Indexed OCR Text

Pages 181-200

الوحيُّ - يستأمرُهُما في فراقِ أهله. فأمّا أسامةُ فأشار على رسولِ الله ◌ِله
بالذي يعلمُ من براءةِ أهله، وبالذي يعلمُ لهم في نفسه من الوُدِّ، فقال
أسامة: يا رسولَ الله أَهْلك وَلا نعلمُ إلّ خيراً. وأمّا عليٍّ فقال: يا رسول الله
لم يُضَيِّقِ اللهُ عليك، والنّساءُ سِواها كثيرٌ، واسألِ الجاريةَ تَصْدُقْك، قالت:
فدعا رسولُ اللهِ بَلَهَ بَرِيرَةَ فقال: أي بَرِيرةُ هلِ رأيت من شيءٍ يَرِيبُكِ؟ قالت:
لا والذي بَعَثَّكَ بالحَقِّ إنْ رأيتُ عليها أمراً أغْمِصُهُ(١) عليها أكثر من أنّها
جارية حديثة السّنّ تنام عن عجينِ أهلِها فتأتي الدّاجِنُ فتأكُلُه. فقام رسول
الله الَّ فاستعذر من عبدالله بن أبيّ بن سَلُول، فقالَ وهو على المنبر: يا
معشرَ المسلمين مَنْ يَعْذُرني من رجلٍ قد بلغنا أذاه في أهل بيتي، فَوَالله ما
علمتُ في أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكرُوا رجلاً ما عِلِمْتُ عليه إلاَّ خيراً، وما
كان يدخل على أهلي إلّ معي. فقام سعد بن معاذ، فقال: يا رسولَ الله أنا
أعذرك منه، إنْ كان من الأوس ضربتُ عنقه، وإنْ كان من إخواننا الخَزْرج
أمرتَنَا ففعلنا أمرَك. فقام سعد بن عُبَادة وهو سيّدِ الخزرج - وكان قبل ذلك
رجلاً صالحاً - ولكن احتملته الحَمِيَّةُ، فقال: كذَبْتَ لَعَمْرُ الله لا تقتُلُه ولا
تَقدِرُ على قتله. فقامٍ أُسَيْد بن حُضَيْر، وهو ابنُ عمِّ سعد بن معاذ، فقال:
كذبتَ لَعَمْرُ الله لنقتُلَنَّه، فإنّك منافقٌ تجادلُ عن المنافقين، فتثاور الحيّان:
الأوس والخَزْرَج، حتى هَقُّوا أنْ يقتتلوا، ورسولُ اللهِ مََّ قائم على المنبر،
فلم یزل یُخَفِّضُهُم حتى سكتوا وسكت.
قالت: فبكيتُ يومي ذلك وليلتي لا يرقأ لي دمعٌ ولا أكْتَحِلُ بنوم.
فأصبح أبواي عندي، وقد بكيتُ ليلتين ويوماً لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي
دمعٌ، حتى يظنان أنّ البكاء فالِقٌّ كَبدي. فبينما هما جالساًن عندي وأنا
أبكي، استأذنت عليَّ امرأةٌ من الأنصار فجلستْ تبكي معي. فبينا نحنُ على
ذلك دخل علينا رسول الله م # فسلّم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ قيل
لي ما قيلَ وقد لبِث شهراً لا يُوحَى إليه في شأني شيء. قالت: فتشهّد حين
جلس ثم قال: أَمّا بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنكِ كذا وكذا، فإنْ كنتِ
بريئةً فسيبرّتُكِ الله، وإنْ كنتِ أَلْمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه فإنَّ
(١) أي: أعيبُه .
١٨١

العبدَ إذا اعترف بذنبه ثم تابَ تابَ اللهُ عليه. قالت: فلما قضى رسول الله
وَّ مقالَتَه، قَلَصَ دمعي حتى ما أُحِسُّ منه قطرةً. فقلتُ لأبي: أجِبْ رسولَ
الله فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله مَله. فقلت لأمّي:
أجيبي رسولَ الله. قالت: ماأدري ما أقولُ له. فقلتُ وأنا يومئذٍ حديثة السّنّ
لا أقرأُ كثيراً من القرآن: إنّي والله لقد علمتُ لقد سمعتُ هذا الحديثَ حتى
استقرَّ في أنفسكم وصدَّقتم به، فلئن قلتُ لكم إنّي بريئةٌ، والله يعلمُ أنّي
بريئة، لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفتُ لكم بأمرٍ والله يعلم أنّي بريئة
لَتُصدِّقُنِّي، والله ما أجدُ لكم مثلاً إلاّ قولَ أبي يوسفُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ
اُلْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ١٨﴾ [يوسف] ثم تحوَّلْتُ فاضطجعتُ على فراشي،
وَأنا أعلم أنّي بريئة وأنّ الله يبرّئني ببراءتي. ولكنْ والله ما كنت أظنُّ أنّ الله
مُنزلٌ فِي شأني وحْياً يُتْلَى، ولَشَأني كان في نفسي أحقر من أنْ يتكلَّمَ الله فيَّ
بأمرٍ يُتْلَى، ولكنْ كنتُ أرجو أن يرى رسول الله ◌ِ لّ في النّوم رؤيا يبرِّنُني اللهُ
بِها. قالت: فَوَالله ما قام رسولُ الله ◌َ له ولا خرج أحدٌ من أهلِ البيت حتى
أُنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء، حتى إنّه لَيَتَحَدَّر منه مثلُ
الجُمان من العَرَق، وهو في يومٍ شاتٍ منٍ ثِقَلِ القولِ الذي ينزل عليه. فلما
سُرَّيَ عنه وهو يضحكُ كان أولَ كلمةٍ تكلّم بهَا: يا عائشة أمَا واللهِ لقد بَرَّأَكِ
اللهُ. فقالت أمّي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا الله .
وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ﴾﴾ [النور] العَشْرِ الآيات
کلّها .
فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر، وكان ينفق على مِسْطَح
لقرابته وفَقْره: والله لا أنفق على مِسْطَح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة.
فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُواْ أُوْلِ الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ
وَالْمُهَجِرِينَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ أَلَا تُحِبُونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾﴾ [النور]
قال أبو بكر: بلى والله إنّي لأُحِبُّ أنْ يغفرَ اللهُ لي. فَرَجَعَ إلى مِسْطَحِ النَّفقةَ
التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قالت: وكان رسول الله
وَّ يسأل زينبَ بنتَ جحشٍ عن أمري، فقالت: أحْمي سمعي وبَصَري ما
١٨٢

