالوا: أبو لَهَب(١).
وقال عبدالرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن ربيعة بن عباد من بني
الدِّيل، وكان جاهلياً فأسلم، أنه رأى النبيٍ بَ ﴿ بذي المَجَاز، وهو يمشي
بين ظَهرَاني الناس يقول: ((يا أيها الناسُ قُولوا لا إله إلا الله تُفلحوا))(٢)
ووراءه أبو لهبٍ. فذكر الحديث. قال ربيعة: وأنا يومئذ أزفرُ القِربةَ لأهلي.
وقال شعبة، عن الأشعث بن سُلَيم، عن رجلٍ من كنانة، قال: رأيتُ
رسولَ الله ◌ِ لّه بسوق ذي المجاز، وهو يقول: ((قولوا لا إله إلّ الله تُفلحوا)).
وإذا خلفه رجلٌ يَسفي عليه التُّرابَ، فإذا هو أبو جهل ويقول: لا يَغُرَّنَّكُم
هذا عن دينكم، فإنّما يريدُ أنْ تتركوا عبادةَ اللّت والعُزَّى. إسناده قويّ(٣).
وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: حدثني نُعَيم بن أبي هند، عن أبي
حازم، عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهل: هل يُعفِّرُ محمدٌ وجهَهُ بين
أظهُرِكُم؟ قيل: نعم، فقال: واللّت والعُزَّى لِئِن رأيتُهُ يفعل ذلك لأطَأنَّ
على رقبته ولأعفِّرنَّ وجهَهُ. فأتى رسولَ الله ◌ِّهِ وهو يصلي لِيَطَأ على رَقَبَتِهِ،
فما فَجَأْهُم منه إلاّ وهو يَنكُّصُ على عقبَيه ويثَّقي بيدَيه، فقيل له: ما لَكَ؟
قال: إنّ بيني وبينه لَخَندقاً من نار. فقال رسول الله وَّةٍ: ((لو دنا مني
لاختَطَفَتَهُ الملائكة عضواً عضواً)). أخرجه مسلم (٤).
وقال عِكرِمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لَئِن رأيتُ محمداً يصلي
عند الكعبة لاَطَأنَّ عنُقَهُ. فبلغ النبي ◌َِّ فقال: «لو فعلَ لأخذَتهُ الملائكةُ
عِياناً)). أخرجه البخاري(٥).
وقال محمد بن إسحاق(٦): ثم إنّ قريشاً أتوا أبا طالب فقالوا: يا أبا
(١) دلائل النبوة ١٨٥/٢.
(٢) ينظر دلائل النبوة ١٨٦/٢.
· دلائل النبوة ١٨٦/٢.
(٣)
مسلم ١٣٠/٨، ودلائل النبوة ١٨٩/٢.
(٤)
البخاري ٢١٦/٦، ودلائل النبوة ٢/ ١٩٢.
(٥)
ابن هشام ٢٦٦/١-٢٦٧.
(٦)
٥٥٥
طالب هذا عُمارة بن الوليد أنهدُ فتىّ في قريش وأجمله، فَخُذهُ فلكَ عَقلُه
ونُصرته واتّخِذه ولداً فهو لك، وأَسلِمْ إلينا ابنَ أخيك هذا الذي قد خالف
دِينِكَ ودينَ آبائك نقتله، فإنّما رجلٌ كرجل. فقال: بئس والله ما تسومونني،
أَتُعطُوني ابنكم أغْذُوهُ لكم، وأُعطيكم ابني تَقتُلُونه! هذا والله ما لا يكونُ
أبداً. فقال المُطعِم بن عَدِي بن نوفلٍ بن عبد مَناف: والله يا أبا طالب لقد
أنصفك قومُك وشهدوا(١) على التخلّص مما تكره، فما أراك تريد أنْ تقبلَ
منهم شيئاً. فقال: والله ما انصفوني ولكنّك قد أجمعتَ خذلاني ومظاهرةَ
القوم عليّ، فاصنعْ ما بَدَا لك. فَحَقَب الأمرُ، وحميت الحرب، وتنابذ
القوم، فقال أبو طالب :
ألا قُل لعَمرو والوليد ومُطعم ألا ليت حظّي من حياطتكم بَكرُ(٢)
يرَشُّ على الساقين من بَوله قَطرُ
من الخُور حَبحَاب((٣) كثير رُغَاؤُه
أرى أخَوَينا من أبينا وأُمّنا إذا سُئلا قالا إلى غيرنا الأمرُ
أخُصُّ خصوصاً عبدَ شمسٍ ونَوفَلاً هما نَبَذَانا مثلما يُنْبَذُ الجَمرُ
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق: حدثني شيخ من أهل مصر،
منذ بضع وأربعين سنة، عن عِكرِمة، عن ابن عباس في قصّة طويلة جرت
بين المشَّركين وبين النبي ◌ِّ، فلما قام عنهم قال أبو جهل: يا معشر قريش
إنّ محمداً قد أبى إلاّ ما ترون من عَيب دِيننا، وشتمٍ آبائنا، وتسفيه أحلامنا،
وسبِّ آلهتنا، وإنّي أعاهدُ الله لأجلسنَّ له غداً بحجَرَ، فإذا سجد فَضختُ به
رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مَناف ما بدا لهم.
فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً وجلس، وأتى النبيُّ مَّ فقام يصلي
بين الزُّكنين الأسود واليماني، وكان يصلي إلى الشام، وجلست قريش في
أنديتها ينظرون، فلما سجد رسول الله ◌َّ﴾ احتمل أبو جهل الحجرَ ثم أقبل
نحوه، حتى إذا دنا منه رجع مرعوباً منتقعاً لونُه، قد يبست يداه على حجره،
(١) هكذا بخط المؤلف، وفي السيرة: ((وجهدوا)).
(٢) أي: الفتي من الإبل.
(٣) الحبحاب: الصغير.
٥٥٦
حتى قذف به من يده، وقامت إليه رجالُ قريش فقالوا: ما لَكَ يا أبا الحَكَم؟
فقال: قمتُ إليه لأفعل ما قلتُ لكم فلما دنوتُ منه عرض لي دونِهِ فَحلٌ من
الإبلِ، والله ما رأيتُ مثلَ هامته ولا قصَرَتِه(١) ولا أنيابه لفحلٍ قَطْ، فهمَّ أنْ
يأكلني .
قال ابن إسحاق: فذُكرَ لي أنَّ رسولَ الله ◌ِ لّه قال: ذاك جبريل عليه
السلام لو دَنا مني لأخَذَه(٢) .
وقال المُحَاربي وغيره، عن داود بن أبي هند، عن عِكرمة، عن ابن
عباس، قال: مرّ أبو جهل بالنبيِّ مَّ﴾ وهو يصلي، فقال: ألم أَنهكَ عن أنْ
تصلي يا محمد؟ لقد علمتَ ما بها أحدٌ أكثر نادياً مني. فانتهره النبيُّ ◌ِّ،
فقال جبريل: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ٠َ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ .. ◌َ﴾ [العلق]. والله لو دعا نادِيَه
لأخذَته زبانية العذاب(٣).
وقال البيهقي (٤): أخبرنا الحاكم، قال: أخبرنا محمد بن علي الصَّنعاني
بمكة، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبدالرزاق، عن مَعمَر،
عن أيّوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنّ الوليد بن المُغيرة جاء إلى النبي
وَّ فقرأ عليه القرآنَ، فكأنه رقَ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه فقال: يا عم
إِنَّ قومكَ يرون أنْ يجمعوا لك مالاً. قال: لِمَ؟ قال: ليُعطُوكَ فإنّك أتيتَ
محمداً لتعرّضَ لِما قِبَله. قال: قد عَلِمَتْ أنّي من أكثرها مالاً. قال: فَقُلِ فيه
قولاً يبلُغُ قومكَ أنّكَ مُنكِرٌ لها، أو أنّك كارةٌ له. قال: وماذا أقول؟ فَوَالله ما
فيكم رجلٌ أعلمُ بالأشعار مني، ولا أعلم برَجزه ولا بقصيدته مني، ولا
بأشعار الجِنّ، والله ما يُشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إنّ لقوله الذي
يقول حلاوةً، وإنّ عليه لطَلاوةً، وإنّه لمُثمِرٌ أعلاه، مغدِقٌ أسفلَه، وإنه
لَيَعلو وما يُعلى، وإنّه لَيَحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومُكَ حتى
تقولَ فيه. قال: فَدَعِنِي حتى أُفكِّرَ فيه. فلما فَكَّرَ قال: هذا سِحرٌ يُؤْثَر، يأثَّرُه
(١) القَصَرَة: العنق.
(٢) انظر سيرة ابن هشام ٢٩٩/١، ودلائل النبوة ١٩٠/٢ - ١٩١ .
(٣) دلائل النبوة ٢/ ١٩٢ .
(٤) دلائل النبوة ١٩٨/٢ - ١٩٩.
