Indexed OCR Text
Pages 141-160
كنّا إذا غطّينا رأسَه خرجت رِجْلاه، وإذا غطَّينا رِجْلَيْه خرج رأسُه، فقال رسول الله ◌َ﴾: غطّوا بها رأسَه واجعلوا على رِجْلَيْه من الإذْخِر. ومنّا من أينعتْ له ثمرتُهُ فهو يَهْدِبُها(١). مُتَّفقٌ عليه(٢). وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني عبدالواحد بن أبي عَوْن، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاص، قال: كانت امرأة من الأنصار من بني ذبيان قد أُصيب زوجُها وأخوها يومٍ أُحُد. فلما نُعُوا لها قالت: ما فعل رسول الله بَّرَ؟ قالوا: خيراً، يا أمَّ فُلان. فقالت: أرُونيه حتى أنظر إليه. فأشاروا لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كلّ مُصيبةٍ بعدك جَلَل؛ أي: هیِّنٌّ. ويكون في غير ذا بمعنى عظيم. وعن أبي بَرْزَة أنّ جُلَيْبِيباً كان من الأنصار، فقال النّبيُّ مَثّ ذات يوم لرجلٍ: ((زوِّجني ابنتك)). قال: نعم ونِعمةَ عين. قال: ((لست أُريده النفسي)). قال: فِلِمَنْ؟ قال: ((لجُلَيْبيب)). قال: حَتَى أَستأمرَ أُمَّها. فأتاها فأجابت: لرسول الله مَّةٍ؟ قال: إنّما يريد ابنتك لجُلَيْبيب. قالت: ألجُلَيْبِيب؟ لا لَعَمْرِ الله لا أُزَوِّجُه. فلما قام أبوها ليأتي النّبِيَّي ◌ِّ. قالت الفتاة من خدرها لأبويها: مَنْ خطبني؟ قالا: رسولُ الله. قالَت: أَفَتَرُدُونَ عليه أمرهُ؟ ادفعوني إلى رسول الله وَ لَّ فإنّه لن يُضَيّعَني. فذهب أبوها إلى النّبِيّ بَّ فقال: شأنك بهَا. فَزَوَّجَها جُلَيْبِيباً، ودعا لهما. فبينما رسولُ الله وَلَّ في مغزى له قال: هل تفقدونَ من أحدٍ؟ قالوا: نفقدُ فلاناً ونفقد فلاناً. قال: لكني أفقد جُليْبيباً، فاطلبوه. فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعةٍ قد قتلهم، ثم قتلوه. فقال رسولُ الله مَّر: هذا مِنِّي وأنا منه قتل سبعة ثم قتلوه. فوضعوه على ساعديه ثم حفروا له، مالَهُ سريرٌ إلّ ساعدا رسولِ الله بَثل حتى وضعه في قبره (٤). قال ثابت البناني: فما في الأنصار أنفق منها. (١) أي: يجنيها ويقطفها. (٢) البخاري ٩٨/٢ و٧١/٥ و٨١ و١٢١ و١٣١ و١١٤/٨ و١١٩، ومسلم ٤٨/٣ و٤٩، ودلائل النبوة ٢٩٩/٣ - ٣٠٠. وانظر المسند الجامع حديث (٣٦٠٠). (٣) ابن هشام ٩٩/٢، ودلائل النبوة ٣٠٢/٣. (٤) مسند أحمد ٤٢١/٤ و٤٢٢ و٤٢٥، ومسلم ١٥٢/٧، والنسائي في فضائل الصحابة (١٤٢) . ١٤١ أخرجه مسلم من حديث حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن كِنانة بن نُعَيْم، عن أبي بَرْزَةً(١). وقال الأعمش، عن عبدالله بن مُرَّةٍ، عن مسروق: سألنا عبدالله بنَ مسعودٍ عن قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا فَ﴾ [آل عمران]، قال: أما إنَّا قد سألْنا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جوفِ طيرٍ خُضْرِ تسرحُ في الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلّقة بالعرش. قال: فبينما هم كذلك إذ اطَّلَعَ عليهم ربك اطِّلاَعةً فقال: سَلُوني ما شئتم. فقالوا: يا ربَّنا وما نسألك، ونحن نسرحُ في الجنّة في أيُّها شئنا؟ فلما رأوا أنْ لايُتْركوا من أنْ يُسألوا قالوا: نسألك أَنْ تَرُدَّ أرواحَنا إلى أجسادنا في الدنيا فنُقْتَل في سبيلك. فلما رأى أنَّهم لا يسألون إلّ هذا، تُرِكوا. أخرجه (٢) مسلم (٢). وقال عبدالله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أُميّة، عن أبي الزُّبَيْر، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس، قال النّبِيّ ◌َِّ: لما أصيب إخوانكم بأُحُد، جعل الله أرواحَهم في أجواف طِيرٍ خُضْرٍ تِرِدُ أنهارَ الجنّة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديلَ من ذهبٍ معلّقةَ فِي ظَلّ العرش. فلما وجدوا طِيبٍ مأكلِهِم ومَشْرَبِهم ومَقِيلهم، قالوا: من يبلِّغْ إخوانَنا عنّا أنّا أحياء في الجنّة نُرْزَق، لئلّ يَنْكُلَوا عند الحرب ولا يزهدوا في الجهاد. قال الله تعالى: ((أنا أبلِّغُهُم عنكم))، فأُنزِلت: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا فَ﴾ [آل عمران](٣). وقال يونس عن ابن إسحاق: حدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة، عن عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله، عن أبيه: سمعت رسولَ الله ◌ِ لّه يقول إذا ذُكر أصحابُ أُحُد: أما والله لَوَدِدْتُ أنّي غُودِرْتَ مع أصحاب نُحْصٍ الجَبَل (٤) يقول: قُتِلت معهم(٥). (١) مسلم ٧/ ١٥٢ (٢٤٧٢). (٢) مسلم ٣٨/٦، ودلائل النبوة ٣٠٣/٣. وانظر المسند الجامع حديث (٩٣٢٠). (٣) دلائل النبوة ٣٠٤/٣. (٤) أي: أصل الجبل وسفحه، أو أسفله. (٥) أحمد ٣٧٥/٣، ودلائل النبوة ٣٠٤/٣. وانظر المسند الجامع حديث (٢٩٠٢). ١٤٢ وقال اللَّيث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عُقْبة بن عامر، أنّ رسول الله بِ له خرج يوماً فصلّى على أهل أُحُد صلاتَه على الميت، ثم انصرف إلى المنبر فقال: إنّ فَرَطُكم(١) وَأنا شهيد عليكم. الحديث. (٢) أخرجه البخاري وَروى العَطَّف بن خالد: حدّثني عبدالأعلى بن عبدالله بن أبي