علمتُ إلاّ خيراً، وهي التي كانت تُساميني(١) مِنِ أزواج النّبِيِّ بَّل، فعصمها
الله بالورع، وطفِقَتْ أَختُها حَمْنَةُ تحارب لَها فَهَلَكَتْ فيمن هَلَكَ من أصحاب
الإفْك. مُتَّفقٌ عليه من حديث يونس الأيلي(٢).
وقال أبو مَعْشَر: حدّثني أفلح بن عبدالله بن المغيرة، عن الزُّهْري،
قال: كنت عند الوليد بن عبدالملك فذكر الحديث بطوله عن الأربعة عن
عائشة، فقال الوليد: وما ذاك؟ قالت: إنّ رسول الله مَ ل غزا غزوة بني
المُصْطَلِقِ فَسَاهَمَ بين نسائه، فخرج سهمي وسهمُ أمّ سَلَمَةٍ(٣) .
وقال عبدالرّزّاق: أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، قال: كنتُ عند الوليد بن
عبدالملك فقال: الذي تولّى كِبْرَه منهم عليٌّ. فقلتُ: لا. حدّثني سعيد،
وعُرْوَة، وعَلْقمة، وعُبَيْدُ الله كلّهم سمع عائشة تقول: الذي تولّى كِبْرَه عبد الله
ابنِ أُبِيّ. فقال لي: فما كان جُرْمُه؟ قلت: سبحان الله، من قومك: أبو
سَلَمَةَ بنُ عبدالرحمن، وأبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام أنّهما
سمعا عائشة تقول: كان مسيئاً(٤) في أمري. أخرجه البخاري(٥).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٦): حدّثني عبد الله بن أبي بكر بن
حزم، عن عمرة، عن عائشة، قالت: لما تلا رسول الله مَثّ القصَّةَ التي نزل
بها عُذْرِي على النّاس، نزل فأمر برجُلَين وامراةٍ ممّن كان تكلّم بالفاحشة في
عائشة فَجُلدوا الحدّ. قال: وكان رماها ابنُ أَبِيّ، ومِسْطَح، وحسّان، وحَمْنَة
بنت جحش .
وقال شعبة، عن سليمان، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال: دخل
حسّان بن ثابت على عائشة رضي الله عنها فشبَّب بأبيات له :
(١) أي: تضاهيني.
(٢) البخاري ٢١٩/٣ و٢٢٧ و٤٠/٤ و١١٠/٥ و١٤٨ و٩٥/٦ و٩٦ و١٢٧ و١٧٢
و١١٦٨/٨ و١٧٢ و١٣٩/٩ و١٧٦ و١٩٣، ومسلم ١١٢/٨ و١١٨، ودلائل النبوة
٤ / ٦٤ - ٧٢. وانظر المسند الجامع حديث (١٧٢٥٦).
(٣) دلائل النبوة ٤/ ٧٣ .
كتب على هامش النسخة: ((خ: مسلماً)) أي في نسخة أخرى.
(٤)
(٥)
البخاري ١٥٤/٥، ودلائل النبوة ٧٢/٤-٧٣.
(٦) ابن هشام ٢/ ٣٠٢، ودلائل النبوة ٤/ ٧٤.
١٨٣

وتُصبحُ غَرْثَى من لحُومِ الغوافِلِ
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِئْبَةٍ
قالت: لستَ كَذَاك. قلت: تَدَعِين مثلَ هذا يدخل عليكِ وقَد أنزل الله
عَزَّ وجلَّ ﴿ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَمُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور]، قالت: وأيُّ
عذابٍ أشدُّ من العَمَى؟ وقالت: كان يردّ عن النّبيّ مَ له. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني محمد بن إبراهيم التّيْمي،
قال: وكان صَفْوان بن المُعَطَّل قد كثَّر عليه حسّان في شأن عائشة، وقال
یعرِّض به:
أَمْسَى الجلابيبُ قد عَزُّوا وقد كثُرُوا وابنُ الفُرَيْعةِ أمسى بيضة البلدِ
فاعترضه صَفْوان ليلةً وهو آتِ من عند أخوالِه بني ساعدة، فضربه
بالسيفِ على رأسه، فيعدو عليه ثابتُ بنُ قيس، فجمع يديه إلى عنقه بحَبْلِ
أسود وقاده إلى دارٍ بني حارثة، فلقِيَه عبدُالله بنُ رَوَاحة، فقال: ما هذا؟
فقال: ما أعجَبَكَ! عدا على حسّان بالسَّيْف، فوالله ما أراه إلاّ قد قتله.
فقال: هل علم رسولُ الله ◌ِّهِ بما صنعتَ به؟ فقال: لا. فقال: والله لقد
اجترأت، خَلِّ سبيلَه فسنغدو على رسول الله بَ ◌ّ فنعلمه أمره فخلِّ سبيله.
فلمّا أصبحوا غَدَوْا على النّبِيِّ بَّهَ فذكروا له ذلك فقال: أين ابن المُعَطَّل؟
فقام إليه، فقال: ها أنذا يا رسولَ الله، فقال: ما دعاكَ إلى ما صنعتَ؟ قال:
آذاني وكثَّر عليَّ ولم يرض حتى عَرَّضَ بي في الهجاء، فاحتملني الغضبُ،
وها أنذا، فما كان عليَّ من حقٍّ فخُذْني به. فقال رسولُ اللهِ بَّه: ادعوا لي
حسّان، فأُتي به؛ فقال: يا حسّان: أتَّشوَّهْتَ(٣) على قومي أنْ هداهم اللهُ
للإسلام، يقول: تنفّستَ عليهم يا حسّان، أحسِن فيما أصابك. فقال: هي
لكَ يا رسولَ الله. فأعطاه رسولُ اللهِ بِّهَ سِيرِين القِبْطِيَّة. فولدت له
عبدالرحمن، وأعطاه أرضاً كانت لأبي طَلْحة(٤) تصدّق بها على رسول الله
صَلى له
(١) البخاري ١٥٥/٥، ومسلم ٧/ ١٦٣ و١٦٤، ودلائل النبوة ٧٣/٤-٧٤.
(٢)
ابن هشام ٢/ ٣٠٤، ودلائل النبوة ٤/ ٧٤-٧٥.
(٣)
أي: استكبرت أو استعظمت.
كتب على هامش نسخة البشتكي بخطه - فكأنه نقلها عن المؤلف -: ((أبو طلحة جعل
(٤)
أرضه على مصالح المسلمين وفَوَّض أمرها إلى رسول الله، وإلا فالصدقة محرمة عليه)).
١٨٤

وحدّثني يعقوب بن عُتبةَ، أنّ صَفْوان بن المُعَطَّل قال حين ضرب
حسان :
غلامٌ إذا هُوجِيتُ لَستُ بشاعر(١)
تَلَقَّ ذُبابَ السّيفِ عنك فإنني
وقال حسّان لعائشة رضي الله عنها(٢):
من المُحْصَناتِ غيرِ ذاتِ غَوَائلٍ
رأيتُكِ ولْيَغْفِرْ لكِ الله، حُرَّةً
وتُصْبِحُ غَرْثَى من لُحُومِ الغَوافِلِ
حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ برِيبةٍ
وإنّ الذي قد قِيل ليس بلائقٍ
بك الدّهرَ بل قِيلُ امرىء مُتَماحِلٍ
فلا رَفَعَتْ سَوْطِي إليَّ أناملي
فإنْ كنتُ أهْجُوكم كما بلَّغُوكم
فكيف ووُدّي ما حَبِيتُ ونُصْرَتي
وإنّ لهم عزّاً يُرَى النّاسُ دونَه
منها :
لآلِ رسولِ الله زَيْنِ المَحافِلِ
قِصاراً، وطال العزّ كلّ التَّطاوُلِ
كِرَامِ المساعي مَجْدُهُم غير زائِلٍ
عقيلةُ حَيٍّ من لُؤَيّ بنِ غالبٍ
وطَهَّرها من كلّ سوءٍ وباطلٍ
مهذَّبَةٌ قد طيّبَ الله خِيمَها
استُشهد صَفْوان في وقعة أرْمِينية سنة تسع عشرة. قاله ابن إسحاق.
وعن عائشة قالت: لقد سألوا عن ابن المُعَطَّل فوجدوه حَصُوراً ما يأتي
النِّساء. ثم قُتِل بعد ذلك شهيداً.
غزوةُ الخَنْدَق
قال الواقديّ (٣): وَهي غزوة الأحزاب، وكانت في ذي القَعْدَة.
قالوا: لمّا أجلى رسولُ الله ◌ِ ◌ّه بني النَّضير ساروا إلى خَيْبَر، وخرج نفرٌ
من وجوههم إلى مكة فألَّبُوا قُرَيْشاً ودعوهم إلى حرب رسول الله
ابن هشام ٣٠٥/٢، ودلائل النبوة ٤/ ٧٥.
(١)
(٢) ابن هشام ٣٠٦/٢، ودلائل النبوة ٧٥/٤-٧٦.
(٣) المغازي ٢ /٤٤٠ .
١٨٥