٥٥٧
٠
عن غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴾ [المدثر] يعني الآيات. هكذا
رواه الحاكم موصولاً. ورواه مَعمَر، عن عَبّاد بن منصور، عن عكرمة
مُرسلاً. ورواه مختصراً حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة مُرسلاً.
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق، قال: حدثني محمد بن أبي
محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس أنّ الوليد بن المُغيرة
اجتمع ونفرٌ من قريش، وكان ذا سِنِّ فيهم، وقد حضر الموسمُ، فقال: إنَّ
وفودَ العرب ستقدمُ عليكم فيه، وقد سمعوا بأمرٍ صاحبكم فأجمعوا فيه رأياً
واحداً ولا تختلفوا فيُكذِّب بعضكم بعضاً. قالوا: فقُل وأقِم لنا رأياً. قال:
بل أنتم فقولوا وأنا أسمع. قالوا: نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهنٍ، لقد
رأيت الكُهان، فما هو بزمزمة الكاهن وسحره(١). فقالوا: نقول مجنون.
فقال: ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه
ولا وسوسته. قال: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشِّعرَ
برَجزه وهَزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه فما هو بالشِّعر. قالوا: فنقول
ساحر. قال: ما هو بساحر، قد رأينا السُّحارَ وسحرَهم، فما هو بِنَفثه ولا
عقده. فقالوا: ما تقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إنّ لقوله حَلاوة وإنّ
أصله لَغَدِق وإنّ فرعه لَجَنيّ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلاَّ عُرِفَ أنّه
باطلٌ، وإنّ أقربَ القولِ أنْ نقول ساحر يفرّق بين المرء وبين ابنه وبين المرء
وبين أخيه وبين عشيرته. فتفرّقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون للناس حين
قدِموا الموسم، لا يمرُّ بهم أحد إلّ حذَّروه. فأُنزل في الوليد: ﴿ ذَرْبِ وَمَنْ
خَلَقْتُ وَحِيدًا (١٠) إلى قوله: ﴿سَأُصْلِهِ سَقَرَجَ﴾ [المدثر] وأنزل الله في الذين
كانوا معه: ﴿الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ ﴾﴾ [الحجر] أي: أصنافاً،
فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌ ﴾﴾ [الحجر](٢).
وقال ابن بُكَير، عن ابن إسحاق، عن رجلٍ، عن عِكرِمة، عن ابن
عباس، قال: قام النَّضر بن الحارث بن كَلَدَة الْعَبدَرِي، فقال: يا معشر
قريش، إنّه والله لقد نزل بكم أمرٌ ما ابتُلِيتم بمثله، لقد كان محمد فيكم
(١) هكذا بخط المؤلف، وفي سيرة ابن هشام - وهي عن رواية البكائي -: ((وسجعه)).
(٢) دلائل النبوة ٢٠٠/٢-٢٠١.
٥٥٨
غلاماً حَدَثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانةً، حتى إذا
رأيتم في صدغيه الشَّيب، وجاءكم بما جاءكم، قلتم ساحر، لا والله ما هو
بساحر، ولا بكاهن، ولا بشاعر، قد رأينا هؤلاء وسمعنا كلامهم، فانظروا
في شأنكم. وكان النَّضر من شياطين قريش، ممّن يؤذي رسولَ الله
صَلى الله
وســ
وينصبُ له العداوة(١).
وقال محمد بن فُضَيل: حدثنا الأجلح، عن الذَّيَّال بن حَرملة، عن
جابر بن عبدالله، قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: لقد انتشر علينا أمرُ
محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر والكهانة والشِّعر، فكلَّمَه ثم أتانا
ببيانٍ من أمره. فقال عُتبة: لقد سمعت بقول السَّحَرة(٢) والكهانة والشِّعر،
وعلمت من ذلك عِلماً، وما يخفى عليَّ إنْ كان كذلك. فأتاه، فلمّا أتاه قال
له عُتبة: يا محمد أنت خيرٌ أم هاشم، أنت خيرٌ أم عبدالمطّلب، أنت خيرٌ أم
عبدالله؟ فلم يُجِبه، قال: فَبِمَ تشتم آلهتنا وتضلِّل آباءنا، فإنْ كنتَ إنّما بك
الرياسة عقدنا لك ألويتنا، فكنت رأسنا ما بقيتَ، وإنْ كان بك الباءة
زَوَّجناك عَشرَ نِسْوَةٍ تختارُ من أيِّ أبياتِ قريشٍ شئتَ، وإنْ كان بك المالُ
جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنتَ وعقِبك من بعدك، ورسول الله وقَ ال
ساكتٌ، فلمّا فرغ قال رسول الله بِّهِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَمَثَ تَنزِيلٌ
مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [فصلت] فقرأ حتى بلغ ﴿أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ
وَثَمُودَ ﴾ [فصلت] فأمسك عُتبة على فيه، وناشده الرَّحِمَ أن يكفَّ عنه،
ولم يخرج إلى أهله واحتبسَ عنهم، فقال أبو جهل: يا مَعشَرَ قريش والله ما
نرى عُتبة إلاّ قد صَبَأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلاّ من حاجةٍ
أصابته، انطَلِقوا بنا إليه. فأتوه، فقال أبو جهل: والله يا عُتبة ما حسِبنا إلاّ
أَنّك صبوتَ، فإنْ كانت بك حاجةٌ جمعنا لك ما يُغْنيك عن طعام محمد.