فَرْوة، عن أبيه؛ أنّ النّبيّ نَّه زار قبورَ الشهداء بأُحُد(٣). وروى عبدالعزيز بن عمران بن موسى: عن عبّاد بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة قال: كان رسول الله صل* يأتي قبورَ الشهداء، فإذا أتى فُرْضَةَ الشِّعْب يقول: السلام عليكم بما صبرتم فِنِعْم عُقْبَى الدّار. وكان يفعله أبو بكر ثم عمر بعده ثم عثمان. وذكر نحو هذا الحديث الواقدي في («مغازيه))(٤) بلا سَنَد. وقال أبو حسّان الزِّيادي: ومات في شوّال يوم جمعة عَمْرو بن مالك الأنصاريّ أحد بني النَّجَّار، فخرج رسول الله بَ لَه إلى أُحُد فصلّى عليه في موضع الجَبّان. وكان أوّل من فُعِل به ذلك. غزوَة حِمرَاء الأسَد قال ابن إسحاق(٥): فلمّا كان الغدُ من يوم الأحد يعني صبيحة وقعة أُحد؛ أذّن مؤذّنُ رسولِ الله ◌ِلَّ في النّاس لطلب العدوّ، وأذّن مؤذّنه: لا يخرج معنا أحدٌ إلاّ أحَدٌ حضر يومَنا بالأمس. وإنّما خرج رسول الله مُرْهِباً للعدوّ ليُبَلغهم أنّه قد خرج في أثرهم وليظنُّوا به قوّة. (١) في البخاري: ((فرَط لكم)). (٢) البخاري ٥/ ١٣٢، ومسلم ٦٧/٧، ودلائل النبوة ٣٠٦/٣ - ٣٠٧. وانظر المسند الجامع حديث (٩٩١٩). (٣) دلائل النبوة ٣٠٧/٣. مغازي الواقدي ٣١٢/١-٣١٣، ودلائل النبوة ٣٠٨/٣. (٤) ابن هشام ٢/ ١٠١، ودلائل النبوة ٣١٤/٣. (٥) ١٤٣ وقال ابن لَهيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوَة، قال: قدِم رجلٌ فاستخبره النّبيّ مَ﴾ عن أبي سُفيان، فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون، يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئاً، أصبتم شوكة القوم وحدهم، ثم تركتموهم ولم تُبيدوهم، وقد بقي منهم رؤوسٌ يجمعون لكم. فأمر رسول اللهِ وَ لّ أصحابه - وبهم أشدّ القَرْح - بطلب العدوّ، ليسمعوا بذلك. وقال: لا ينطلقنَّ معي إلاّ مَنْ شهدَ القتالَ. فقال عبد الله بن أبيّ: أركب معك؟ قال: لا. فاستجابوا لله والرسول على ما بهم من البلاء. فانطقلوا، فطلبهم النّبِيّ ◌َِّهُ حتى بلغ حمراءَ الأسَد (١). وقال ابن إسحاق(٢): حدثني عبدالله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السّائب مولى عائشة بنت عثمان؛ أنّ رجلاً من أصحاب رسول الله من بني عبدالأشهلِ قال: شهدتُ أُحُداً مع رسول الله بِ ﴿ أنا وأخٌ لي، فرجعنا جريحين، فلما أَذَّن مؤذّنُ رسولِ اللهِ بَلَهُ بالخروج في طَلَبِ العدوِّ، قلت لأخي، فقال لي: تفوتنا غزوةٌ مع رسول الله مَله؟ وَوَالله ما لنا من دابّة نركبها وما منّا إلاّ جريح. فخرجنا مع رسولِ الله ◌َ له، وكنتُ أيسر جراحةً منه، فكان إذا غُلِب حملته عُقْبَةً(٣) ومشى عُقْبَة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. فخرج رسول الله بِّ حتى انتهى إلى حمراء الأسَد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثاً ثم رجع. وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: يا ابن أختى كان أبواك تعني - الزُّبَيْر وأبا بكر - من الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القَرْح. قال: لما انصرف المشركون من أُحُد وأصاب النّبِيَّ ◌َثله وأصحابَه ما أصابهم، خاف أن يرجعوا فقال: من ينتدب لهؤلاء في آثارهم حتى يعلموا أنّ بنا قوّة؟ قال: فانتدب أبو بكر والزُّبَيْرِ في سبعين خرجوا في آثار القوم، فسمعوا بهم. وانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضْلٍ لم يَمْسَسْهم سوء. قال: لم يلقوا عدوّاً. أخرجاه(٤). (١) دلائل النبوة ٣١٣/٣ - ٣١٤. (٢) ابن هشام ٢/ ١٠١، ودلائل النبوة ٣١٤/٣ - ٣١٥. (٣) أي كانا يتناوبان على الدابة . (٤) البخاري ١٣٠/٥، ومسلم ١٢٩/٧، ودلائل النبوة ٣١٢/٣ - ٣١٣. وانظر المسند = ١٤٤ وقال ابن إسحاق(١): حدّثني عبدالله بن أبي بكر بن حزم أنّ مَعْبَداً الخُزاعِيّ مرّ برسول الله بِّ وهو بحمراء الأسَد. وكانت خُزَاعة مُسْلِمُهُم ومُشْرِكُهُم عَيْبَة نُصْحِ لرسولِ الله ◌ِّه، صَفْوُهُم معه لا يُخْفُون عليه شيئاً كان بها، ومَعْبَد يومئذٍ مُشْرِك، فقال: يا محمد، والله لقد عزّ علينا ما أصابَك في أصحابك ولَوَدِدْنا أنّ الله عافاك فيهم. ثم خرج حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالرَّوحاء، وقد أجمعوا الرَّجْعَةَ وقالوا: أَصَبْنا حدَّ أصحاب محمد وقادتهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم! لنكُرَّنَّ على بقيّتهم فلنَفْرُغنّ منهم. فلما رأى أبو سفيان مَعْبَداً قال: ما وراءَكَ؟ قال: محمدٌ قد خرج في طلبكم في جَمْعِ لم أرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتحرَّقُون عليكم تحرُّقاً، قد اجتمع معه مَنْ كان تخلّفَ عنهً في يومكم، ونَدِموا على ما صنعوا، فيهم من الحَنَقِ عليكم شيءٌ لم أرَ مثله قط. قال: ويلكَ ما تقولُ؟ قال: والله ما أرى أنْ تَرتحلَ حتى ترى نواصيَ الخيل. قال: فَوَالله لقد أجمعنا الكَرَّةَ عليهم لنستأصل بقيتهم. قال: فإنّي أنهاكَ ذاكَ، والله لقد حملني ما رأيتُ على أنْ قلتُ فيهم أبياتاً. قال: وما قلتَ؟ قال : إذا سالَتِ الأرضُ بالجُزْد(٢) الأبابيل كادَتْ تُهَدُّ من الأصواتِ راحلتي عند اللقاء، ولا مِيلٍ مَعازيل(٣) تَرْدِي بأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنَابِلَةٍ لمّا سَمَوْا برئيسٍ غَيرٍ مخذَولِ فَظِلْتُ عَدْواً أظنُّ الأرضَ مَائلةً فقلتُ: ويلَ ابنِ حربٍ من لِقائِكُمُ إذا تَغَطْمَطَتِ البَطْحَاءُ بَالجيل (٤) إنّي نذرتُ لأهلِ البَسْلِ ضاحِيةً لكلِّ ذي إرْبةٍ منهم ومَعْفُولَ (٥) الجامع حديث (١٧١٧٨). (١) ابن هشام ٢/ ١٠٢-١٠٣، ودلائل النبوة ٣١٥/٣ - ٣١٧. (٢) الجُرد: الفرس القصير الشعر، والأبابيل: الجماعات. (٣) تردي: تُسرع. الميل: الذي لا رمح أو لا تُرس معه، وقيل: هو الذي لا يثبتُ على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم. (٤) تعطعطت: اضطربت. والجيل: الصنف من الناس. (٥) أهل البسل: قريش لأنهم أهل مكة، ومكة حرام. والضاحية: البارزة للشمس. والإربة: العقل. ريخ الإسلام ١٠٢/١ ١٤٥ من جَيْشِ أحمَدَ، لا وَخْشِ تَنَابلةٍ وليسَ يُوصَفُ ما أَنْذَرْتُ بالقِيل(١) قال: فثنى ذلك أبا سُفيانَ ومَنْ معه. ومَزَّ ركْبٌ من عبدالقَيْس، فقال أبو سُفيان: أين تريدون؟ قالوا: المدينة، لنمْتارَ، فقال: أما أنتم مبلغون عنّي محمداً رسالةً، وأَحَمِّل لكم على إبلكم هذه زبيباً بعُكَاظ غداً إذا وافيتموه؟ قالوا: نعم. قال: إذا جئتم محمداً فأخبروه أنّا قد أجمعنا الرجْعةَ إلى أصحابه لنستأصلهم. فلما مرّ الرَّكْب برسول الله مَلَه وهو بحمراء الأسد أخبروه. فقال هو والمسلمون: حسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل. فأُنزِلت: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ ﴾﴾ [آل عمران] الآيات. وقال البكّائيّ: قال ابن إسحاق(٢): وكان عبدالله بن أُبِّيّ بن سَلُول، كما حدّثني الزُّهْري، له مقام يقومه كلّ جمعة لا يتركه شَرَفاً له في نفسه وفي قومه. فكان إذا جلس رسول الله وَ* يوم الجمعة يخطب قام فقال: أيّها النّاس هذا رسول الله وَّهُ بين أَظْهُرِكم أكرمكم الله به وأعزَّكم به، فَعَزِّرُوه وانصُرُوه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أُحُد ما صنع ورجع الناس، قام يفعل كفعله، فأخذ المسلمون ثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلسٍ أَيْ عدوَّ الله، لستَ لذلك بأهلِ، وقد صنعتَ ما صنعتَ، فخرج يتخطّى رقابَ النّاس ويقول: والله لكأنَّ قلتُ هُجْراً أنْ قمتُ أَشُدُّ أمرَه. فلقيه رجالٌ من الأنصار بباب المسجد فقالوا: مالك؟ وَيلك! قال: قمت أشدُّ أمرَه فوثب عليّ رجالٌ من أصحابه يجبذونني ويُعَنِّفونني، لكأنّما قلت هُجْراً. قال: وَيْلَكَ ارجعْ يستغفر لك رسولُ الله ◌ِله. قال: والله ما أبغي أنْ يستغفرَ لي . فائدة: قال الواقدي: حدثنا إبراهيم بن جعفر، عن أبيه. وحدثنا سعيد ابن محمد بن أبي زيد، قال: حدثنا يحيى بن عبدالعزيز بن سعيد، قالوا: كان سويد بن الصامت قد قتل ذيادًا، فقتله به المجذَّر بن زياد، فهيج بقتله وقعة بُعاث. فلما قدِم النّبِيُّ بَيَّ المدينة أسلم المجذّر، والحارث بن سُوَيْد (١) الوخش: رذالة الناس وأخساؤهم، والتنابلة: القصار. (٢) ابن هشام ٢/ ١٠٥ . ١٤٦ ابن الصّامت، فشهدا بدراً. فجعل الحارث يطلب مجذَّراً ليقتله بأبيه. فلما كان يوم أُحُد أتاه من خلفه فقتله(١). فلما رجع النّبِيُّ مَّه من حمراء الأسد أتاه جبريل فأخبره بأنّه قتل مجذَّراً. فركب رسول الله بِّه إلى قباء، فأتاه الحارث بن سُوَيْد في مِلْحَفِةٍ مُوَرَّسة. فلما رآه دعا عُوَيْم بن ساعدة وقال: اضرب عُنُق الحارثِ بمجذَّر بن ذياد. فقال: والله ما قتلته رجوعاً عن الإسلام ولكن حَمِيّة، وإنّي أتوب إلى الله وأُخْرج دِيَتَه وأصوم وأعتِق. وجعل يتمسّك بركاب النّبِيّ بَّه إلى أن فرغ من كلامه. فقال النّبيّ وَّه: قدِّمْه يا عُوَيْم فاضرب عُنُقَه. فضرب عُنُقَه على باب المسجد، والله أعلم. (١) ابن هشام ٨٩/٢. ١٤٧ السَّنة الرابعَة ((سريّة أبي سَلمَة إلى قَطَن في أوّلها)) قال الواقدي(١): حدّثنا عُمر بن عثمان بن عبدالرحمن بن سعيد اليربوعيّ، عن سَلَمَة بن عبدالله بن عمر بن أبي سَلَمَة بن عبدالأسد، وغيره، قالوا: شهد أبو سَلَمَة أُحُداً، وكان نازلاً في بني أُميّة بن زيد بالعالية، حين تحوّل من قباء فجُرِح بأُحُد، وأقام شهراً يداوي جُرْحَه. فلما كان هلال المحرَّم دعاه رسولُ الله ◌ِ له وقال: اخرج في هذه السّرِيّة فقد استعملتُك عليها، وعقد له لواءً وَقال: سِرْ حتى تأتيَ أرضَ بني أسد فأغِرْ عليهم. وكان معه خمسون ومئة، فساروا حتى انتهوا إلى أدنى قَطَن - ماء من مياههم -، فيجدون سَرْحاً لبني أسد، فأغاروا عليه وأخذوا مماليكَ ثلاثة، وأفلت سائرُهم. ثم رجع إلى المدينة فغاب بِضْعَ عشرةَ ليلة . قال عُمر بن عثمان: فحدّثني عبدالملك بن عبيد(٢)، قال: لما دخل أبو سَلَمَة المدينةَ انتقض جُرْحُه، فمات لثلاثٍ بقين من جُمادَى الآخرة. (١) المغازي ٣٤٠/١، ودلائل النبوة ٣٢٠/٣ - ٣٢٢. (٢) هكذا في النسخ، وأظنه عبدالملك بن عبيد بن سعيد بن يربوع اليربوعي (ثقات ابن