وعاهدوهم على قتاله، وواعدوهم لذلك وقْتاً. ثم أتوا غَطفانَ وسُلَيْمًا
فدعوهم إلى ذلك، فوافقوهم.
وتجهّزَتْ قُرَيْش وجمعوا عبيدهم وأتباعهم، فكانوا في أربعة آلاف،
وقادوا معهم نحو ثلاث مئة فَرَسٍ من سوى الإبل. وخرجوا وعليهمٍ أبو
سُفيان بن حرب، فوافتهم بنو سُلَيَّم بمَرّ الظَّهْران، وهمِ سبع مئة. وتلقَّتْهم
بنو أسد يقودهم طليحة بن خُوَيْلد الأسَدي، وخرجت فَزَارة وهم في ألف
بعيرٍ يقودهم عُيَيْنَة بن حِصْن، وخرجتْ أَشْجَعُ وهم أربع مئة يقودهم
مسعود بن زُحيلة(١). وخرجت بنو مُرَّة وهم أربع مئة يقودهم الحارث بن
عَوْف. وقيل: إنّه رجع ببني مُرّة، والأوّل أثبت، فكان جميع الأحزاب
عشرة آلاف، وأمْرُ الكّل إلى أبي سُفيان. وكان المسلمون في ثلاثة آلاف.
هذا كلام الواقدي (٢).
وأمّا ابن إسحاق فقال: كانت غزوة الخندق في شوّال(٣).
قال: وكان من حديثها أنّ سَلّم بن أبي الحُقَيْق، وحُبَيَّ بنَ أخْطَب،
وكِنَانة بنَ الرَّبيع، وهَوْذَة، في نفرٍ من بني النّضير ونفرِ من بني وائل، وهم
الذين حزَّبوا الأحزابَ على رسول الله بِيّ قدِموا مكَةً فدعوا قريشاً إلى
القتال، وقالوا: إنّا نكون معكم حتى نستأصل محمداً. فقالت قريش: يا
معشر يهود، إنّكم أهلُ كتابٍ وعِلْمٍ بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد.
أَفَدِينُنا خيرٌ أم دينُه؟ قالوا: بلّ دينكُم خيرٌ من دينه وأنتم أولى بالحقّ وفيهم
نزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالَّاغُوتِ
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ثَ﴾ [النساء] الآيات.
فلما قالوا ذلك لقريش سَرَّهم ونشطوا إلى الحرب واتَّعدوا لهم. ثم خرج
أولئك النّفر اليهود حتى جاؤوا غطفان، فدعوهم فوافقوهم.
فخرجت قريش، وخرجت غَطفان وقائدهم عُيَيْنَة في بني فَزَارة،
(١) جَوّد البشتكي ضبطها عن المؤلف، فأثبت نقطة الزاي ووضع حاءً مهملة تحت الحاء
المهملة علامة لإهمالها .
(٢)
المغازي ٢ / ٤٤٠ -٤٤٤ .
ابن هشام ٢١٤/٢ .
(٣)
١٨٦

والحارث بن عَوْف المُرِّي في قومه، ومسعود بن زُحلية(١) فيمن تابعه من
قومه أشْجَع. فلما سمع بهم النّبيّ ◌َلّ حفر الخندق على المدينة وعمل فيه
بيده، وأبطأ عن المسلمين في عمله رجالٌ منافقون، وعمل المسلمون فيه
حتى أحكموه(٢). وكان في حَفْرِهِ أحاديث بلغتني، منها: بلغني أنّ جابراً
كان يحدّث أنّهم اشتدّت عليهم كُذْية فشكوها إلى رسولِ الله ◌َِّ، فدعا بإناءٍ
من ماءٍ فَتَفَلَ فيه، ثم دعا بما شاء الله، ثم نضح الماءَ على الكُذْية حتى
(٣)
عادت کثیباً
.
وحدّثني سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبدالله، قال: عملنا مع رسول
الله ◌ِّ في الخندق، فكانت عندي شُوَيْهة، فقلت: والله لو صنعناها لرسول
اللهِ وََّ، فأمرتُ امرأتي فطحنتْ لنا شيئاً من شعير، فصنعتْ لنا منه خُبزاً،
وذبحتُ تلك الشاة فشَوَيْناها، فلما أمسينا وأراد رسولُ الله ◌َّ الانصراف،
وكنّا نعمل في الخندق نهاراً فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا، فقلت: يا رسولَ
الله إنّي قد صنعتُ كذا وكذا، وأحبُّ أنْ تنصرفَ معي، وإنّما أريد أن
ينصرف معي وحده. فلما قلت له ذلك، قال: نعم. ثم أمر صارخاً فصرخ
أنِ انصرفوا مع رسولِ الله ◌ِّ إلى بيتِ جابر. فقلتُ: إنَّا لله وإنّا إليه
راجعون، فأقبل وأقبل النّاسُ معه، فجلس وأخرجناها إليه، فَبَرَّكَ وسمَّى،
ثم أكل، وتواردها النّاسُ، كلّما فرغ قومٌ قاموا وجاء ناسٌ، حتى صدر أهلُ
الخندق عنها (٤).
وحدّثني سعيد بن ميناء أنّه حُدِّث أنّ ابنةً لبشير بن سعد قالت: دَعَتْني
أمّي عَمْرَةُ بنتُ رَوَاحة فأعطتني حفنةً من تمر في ثوبي، ثم قالت: أي بُنَيَّة
اذهبي إلى أبيك وخالك عبدالله بغدائهما. فانطلقتُ بها فمررت برسول الله
بَلٍ وأنا ألتمس أبي وخالي، فقال: ما هذا معك؟ قلت: تمر بَعَثَتْ به أمي
إلى أبي وخالي، قال: هاتيه. فَصَبَيْتُهُ في كَفَّيْ رسولِ اللهِ﴾ٍ فملأتهما (٥)،
(١) كُتب على هامش نسخة البشتكي ٢: ((في السيرة مسعر بن زحيلة)).
.(٢)
ابن هشام ٢١٦/٢.
(٣)
ابن هشام ٢١٧/٢.
ابن هشام ٢١٨/٢.
(٤)
(٥) هكذا في النسخ، وفي سيرة ابن هشام: فما ملأتهما.
١٨٧

ثم أمر بثوبٍ فبُسِط، ثم دحا بالتمر عليه فتبدّد فوق الثوب، ثم قال لإنسانٍ
عنده: اصرخ في أهل الخندق أنْ هَلُمُّوا إلى الغداء. فاجتمعوا فجعلوا
يأكلون منه وجعل يزيد، حتى صَدَرَ أهلُ الخندق عنه وإنه لَيَسْقُط من أطراف
الثوب (١).
وحدّثني مَنْ لا أَتَّهمُ، عن أبي هُريرة، أنّه كان يقول حين فُتِحَت هذه
. الأمصار في زمان عمر وعثمان وما بعده: افتحوا ما بدا لكم، والذي نفسي
بيده، أو نفس أبي هُريرة بيده، ما افتتحتم من مدينةٍ ولا تفتحونها إلى يوم
القيامة إلاّ وقد أعطى الله محمداً في ليه مفاتيحها قبل ذلك(٢).
قال: وحُدِّثتُ عن سَلْمان الفارسيّ، قال: ضربت في ناحيةٍ من الخندق
فغلُظَتْ عليّ، ورسولُ الله ◌َِّ قريبٌ منّي، فلما رآني أضرب نزل وأخذ
المِعْوَلَ فضرب به ضربةً فلمعتْ تحت المِعْوَلِ بَرْقَةٌ، ثم ضرب أخرى
فلمعت تحته أخرى، ثم ضرب الثالثة فلمعت أخرى. قلت: بأبي أنتَ وأمّي
يا رسول الله ما هذا؟ قال: أوَ قد رأيتَ؟ قلت: نعم. قال: أمّا الأولى، فإنّ
الله فتح عليَّ بها اليمن، وأمّا الثانية، فإنّ الله فتح عليّ بها الشامَ والمغرب،
وأمّا الثالثة فإنّ الله فتح عليَّ بها المشرق(٣).
قال ابن إسحاق(٤): ولما فرغ النّبيُّ بِّ من الخندق أقبلت قُرَيش حتى
نزلت بمجتمع السُّيول من دومة(٥) بين الجُرُف وزُغَابَةٍ (٦) في عشرة آلاف من
أحابيشهم ومَن تبعهم من بني كنانة وأهل تِهامة وغطفان، فنزلت غطفان
ومَن تبعَهم من أهل نجد بذَنَبْ تَعْمر(٧) إلى جانب أُحُد. وخرج رسول الله
(١) ابن هشام ٢١٨/٢.
(٢)
ابن هشام ٢/ ٢١٩ .
(٣)
ابن هشام ٢١٩/٢.
(٤)
ابن هشام ٢١٩/٢.
(٥)
في نسخة البشتكي: ((دومة)» وكتب على الهامش ((بخطه رومة)).
(٦) كتب على هامش الأصل: ((زغابة بالزاي والغين المعجمتين مضموم، موضع قرب
المدينة، وصححه بخطه فكتب رعايّة وهو خطأ)).
(٧) كتب على هامش الأصل: ((كتب المصنف بخطه نعمى في أصله، وكتب بإزائه نقمى
وصحح عليه)). ونَقَمى من أعراض المدينة (انظر معجم البلدان ٢٩٩/١).
١٨٨

وَلة والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سَلْع في ثلاثة آلاف، فعسكروا
هنالك، والخندق بينه وبين القوم. فذهب حُيَيُّ بنُ أخطب إلى كعب بن أسد
القُرظي صاحب عقد بني قُرَيْظة وعهدهم، وقد كان وادَعَ رسولَ الله ◌ِ له على
قومه، فلما سمع كعبُ بحُيَيّ أغلق دونه الحِصْنَ فأبى أن يفتح له، فناداه: يا
كعب افتحْ لي. قال: إنّك امرؤٌ مشؤوم، وإنّي قد عاهدت محمداً فلست
بناقضٍٍ ما بيني وبينه، ولم أر منه إلاّ وفاءً وصِدْقاً. قال: وَيْحك افتحْ لي
أكلّمكَ. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إنْ أغلقتَ دوني إلاَّ عن جَشِيشَتِكَ (١)
أَنْ آكُلَ معكَ منها. فأَحْفَظَه، ففتحَ له فقال: ويحكَ يا كعب، جئتك بعزِّ
الدّهر وببحرٍ طام، جئتك بقريش على قادتها وسَادتها حتى أنزلتُهم بمجتمع
الأسيال منَ دُومَةً، وبغطَفان على قادتها وسَادَتها فأنزلتهم بذَنَب تعمر إلى
جانب أُحُد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً
ومَن معه. قال له كعب: جئتني والله بذُلّ الذَّهْرِ وبجَهَام (٢) قد هَراق ماءَهُ
برعدٍ وبَرْقٍ ليس فيه شيء، يا حُيَيُّ فَدَعْنِي وما أنا عليه فإنّي لم أر من محمدٍ
إلا صدْقاً ووفاءً. فلم يزل حُيَيّ بكعبٍ حتى سمح له بأنَ أعطاه عهداً لئن
رجعتْ قُریش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى
يصيبني ما أصابك. فنقض كعب عهده وبَرِىء ممّا كان بينه وبين النّبيِّ
صَ لّهِ (٣)
.
ولما انتهى الخبر إلى النّبيّ بَ ل﴿و بعث سعد بن معاذ، وسعدَ بنَ عُبَادَة،
سَيِّدا الأنصار، ومعهما عبدالله بن رَوَاحة وخَوّات بن جُبَيْر، فقال: انطلِقُوا
حتى تنظروا أحَقُّ ما بَلَغَنا عن هؤلاء؟ فإنْ كان حقاً فالْحَنُوا لي لحناً أعرفه،
ولا تَفُتُّوا في أعضاد النّاس، وإنْ كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا
به للنّاس. فخرجوا حتى أتَوْهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم، فشاتمهم
سعد بن معاذ وشاتموه، وكان فيه حِدّةٌ، فقال له ابن عُبَادة: دع عنك
شَهَا الله
مُشَاتَمَتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المُشاتمة. ثم رجعوا إلى النّبيّ
متة
(١) طعام من حنطة تُطبخ مع لحم أو تمر.
(٢) الجهام: السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه .
(٣) ابن هشام ٢٢٠/٢-٢٢١.
١٨٩

فسلّموا عليه، وقالوا: عَضل والقارة، أي كَغَدْر عضل والقارة بأصحاب
الرّجيع خُبَيْب وأصحابه. فقال رسول الله مَّ: الله أكبر! أبشروا يا معشر
المسلمين. فعظُم عند ذلك الخوف(١).
قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ
وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظّنُونَاْ ثَ هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالًا
شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب] الآيات.
وتكلّم المنافقون حتى قال مُعَتّب بن قُشَيْرِ أحدُ بني عَمْرو بن عَوْف:
كان محمد يعِدُنا أن نأكل كنوزَ كِسْرى وقَيْصر وأحَدُنا اليومَ لا يأمن على
نفسه أن يذهب إلى الغائط. فأقام رسول الله بِ له وأقام عليه المشركون بِضْعاً
وعشرين ليلةً لم يكن بينهم حرب إلاّ الرَّمْيُّ بالنَّبل والحصار(٢).
ثم إنَّ النّبِيَّي ◌َِّ بعث إلى عُيَيْنَة بن حِصْن وإلى الحارث بن عَوْف،
فأعطاهما ثُلُثَ ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما، فجرى بينه وبينهما
صلحٌ، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصُّلح، إلّ
المراوضة في ذلك.
فلما أراد رسولُ الله ◌ِ لَّ أن يفعل، بعث إلى السَّعْدين فاستشارهما،
فقالا: يارسول الله أمراً تحبّه فنصنعه، أم شيئاً أمركَ اللهُ به لا بُدَّ لنا منه، أم
شيئاً تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلاّ لأنّي
رأيت العربَ قد رمتكم عن قَوْسِ واحدة، فأردتُ أنْ أكسرَ عنكم من
شوكتهم. فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على
الشّرك ولا يطمعون أن يأكلوا منّا تمرةً إلاّ قِرَىّ أو بيعاً، أفَحِين أكْرَمنا اللهُ
بالإسلام وأعَزَّنَا بك نُعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نُعطيهم
إلاّ السَّيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال: فأنتَ وذاك. فأخذ سعد
الصحيفة فمحاها، ثم قال: ليجهدوا علينا(٣).
وأقام رسولُ الله ◌َ لَ والأحزاب، فلم يكن بينهم قتالٌ إلاّ فوارس من
ابن هشام ٢٢١/٢-٢٢٢.
(١)
(٢) ابن هشام ٢٢٢/٢.
ابن هشام ٢٢٣/٢.
(٣)
١٩٠