فغضب وأقسم بالله لا يكلّم محمداً أبداً، وقال: لقد علمتم أنّي من أكثر
قريش مالاً ولكنّي أتيته، فقصّ عليهم القصّة، فأجابني بشيءٍ والله ما هو
(١) دلائل النبوة ٢/ ٢٠١-٢٠٢.
(٢) هكذا بخط المؤلف، وقد ضبب على التاء لأن السياق: ((السحر))، لكنه نقل الخبر
كما هو، وهي كذلك ((السحرة)) في دلائل النبوة للبيهقي (٢٠٣/٢).
٥٥٩
بسحرٍ ولا شعرٍ ولا كهانة، قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَمَ ثَ تَنزِيلٌ مِّنَ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذَ كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ٣)﴾ حتى بلغ
﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَعِقَةً مِثْلَ صَعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ خَ ﴾ [فصلت] فأمسكتُ بفِيهِ،
وناشَدتُهُ الرحم أن يكفّ، وقد علمتم أنّ محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب،
فخفتُ أنْ ينزلَ بكم العذاب. رواه يحيى ابن مَعِين عنه(١).
وقال داود بن عَمْرو الضَّبِّي: حدثنا المثنَّى بن زُرعة، عن محمد بن
إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما قرأ النبي ◌َّ على عُتبَة بن ربيعة
﴿حَمَثَ تَنْزِيلُ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾﴾ أتى أصحابه فقال لهم: يا قوم أطيعوني
في هذا اليوم واعصُوني فيما بعده، فَوَالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاماً
ما سمعت أُذُناي قطّ كلاماً مثله، وما دريتُ ما أردُّ عليه(٢).
ابن إسحاق(٣): حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن كعب القُرِيِ،
قال: حدِّثتُ أنّ عُتبة بن ربيعة، لما أسلم حمزة قالوا له: يا أبا الوليد كلَم
محمداً. فأتاه فقال: يا ابن أخي إنّك منّا حيث علِمتَ من البسطة والمكان
في النَّسَب، وإنّك أتيتَ قومَكَ بأمرٍ عظيم، فرَّقتَ به بينهم، وسفَّهتَ
أحلامَهم، وعبت به آلهتهم، فاسمع منّي. قال: قل يا أبا الوليد. قال: إنْ
كنت تريد مالاً جمعنا لك، حتى تكون أكثرنا مالاً، وإنْ كنت تريد شَرَفاً
سوَّدناك وملَّكناك، وإنْ كان الذي يأتيك رئيّاً طلبنا لك الطِّبّ. حتى إذا فرغ
قال: فاسمع منّي. قال: أفعل. قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَمَثَ تَنزِيلُ
مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِثَ كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ﴾ ومضى، فأنصت عُتبة، وألقى يديه
خلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، فلمّا انتهى رسولُ الله ◌ِّ إلى السَّجدة
سجد، ثم قال: قد سمعتَ يا أبا الوليد فأنتَ وذاك. فقام إلى أصحابه،
فقال بعضهم: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
فلما جلس قالوا: ما وراءك؟ قال: ورائي أنّي سمعت قولاً، والله ما سمعت .
مثله قط، والله ما هو بالشِّعر ولا بالسِّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش
(١) دلائل النبوة ٢٠٣/٢ -٢٠٥.
(٢) دلائل النبوة ٢٠٥/٢ - ٢٠٦
(٣) ابن هشام ٢٩٣/١، ودلائل النبوة ٢٠٤/٢ - ٢٠٥.
٥٦٠