حبان ١٠٥/٧) فإنه يروي عن جماعة من التابعين وروى عنه أهل المدينة. وفي مغازي الواقدي: ((عبدالملك بن عمير))، فلا نشك أن الذهبي كتبه كما أثبتاه، فقد قال ابن سعد تلميذ الواقدي في ترجمة أبي سلمة من ((الطبقات)) ٢٤٠/٣: ((أخبرنا محمد ابن عمر (يعني الواقدي)، قال: أخبرنا عمر بن عثمان، قال: حدثني عبد الملك بن عُبيد، عن عبدالرحمن بن سعيد بن يربوع ... إلخ)) فتبين من هذا آن المطبوع من مغازي الواقدي قد وقع فيه تحريف، بعد الذي ثبت من نقل عالمين متقنين هما: ابن سعد تلميذه، والذهبي. ١٤٨ غزوة الرَّجيع وهي في صفر من السّنة الرابعة، فيما ورَّخه الواقدي(١)، وقال: هي على سبعة أميال من عُسْفان. فحدّثني موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود، قال(٢): بعث رسول الله بَ لّه أصحابَ الرَّجيع عيوناً إلى مكة ليُخْبِروه. قال إبراهيم بن سعد(٣)، عن ابن شهاب: أخبرني عمر(٤) بن أَسِيد ابن جارية الثَّقَفي، أنّ أبا هريرة قال: بعث رسول الله بِ ◌ّ عشرة رَهط عَيْناً، وأمَّر عليهم عاصمَ بنَ ثابت بن أبي الأقلح الأنصاريّ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهَدْأة؛ بين عُسْفان ومكة ذُكروا لحيٍّ من هُذَيْل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريبٍ من مئة رجلٍ رام. فاقتصُّوا آثارهم، حتى وجدوا مأكلهم التّمر، فقالوا: نَوَى يَثْرِب، فاتَّبعواً آثارَهم. فلما أحسّ بهم عاصم وأصحابُه لجأوا إلى قَرْدَد، أي: فدْفدٍ من الأرض فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا - فأعْطُوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتلَ منكم أحداً. فقال عاصم: أما أنا فَوَالله لا أنزل في ذمّة مُشْرِك، اللَّهُمَّ أخبر عنّا نبيَّك. فرموهم بالنَّبْلِ، فقتلوا عاصماً في سبعةٍ من أصحابه، ونزل إليهم ثلاثةٌ على العهد والميثاق: خُبَيْب، وزيد بن الدَّثِنَةِ(٥)، وآخر. فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسِيِّهم فربطوهم بها. فقال الرجل الثالث: هذا أوّل الغدر، والله لا أصْحَبُكُم إنّ لي بهؤلاء أُسْوةً. يريد القتلى. فجرُّوه وعالجوه، فأبى أن يصحَبَهم، فقتلوه، وانطلقوا بخُبَيْب، وزيد، حتى باعوهما بمكة بعد وقعة (١) المغازي ٣٥٤/١، ودلائل النبوة ٣٢٣/٣. (٢) هكذا في النسخ، وفي مغازي الواقدي: ((عن أبي الأسود، عن عروة، قال: )) وهو خطأ، وإن كان الأسود هو راوي مغازي عروة، فقد نقل البيهقي في ((الدلائل)) (٣٢٣/٣) نص الواقدي وليس فيه ((عن عروة)) فتبين صحة ما نقله الذهبي، والله أعلم. (٣) دلائل النبوة للبيهقي ٣٢٤/٣. (٤) يقال فيه ((عمرو)) أيضاً، لكن ((عمر)) أصح، كما في ((الجرح والتعديل)) ٦/ الترجمة ٥٠٥. (٥) ينظر في تقييده توضيح ابن ناصر الدين ٤/ ٢٤ . ١٤٩ بدر. فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نَوفل خُبَيْياً. وكان خُبَيْب هو قتل الحارث يوم بدر . فائدة: قال الدمياطي(١): هذا وهم، ما شهد خبيب بن عدي الأوسي بدراً ولا قتل الحارث بن عامر، إنما الذي شهدها وقتله هو خبيب بن أساف الخزرجي . رَجْعٌ، قال(٢): فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسىً يستحدّ بها للقتل فأعَارته. فدرج بُنَّيِّ لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدتهُ مُجْلِسَه على فَخِذِه والمُوسَى بيده، ففزعت فزعةً عرفها خُبَيْب فقال: أَتَخْشَيْن أن أقتله؟ ما كنتُ لأفعل ذلك، فقالت: والله ما رأيت أسيراً قطّ خيراً من خُبَيْب، والله لقد رأيته، أو وجدتُه، يأكل قِطْفاً من عنب وإنّه لَمُوثَقٌ بالحديد وما بمكة من ثمرة، وكانت تقول: إنَّه لَرِزْقٌ رزقه الله خُبَيْياً. فلما خرجوا به من الحَرَم ليقتلوه في الحِلّ قال لهم: دَعُوني أركع رَكْعَتَين. فتركوه فركع ركعتين، ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أنّ ما بي جزعٌ من القتْل لِزِدْتُ، اللَّهُمَّ أحصِهِمْ عدداً، واقتُلْهم بَدَداً، ولا تُبْقِ منهم أحداً، وقال: فلستُ أُبالي حين أُقْتل مُسْلِماً على أيِّ جَنْبٍ كان في الله مَصْرَعي وذلك في ذاتِ الإلهِ، وإنْ يشأ يبارك على أوصالِ شِلْوٍ مُمَزَّع (٣ ثم قام إليه أبو سِرْوَعَة عُقْبَةُ بن الحارث فقتله. وكان خُبَيْب هو سَنَّ لكلّ مسلم، قُتِل صبراً، الصَّلاةَ. واستجاب الله لعاصم يوم أُصيبَ، فأخبر رسولُ الله ◌َلّ أصحابَه يوم أُصِيبوا خَبَرَهم. وبعثَ ناسٌ من قريش إلى عاصم بن ثابت لِيُؤْتَوْا مِنه بشيءٍ يُعرف، وكان قتلَ رجلاً من عظمائهم يوم بدرٍ، فبعثَ اللهُ على عاصم مِثْلَ (١) كتب على هامش الأصل: ((الذي قاله الدمياطي هو الصحيح)). (٢) أي: رجع إلى سياق حديث الزهري. (٣) ابن هشام ١٦٩/٢ -١٧٧ . ١٥٠ الظُّلَّةِ من الدَّبْرِ (١)، فَحَمَتْه من رُسُلهم فلم يقدروا على أنْ يقطعوا منه شيئاً. (٢) أخرجه البخاري(٢). وقال موسى بن عُقْبة، وغير واحد: بعث رسول الله مَث﴿ عاصمَ بنَ ثابت وأصحابَه عَيْناً له، فسلكوا النَّجْدِيّة، حتى إذا كانوا بالرَّجيع. فذكروا القصّة . قال موسى: ويقال: كان أصحاب الرَّجيع ستّةً