قُريش، منهم عَمْرو بن عبد وُدِّ، وعِكْرِمة بن أبي جهل، وهُبَيْرَة بن أبي
وهب، وضِرار بن الخطّاب، تلَّبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم، حتى
مرُّوا بمنازل بني كنانة، فقالوا: تهيَّؤوا للقتال يا بني كنانة فستعلمون مَن
الفُرسان اليوم، ثم أقبلوا تُعْنِقُ بهم خَيْلُهم حتى وقفوا على الخندق، فلما
رأوه قالوا: والله إنّ هذه لمكِيدةٌ ما كانت العربُ تكِيدها، قال: فتيمَّموا
مكاناً من الخندق ضَيِّقاً فضربوا خَيْلَهم، فاقتحمت منه بهم في السَّبخّة بين
الخندق وسَلْع .
وخرج عليٍّ رضي الله عنه في نفرٍ من المسلمين حتى أخذوا عليهم
الثُّغْرة، فأقبلت الفرسان تُعْنِق نحوهم، وكان عَمْرو بن عبد وُدّ قد قاتل يوم
بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أُحُد، فلما كان يوم الخندق خرج
مُعْلَماً ليُرى مكانه، فلما وقف هو وخيلُه، قال: مَنْ يبارزني؟ فبرز له عليّ
رضي الله عنه، فقال: يا عَمْرو إنّك كنتَ عاهدتَ الله لا يدعوكَ رجلٌ من
قريشٍ إلى إحدى خَلْتَين إلّ أخذتهما منه. قال: له أجل. قال: فإنّي أدعوك
إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإنّي
أدعوك إلى النّزال. قال له: لِمَ يا ابنَ أخي، فَوالله ما أحبّ أن أقتلك. قال
عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهه: لكنِّي والله أحبّ أن أقتلك. فحَمِي عَمْرو واقتحم عن
فرسه فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على عليٍّ فتنازلا وتجاولا، فقتله عليّ
رضي الله عنه. وخرجتْ خيلُهم منهزمةً حتى اقتحمت من الخندق. وألقى
عِكْرِمة يومئذٍ رُمْحَه وانهزم. وقال عليّ رضي الله عنه في ذلك :
ونَصَرتُ دِینَ محمّدٍ بضرابِ
نصَرَ الحجارةَ من سفاهةِ رأیهِ
نازلتُهُ فتركتُهُ مُتَجدّلاً
كالجِذْعِ بين دَكَادِكٍ وروابي
ونبيهِ يا معشرَ الأحزاب
لا تَحْسِبُنَّ الله خاذلَ دینِه
وحدثني أبو ليلى عبدُالله بنُ سَهْل، أنّ عائشة رضي الله عنها كانت في
حصن بني حارثة يوم الخندق، وكانت أمّ سعد بن معاذ معها في الحصن،
فمرّ سعد وعليه دِرْعٌ مُقَلَّصَة قد خرجت منها ذراعهُ كلّها، وفي يده حربة
يرفل بها ويقول :
١٩١

لَبِّثْ قليلاً يَشْهَدِ الهَيْجا حَمَلْ لا بأسَ بالموتِ إذا حانَ الأَجَلُ(١)
فقالت له أُمُّهُ: الحق أي بُنَيَّ فقد أُخِّرتَ. قالت عائشة: فقلت لها يا أمّ
سعد لَوَدِدْتُ أنّ دِرْع سعدٍ كانت أسْبغ مما هي. فَرُمي سعد بسهمٍ قطع منه
الأكحلَ، ورماه ابنُ العَرِقة فلما أصابه، قال: خذها مني وأنا ابنُّ العَرِقة.
فقال له سعد: عَرَّقَ اللهَ وجهكَ في النّار، اللَّهُمَّ إنْ كنتَ أبقيت من حرب
قريشٍ شيئاً فأبقِني لها فإنّه لا قومٌ أحبّ إليّ من أنْ أُجاهدهم فيك من قوم
آذوا رسولَك وكذَّبُوه وأخرجوه، اللَّهُمَّ إنْ كنتَ وضعتَ الحربَ بينهم وبينناً
فاجعله لي شهادةً ولا تُمِثْني حتى تُقِرَّ عيني من بني قُرَيْظة .
وكانت صفّية بنتُ عبدالمطّلب في فارع - حصن حسّان بن ثابت - وكان
معها فيه مع النّساء والولْدان، قالت: فمرَّ بنا يهوديٌّ فجعل يُطيفُ بالحِصْن،
وقد حاربت بنو قُرَيظة ونقضت وليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنّا، والنّبيُّ بِّ
الله
والمسلمون في نُحور عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا. فقالت:
يا حسّان إنّ هذا اليهوديّ كما تَرى يُطيفُ بالحصن، وإنّي والله ما آمَنُه أن
يَدُلَّ على عورتنا مَنْ وَراءنا من يهود، وقد شُغِل عنّا رسولُ الله ◌َِه
وأصحابُه، فانزِلْ إليه فاقْتُلْه. قال: فغفر اللهُ لكِ يا ابنةَ عبد المطّلبِ، والله
لقد عرفتِ ماَ أنا بصاحبِ هذا. فلما قال لي ذلك ولم أرَ عنده شيئاً،
احتجزتُ(٢) ثم اخذتُ عموداً ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى
قتلته. فلما فرغتُ رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسّان انْزِل إليه فاسلبه،
فإنّه لم يمنعني من سلبه إلاّ أنّه رجل. قال: ما لي بسَلَبه من حاجة(٣).
وأقام رسولُ الله بَّله وأصحابُه فيما وصف الله تعالى من الخوف والشدّة
لتظاهر عدوّهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفلَ منهم.
(١) كتب على هامش الأصل: ((يعني: حَمَل بن بدر)).
(٣) ابن هشام ٢٢٨/٢. وقال السهيلي: ((ويُحمل هذا الحديث عند الناس على أنَّ حساناً
(٢)
أي: شددتُ وسطي .
كان جباناً شديد الجبن، وقد دفع هذا بعض العلماء وأنكره، وذلك أنه حديث منقطع
الإسناد، وقال: لو صَحَّ هذا لهُجِيَ به حسان، فإنه كان يُهاجي الشعراء كضرار وابن
الزبعرى وغيرهما، وكانوا يناقضونه ويردون عليه فما عَيَّره أحد منهم بجبنٍ، ولا
وسمه به، فدلَّ هذا على ضعف حديث ابن إسحاق ... )).
١٩٢

وروى نحوه يونس بن بُكَيْر، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه .
ثم إنَّ نُعَيْم بن مسعودِ الغَطفاني أتى رسولَ اللهُ بَّ فأسلم، وقال: إنّ
قومي لم يعلموا بإسلامي فَمُرْنِي بما شئتَ يا رسول الله. قال: إنّما أنتَ فينا
رجلٌ واحد فَخَذِّلْ عنّا ما استطعتَ فإنَّ الحربَ خُدْعة .
فأتى قُرَيْظَة - وكان نديماً لهم في الجاهلية - فقال لهم: قد عرفتم وُدّي
إيّاكم. قالوا: صدقتَ. قال: إنّ قُريشاً وغَطفان ليسوا كأنتم، البلدُ بلدكُم
وبه أموالكم وأولادكم ونساؤكم، لا تقدروا أنْ تتحوّلوا عنه إلى غيره، وإنّ
قُريشاً وغَطفان قد جاؤوا لحرب محمدٍ وأصحابه، وقد ظاهر تموهم عليه،
وبلدُهم وأموالهم ونساؤهم بغَيْره، فليسوا كأنتم، فإنْ رأوا نُهْزَةَ(١)
أصابوها، وإنْ كان غير ذلك لحِقُوا ببلادهم وخَلَّوا بينكم وبين الرجل
ببلدكم، ولا طاقة لكم به إنْ خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا
منهم رُهُناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقةً لكم على أن يقاتلوا معكم
محمداً حتى تناجزوه. فقالوا: لقد أشَرْتَ بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قُريشاً فقال لأبي سفيان ومَن معه: قد عرفتم وُدّي
لكم وفراقي محمداً، وإنّه قد بلغني أمرٌ قد رأيت عليَّ حقاً أن أُبلِّغكموه
نُصْحاً لكم فاكتموه عليّ. قالوا: نفعل. قال: تَعَلَّموا أنّ معشر يهود قد
ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه أنَّا قد ندِمْنا
على ما فعلنا، فهل يرضيكَ أنْ نأخذ لك من القبيلتين، قُريش وغَطفان،
رجالاً من أشرافهم، فنعطيكَهُم فتضربَ أعناقَهم، ثم نكون معك على مَنْ
بقيَ منهم حتى نَسْتأصلَهُم. فأرسل إليهم: نعم. فإنَّ بعثتْ إليكم يهود
يلتمسون رُهُناً منكم من رجالكم فلا تفعلوا.
ثم خرج فأتى غَطفان، فقال: يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي
وأحبّ النّاسِ إليَّ، ولا أراكم تتّهموني. قالوا: صدقتَ، ما أنت عندنا
بمُتَّهم. قال: فاكتموا عنّي. قالوا: نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش،
وحذّرهم ما حذّرهم.
(١) كتب على هامش الأصل: ((أي: فُرْصةً)).
ريخ الإسلام ١/ م١٣
١٩٣

فلما كانت ليلة السبت من شوّال، وكان من صُنْع الله لرسوله مح له أن
أرسل أبو سُفيان ورؤوس غَطفان، إلى بني قُرَيظة، عِكْرِمة بن أبي جهل في
نفرٍ من قُرِيش وغطفان، فقالوا: إنّا لسنا بدارِ مقام، قد هلك الخُفُّ
والحافر، فاغْدُوا للقتالِ حتى نناجزَ محمداً. فأرسَلوا إليهم الجوابَ أنّ اليومَ
يومُ السبت وهو يومٌ لا نعملُ فيه شيئاً، وقد كان بعضُنا أحدث فيه حَدَثاً
فأصابه ما لم يَخْفَ عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتلُ معكم محمداً
حتى تعطونا رُهُناً من رجالكم يكونون بأيدينا ثِقَةً لنا حتى نُناجز محمداً، فإنّا
نخشى إنْ ضرَّستكم الحربُ أنْ تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل في
بلادنا، ولا طاقة لنا بذلك .
فلما رجعت إليهم الرُّسلُ بما قالت بنو قُرَيْظة، قالت قريش وغطفان:
والله لقد حدّثكم نُعَيْم بن مسعود بحقّ. فأرسلوا إلى بني قُرَيظة: إنّا والله ما
ندفع إليكم رجلاً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قُرَيْظة حين انتهت إليهم الرُّسلُ بهذا: إنّ الذي ذكر لكم نُعَيْم
لَحَقٌّ، ما يريد القوم إلاّ أن يقاتلوا، فإنْ رأوا فرصةً انتهزوها، وإنْ كان غير
ذلك انشَمَرُوا إِلى بلادهم. فأرسلوا إلى قِرِيش وغطفان: إنّا والله لا نقاتل
معكم حتى تعطُونا رُهُناً. فأبَوا عليهم. وخَذَّلَ الله بينهم.
فلما أُنْهيَ ذلك إلى رسول الله ◌ِّله، دعا حُذَيْفة بنَ اليَمان فبعثه ليلاً
لينظر ما فعل القوم(١).
قال: فحدّثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي، قال: قال
رجل من أهل الكوفة لحُذَيْفَة: يا أبا عبدالله، رأيتم رسولَ الله ◌َِل
وصحِبْتُموه؟ قال: نعم يا ابن أخي. قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله
لقد كنّا نجهد. فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولَحَمَلناه
على أعناقنا. فقال: يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله مَثّل بالخندق،
وصلّ هَوِيّا (٢) من الليل، ثم التفت إلينا فقال: مَنْ رجلٌ يقوم فينظر لنا ما
فعل القوم ثم يرجع - يشرُطُ له رسول الله بَلَّ الرَّجْعة - أسأل الله أن يكون
(١) ابن هشام ٢٢٩/٢-٢٣١.
(٢) أي: قطعة من الليل.
١٩٤

رفيقي في الجنّة. فما قام أحدٌ من شدّة الخوف وشدّة الجوع والبرد. فلما
لم يقم أحدٌ دعاني فلم يكن لي من القيام بُدُّ حين دعاني، فقال: يا حُذَيْفَة
اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يفعلون ولا تُحْدِثَنَّ شيئاً حتى تأتينا.
فذهبتُ فدخلتُ في القوم، والرّيح وجنودُ الله تَفعلُ بهم ما تفعل، لا يقرُّ
لهم قرار ولا نارٌ ولا بناء. فقام أبو سُفيان فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤٌ
مَنْ جليسه. قال حذيفة رضي الله عنه: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى
جنبي فقلتُ: مَنْ أنتَ، فقال: فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر
قريش إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكُراع والخُفّ، وأخلفتنا
بنو قريظة وَبَلَغَنَا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدّة الريح ما ترون، ما تطمئنّ
لنا قِدْر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناءٌ، فارتحلوا فإنّ مُرْتحل. ثم قام
إلى جَمَله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاثٍ، فَوَالله ما
أطلق عقاله إلاّ وهو قائم. ولولا عهدُ رسول الله ◌ِّ أَنْ لا تُحدِث شيئاً حتى
تأتيني، ثم شئتُ لقتلتُه بسهم.
قال: فرجعتُ إلى رسولِ اللهِ مَ له وهو قائم يُصلّي في مرْطِ لبعض نسائه
مُرَاحَلٍ - وهو ضَرْبٌ مِن وَشْي اليمن فَسَّرَهُ ابنُ هشام - فلما رآني أدخلني إلى
رجليهَ وطرح عليَّ طَرَفَ الَمِّرْط، ثم ركع وسجد وإنّي لَفِيه، فلما سلّم
أخبرتُه الخبر .
وسَمِعَتْ غَطفان بما فعلت قُريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم (١).
قال الله تعالى: ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمَّ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ
اٌلْفِتَالَّ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ [الأحزاب].
وهذا كلُّه من رواية البكّائيّ عن محمد بن إسحاق.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رجلاً
قال لحُذَيْفَة: صَحِبْتُم رسولَ الله ◌َّهَ وأدركتموه، فذكر الحديث نحو حديث
محمد بن كعب، وفي آخره: فجعلت أُخبرُ رسولَ الله ◌ِ طل عن أبي سُفيان،
فجعل يضحك حتى جعلتُ أنظر إلى أنيابه .
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، أنّ رسول الله ◌ِ﴾ ﴾ قاتلَ يوم بدر
(١) ابن هشام ٢٣١/٢ -٢٣٣.
١٩٥

