Indexed OCR Text
Pages 301-320
فلقي رُعاءَ الشاء، فاستاق الشاءَ والنَّعَم منحدراً إلى المدينة. فأدركه الطَّلب عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنّبل حتى فنيَ نَبْلُ أصحابِ بشير، فأصابوا أصحابه وولَّى منهم مَنْ ولَّى، وقاتل بشير قتالاً شديداً حتى ضُرِبتْ كعباه، وقيل قد مات، ورجعوا بنَعمهم وشائهم، وتحامل بشير حتى انتهى إلى فَدَك، فأقام عند يهوديٍّ حتى ارتفع من الجراح، ثم رجع إلى المدينة . سَرِيَّةُ غالب بن عبدالله الليثي قال الواقديّ(١): حدّثني أفلح بن سعيد، عن بشير بن محمد ابن الذي أُرِيَ الأذان عبدالله بن زيد، قال: كان مع غالب بن عبد الله: أبو مسعود عُقْبة ابن عَمْرو الأنصاري، وكعب بن عُجْرة، وعُلْبَة بن زيد. فلما دنا غالب منهم بعثَ الطلائعَ ثم رجعوا فأخبروه فأقبل يسيرُ حتى إذا كان بمنظرِ العين منهم ليلاً وقد احتلبوا وهدأوا، قام فحمد الله وأثنى عليه وأمرَ بالطّاعةِ، قال: وإذا كَبَّرْتُ فكبِّرُوا، وجرِّدُوا السُّيوف. فذكر الحديث في إحاطتهم بهم. قال: ووضعنا السيوف حيث شئنا منهم، ونحنُ نصيحُ بشعارنا: أَمِتْ أَمِتْ. وخرج أسامة فحمل على رجلٍ فقال: لا إله إلّ الله. وذكر الحديث. وقال يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق(٢): حدّثني شيخ من أسْلم، عن رجالٍ من قومه، قالوا: بعث رسول الله وَ﴾ غالبَ بنَ عبد الله الكلبي، كلب لَيْث، إلى أرض بني مُرَّة، فأصاب بها مِرْداس بن نَهِيك، حليف لهم من الحُرَقَة فقتله أسامة. فحدّثني محمد بن أسامة بن محمد ابن أسامة، عن أبيه، عن جدّه أسامة بن زيد، قال: أدركته، يعني مِرْداساً، أنا ورجل من الأنصار، فلما شَهَرْنا عليه السَّيف قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، فلم ننزع عنه حتى قتلناه. فلما قدمنا على رسول الله مَلّ أخبرناه خبره، فقال: ((يا أسامة مَنْ لك بلا إله إلّ الله))؟ فقلت: يا رسول الله، إنّما قالها تَعَوُّداً من القَتْلِ. قال: ((فَمَنْ لك بلا إله إلاّ الله)). فوالذي بعثه بالحقِّ، ما (١) المغازي ٧٢٤/٢، ودلائل النبوة ٢٩٦/٤. (٢) دلائل النبوة ٤/ ٢٩٧. ٣٠١ زال يُرَدِّدُهَا عليَّ حتى لَوَدِدْتُ أنّ ما مضى من إسلامي لم يكن. وأنّي أسلمتُ يومئذٍ ولم أقتله. وقال هُشَيْم: أخبرنا حُصَيْن بن عبدالرحمن، قال: حدثنا أبو ظبيان، قال: سمعت أسامة بن زيد يُحَدِّثُ، قال: أتينا الحُرَقَة من جُهَيْنة، قال: فصبَّحْنا القَومَ فهزمناهم، ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلاّ الله. قال: فكفَّ عنه الأنصاريُّ، وطعنته أنا برمحي حتى قتلته، فلما قَدِمْنا بلغ النّبِيَّ مَ لَّ ذلك، فقال: أَقَتَلْتَهُ بعدما قال لا إله إلاّ الله، ثلاث مرّات. قلتُ: يا رسولَ الله، إنّما كان مُتَعَوِّداً، قال: فما زال يُكرِّرها حتى تمنّيتُ أنّي لم أكن أسلمتُ قبل يومئذٍ. مُتَّفقٌ عليه(١) . وقال محمد بن سَلَمَة، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني يعقوب بن عُتْبَة، عن مسلم بن عبدالله الجُهني، عن جُنْدب بنِ مَكِيثِ الجُهَني، قال: بعث رسول الله ◌َّ غالب بن عبدالله إلى بني المُلَوِّحِ بالكَدِيدِ، وأمره أن يُغِير عليهم، وكنتُ في سِرِيَّته. فمضينا حتى إذا كنّا بقُدَيْد، لقينا به الحارثَ بنَ مالك بن البَرْصاء اللَّيْئي، فأخذناه، فقال: إنِّي إنَّما جئتُ لأُسْلمَ. فقال له غالب: إنْ كنتَ إنّما جئت لتُسْلِم فلا يضرُّك رِباط يوم وليلة، وإنْ كنتَ على غير ذلك استوثَقْنا منك. قال: فأوثقه رِباطاً وخلّفَّ عليه رُوَيْجلاً أسود، قال: امكُثْ عليه حتى نمرَّ عليك، فإنَ نازَعَكَ فاحتزَّ رأسَه، وأتينا بطْنَ الكَدِيد فنزلناه بعد العصر. فبعثني أصحابي إليه، فعمدت إلى تلّ يُطْلعني على الحاضر، فانبطحتُ عليه، وذلك قبل الغروب. فخرج رجل فنظر فرآني منبطحاً على التلِّ فقال لامرأته: إنِّي لأرى سواداً على هذا التلِّ ما رأيته في أوّل النهار، فانظري لا تكون الكلاب اجترّت بعضَ أوعيتكِ. فنظرتْ فقالت: والله ما أفقدُ شيئاً. قال: فناوليني قوسي وسهمَيْن من نَبْلي. فناولَتْه فرمَاني بسهمٍ فوضعَهُ في جبيني، أو قال: في جنبي، فنزعته فوضعتُه ولم أتحرّك، ثم رماني بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعتُه (١) البخاري ١٨٣/٥ و٤/٩، ومسلم ٦٧/١ و٦٨، ودلائل النبوة ٢٩٧/٤-٢٩٨. وانظر المسند الجامع حديث (١٠٥). (٢) ابن هشام ٦٠٩/٢-٦١١، ودلائل النبوة ٢٩٨/٤-٢٩٩. ٣٠٢ ؟ ولم أتحرّك. فقال لامرأته: أما والله لقد خالطه سهماي، ولو كان زائلاً لتحرّك، فإذا أصبحتِ فابْتَغي سهميَّ فخذيهما، لا تمضغهما عليَّ الكلاب. قال: ومَهَلْنا حتى راحت روائحهم، وحتى إذا احتلبوا وعَطَّنُوا وذهب عَتَمَةٌ من اللَّيل شَنَّا عليهم الغارة فقتلنا مَنْ قتلنا واستَقْنَا النَّعم فوجَّهْنا قافلين به، وخرج صريخُ القوم إلى قومهم، قال: وخرجنا سِرَاعاً حتى نمرّ بالحارث بن مالك بن البَرْضاء وصاحبه، فانطلقنا به معنا. وأتانا صريخُ النّاس فجاءنا مالا قِبَلَ لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلاّ بطنُ الوادي من قُدَيْد، بَعَثَ الله من حيث شاء ماءً ما رأينا قبل ذلك مَطَراً ولا خالاً(١)، فجاء بما لا يقدر أحدٌ يقدمُ عليه، لقد رأيتهم وقوفاً ينظرون إلينا ما يقدر أحدٌ منهمٍ على أن يقدم عليه، ونحن نحدوها. فذهبنا سِراعاً حتى أسندناها في المُشَلَّل، ثم حَدَرْنا عنه وأعجزناهم. سرِيَّةٌ حَنَانَ (٢) قال الواقدي في مغازيه(٣): حدّثني يحيى بن عبدالعزيز بن سعيد بن سعد بن عُبادة، عن بشير بن محمد بن عبدالله بن زيد، قال: قدِم رجلٌ من أَشْجَعَ يُقال له: حُسَيْل بن نُوَيْرَة، وكان دليلَ النّبِيِّ ◌َ﴿ه إلى خيبر، فقال له: من أين يا حُسَيْل؟ قال: من يَمْن وحَنَان، قال: وما وراءك؟ قال: تركت جمعاً من يمن وغَطَفان وحنان وقد بعث إليهم عُيَيْنَة: إمّا أن تسيروا إلينا وإمّا أن نسير إليكم، فأرسلوا إليه أنْ سِرْ إلينا، وهم يريدونك أو بعض أطرافك. فدعا رسول اللّه ◌َلَّ أبا بكر وعمر فذكر لهما ذلك فقالا جميعاً: ابعث بشير بن سعد، فعقد له لواءً وبعث معه ثلاث مئة رجل، وأمرهم أن (١) الخالُ: الغَيْم، وقال الأزهري: وقد يقال للسحاب الخال (انظر اللسان). (٢) جَوّد البشتكي ضبطها عن المؤلف، وهي كذلك عند الواقدي ((الحنان)) كما هنا، ولكن ناشره جونس غيرها، كما بَيّن في الحاشية . (٣) المغازي ٧٢٧/٢، ودلائل النبوة ٣٠١/٤-٣٠٢. ٣٠٣ يسيروا اللّيل ويكمنوا النّهار، ففعلوا، حتى أتوا أسفلَ خَيبر، فأغاروا وقتلوا عيناً لعُيَيْنَة. ثم لقوا جمع عُيَيْنة فناوشوهم، ثم انكشف جمع عُيِّيْنة وأُسِرَ منهم رجلان، وقدِموا بهما على النّبيّ ◌َّ فأسلما. سرِيَّة أبي حَدْرَد إلى الغابةِ(١) قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: كان من حديث أبي حدرد الأسلميّ ما حدّثني جعفر بن عبدالله بن أسْلَم، عن أبي حَدْرَد، قال: تزوَّجتُ امرأةً من قومي، فأصْدقْتُها مئتي دِرْهَم. فأتيتُ رسولَ الله ◌َله أستعينه على نكاحي، فقال: كم أصدقت؟ قلت: مئتي درهم. فقال: سبحان الله، والله لو كنتم تأخذونها من واد ما زاد، لا والله ما عندي ما أُعينكَ به. فلبث أياماً، ثم أقبل رجل من جُشَم بن معاوية يقال له رفاعة ابن قيس أو قيس بن رفاعة، في بطن عظيم من جُشَم، حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أنْ يجمعَ قيساً على حربِ رسولِ الله ◌ِح له. وكان ذا شَرَفٍ، فدعاني النّبيُّ مَّه ورجلين من المسلمين، فقال: ((اخرجوا إليه، حتى تأتوا منه بخبرٍ وِعِلْم)). وقَدَّمَ لنا شارفاً عجفاء، فحُمِلَ عليها أحدُنا، فوالله ما قامت به ضَعْفاً، حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلَّتْ وما كادت، وقال: تَبَلَّغُوا على هذه. فخرجنا، حتى إذا جئنا قريباً من الحاضر مع غروب الشمس، فكمنتُ في ناحية، وأمرتُ صاحِبَيَّ فَكَمنا في ناحية، وقلت: إذا سمعتماني قد كبّرت وشدَدْت في العسكر، فكبِّروا وشدُّوا معي، فوالله إنَّا لكذلكَ ننتظر أن نرى غِرَّةً وقد ذهبت فحمةُ العِشاء، وقد كان لهم راع قد سرح في ذلك البلد فأبطأ عليهم، فقام زعيمُهم رِفاعة فأخذ سيفه وقال: لأتبعنَّ أثرَ راعينا. فقالوا: نحنُ نكفيكَ. قال: لا والله لا يتبعني أحدٌ منكم. وخرج حتى يَمُرَّ بي، فلما أمكنني نفحتُه بسهمٍ فوضعته في فؤاده، فوالله ما نطقَ، فوثبتُ إليه، فاحتززْتُ رأسه، ثم شددتُ في ناحية العسكر -- (١) الغابة: موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة (معجم البلدان). - ٣٠٤ وكبَّرتُ وكبّر صاحباي، فَوَالله ما كان إلّ النّجاء ممن كان فيه: عندك! بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خَفَّ معهم، واستَقْنا إبلاً عظيمةً وغَنَماً كثيرة، فجئنا بها إلى رسول الله بِّه، وجئتُ برأسه أحمله معي، فأعطاني من تلك الإبل ثلاثة عشر بعيراً في صداقي، فجمعتُ إليَّ أهلي (١) . سَرِيَّةٍ مُحَلِّم بن جَثَّامة قال محمد بن سَلَمَة، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني يزيد بن عبدالله ابن قُسَيْط، عن ابن عبدالله بن أبي حَدْرَد، عن أبيه، قال: بَعَثَنَا رسول الله ◌ِالَّ إلى إضَم في نفرٍ من المسلمين منهم أبو قَتَادة، ومُحَلَّم بن جَثّامَة ابن قيس . حتى إذا كنّا ببطن إضَم، مرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ على قَعُودٍ له، معه مُتَيَّعٌ(٣) له، ووَطْبٍ (٤) من لبن، فسلَّمَ علينا بتحيّة الإسلام. فأمسكنا عنه، وحمل عليه مُحَلَم فقتله لشيءٍ كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسولِ الله ◌َ ﴿ أخبرناه الخبرَ. فنزل فينا القرآن: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَيْتُمْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيِّنُواْ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَىَ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾﴾ [النساء]، إلى آخر الآية. ورواه حمّاد بن سلمة، عن ابن إسحاق . وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ابن إسحاق(٥): حدثني محمد بن جعفر ابن الزُّبَيْر، سمعتُ زياد بن ضُمَيْرة بن سعدِ الضَّمْرِي يحدِّثُ عن أبيه وجدّه، وقد شهدا حُنَيْنَاً مع رسولِ الله ◌َِّ، فصلَّى الظُّهرَ وجلس في ظِلِّ شجرة، فقام إليه عُيَيْنة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط، سيّد قيس، وجاء الأقرع صَاء الله ابن حابس يردّ عن مُحَلِّم بن جَثَّامة، وهو سيّد خِنْدِف، فقال رسول الله ومتلـ لقوم عامر: ((هل لكم أنْ تأخذوا منَّا الآن خمسين بعيراً، وخمسين إذا رجعنا (١) ودلائل النبوة ٣٠٣/٤-٣٠٤. وانظر ابن هشام ٦٢٩/٢. ابن هشام ٦٢٦/٢، ودلائل النبوة ٣٠٥/٤. (٢) (٣) تصغير متاع . أي : وعاء. (٤) (٥) ابن هشام ٢/ ٦٢٧، ودلائل النبوة ٣٠٦/٤-٣٠٧ يخ الإسلام ٢٠٣/١ ٣٠٥ الى المدينة))؟ فقال عُيَيْنة بن بدر: والله لا أدعه حتى أُذِيقَ نساءه من الحَرّ مثل ما أذاق نسائي. فقام رجل من بني ليث يقال له: ابنُ مُكَيْتِيل(١)، وهو قَصْدٌ من الرجال، فقال: يا رسول الله، ما أجد لهذا القتيل مَثَلاً في غُرَّة الإسلام إلّ كَغَنَم وَرَدَتْ فَرُمَيَتْ أُولاها فَفَرَّتْ أُخْراها، اسْنُنِ اليومَ وغَيِّر غداً. فقال رسولَ الله ◌ِّلير: هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيراً الآن وخمسين إذا رجعنا؟ فلم يزل بهم حتى رضوا بالدِّية. قال قوم مُحَلَّم: ائتوا به حتى يستغفر له رسولُ الله ◌ِ ﴿، قال: فجاء رجل طُوالٌ ضَرْبُ اللحم في حُلَّةٍ قد تهيّأ فيها لِلقَتْل، فقام بين يدي النّبِيِّ بِّهِ. فقال رسول الله ◌ِّ: ((اللَّهُمَّ لا تغفر لمُحَلِّم)). قالها ثلاثاً. فقام وإنّه لَيَتلَقّى دموعه بطرف ثوبه . قال ابن إسحاق: وزعم قوم أنه استغفرَ له بَعْدُ. وقال أبو داود في سُنَنَه(٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا حمّاد، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: فحدّثني محمد بن جعفر، سمعت زياد بن ضميرة. (ح) قال: وحدثنا أحمد بن سعيد الهمداني، ووهب بن بيان، قالا: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عبدالرحمن بن أبي الزّناد، عن عبدالرحمن بن الحارث، عن محمد بن جعفر، أنه سمع زياد ابن سعد بن ضُمَيْرة السُّلمي. وهذا حديث وهب وهو أتمّ، يحدّث عُزْوَة بن الُّبَيْر، عن أبيه، قال موسى: وجدّه، وكانا شهدا معٍ رسول الله بَّه حُنَيْناً، يعني أباه وجدّه. ثم رجعنا إلى حديث وهب: أنّ مُحَلِّم بن جَثَّامة قتل رجلاً من أشجع في الإسلام. وذلك أول غِيَرِ (٣) قضى به رسولُ الله ◌ِ ل. فتكلّم عُيَيْنَة في قتل الأشجعيّ لأنّه من غَطَفانَ، وتكلّم الأقرع بن حابس، فذكر القصّة إلى أن قال: ومُحَلّم رجل طويل آدم، وهو في طرف النّاس، فلم يزالوا حتى تخلّص فجلس بين يدي رسول الله مَله، وعيناه تدمعان. فقال: يا رسولَ الله، إنّي قد فعلتُ الذي بَلَغَكَ، وإنّي أتوبُ إلى الله، فاستغفرْ لي يا (١) هكذا مجودة في النسخ، وفي السيرة: ((مُكَيْثر)) وصَوّبها ابن هشام: ((مُكَيْتل))، وبه أخذت بعض كتب الصحابة . (٢) أبو داود (٤٥٠٣)، ودلائل النبوة ٣٠٧/٤-٣٠٨ . (٣) الغِيَر: الدِّية. ٣٠٦ رسولَ الله. فقال رسول الله بِّه: ((أقَتَلْتَه بسلاحك في غُزَّة الإسلام؟ اللَّهُمَّ لا تغفرْ لمحَلِّم)». بصوتٍ عالٍ . زاد أبو سَلَمَةَ: فقام وإنّه لَيَتَلَفَّى دموعَه بطرف ردائه. والله تعالى أعلم. سَرِيَّةٌ عبدالله بن خُذَافَة بن قيس بن عَدِيّ السَّهْمِيّ قال ابن جُرَيْجِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْيِ مِنْكُمْ ثَ﴾ [النساء]. نزلت في عبد الله بن حُذَافَة السَّهْمِيّ، بعثه رسول الله وََّ فِي سَرِيّة. أخْبَرَنيه يَعْلَى بن مسلم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس. أخرجاه في الصّحيح(١). وقال الأعمش، عن سعد بن عُبَيْدة، عن أبي عبدالرحمن السُّلَمي، عن علي بن أبي طالب: استعمل النّبيُّ وَّر رجلاً من الأنصار على سريّة، وأمرهم أن يطيعوه، فأغضبوه في شيءٍ، فقال: اجمعوا لي حطباً. فجمعوا، وأمرهم فأوقدوه، ثم قال: ألمٍ يأمركم رسولُ الله ◌ِلَّ أن تسمعوا لي وتُطيعوا؟ قالوا: بلى. قال: فادْخُلُوها. فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: إنّما فررنا إلى رسولِ اللهِ وَ لَه من النّار. فسكن غضبُه، وطُفِئت النّارُ. فلما قَدِمُوا على رسولِ الله وَّل ذكروا له ذلك. فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنّما الطَّاعةُ في المعروف. أخرجاه(٢). وفيها كانت غزوة ذات الرِّقاع، وقد تقدّمت سنة أربع، وأوردنا الخلافَ فيها، فلعلَّهما غزوتان، والله أعلم. (١) البخاري ٥٧/٦، ومسلم ١٣/٦، ودلائل النبوة ٣١١/٤. وانظر المسند الجامع حدیث (٦٩٥٦). (٢) البخاري ٢٠٣/٥ و٧٨/٩ و١٠٩، ومسلم ١٥/٦ و١٦، ودلائل النبوة ٣١٢/٤. وانظر المسند الجامع حديث (١٠٣٠١) .. ٣٠٧ عُمْرَةُ القَضيّة روى نافع بن أبي نُعَيم، عن نافع مولى ابن عمر، قال: كانت عُمْرة القضيّة في ذي القَعْدة سنة سبع(١) . وقال مُعْتَمِر بن سليمان،ً عن أبيه، قال: لما رجع رسول الله بَّ من خيبر، بعث سرايا وأقام بالمدينة حتى استهلّ ذو القَعْدة. ثم نادى في النّاس أَنْ تجهّزوا إلى العُمْرة، فتجهّزُوا، وخرجوا معه إلى مكة(٢) . وقال ابن شهاب: ثم خرج رسولُ الله ◌ِّ في ذي القَعْدة حتى بلغ يَأْجَجَ (٣) وضع الأداة كلها: الحَجَف والمَجَانْ والرماح والنَّبْل، ودخلوا بسلاح الراكب: السيوف. وبعث رسولُ الله ◌ِّ جعفراً بين يديه إلى ميمونةَ بنتِ الحارث بن حَزْن العامريّة فخطبها عليه، فجعلتْ أمرَها إلى العبَّاس؛ وكانت أختها تحته، وهي أمُّ الفضل فزوّجها العبّاسُ رسولَ الله ◌ِصَلـ م فلما قدم أَمَرَ أصحابَهُ، فقال: اكشفوا عن المناكبِ واسعوا في الطَّواف، ليرى المشركون جَلَدَهم وقُوَّتهم، وكان يُكايدهم بكَلِّ ما استطاعٍ. فاستلفَّ (٤) أهلُ مكة - الرجال والنّساء والصّبيان - ينظرون إلى رسولِ اللهِ وَ﴾ وأصحابه وهم يطوفون بالبيت، وعبدالله بن رواحة يرتجز بين يدي رسولٍ الله ◌ِّ مُتَوشِّحاً بالسيف يقول: أنا الشهيد أنّه رسوله خُلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلهْ في صُحُفٍ تُتْلى على رسولهْ قد أنزل الرحمنُ في تنزيلهْ كما ضَرَّبْناكم على تنزيله فاليوم نضربكم على تأويلهْ ويُذْهِلُ الخليلَ عن خليلهْ ضَرْباً يُزيل الهامَ عن مَقِيلِهْ وتغيَّبَ رجالٌ من أشرافهم أنْ ينظروا إلى رسولِ الله ◌ِّ غَيْظاً وحنقاً، (١) دلائل النبوة ٣١٣/٤. (٢) دلائل النبوة ٣١٤/٤. (٣) مكان من مكة على ثمانية أميال .. (٤) كتب على هامش الأصل: ((أي: اجتمع)). ٣٠٨ ونفاسةً وحَسَداً، خرجوا إلى الخَنْدَمَةِ(١). فقام رسول الله بَّل بمكة، وأقام ثلاث ليالٍ، وكان ذلك آخر الشرط، فلما أصبح من اليوم الرابع أتاه سُهَيْل ابن عَمْرو وغيره، فصاح حُوَيْطِب بن عبدالعُزَّى: نناشدك اللهَ والعقد لَمَا خرجتَ من أرضنا فقد مضتِ الثلاثُ. فقال سعد ابن عُبَادة: كذبتَ لا أُمَّ لكَ ليس بأرضكَ ولا بأرضٍ آبائك، والله لا نخرج. ثم نادى رسولُ الله ◌ِ له سُهَيْلاً وحُوَيْطباً، فقال: ((إنّي قد نكحتُ فيكم امرأةً فما يَضُرُّكم أنْ أمكثَ حتى أدخلَ بها، ونصنع الطعام فنأكل وتأكلون معنا)). قالوا: نناشدك الله والعقد إلّ خرجتَ عنَّا. فأمر رسولُ الله ◌ِ لَوَ أَبا رافع فأَذَّنَ بالرِحيل. وركب رسولُ الله ◌ٌِّ حتى نزل بَطْنَ سَرِف (٢) وأقام المسلمون، وخلّف رسولُ الله ◌َ ليّ أبا رافع ليحمل ميمونةَ إليه حين يُمسي. فأقام بسرِف حتى قدِمت علیه، وقد لقيت عناءً وأذى من سُفهاء قريش، فبنى بها. ثم أدلجَ فسار حتى قَدِمَ المدينة. وقدّر الله تعالى أن يكون موتُ ميمونة بسَرِف بعد حين(٣). وقال فُلَيْح، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ رسولَ الله ◌ِ ◌ّ خرج معتمراً، فحال كُفَّارُ قريش بينه وبين البيت. فنحر هَدْيَه وحلقَ رأسه بالحُدَيبية، وقاضاهم على أنْ يعتمرَ العامَ المقبل، ولا يحمل سلاحاً إلاّ سيوفاً، ولا يقيم بها إلاّ ما أحَبُّوا. فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما صالحهم، فلما أنْ أقام بها ثلاثاً أمروه أن يخرج، فخرج. أخرجه البخاري (٤). وقال الواقديّ (٥): حدثنا عبدالله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: لم تكن هذه العُمْرة قضاءً ولكنْ شرطاً على المسلمين أن يعتمروا قابل في الشهر الذي صدَّهم المشركون. (١) جبل من جبال مكة. (٢) موضع على أميال من مكة . (٣) ابن هشام ٢/ ٣٧٠-٣٧٢، ودلائل النبوة ٣١٤/٤-٣١٦. البخاري ١٨٠/٥، ودلائل النبوة ٣١٧/٤. وانظر المسند الجامع حديث (٧٥٣١). (٤) (٥) المغازي ٧٣١/٢، ودلائل النبوة ٣١٨/٤. ٣٠٩ وقال محمد بن سَلَمة، عن ابن إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون، سمعت أبا حاضر الحَضْرَميّ يُحَدِّثُ أبي: ميمون بن مِهْران، قال: خرجت معتمراً سنة حُوصِرَ ابنُ الزُّبَيْرِ، وبعث معي رجالٌ من قومي بهَدْي، فلما انتهينا إلى أهل الشام منعونا أنْ ندخل الحَرَمَ، فنحرتُ الهدي مكاني، ثم أحللتُ ثم رجعتُ. فلما كان من العام المقبل خرجت لأقضي عُمْرَتي، فأتيتُ ابنَ عبّاس فسألته، فقال: أبْدِلِ الهدْيَ فإنَّ رسولَ الله ◌َّه أمرَ أصحابه أن يبدلوا الهديَ الذي نحروا عام الحُدَيبية في عُمْرة القضاء. زاد فيه يونس عن ابن إسحاق، قال: فَعَزَّت الإبلُ عليهم، فرخَّصَ لهم رسولُ اللهِ ◌ّ في البقر(١). وقال الواقديّ (٢): حدّثني غانم بن أبي غانم، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر، قال: قد ساق النّبِيُّ مَل#، في القضية ستين بَدَنَة. قال: ونزل رسول الله ◌ََّ مَرَّ الظَّهْران، وقدّم السلاح إلى بطن يأجَج، حيث ينظر إلى أنصاب الحَرَم. وتخوَّفت قريش، فذهبت في رؤوس الجبال وخَلَّوا مكة. وقال مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن أنس، قال: لما دخل النّبِيُّ ◌َّ مكةَ في عمرة القضاء، مشی ابن رواحة بين يديه وهو يقول: قد نزّل الرحمن في تنزيله خلُّوا بني الكفّار عن سبيلهْ نحن قتلناكم على تأويله (٣) بأنّ خيرَ القتل في سبيلهْ يا ربّ إنّي مؤمنٌ بقِيله كما قتلناكم على تنزيله وقال أيّوب، عن سعيد بن جبير، حدّثه، عن ابن عبّاس: قَدِمَ رسولُ الله بَل﴿ مكة، وقد وَهَنَتْهُم حُمَّى يثرب. فقال المشركون: إنّه يقدم عليكم قومٌ قد وهنتهم الحُمَّى، ولقوا منها شرَّاً. فَأَطْلَع الله نبيّه على ما قالوه، فأمرهم أنْ يرملوا الأشواطَ الثلاثة، وأنْ يمشوا بين الرُّكْنَين. فلما رأوهم رَمَلُوا، قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أنَّ الحُمَّى وَهَنتهم؟ هؤلاء أجلدُ مِنَّا. قال ابن عبّاس: ولم (١) دلائل النبوة ٣١٩/٤-٣٢٠. وأخرجه أبو داود (١٨٦٤). وانظر المسند الجامع حدیث (٦٣٨٥). (٢) المغازي ٧٣٢/٢، ودلائل النبوة ٣٢٠/٤-٣٢١. (٣) دلائل النبوة ٣٢٢/٤. ٣١٠ يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلَّها إلاّ للإبقاء عليهم. أخرجاه(١). وقال يزيد بن هارون: أخبرنا الجُرَيري، عن أبي الطُّفَيْل، قال: قلتُ لابن عبّاس: إنَّ قومكَ يزعمون أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قد رَمَل وأنّها سُنَّة. قال: صدقوا وكذبوا؛ إنَّ رسولَ اللهِ بَّهَ قَدِمَ مكةَ والمشركون على فُعَيْقِعَان(٢)، وكان أهلُ مكة قوماً حُسَّداً، فجعلوا يَتحدَّثون بينهم أنَّ أصحابَ محمد ضعفاء، فقال رسولُ الله ◌ِ﴾: أروهم ما يكرهونَ منكم. فرملَ رسولُ اللهِ وَلَه لِيُريهم قُوَّته وقوَّةَ أصحابه، وليست بسُنَّة. أخرجه مسلم(٣). وقد بقي الرَّمَلُ سُنَّةً في طوافِ القدوم؛ وإنْ كان قد زالت عِلَّتُه فإنَّ جابراً قد حكى في حجَّةِ النّبيِّبَلَ رَمَله، ورَمَلُوا في عُمْرة الجِعِرَّانة. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن ابن أبي أوفى سمعه يقول: اعتمرنا مع رسول الله مَ ل﴿، فكنّا نَسْتُره - حين طافَ - من صبيانِ مكة لا يُؤْذونه. وأرانا ابنُ أبي أوفى ضربةً أصابته مع النّبيِّ نَّهُ يومَ خيبر. البخاري (٤). تَزْويجُه عليه السلام بمَيْمُونَة قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٥): حدّثني أبان بن صالح، وعبدالله ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد وعطاء، عن ابن عبّاس، أنَّ رسولَ الله ◌ِّ تزوّج ميمونة، وكان الذي زوَّجه العبّاس. فأقام رسولُ الله وَلّل بمكة ثلاثاً. فأتاه حُوَيَطب بن عبدالعُزَّى، في نَفَرِ من قريش، فقالوا: قد انقضى أجلُكَ فاخرجُ عنَّا. قال: (لو تركتموني فعرَّسْتُ بين أظْهُرِكم، وصنعنا طعاماً فحضر تموه)). (١) البخاري ١٨٤/٢ و ١٨١/٥، ومسلم ٦٥/٤، ودلائل النبوة ٣٢٥/٤-٣٢٦. وانظر المسند الجامع حديث (٦٢٨٥). (٢) جبل باسفل مكة. مسلم ٤ /٦٤، ودلائل النبوة ٣٢٧/٤. وانظر المسند الجامع حديث (٦٢٨٦). (٣) البخاري ١٨٤/٢ و٧/٣ و١٦٣/٥ و١٨١، ودلائل النبوة ٣٢٨/٤. وانظر المسند (٤) الجامع حديث (٥٦٦٣). (٥) دلائل النبوة ٣٣٠/٤. وانظر سيرة ابن هشام: ٣٧٢/٢. ٣١١ قالوا: لا حاجةَ لنا به. فخرج، وخَلَّفَ أبا رافع مَوْلاهُ على ميمونة، حتى أتاه بها بسَرِف، فبنى عليها . صَهْل الله وقال وُهَيْب: حدثنا أيّوب، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس: أنّ النّبيّ تزوّج ميمونة وهو مُحْرِم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسَرِف. رواه البخاري(١). وقال عبدالرّزاق: قال لي الثَّوريُّ: لا تلتفتْ إلى قولِ أهلِ المدينة. أخبرني عَمْرو، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله بَِّ تزوَّجَ وهو مُخْرِم. وقد رواه الثَّوري أيضاً عن ابن خُثَيَّم، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس. وهما في الصحيح (٢). وقال الأوزاعي: حدثنا عطاء، عن ابن عبّاس أنّ النّبيِّ بَلّ تزوّج ميمونة وهو مُحْرِم. فقال سعيد بن المسيّب: وَهَلَ وإنْ كانت خالته. ما تزوّجها رسولُ الله ◌ٍِّ إلاّ بعد ما أحلَّ. أخرجه البخاري، عن أبي المغيرة، عنه(٣). وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مِهْران، عن يزيد بن الأصمّ، عن ميمونة، قالت: تزوجني رسولُ الله وَلّ ونحن حلالان بِسَرِف. رواه أبو داود(٤). وقد أخرجه مسلم(٥) من وجه آخر عن يزيد بن الأصم. وقال سليمان بن حرب: حدثنا حمّاد بن زيد، قال: حدثنا مطر الورّاق، عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، قال: تزوّج رسول اللهِ نَّ ميمونَة وهو حلال، وبَنى بها وهو حلال. وكنتُ الرسولَ بينهما . وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: اعتمر رسولُ الله ◌َِّ في ذي القعدة. فذكر الحديث بطوله. وفيه: فخرج رسول الله مَّل يعني من (١) البخاري ١٨١/٥، ودلائل النبوة ٣٣١/٤. (٢) البخاري ١٦/٧، ومسلم ١٣٧/٤، ودلائل النبوة ٣٣١/٤. وانظر المسند الجامع (٦٢٢٦) . (٣) البخاري ١٩/٣، ودلائل النبوة ٣٣٢/٤. وانظر المسند الجامع حديث (٦٢٢٢). (٤) أبو داود (١٨٤٣). وانطر المسند الجامع حديث (١٧٤٥١). (٥) مسلم ١٣٧/٤، ودلائل النبوة ٣٣٢/٤ . ٣١٢ مكة، فَتَبِعَتْهُم ابنةُ حمزة، فنادت: يا عَمّ ياعَمَ. فتناولها عليٍّ رضي الله عنه، وقال لفاطمة: دونكِ، فحملَتْها. قال: فاختصم فيها عليٌّ وزيد بن حارثة وجعفر، فقال عليّ: أنا أخذتها وهي ابنةُ عمّي، وقال جعفر. ابنة عمّي، وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي. فقضى رسولُ اللهِ وَلَه بها لخالتها، وقال: ((الخالة بمنزلة الأم))، وقال لعليٍّ ((أنتَ منّي وأنا منكَ))، وقال لجعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي، وقال لزيد: أنتَ أخونا ومولانا، أخرجه البخاري(١) عن عُبَيْدالله، عنه . وقال الواقديّ(٢): حدّثني ابن أبي حبيبة(٣)، عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرمِة، عن ابن عبّاس، أن عمارة بنت حمزة، وأمّها سَلْمى بنت عُمَيْس كانتا بمكة. فلما قَدِمَ النّبِيُّ ◌َ، كلّم عليٍّ رسولَ الله ◌َّه فقال: عَلَمَ نتركُ بنتَ عمّنا يتيمةً بين ظهراني المشركين؟ فلم يَنْهِ النّبيُّ مَ ﴾ عن إخراجها، فخرج بها، فتكلّم زيد بن حارثة، وكان وصيَّ حمزة، وكان النّبيُّ ◌َ ◌ّ قد آخِى بينهما. وذكر الحديث؛ وفيه: فقضى بها لجعفر وقال: تحتكَ خالتها، ولا تُنْكَح المراةُ على خالتها ولا عمّتها . وعن ابن شهاب، أنَّ النّبِيَّمَّ لما رجع من عُمْرته في ذي الحجّة سنة سبع بعث ابنَ أبي العَوْجَاء في خمسين إلى بني سُلَيْم، كما سيأتي . (١) البخاري ٣/٣، دلائل النبوة ٣٣٧/٤-٣٣٨. وانظر المسند الجامع حديث (١٧٢٩). (٢) المغازي ٧٣٨/٢، ودلائل النبوة ٣٣٩/٤-٣٤٠. (٣) هو إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة الأشهلي. ٣١٣ ثمّ دَخَلَت سَنَّةً ثَمَانٍ مِنَ الهِجْرَة قال الواقديّ(١): حدّثني محمد بن عبدالله، عن عمّه ابن شهاب، قال: سار ابن أبي العَوْجاء السُّلَمي في خمسين رجلاً إلى بني سُلَيْم، وكان عينٌ لبني سُلَيم معه، فلما فصل من المدينة، خرج العينُ إلى قومِه فحذَّرهم. فجمعوا جمعاً كثيراً. وجاءهم ابن أبي العَوْجاء وهم مُعِدُّون. فلما رآهم أصحابُ رسول الله مَّة، ورأوا جَمْعهم، دَعوهم إلى الإسلام، فرشقوهم بالنَّبل، ولم يسمعوا قولهم، فرموهم ساعة، وجعلت الأمدادُ تأتي، وأحدقوا بهم، فقاتلوا حتى قُتل عامّتهم، وأُصيب ابنُ أبي العَوْجاء جريحاً في القتلى، ثم تحاملَ حتى بلغ رسولَ الله ◌ِّ، فقدِم المدينةَ في أوّل صفر. [إسلام عَمْرو بن العاص وخالد بن الوليد](٢) وفيها: أسلمَ عَمْرو بن العاص، وخالد بن الوليد. قال الواقدي(٣): أخبرنا عبدالحميد بن جعفر، عن أبيه، قال: قال عَمْرو ابن العاص: كنتُ للإِسلام مُجَانِباً مُعانِداً، حضرتُ بَدْراً مع المشركين فنجَوْتُ، ثم حضرتُ أُحُداً والخندق فنجَوْتُ، فقلت في نفسي: كم أوضع، والله ليظهرنَّ محمدٌ على قريش. فلحقتُ بمالي (٤) بالوَهْط. فلما كان صلح الحديبية، جعلتُ أقول: يدخل محمد قابلاً مكةَ بأصحابه، ما مكة بمنزلٍ ولا الطّائف، وما شيءٌ خيرٌ من الخروج. فقدِمتُ مكةَ فجمعتُ رجالاً من قريش كانوا يرون المغازي ٧٤١/٢، ودلائل النبوة ٣٤٢/٤. (١) (٢) العنوان من عندي . المغازي ٢/ ٧٤١، ودلائل النبوة ٣٤٣/٤ -٣٤٦. (٣) أي: بستاني. (٤) ٣١٤ رأيي ويسمعون منّي، فقلت: تَعْلَمُونَ(١) - والله - إنّي لأرى أمرَ محمد يعلو عُلُوّاً مُنْكَراً، وإنّي قد رأيتُ رأياً. قالوا: وما هو؟ قلت: نلحق بالنّجاشيِّ فنكون معه، فإنْ يظهر محمدٌ كُنَّا عند النّجاشيِّ، أحبّ إلينا من أنْ نكونَ تحتَ يدِ محمد. وإنْ تظهر قريش فنحن مَنْ قد عَرَفُوا. قالوا: هذا الرأي. قلتُ: فاجمعوا ما تُهْدونه له، وكان أحبّ ما يُهدى إليه من أرضنا الأدم. فجمعنا له أدماً كثيراً، ثم خرجنا حتى أتيناه، فإنّا لَعِنْدَه؛ إذ جاء عَمْرو بن أُميَّةِ الضَّمْري بكتابِ النَّبِيِّ ◌َّه إلى النّجاشيِّ ليزوّجِه بأمِّ حبيبةَ بنتِ أبي سفيان فدخل عليه ثم خرج من عنده، فقلتُ لأصحابي: لو دخلت على النّجاشيّ، فسألته هذا فأعطانيه لَقَتَلْتُهُ لأَسُرَّ بذلك قريشاً. فدخلتُ علیه فسجدتُ له فقال: مرحباً بصديقي، أهديتَ لي من بلادك شيئاً؟ قلتُ: نعم أيّها الملك أهديتُ لك أدماً، وقرَّبتُه إليه، فأعجبه، ففرَّق منه أشياء بينَ بَطَارِقته، ثم قلت: إنّي رأيتُ رجلاً خرج من عندك وهو رسولُ عدوٍّ لنا قد وَتَرنَا وقتلَ أشرافنا، فأعطنيه فأقتله، فغضبَ ورفع يده فضربَ بها أنفي ضربةً ظَنَنْتُ أنّه كسره، فابتدر مِنْخَرايَ فجعلتُ أتلقَّى الدَّمَ بثيابي، فأصابني من ذلك الذُّل ما لو انشقَّتْ لي الأرضُ دخلتُ فيها فَرَقاً منه. ثم قلت: أيّها الملك: لو ظننتُ أنّك تكره ما قلتُ ما سألتُكَه. قال: فاستحيا، وقال: يا عَمْرو، تسألني أنْ أعطيك رسولَ مَنْ يأتيه النّاموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى وعيسى عليهما السلام لتقتله؟ قال عَمْرو: وغَيَّرَ اللهُ قلبي عَمَّا كنتُ عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحقَّ العربُ والعجم وتخالف أنتَ؟ قلت: أتشهدُ أَيُّها الملكُ بهذا؟ قال: نعم، أشهدُ به عندَ الله يا عَمْرو، فأطِعْني واتَّبِعْهُ، فَوَاللهِ إِنَّه لَعَلَى الحقِّ، وليظهرنَّ على مَنْ خالفه، كما ظهر موسى على فرعون. قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده فبايعني على الإسلام، ثم دعا بطستٍ، فغسل عنّي الدَّمَ، وكساني ثياباً، وكانت ثيابي قد امتلأت بالدم فألقيتها . وخرجت على أصحابي - فلما رأوا كسوة النّجاشيِّ سُرُّوا بذلك، وقالوا: هل أدركتَ من صاحبك ما أردتَ؟ فقلت: كرهتُ أنْ أُكلَّمه في أول مرَّةٍ، وقلتُ أعود إليه - ففارقتهم، وكأنّي أعمد لحاجةٍ - فعمدتُ إلى موضع السفن (١) تعلَّموا: فعل أمر بمعنى: اعلموا. ٣١٥ فأجد سفينةً قد شُحِنت تُدْفع. فركبت معهم، ودفعوها حتى انتهوا إلى الشُّعَيْبة(١)، وخرجت من الشِّعَيْبة ومعي نفقة، فابتعتُ بعيراً، وخرجت أريدُ المدينةَ، حتى خرجتُ على مَرَّ الظَّهْران. ثم مضيتُ حتى إذا كنتُ بالهَذَّة، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثيرٍ، يريدان منزلاً، وأحدهما داخلٌ في خيمة، والآخر قائم يُمسكُ الراحلتين. فنظرت فإذا خالد بن الوليد. فقلت: أبا سليمان؟ قال: نعم، قلت: أينَ تُريد؟ قال: محمداً، دخل النَّاسُ في الإسلام فلم يبق أحد به طَعْم، والله لو أقمتُ لأُخِذَ برقابنا كما يؤخذ برقبة الصَّبُع في مغارتها. قلت : وأنا والله قد أردتُ محمداً وأردتُ الإسلامَ. فخرج عثمان بن طلحة، فرخَّب بي، فنزلنا جميعاً ثم ترافقنا إلى المدينة، فما أنسى قولَ رجلٍ لِقِيَنا بِدَيْر(٢) أبي عِنبة يصيح: يا رَبَاحُ، يا رَبَاحُ. فتفاءلنا بقوله، وسَرَّنا ثم نظر إلينا، فأسمعه يقول: قد أعطت مكة المقَادَةَ بعد هذين. فظننت أنّه يعنيني ويعني خالدَ بن الوليد. وولّى مُدْبراً إلى المسجد سريعاً فظننت أنّه بَشَّرَ النَّبِيَّ مَثَّ بقدومنا، فكان كما ظننتُ. وأنَخْنَا بالحَرَّة فلبسنا من صالح ثيابنا، ونُوديَ بالعصر، فانطلقنا حتى اطّلعنا عليه، وإنَّ لوجْهه تهلُّلاً، والمسلمون حوله قد سُرُّوا بإسلامنا. وتقدّم خالد فبايع، ثم تَقَدَّمَ عثمانُ بن طلحة فبايع، ثم تقدّمتُ فَوَاللهِ ما هو إلاّ أنْ جلستُ بين يديه، فما استطعتُ أنْ أرفع طَرْفي إليه حياءً منه، فبايعتُه على أنْ يُغْفَرَ لي ما تَقَدَّمَ من ذنبي، ولم يَحْضُرني ما تأخّرَ. فقال: ((إنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما كان قبله، والهجرة تَجُبُّ ما كان قبلها)». فَوِالله ما عدلَ بي رسولُ الله ◌ِ﴾ٍ وبخالدٍ أحداً في أمرٍ حَزَبه منذ أَسْلَمُنا، ولقد كُنَّا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنتُ عند عمر بتلك الحال، وكان عمر على خالد كالعاتب . قال عبدالحميد بن جعفر: فذكرتُ هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب، فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أوْس الثَّقْفي، عن حبيب، عن عَمْرو؛ نحو ذلك. فقلت ليزيد: ألم يُوَقّت لك متى قدِم عَمْرو وخالد؟ قال: لا، إلاّ (١) مرفأ على شاطىء البحر بطريق اليمن. (٢) هكذا في الأصول وهو مجود، وفي مغازي الواقدي: ((ببئر)). ٣١٦ أنّه قال: قبل الفتح. قلتُ: فإنَّ أبي أخبرني أنّ عمراً وخالداً وعثمان قَدِموا المدينةَ لهلال صفر سنة ثمانٍ(١). وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب، عن حبيب بن أبي أوس، قال: حدّثني عَمْرو بن العاص، قال: لما انصرفنا من الخندق، جمعتُ رجالاً من قريش، فقلت: والله إنّي لأرى أمرَ محمدٍ يعلو عُلُواً مُنْكَراً، والله ما يقومُ له شيءٌ، وقد رأيتُ رأياً ما أدري كيف رأيكم فيه؟ قالوا: وما هو؟ قلت: أنْ نَلْحَقَ بالنّجاشيِّ. فذكر الحديث، لكن فيه: فضربَ بيده أنفَ نفسه حتى ظننتُ أنَّه قد كسره. والباقي بمعناه مختَصَراً. وقال الواقدي (٣): حدّثني يحيى بن المغيرة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت أبي يُحَدِّثُ عن خالد بن الوليد، قال: لَمَّا أرادَ اللهُ بي ما أراد من الخيرِ قِذِفَ في قلبي الإسلام، وحضرني رُشْدي، وقلتُ: قد شهدتُ هذه المواطنَ كلَّها على محمدٍ فليس موطنٌّ أشهده إلاّ أنصرفُ وأنا أرى في نفسي أنّي مُوضِعٌ في غير شيءٍ، وأنَّ محمداً سيظهر. فلما خرج رسولُ الله ◌ِ على اله إلى الحُدَيبية، خرجتُ في خيل المشركين، فلقيتُ رسولَ اللهِ مَله في أصحابه بُعُسْفان، فأقمتُ بإزائه وتَعرَّضتُ له، فصلَّى بأصحابه الظُّهر أمامنا، فهَمَمْنا أنْ نُغيرَ عليه، ثمٍ لم يُعْزَمْ لنا، وكانت فيه خيرةٌ، فأطَّلِعَ على ما في أنفسنا من الهموم، فَصَلَّى بأصحابه صلاةَ العصر صلاةَ الخوف. فوقع ذلك مِنَّا موقعاً، وقلتُ: الرجلُ ممنوع. فافترقنا، وعَدَل عن سَنَن خيلنا، وأخذتُ ذات اليمين. فلما صالح قريشاً قلتُ: أيُّ شيءٍ بقيَ؟ أين المذهبُ؟ إلى النَّجاشيِّ؟ فقد اتَّبَعَ محمداً، وأصحابُه عنده آمنون. فأخرج إلى هرقل؟ فأخرج من ديني إلى النَّصرانيةِ أو اليهودية فأقيم مع عجم تابعاً مع عَيْبِ ذلك؟ أو أقيم في داري فيمن بقي؟ فأنا على ذلك، إذْ دخلَ رسولُ الله ◌ِ لَ فِي عُمْرة القضيّة، فتغيّتُ. وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النَّبِيَّ بَـَ في عُمْرة القضيّة، (١) المغازي للواقدي ٢/ ٧٤٥. (٢) ابن هشام ٢٧٦/٢، ودلائل النبوة ٣٤٦/٤-٣٤٨. (٣) المغازي ٧٤٥/٢-٧٤٦، ودلائل النبوة ٣٤٩/٤-٣٥٢. ٣١٧ فطلبني فلم يجدني، فكتب إليَّ كتاباً فإذا فيه: أما بعد؛ فإنّ لم أرَ أعجبَ من ذهابٍ رأيك عن الإسلام. وعقلك عقلك، ومثل الإسلام يجهله أحد؟ قد سألني رسول الله مَ ◌ّ عنكَ فقال: أين خالد؟ فقلتُ: يأتي اللهُ به. فقال: ما مثله جَهلَ الإسلام، ولو كان جَعلَ نكايته وجدَّهُ مع المسلمين على المشركين كان خيراً له وَلَقَدَّمناهُ على غيره، فاستدرْ يا أخي ما قد فاتكَ. فلما جاءني كتابه، نشطتُ للخروج، وزادني رغبةً في الإسلام، وأرى في النّومِ كأنّي في بلادٍ ضيّقةٍ جَدْبة، فخرجتُ إلى بلاد خضراء واسعة، قلت: إنّ هذه لَرُؤيا. فلما قدِمنا المدينةَ، قلت: لأذكرنَّها لأبي بكر، فذكرتُها، فقال: هو مَخْرَجُكَ الذي هداكَ اللهُ للإسلام، والضِّيقُ هو الشِّرك. قال: فلما أجمعتُ الخروجَ إلى رسولِ اللهِ ◌ّل، قلت: مَنْ أُصاحِبُ إلى محمدٍ؟ فلقيتُ صفوان بنَ أُمِيَّة، فقلتُ: يا أبا وهب، أما ترى ما نحنُ فيه، إنَّما كُنَّا كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم، فلو قَدِمْنا على محمدٍ فاتّبعناه فإنّ شَرَفَّهُ لنا شرفٌ . فأبى أشدَّ الإباء، وقال: لو لم يبق غيري ما اتّبعته أبداً. فافترقنا وقلت: هذا رجل قُتل أخوه وأبوه ببدر. فلقيتُ عِكْرِمة بن أبي جهل فقلتُ له مثل ما قلتُ لصفوان، فقال لي مثل ما قال صفوان. قلتُ: فاكتم ذِكْرَ ما قلتُ لك. وخرجتُ إلى منزلي، فأمرتُ براحلتي أن تُخْرَجَ إلى أنْ ألقى عثمان بن طلحة . فقلتُ: إنّ هذا لي صديقٌ، فذكرتُ له، فقال: نعم، إنّي عمدتُ اليوم، وأنا أريدُ أنْ أغدو، وهذه راحلتي بفَخّ(١) مُناخَةٌ. قال: فَاتَّعدْتُ أنا وهو بيأْجَجَ(٢)، وأدْلَجنا سَحَراً، فلم يطلع الفجر حتى ألتقينا بيأْجَج، فَغَدَوْنا حتى انتهينا إلى الهَدَّة، فنجدُ عَمْرُو بن العاص بها، فقال: مرحباً بالقوم. فقلنا: وبك. فذكر الحديث. وقال: كان قدومنا في صفر سنة ثمانٍ، فَوَالله ما كان رسولُ الله ◌ِلَّ من يوم أسلمتُ يَعْدِل بي أحداً من أصحابه فيما حَزَبَه . (١) فخ: واد بمكة، قيل: هو وادي الزاهر (معجم البلدان). (٢) يأجج: موضع قرب مكة على ثمانية أميال (معجم البلدان). ٣١٨ سرِيَّة شجاع بن وَهْب الأسديّ قال الواقديّ(١): حدّثني ابن أبي سَبْرة، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي فَرْوة، عن عمر بن الحَكَم، قال: بعث رسولُ الله ◌ََّ شجاعَ بنَ وهب في أربعةٍ وعشرين رجلاً، إلى جَمْع من هوازن، وأمره أن يُغير عليهم. فخرج يسير الليلَ ويكمن النّهار، حتى صبَّحَهم غارِّين، فأصابوا نَعَماً وشاءً، فاستاقوا ذلك إلى المدينة. فكانت سُهمانهم خمسة عشر بعيراً لكلّ رجلٍ منهم، وعدلوا البعيرَ بعشرين من الغنم. وغابت السرية خمس عشرة ليلة . قال ابن أبي سَبْرة: فحدّثتُ به محمدَ بنَ عبدالله بن عَمْرو بن عثمان، فقال: كذبوا(٢)، قد أصابوا في ذلك الحاضر نسوةً فاستاقوهنّ، فكانت فيهنّ جارية وضِيئة، فقدِموا بها المدينة، ثم قدِم وَفْدُهم مسلمين، فكلّموا رسولَ الله وَّةٍ فِي السَّبْي. فكلّم النّبِيُّ ◌ََّ شجاعاً وأصحابه في ردّهنّ، فَرَدُّوهُنَّ. قال ابن أبي سَبْرةٍ: فأخبرتُ شيخاً من الأنصار بذلك، فقال: أما الجاريةُ الوضيئة فأخذها شُجاعٌ بثمنٍ فأصابها، فلما قدِم الوفدُ، خَيَّرها فاختارت شجاعاً، فَقُتِل يوم اليمامة وهي عنده. سرية نَجْد قال نافع، عن ابن عمر، أنّ رسول الله وَّه بعث سريةً قِبَلَ نجد وأنا فيهم. فغنموا إيلاً كثيرة، فبلغت سُهمانهم لكلِّ واحدٍ اثني عشر بعيراً، ثم نُفِّلوا بعيراً بعيراً، فلم يُغَيّر رسول الله مَّله. مُتَّفقٌ عليه(٣). (١) المغازي ٧٥٣/٢، ودلائل النبوة ٣٥٣/٤-٣٥٤. (٢) أي: ((أخطؤوا)) وهي لغة لأهل الحجاز. (٣) البخاري ١٠٩/٤ و٢٠٣/٥، ومسلم ١٤٦/٥، ودلائل النبوة ٣٥٥/٤-٣٥٦. وانظر المسند الجامع حديث (٨١٤٩). ٣١٩ سرية کعب بن عُمَيْر قال الواقديّ(١): حدثنا محمد بن عبد الله، عن الزُّهْري، قال: بعث رسولُ الله ◌ِّهَ كعبَ بنَ عُمَير الغِفَاريّ، في خمسة عشر رجلاً حتى انتهوا إلى ذاتٍ أطلاح من الشام، فوجدوا جَمْعاً من جَمْعهم كثيراً، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنَبْلِ، فلما رأى ذلك المسلمون قاتلوهم أشدّ القتال، حتى قُتلوا، فأفلتَ منهم رجلٌ جريح في القتلى، فلما بَرَدَ عليه اللَّيلُ، تحامل حتى أتى النّبِيَّ وََّ، فَهَمَّ بالبعثة إليهم، فبلغه أنّهم ساروا إلى موضع آخر، فتركهم والله أعلم. غزوة مؤتة قال محمد بن سعد(٢): أخبرنا محمد بن عمر(٣)، قال: حدّثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحَكَم، قال: بعث رسول الله مجلة الحارث بنَ عُمَيْر الأزديّ إلى مَلِك بُصْرَى بكتابه، فلما نزل مُؤْتَة عرض للحارث شُرَحْبيل بن عَمْروٍ الغسّانيّ، فقال: أين تريد؟ قال: الشام. قال: لعلّك من رُسُلِ محمد؟ قال: نعم، فأمر به فضُرِبت عُنُقُهُ. ولم يُقْتَل لرسول الله بَّهِ رسولٌ غيرُه. وبلغ رسولَ اللهِ ﴿ الخبرُ، فاشتدَّ عليه، وندب النَّاسَ فأسرعوا. وكان ذلك سبب خروجهم إلى غزوة مُؤْتَة . وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٤): حدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبَيْرِ عن عُرْوة، قال: قدِم رسول الله مََّ من عُمْرة القضاء في ذي الحجّة، فأقام بالمدينة حتى بعث إلى مُؤْتَة في جُمَادَى من سنة ثمانٍ، وأمّر على النّاس (١) المغازي ٢/ ٧٥٢، ودلائل النبوة ٣٥٧/٤. (٢) الطبقات الكبرى ٣٤٣/٤ . سبق قلم المؤلف رحمة الله فكتب عثمان بدل عمر، فقد جاء في هامش نسخة (٣) البشتكي: ((بخطه عثمان))، ومثل هذا لا بأس بإصلاحه، لظهوره، فهو الواقدي بلا ريب . (٤) دلائل النبوة ٣٥٨/٤ - ٣٦٠. ٣٢٠