منهم: عاصم، وخُبَيْب، وزِيد بن الدَّثِنَة، وعبدالله بن طارق - حليف لبني ظَفَر - وخالد ابن البُكَيْرِ اللَّيْئِي، ومَرْتَد بن أبي مَرْتَد الغَنَوي؛ حليف حمزة. وساق حديثَهم(٣). وقال يونس، عن ابن إسحاق(٤): حدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة: أنَّ نَفَراً من عضَل والقارة قدموا على رسول الله ◌ِّ المدينة بعد أُحُد، فقالوا: إنَّ فينا إسلاماً، فابعث معنا نَفَرَاً من أصحابك ليفقّهونا في الدّين ويُقْرِئونا القرآن، فبعث رسول الله بَ لّ معهم خُبَيْب بن عَدِيّ. قال ابن إسحاق: بعث معهم ستَّةً، أمَّر عليهم مَرْثَد بن أبي مَرْثَد الغَنَوي. وسمّاهم كما قال موسى . قال ابن إسحاق: فخرجوا مع القوم، حتى إذا كانوا على الرَّجيع - ماء لِهُذَيْل بناحيةِ الحجاز على صدور الهَدْء(٥)-، غدروا بهم، فاستصرخوا عليهم هُذَيْلاً، فلم يَرُع القومَ وهم في رحالهم إلاّ الرجالُ بأيديهم السيوف، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوهم، فقالوا لهم: والله ما نريدُ قتلَكم ولكنّا نريد أنْ نُصيبَ بكم شيئاً من أهل مكة، ولكم عهدُ الله وميثاقُه أنْ لا نقتلكم. فأمّا مَرْتَد، وعاصم، وابن البُكَيْرِ فقالوا: والله لا نقبلُ من مشركٍ عهداً ولا عقداً أبداً ثم قتلوا. وأرادتْ هُذَيْل أخْذَ رأس عاصم ليبيعوه من سُلَافة بنت سعد، وكانت قد نذرت حين أصابَ ابنَيْها يومَّ أُحُد، لِئِنْ قَدِرَتْ على عاصمٍ لَتَشْرَبَنَّ أي: النحل أو الزنابير، وأهل الشام يستعملون لفظ ((الدَّبُّور والدبابير)). (١) البخاري ١٣٢/٥ - ١٣٣. (٢) (٣) دلائل النبوة ٣٢٦/٣ - ٣٢٧. وانظر ابن هشام ٢/ ١٧١ . (٤) ابن هشام ١٦٩/٢، ودلائل النبوة ٣٢٨/٣. (٥) كتب في حاشية النسخ: ((الهدأة والهدء)) وكلها بمعنى، وهي موضع بين عُسفان و مكة . ١٥١ في قِحْفِه الخمرَ، فمنعته الدَّبْرُ، فانتظروا ذَهابها عنه، فأرسل اللهُ الوادي فحملَ عاصماً فذهب به. وقد كان عاصم أعطى الله عهداً أنْ لا يمسّه مُشْرِكٌ ولا يمسّ مشركاً أبداً تنجُّساً. وأسروا خُبَيْباً، وابنَ الذَّثِنَة، وعبدالله بنَ طارق، ثم مضوا بهم إلى مكّة ليبيعوهم، حتى إذا كانوا بالظّهْران انتزع عبدُالله يده من القِرَانِ ثم أخذُ سيفَهُ واستأخرَ عن القوم، فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقَبْرُهُ بالظَّهْران(١). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢): حدثني يحيى، عن أبيه عبّاد بن عبدالله بن الزُّبَيْر، عن عُقْبة بن الحارث، سمعته يقول: ما أنا والله قتلتُ خُبَيْباً، لأنا كنتُ أصغرَ من ذلك، ولكنَّ أبا مَيْسرة أخا بني عبدالدّار أخذ الحَرْبَةَ فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة، ثم طعنه بها حتى قتله. . ثم ذكر ابن إسحاق(٣) أنّ خُبَيْباً قال: لقدٍ جَمَّعَ الأحزابُ حولي وألَّبُوا قبائلَهم واستجمعوا كلَّ مجمَع عليَّ لأنّي في وِثاق مُضَيَّعَ وكُلُّهم مُبْدِي العداوةِ جاهدٌ وقُرْبَتُ من جِدعٍ طويلٍ مُمَنَّعَ وقد جَمَّعوا أبناءَهم ونساءهم إلى الله أشكو غُرْبَتي ثم كُرْبَتي فذا العرشِ صَبِّرني علی ما یُرادُ بيِ وذلك في ذاتِ الإلهِ وإنْ يشأ وقد خيَّروني الكفَر والموتُ دُونه وما بي حِذارُ الموتِ، إنّي لميّتٌ ووالله لم أَحْفَلْ إذا متُّ مسلِماً فلستُ بمُبدٍ للعدوّ تَخَشُّعاً. وما أرصدَ الأحزابُ لي عند مصرعي فقد بضَّعوا لحمي وقد ياسَ مطمعي يبارِكْ على أوْصالِ شِلوٍ مُمَزَّع وقد هَمَلتْ عَيْناي من غير مَجْزَعَ ولكنْ حِذاري جَحْمُ نَارٍ بِبَلْقَعِ على أيِّ جنبٍ كان في الله مَصْرَعيَ ولا جَزَعاً إنِّي إلى الله مَرْجِعي وقال يونس بن بُكَيْر، وجعفر بن عَوْن، عن إبراهيم بن إسماعيل : حدّثني جعفر بن عَمْرو بن أُميّة أنّ أباه حدّثه عن جدّه، وكان النّبِيّ بَّ بعثه (١) ابن هشام ١٦٩/٢ -١٧١. (٢) ابن هشام ٢/ ١٧٣ . (٣) ابن هشام ١٧٦/٢، ودلائل النبوة ٣٢٨/٣ - ٣٢٩. ١٥٢ عَيْناً؛ قال: فجئتُ إلى خشبة خُبَيْب فَرَقِيتُ فيها وأنا أتخوَّف العيونَ، فأطلقْتُهُ فوقع بالأرض، ثم اقتحمتُ فانتبذتُ قليلاً، ثم التفتُّ فلم أر خُبَيْباً، فكَأنَّما ابتلعتْهُ الأرض . زاد جعفر بن عَوْن: فلم تُذْكَر لخُبَيْب رِمَّةٌ حتى السّاعةِ (١). غزوة بئر مَعُونَة قال ابن إسحاق(٢): بعث رسول الله وَ لّ أصحابَ بئر مَعُونَة في صفر، على رأس أربعةِ أشهرٍ من أُحُد. وقال موسى بن عُقْبة: قال الزُّهْري: حدّثني عبدالرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك، ورجالٌ من أهل العلم، أنّ عامر بن مالك الذي يُدْعَى مُلاعِب الأسِنَّة، قَدِمَ على رسولِ اللهِ لّه وهو مُشْرِكٌ، فعرض عليه رسولُ الله وَ الإسلام، فأبى أنْ يُسْلم، وأهدى لرسولِ الله ◌ِ لَ هديَّةً. فقال: إنّي لا أقبلُ هديّةَ مُشْرِكٍ. فقال: ابعث معي مَنْ شئتَ من رُسُلِك، فأنا لهم جارٌ، فبعث رَهْطاً، فيهم المنذر بن عَمْرو السّاعدي؛ وهو الذي يقال له: أعْنَقَ ليموتَ، بعثه عَيْناً له في أهلِ نجد، فسمع بِهِم عامر بن الطُّفَيل، فاستنفر بني عامر، فأبَوْا أنْ يُطيعوه، فاستنفر بني سُلَيْم فنفروا معه، فقتلوهم ببئر مَعُونة، غير عَمْرو بن أُميَّةَ الضَّمري، فإنّه أطلقه عامر ابن الطُّفَيْل، فقدِم على رسول الله ◌َل﴾(٣). وقال ابن إسحاق(٤): حدّثني والدي، عن المُغِيرة بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام، وعبدالله بن أبي بكر بن حزم، وغيرهما، قالوا: قدِم أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر، مُلاعِب الأسِنَّة على رسول الله ◌ِله المدينة، فلم يُسْلِمْ ولم يَبْعُدْ من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت معي رجالاً من (١) دلائل النبوة ٣٣١/٣ - ٣٣٢. (٢) ابن هشام ٢/ ١٨٣، ودلائل النبوة ٣٣٨/٣. (٣) دلائل النبوة ٣٤٣/٣. ابن هشام ١٨٤/٢-١٨٦، ودلائل النبوة ٣٣٨/٣ - ٣٤١. (٤) ١٥٣ أصحابك إلى أهل نَجْدٍ يدعونهم إلى أمْرِك رجَوْتُ أن يستجيبوا لك. قال: اخشى عليهم أهلَ نجد. قال أبو البَرَاء: أنا لهم جار. فبعث المنذِرَ بنَ عَمْرو في أربعين رجلاً، فيهم الحارث بن الصِّمَّة، وحرام بن مِلْحان؛ أخو بني عَدِيّ بن النّجّار، وعُرْوَة بن أسماء ابن الصَّلْت السُّلَمي، ورافع بن وَرْقاء الخُزاعي، وعامر بن فُهَيْرة مولى أبي بكر، في رجال من خيارِ المسلمين، فساروا حتى نزلوا بئرَ مَعُونَة، بين أرض بني عامر وحَرَّةٍ بِني سُلَيْم. ثم بعثوا حرام بن مِلْحان بكتاب رسول الله بَّةٍ إلى عامر بن الطَّفَيْل، فلم ينظر في الكتاب حتى قَتَل الرجلَ. ثِم استصرخ بني سُلَيْم فأجابوه وأحاطوا بالقوم، فقاتلوهم حتى استشهدوا كلّهم إلّ كعب بن زيد، من بني النَّجَّار، تركوه وبه رمق فارتُثَّ(١) من بين القتلى، فعاش حتى قُتِل يوم الخندق. وكان في سَرْح القوم عَمْرو بن أُميّة ورجل من الأنصار، فلم يخبرهما بمصاب القوم إلاّ الطَّيرُ تحوم على العسكر، فقالا: والله إنّ لهذه الطير لَشَأْناً، فأقبلا فنظرا، فإذا القومُ في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة . فقال الأنصاريّ لعَمْرو: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله العائلية فنخبره الخبر. فقال الأنصاريّ: لكنّي لم أكن أرغب بنفسي عن موطنٍ قُتِل فيه المنذر بن عَمْرو، وما كنتُ لأخبرَ عنه الرجال. وقاتلٍ حتى قُتِل وأَسروا عَمْراً. فلما أخبرهم أنّه من مُضَر أطلقه عامر بن الطَّفَيْل وجزَّ ناصيتَه وأعتقه. فلما كان بالقَرْقَرَة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظلِّ هو فيه، وكان معهما عهدٌ من رسول الله بَ له وجِوارٌ لم يعلم به عَمْرو. حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما. فلما قدِم على رسول الله مَ﴾ أخبره، فقال: قد قتلتَ قتيلين، لأدِيَنَّهُما. ثم قال رسول الله بِّه: هذا عمل أبي براء، قد كنتُ لهذا كارهاً متخوّقاً. فبلغ ذلك أبا براء فَشقَّ عليه إخفار عامرٍ أبا براء، فحمل ربيعة ولَد أبي براء على عامر بن الطُّفَيْلِ فطعنه في فخِذِه فَأَشواه، فوقع من فرسه، وقال: هذا عمل أبي براء؛ إنْ متُّ فدمي لعمِّي فلا يُتْبَعَنَّ به، وإنْ أعِشْ فسأرى رأيي(٢). (١) أي: حُمِلَ من المعركة جريحاً وبه رمق . (٢) ابن هشام ٢/ ١٨٥ - ١٨٦. ١٥٤ وقال موسى بن عُقْبة: ارتُثَّ في القتلى كعب بن زيد، فقُتِل يوم الخَنْدَق . وقال حمّاد بن سَلَمَة: أخبرنا ثابت، عن أنس أنّ ناساً جاؤوا إلى النّبيّ وَلَر فقالوا: ابعث معنا رجالاً يعلّموننا القرآن، والسُّنَّة. فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القرّاء، وفيهم خالي حرام بن مِلْحان، يقرؤون القرآن ويتدارسون باللّيل ويتعلّمون، وكانوا بالنّهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد، ويحتطبون فيبيعون ويشترون به الطّعام لأهل الصُّفَّة، فبعثهم رسول الله مَّي إليهم، فتعرّضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان. قالوا: اللَّهُمَّ بلِّغْ عنّا نبيَّك أنْ قد لِقِيناكَ فرضِيتَ عنّا ورضينا عنك. قال: وأتى رجل خالي من خلفه فطعنه بالرمح حتى أنفذه، فقال حرام: فزتُ ورِب الكعبة، فقال رسول الله وَ ل﴿ لأصحابه: إنّ إخوانكم قد قُتلوا وقالوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عنّا نَبِيََّا أنْ قد لقيناكَ فرضينا عنكَ ورضيتَ عنّا. رواه مسلم(١). وقال همّام وغيره، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة: حدّثني أنس أنّ رسول الله ◌ِّل بعث خاله حراماً في سبعين رجلاً فقُتِلوا يوم بئر معونة. وكان رئيس المشركين عامر بن الطَّفَيْلِ، وكان أتى النّبيّ ◌ِلّ فقال: أُخَيِّرُك بين ثلاث خصال: أن يكون لك أهلُ السَّهْلِ ولي أهلُ المَدَر، أو أكون خليفتَكَ من بعدك، أو أغزُوَك بَغَطَفان بألفَ أشقر وألفِ شقراء، قال: فطُعِن(٢) في بيت امرأةٍ من بني فلان، فقال: غُدَّةٌ كغُدَّة البَكْر (٣) في بيت امرأةٍ من بني فلان ائتوني بفَرَسي، فركبه فمات على ظهر فَرَسه. وانطلق حرام ورجلان معه أحدُهما أعرج فقال: كونا قريباً منّي حتى آتيَهُم فإنْ آمنوني كنتٍ كُفْواً، وإنْ قتلوني أتيتم أصحابَكم. فأتاهم حرام فقال: أَتُؤُمِنُوني أبلِّغُكم رسالَة رسولِ الله ◌ِّ؟ فجعل يحدّثهم، وأومأوا إلى رجلٍ فأتاه من خلفه فطعنه. قال همّام، وأحسبهُ قالَ: فُزْتُ وَربِّ الكعبة. قال: وقُتِل كلَّهم إلّ الأعرج، كان في رأس الجبل. (١) مسلم ٤٥/٦، ودلائل النبوة ٣٤٣/٣ - ٣٤٤. وانظر المسند الجامع حديث (١٢٥٥). (٢) أي: أصابه الطاعون. (٣) الفتيُّ من الإبل إذا أصابه الطاعون. ١٥٥ قال أنس: أُنزِل علينا، ثم كان من المنسوخ، ((إنّا قد لَقِينا رِبَّنَا فَرَضِيَ عنّا وأرضَيْناه)). فدعا رسولُ اللهِ وَلَه سبعين(١) صباحاً على رِعْلٍ وذَكْوانَ وبني لِحْيان وعُصَيَّة عَصَتِ الله ورسوله . أخرجه البخاري، وقال: ثلاثين صباحاً، وهو الصحيح(٢). وروى نحوه قَتَادَة، وثابت، وغيرهما، عن أنَس. وبعضهم يختصر الحديث، وفي بعض طرقه: سبعين صباحاً. قال سليمان بن المُغيرة، عن ثابت، قال: كتب أنَس في أهله كتاباً فقال: اشهدوا معاشرَ القرّاء. فكأنّي كرهت ذلك، فقلت: لو سمّيتهم بأسمائهم وأسماء آبائهم؛ فقال: وما بأس أن أقول لكم معاشرَ القُرّاء، أفلا أحدثكم عن إخوانكم الذين كنّا ندعوهم على عهد رسول الله ◌ِ له القرّاء؟ قال: فذكر أنس سبعين من الأنصار كانوا إذا جثَّهُمُ اللَّيْلُ أَوَوْا إلى مُعَلِّم بالمدينة فيبيتون يدرسون، فإذا أصبحوا فمَنْ كانت عنده قوّةٌ أصاب من الخَطَب واستعذب مِن الماء، ومَنْ كانت عنده سَعَةٌ أصابوا الشَّاة فَأَصْلَحوها، فكان معلّقاً بِحُجَرِ رسولِ الله ◌ِّ. فلما أصيب خُبَيْبِ، بعثهم رسولُ الله ◌َ﴿ فكان فيهم خالي حرام. فأتوا على حيٍّ من بنيٍ سُلَيْم، فقال حرام لأميرهم: دعني، فلأُخْبِر هؤلاء أنَّا ليس إيّاهم نريد فيخلّون وجوهَنَا. فأتاهم فقال ذلك، فاستقبله رجلٌ منهم برُمْح فأنفذَهُ به. قال: فلما وجد حرام مَسَّ الرمح في جَوْفه قال: الله أكبر فزتُ وربِّ الكعبة. قال: فانطووا عليهم فما بقيَ منهم مُخَبِّرٌ. قال: فما رأيتُ رسولَ اللهِ بَّهَ وَجَدَ على شيءٍ وَجْدَه عليهم. فقال أنَس: لقد رأيتُ رسولَ الله ◌ِيَ كلّما صلَّى الغداةَ رفع يديه يدعو عليهم. فلما كان بعد ذلك، إذا أبو طلحةً يقول: هل لك في قاتلٍ حرام؟ قلتُ: ما له، فعلَ اللهُ به وفعلَ. فقال: لا تفعلْ، فقد أسلمَ(٣). وقال أبو أسامة: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان عامر (١) في نسخة (ع): ((سبعين)) وكتب فوقها: ((ثلاثين)). (٢) البخاري ٢٢/٤ و٨٨ و١٣٤/٥-١٣٥، ودلائل النبوة ٣٤٥/٣-٣٤٧. وانظر المسند الجامع حديث (١٢٥٦) و(١٢٥٧). (٣) دلائل النبوة ٣٤٩/٣. ١٥٦ ابن فُهَيْرة غلاماً لعبدالله بن الطُّفَيْل بن سَخْبَرَة، أخي عائشة لأمّها؛ وكانت لأبي بكر مِنْحَةٌ(١)، فكان يَروحُ بها ويغدو، ويصبح فَيَدَّلِجُ إليهما ثم يَسْرَحُ فلا يَفْطُنُ به أحدٌ من الرِّعاء، ثم خرج بهما يُعْقِبانه حتى قدِم المدينة معهما . فقُتِل عامر بن فهيرة يوم بئر مَعُونة، وأُسِر عَمْرو بن أُميَّة. فقال له عامر بن الطَّفَيْلِ: مَن هذا؟ وأشار إلى قتيل. قال: هذا عامر بن فُهَيْرة. فقَال: لقد رأيتُهُ بعدما قُتِل رُفِع إلى السماء حتى إنّي لأنظُرُ إلى السماء بينه وبين الأرض. وذكر الحديث. أخرجه البخاري(٢). قال ابن إسحاق(٣): فقال حسّان بن ثابت يحرّض بني أبي البَراء على عامر بن الطُّفَيْل : وأنتُمْ من ذَوَائبِ أهلِ نَجْدِ بَنْي أمّ اليِنِينَ أَلَمْ يَرُعْكُمْ لِيُخْفِرَهُ، وما خَطَأٌ كَعَمْدٍ تَهَكُمُ عامرٍ بِأبي بَرَاءٍ فما أحدثْتَ في الحَدَثَانِ بعدي ألاَ أَبْلِغْ ربيعَةَ ذا المَسَاعي وخالُك ماجِدٌ حَكَمُ بن سَعْدٍ أبوك أبو الحُرُوب أبو بَرَاءٍ ذِكْرِ الخِلاف في غزوَة بَنِي النَّضير وقد تقدّمت في سنة ثلاث ذهب الزُّهْرِي إلى أنّها كانت قبل أُحُد. وقال غيرُ واحدٍ: كانت بعد أُحُد، وبعد بئر مَعُونة . أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن، قال: أخبرنا الحسن بن عليّ بن الحسين بن البُنّ، قال: أخبرنا جدّي، قال: أخبرنا أبو القاسم المِصِّيصِيُّ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا عليّ بن أبي العَقب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: حدثنا (١) هي الناقة التي يدر منها اللبن. (٢) البخاري ١٣٦/٥، ودلائل النبوة ٣٥٢/٣. (٣) ابن هشام ٢/ ١٨٧ - ١٨٨. ١٥٧ الوليد بن مسلم، عن عبدالله بن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: خرج رسول الله مٍَّ في نفرٍ من أصحابه إلى بني النَّصِير يستعينهم فِي عَقْل(١) الكلابيّين. وكانوا، زعموا، قد دَسُّوا إلى قريش حين نزلوا بأحد لقتال رسول الله بِّ وأصحابه يحضُّونهم على القتال ودلُّوهم على العورة فلما كلمهم رسول الله وَّ في عقل الكلابيين، قالوا: اجلس أبا القاسم، حتى تطعَم وترجع بحاجتك. ثم ساق الحديث كلَّه، وتقدّم ذِكْرُهُ. وقال الواقدي: حدّثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، قال: لما خرجَتْ بنو النَّضِير أقبلِ عَمْرو بن سُعْدَى فأطاف بمنازلهم، فرأى خرابَها وفكّر ثم رجع إلى بني قُرَيْظَة فيجدهم في الكنيسة فينفخ في بُوقهم، فاجتمعوا. فقال