في رمضان سنة اثنين، ثم قاتل يوم أُحُد في شوّال سنة ثلاثٍ، ثم قاتل يوم
الخندق، وهو يوم الأحزاب وبني قُرَيْظة، في شوّال سنة أربع. وكذا قال
عُرْوة في حديث ابن لَهِيعة عن أبي الأسود عنه. كذا قالا: سنة أربع، وقالا:
في قصّة الخندق إنّها كانت بعد أُحُد بسنتين(١).
وقال قَتَادَة من رواية شَيْبان عنه: كان يومُ الأحزاب بعد أُحُد بسنتين(٢).
فهذا هو المقطوع به. وقول موسى وعُرْوة إنّها في سنة أربع وَهْمٌ بَيِّن،
ويُشْبِهُهُ قول عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر: ((عرضني رسولَ الله ◌َ﴾ يوم
أُحُدَ، وأنا ابنُ أربع عشرة، فلم يُجِزْني. فلما كان يوم الخندق عُرِضتُ عليه
وأنا ابن خمس عشرة فأجازني))، فَيُحْمَل قولُه على أنّه كان قد شرع في أربع
عشرة سنة، وأنه يوم الخندق كان قد استكمل خمس عشرة سنة، وزاد عليها
فلم يَعُدَّ تلك الزيادة. والعرب تفعل هذا في عددها وتواريخها وأعمارها
كثيراً، فتارةً يعتدّون بالكسر ويعدُّونه سنة، وتارة يُسقِطونه. وذهب بعضُ
العلماء إلى ظاهر هذا الحديث وعضدوه بقول موسى بن عُقْبة وعروة أنَّ
الأحزاب في شوّال سنة أربع، وذلك مخالفٌ لقول الجماعة، ولِمَا اعترف به
موسى وعُرْوة من أنّ بين أُحُد والخندق سنتين، والله أعلم.
وقال أبو إسحاق الفَزَاريُّ، عن حُمَيْد، عن أنس، قال: خرج رسول الله
وَ لَر في غَداةٍ باردةٍ إلى الخندق، والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندق
بأيديهم، ولم يكن لهم عبيد: فلما رأى ما بهم من الجوع والنَّصَب قال:
فاغفِرْ للأنصار والمهاجرَه
اللَّهُمَّ إنّ العيش عيشُ الآخره
فقالوا مجيبين له :
نحن الّذين بايعوا محمَّدًا على الجِهادِ ما بقينا أَبدَا
أخرجه البخاري(٣). ولمسلم نحوه من حديث حمّاد بن سَلَمَة، عن
ثابت (٤) .
(١) دلائل النبوة ٣٩٣٣- ٣٩٤.
(٢) دلائل النبوة ٣٩٤/٣.
(٣) البخاري ٣٠/٤ و٤٢/٥ و١٣٧ و٩٦/٩، ودلائل النبوة ٤١٠/٣-٤١١ .
(٤) مسلم ١٨٩/٥.
١٩٦
.

وقال عبدالوارث: حدثنا عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنسٍ نحوه، وزاد،
قال: ويُؤْتون بمثل(١) حفنتين شعيراً يُصْنَعُ لهم بإهالةٍ سَنِخَةٍ وهي بَشِعَةٌ في
الحَلْقِ، ولها ريحٌّ منكرة فتوضع بين يَدَي القوم. أخرجه البخاري(٢).
وقال شُعبة وغيره: حدثنا أبو إسحاق، سمع البراء يقول: كان رسول
الله ◌َّ ينقل معنا الترابَ يوم الأحزابِ، وقد وارى التُّرابُ بياضَ إبطه وهو
يقول :
ولا تصدَّقْنا ولا صلَّينا
اللَّهُمَّ لولا أنتَ ما اهْتَدَيْنا
وثَبِّتِ الأقدامَ إنْ لاَقَيْنا
فأنْزلَنْ سَکِینةً علینا
وإنْ أرادوا فتنةٌ أَبَيْنَا
إِنَّ الأَلَى قد بَغَوْا علينا
رفع بها صوته. أخرجه البخاري(٣).
وعنده أيضاً من وجه آخر : ويمدُّ بها صوته.
وقال عبدالواحد بن أيمن المخزومي، عن أبيه، سمع جابراً يقول: كنّا
يوم الخندق نحفر الخندق فعرضت فیہ کدّانة ۔ وهي الجبل- فقلنا: يا رسول
الله: إنّ كدانةً قد عَرَضَتْ فقال: رُشُّوا عليها. ثم قام فأتاها وبطنُهُ معصوبُ
بحجرٍ من الجوع، فأخذ المِعْوَل أو المِسْحاةَ فسمَّى ثلاثاً ثم ضرب، فعادت
كئيباً أَهْيَلَ، فقلت له: ائذن لي يا رسول الله إلى المنزل، ففعل، فقلت
للمرأة: هل عندكٍ من شيء؟ وذكر نحو ما تقدم وما سُقناه من مغازي ابن
إسحاق. أخرجه البخاري (٤) .
وقال مَوْذة بن خليفة(٥): حدثنا عَوْف الأعرابيّ، عن ميمون بن أستاذ
الزَّهْراني، قال: حدّثني البراء بن عازب، قال: لما كان حين أمَرَنا رسولُ الله
(١) هكذا في النسخ، وفي صحيح البخاري: بملءٍ.
(٢) البخاري ١٣٨/٥، ودلائل النبوة ٤١٢/٣.
(٣) البخاري ٣١/٤ و٧٨ و١٣٩/٥ و١٤٠ و١٥٨/٨ و١٠٤/٩. ودلائل النبوة ٤١٣/٣ .
وهو عند مسلم ١٨٧/٥ و١٨٨، وأحمد ٢٨٥/٤ و٢٩١ و٣٠٠ و٣٠٢، والدارمي
(٢٤٥٩)، وغيرهم.
(٤) البخاري ١٣٨/٥، ودلائل النبوة ٤١٦/٣ .
(٥) أحمد ٣٠٣/٤، ودلائل النبوة ٤٢١/٣ .
١٩٧

وَ لّ بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرةٌ عظيمة شديدة لا
تأخذ فيها المعاول، فَشَكوا ذلك إلى رسول الله مَثّ، فلما رآها أخذ المِعْوَل
وقال: بسم الله، وضرب ضربةً فكسر ثلثها. فقال: الله أكبر أُعْطِيتُ مفاتيح
الشّام، والله إنّي لأُبْصِرُ قصورها الحُمْر إنْ شاء الله. ثم ضرب الثانية وقطع
ثُلُثاً آخر فقال: الله أكبر أُعْطيتُ مفاتيحَ فارس، والله إنّي لأَبصِر قصرَ المدائن
الأبيض. ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقيّة الحجر فقال: الله أكبر
أُعطيت مفاتيحَ اليمن، والله إنّي لأَبْصر أبوابَ صنعاء من مكاني السّاعة .
وقال الثَّوري: حدثنا ابن المُنْكَدِر، سمعت جابراً يقول: قال رسول الله
وَلّ يوم الأحزاب: مَنْ يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزُّبَير: أنا. فقال: مَنْ يأتينا
بخبر القوم؟ فقال الزُّبير: أنا. فقال: ((إنّ لكلّ نبيِّ حَوَارِيّاً وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)).
أخرجه البخاري(١).
وقال الحسن بن الحسن بن عطيّة العَوْفي: حدّثني أبي، عن أبيه(٢)،
عن ابن عبّاس:
◌َّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تْكُمْ جُنُورٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا
◌َّمَّ تَرَوْهَاجَ﴾ [الأحزاب] قال: كان ذلك يوم أبي سفيان؛ يوم الأحزاب.
﴿وَيَسْتَشْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَِّىَّ يَقُولُونَ إِنَّ يُوتَنَا عَوْرَةَُ﴾ [الأحزاب]، قال: هم
بنو حارثة، قالوا: بيوتنا مخلية نَخْشى عليها السَّرق .
قوله: ﴿وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ ﴾ [الأحزاب] الآية، قال: لأنّ الله
قال لهم في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ
خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى
نَصْرُ اللَّهِ إِلَ﴾ [البقرة]، فلمّا مَسَّهم البلاء حيث رابطوا الأحزابَ في
الخندق، تأوَّل المؤمنون ذلك، ولم يزِدْهم إلاّ إيماناً وتسليماً(٣).
وقال حمّاد بن سَلَمَة: أخبرنا حَجَّاج، عن الحَكَم، عن مِقْسَم، عن ابن
عبّاس: أنّ رجلاً من المشركين قُتِل يوم الأحزاب، فبعث المشركون إلى
البخاري ١٤١/٥-١٤٢، ودلائل النبوة ٤٣١/٣.
(١)
(٢) عطية وابنه ضعيفان.
(٣) دلائل النبوة ٣/ ٤٣٣ - ٤٣٤.
١٩٨