الزَّبِير (٢) بِن باطا: يا أبا سعيد أين كنتَ منذ اليوم - وكان لا يفارقُ الكنيسةَ وكان يتألَّهُ في اليهودية - قال: رأيتِ اليومِ عبراً قد عُبِّرنا بها، رأيت منازلَ إخوانِنا خاليةً بعد ذلك العزّ والجَلَد والشَّرَف الفاضل والعقل البارع، قد تركوا أموالهم ومَلَكَها غيرُهم، وخرجوا خروجَ ذُلِّ. ولا والتَّوراةِ ما سُلِّط هذا على قوم قطّ لله بهم حاجة. فقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي عزّهم، بَيَتَهُ فَي بيته آمناً، وأوقع بابن سُنَيْنَة سيّدهم، وأوقع ببني فَيْنُقَاع فأجلاهم وهم جَدُّ يهود، وكانوا أهل عدّةٍ وسلاحٍ ونَجْدة، فحصرهم فلم يُخْرِجْ منهم إنسانٌ رأسَه حتى سباهم، وكُلَّمَ فيهم فتركهم على أنْ أجلاهم من يَثْرِبِ، يا قوم قد رأيتم ما رأيتُ فأطيعوني وتعالوا نتَبع محمداً، فَوَالله إنّكم لَتَعْلَمون أنّه نبيّ، وقد بَشَّرنا به وبأمْرِه ابن الهيبان وابن جواس، وهما أعلمُ يهود، جاءانا من بيتِ المقدس يَتَوَكَّفَان(٣) قدومَه، أمَرَا باتّباعِه، وأمَرَانا أنْ نُقْرِئه منهما السلام، ثم ماتا على دينهما، فأُسْكِتَ القومُ، فأعاد هذا القولَ ونَحَوَه، وتَخَوَّفَهم بالحربِ والسِّباء والجلاء. فقال ابن باطا: قد والتوراةِ قرأت صفَتَه التي أُنزلت على موسى، ليس في المَثَاني التي أحدثْنا. فقال له كعب بن أسد: ما يمنعك يا أبا عبدالرحمن من اتّباعه؟ قال: أنت. (١) أي: الدية . (٢) بفتح الزاي، قيّده السُّهيلي . (٣) أي: ينتظران ويتوقعان. ١٥٨ قال كعب: ولِمْ - والتَّوْراةِ - ماحُلتُ بينكَ وبينه قطْ، قال الزَّبيرُ: أنت صاحب عهدنا وعقْدِنا فإنِ اتّبعْتَهُ اتّبعناه وإنْ أبيتَ أَبَيْنا. فأقبل عَمْرو بن سُعْدَى على كعب فذكر ما تقاولا في ذلك، إلى أنْ قال كعب: ما عندي في أمره إلّ ما قلت، ما تطيبُ نفسي أنْ أصيرَ تَابعاً(١). وقال ابن إسحاق: كانت غزوة بني النّضير في ربيع الأول سنة أربع وحاصرهم النّبِيُّ بِّه ستّ ليالٍ، ونزل تحريم الخمر(٢)، والله أعلم. غزوة بني لِخْيان قال ابن إسحاق(٣): خرج رسول الله ◌َّ﴾ في جُمادَى الأولى، على رأس ستّة أشهرٍ من صُلح بني قُرَيظة إلى بني لِحْيَان يَطْلب بأصحاب الرَّجيع : خُبَيْب وأصحابه، وأظهر أنّه يريد الشامَ ليصيب من القوم غِرَّة. وقال يونس، عن ابن إسحاق(٤)، عن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن حَزْم، وغيره، قالوا: لما أُصيب خُبَيْب وأصحابُه خرج رسول الله مَّ طالباً لدمائهم ليصيب من بني لِحْيان غِرَّةً، فسلك طريقَ الشّام وورَّى على النّاس أنّه لا يريد بني لِحْيان، حتى نزل أرضَهم - وهم من هُذَيْل - فوجدهم قد حذروا فتمنَّعوا في رؤوس الجبال. فقال رسول الله محمّ: لو أنّ هبطنا عُسْفان لرأتْ قُرَيْش أنّا قد جئنا مكةَ. فخرج رسول الله مُ ﴾ في مئتي راكب حتى نزل عُسْفان، ثم بعث فارسين حتى جاءا كُراع الغَمِيم ثم انصرفا إليه. فذكر أبو عيّاش الزُّرقي أنّ رسول الله مِ ◌ّهِ صلّى بِعُسْفان صلاةَ الخوف. وقال بعضُ أهلِ المغازي: إنّ غزوة بني لِحْيان كانت بعد قُرَيْظَة، فالله أعلم. (١) دلائل النبوة ٣٦١/٣-٣٦٢. (٢) ابن هشام ٢/ ١٩١ . (٣) ابن هشام ٢٧٩/٢، ودلائل النبوة ٣٦٤/٣. (٤) ابن هشام ٢٧٩/٢، ودلائل النبوة ٣٦٤/٣-٣٦٥. ١٥٩ (١) غزوة ذاتِ الرِّقاع(١) قال ابن إسحاق(٢): إنّها في جُمادَى الأولى سنة أربع، وهي غزوة خصَفة من بني ثَعْلِبَة من غَطَفَان . وقال محمد بن إسماعيل(٣) رحِمَه الله: كانت بعد خَيْبَر، لأنّ أبا موسى جاء بعد خَيْبر، يعني وشهدَها. قال: وإنّما جاء أبو هريرة فأسلم أيامَ خَيْبر. وقال ابن إسحاق(٤): في هذه الغزوة سار رسول الله مح لول حتى نزل نَخْلاً، فلقي بها جمعاً من غَطّفان، فتقاربِ النّاس ولم يكن بينهم حرب. وقد خاف النّاس بعضهم بعضاً، حتى صلّى رسول الله مَالّ بأصحابه صلاةً الخوف. ثم انصرف بالنّاس. وقال الواقدي(٥): إنّما سُمِّيت ذات الرّقاع لأنه جبلٌ كان فيه بقع حمرة وسواد وبياض، فسُمِّي ذات الرّقاع. قال: وخرج رسول الله بِ لَّ لعشرٍ خَلَوْن من المحرَّم، على رأس سبعةٍ وأربعين شهراً، قدِم صِراراً(٦) لخمسٍ بقين من المحرَّم . وذاتُ الرَّقاع قريبة من التُّخَيْلِ بين السَّعد والشُّقْرَةِ (٧) .. قال الواقدي(٨): فحدّثني الضَّحَّاك بن عثمان، عن عُبَيْد الله بن مِقْسَم، عن جابر، وحدّثني هشام بن سعدٍ، عن زيد بن أسلم، عن جابر، قال: وعن مالك، وغيره، عن وهب بن كَيْسان، عن جابر، قال: قدِم قادمٌ بجَلَبِ (١) في سبب تسميتها في ذلك أقوال منها: أن أقدامهم نقبت فكانوا يلقُّون عليها الخرق، وقيل لأنهم رقعوا راياتهم فيها، وقيل: ذات الرقاع شجرة بذلك الموضع وقيل: جبل، وانظر ابن هشام ٢/ ٢٠٤ . ابن هشام ٢٠٣/٢، ودلائل النبوة ٣٩٦/٣. (٢) البخاري ١٤٤/٥، ودلائل النبوة ٣٦٩/٣. (٣) ابن هشام ٢/ ٢٠٤، ودلائل النبوة ٣٧٠/٣ . (٤) المغازي ٣٩٥/١، ودلائل النبوة ٣٧١/٣. (٥) بئر قديمة على ثلاثة أميال من المدينة تلقاء حرة واقم. (٦) (٧) مواضع بالقرب من المدينة . (٨) المغازي ٣٩٥/١، ودلائل النبوة ٣٧١/٣. ١٦٠