رسول الله ◌َ ◌ّ أن ابعثْ إلينا بجسده ونُعطيهم اثنيْ عَشَرَ ألفاً، فقال: لا خير
في جسده ولا في ثمنه(١).
وقال الأصمعيّ: حدثنا عبدالرحمن بن أبي الزّناد، قَال: ضرب الزُّبَيْر
ابن العوّام يومَ الخندق عثمانَ بنَ عبدالله بن المغيرة بالسيف على مِغْفَرِهِ فَقَدَّه
إلى القُرْبُوس (٢)، فقالوا: ما أجودَ سيفكَ، فغضبَ، يريد أنّ العملَ لَيدِهِ لا
لسيفه .
قال شُعبة، عن الحَكَم، عن يحيى بن الجزّار، عن عليّ: أنَّ رسول الله
بَلٍ كان يوم الأحزاب قاعداً على فُرْضة من فُرَض الخندق، فقال ◌ِّ:
شغلونا عن صلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتَهم
ناراً، أو بطونَهم. أخرجه مسلم(٣) .
وقال يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلَمَةٍ، عن جابر، أنّ عمر يوم
الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسبُّ كفَّارَ قُريش، وقال: يا رسول الله
ما كِدْتُ أنْ أصلّ حتى كادت الشمس أن تغرُب. فقال رسول الله محلّ: وأنا
والله ما صلَّيْتُها بعدُ. فنزلتُ مع رسول الله، أحسَبُهُ قال إلى بُطْحان (٤)،
فتوضّأ للصّلاة وتوضّأنا، فصلّى العصرَ بعدما غربت الشمس، ثم صلّى
المغرب. مُتَّفقٌ عليه(٥).
وقال جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمي، عن أبيه، قال: كنّا عند
خُذَيْفة بن اليمان، فقال رجل: لو أدركتُ رسولَ اللهِ وَ لهَ لقَاتلتُّ معه
وأبْلَيت. فقال: أنتَ كنت تفعلُ ذاك؟ لقد رأيتنا مع رسولِ الله ◌ِّل ليلةَ
الأحزاب في ليلةٍ ذاتِ ريح شديدةٍ وقَرٍّ، فقال رسول الله مَله: ألا رجل يأتي
بخبر القوم يكون معي يومَ القيامة؟ فلم يُجْبه منّا أحدٌ، ثم الثانية، ثم الثالثة
(١) دلائل النبوة ٤٤٠/٣ .
(٢) مُقَدَّمُ السَّرْج أو مؤخره.
مسلم ٢/ ١١١ و١١٢، ودلائل النبوة ٣/ ٤٤٣ - ٤٤٤.
(٣)
وادٍ بالمدينة .
(٤)
(٥) البخاري ١٥٤/١ و١٥٥ و١٦٤ و١٨/٢ و١٤١/٥، ومسلم ١١٣/٢، دلائل النبوة
٤٤٤/٣.
١٩٩

مثله. ثم قال: يا حُذَيْفة قم فأتنا بخبر القوم. فلم أجد بُدّاً إذ دعاني باسمي
أنْ أقوم. فقال ائتني بخبر القوم ولا تَذْعَرْهم عليَّ. قال: فمضيت كأنّما
أمشي في حمَّام حتى أتيتهم، فإذا أبو سُفيان يَصْلي ظهرَه بالنّار. فوضعت
سهمي في كبد قوسي وأردتُ أن أرميه، ثم ذكرت قولَ رسول الله مَ لٍ: لا
تَذْعَرْهُم عليّ، ولو رميته لأصبتُه. قَال: فرجعتُ كأنّما أمشي في حَمَّام
فأتيتُ رسولَ اللهِ وَّه، ثم أصابني البرد حين فرغت وقُرِرْتُ، فأخبرتُ رسولَ
الله ◌َّ، فألبسني من فضل عباءةٍ كانت عليه يصلّي فيها، فلم أزل نائماً حتى
الصُّبح، فلما أنْ أصبحت قال رسول الله بِّ: ((قم يا نَوْمَان)). أخرجه
(١)
مسلم (١).
وقال أبو نُعَيْم: حدثنا يوسف بن عبدالله بن أبي بُرْدَة، عن موسى بن أبي
المختار، عن بلال العَبْسيّ، عن حُذَيْفَة: أنّ النّاس تفرّقوا عن رسول الله بِكَال
ليلة الأحزاب، فلم يبق معه إلّ اثنا عشر رجلاً، فأتاني رسولُ الله ◌ٍَّ وأنا
جاثٍ من البرد، فقال: انطلق إلى عسكر الأحزاب. فقلت: والذي بعثك
بالحقِّ ما قمتُ إليك من البرد إلاّ حياءً منك. قال: فانطلق يا ابنَ اليَمان فلا
بأسَ عليك من حَرٍّ ولا بردٍ حتى ترجع إليَّ. فانطلقتُ إلى عسكرهم،
فوجدت أبا سُفيان يُوقِدُ النَّار في عُصْبةٍ حولَه، قد تفرَّق الأحزاب عنه، حتى
إذا جلستُ فيهم، حَسَّ أبو سُفيان أنّه دخلَ فيهم مِنْ غيرهم، فقال: يأخذ
كلُّ رجلٍ منكم بيد جليسِه. قال: فضربتُ بيدي على الذي عن يميني
فأخذت بيده، ثم ضربت بيدي إلى الذي عن يساري فأخذتُ بيده. فكنتُ
فيهم هُنِيةً. ثم قمتُ فأتيتُ رسولَ الله مَ له وهو قائم يصلّي، فأومأ إليَّ بيده
أن: ادْنُ، فَدَنَّوْتُ. ثم أومأ إليَّ فدنوتُ. حتى أسبلَ عليَّ من الثَّوْبِ الذي
عليه وهو يصلَي. فلما فرغ قال: ما الخبر؟ قلت: تفرّق النّاسُ عن أبي
سُفيان، فلم يبقَ إلاّ في عُصْبةٍ يوقد النّار، قد صبّ الله عليه من البرد مثلَ
الذي صبَّ علينا، ولكنّا نرجوا من الله ما لا يرجو (٢).
(١) مسلم ١٧٧/٥، ودلائل النبوة ٤٤٩/٣ - ٤٥٠.
(٢) دلائل النبوة ٣/ ٤٥٠ - ٤٥١.
٢٠٠