Indexed OCR Text
Pages 61-80
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق: حدّثني خُبَيْب بن عبدالرحمن قال: ضُرِب خُبَيْب بن عَدِيّ يوم بدرٍ فمال شقُّه، فَتَفَلَ عليه رسولُ اللهِ وَهِ، ولأمَه وردّه، فانطبق . أحمد بن الأزهر: حدثنا عبدالرزاق، عن جعفر بن سُليمان، عن أبي عِمْران الجوني، عن أنَس أو غيره قال: شهد عُمَيْر بن وهب الجُمَحِي بَدْراً كافراً، وكان في القتلى. فمرَّ به رجلٌ فوضع سيفه في بطنه، فخرج من ظهره. فلما برد عليه اللّيلِ لحِقٍ بمكة فصَخَّ. فاجتمع هو وصَفْوان بن أُميّة فقال: لولا عيالي ودَيْني لَكُنْتُ الذي أقتل محمداً. فقال صَفْوان: وكيف تقتله؟ قال: أنا رجلٌ جريء الصَّدْر جواد لا أُلْحَقُ، فأضربه وألحق بالجبل فلا أُدْرَك. قال: عيالك في عيالي ودَيْنك عليَّ. فانطلق فشحذ سيفه وسَمَّه، وأتَى المدينة، فرآه عمر فقال للصّحابة: احفظوا أنفسَكم فإنّي أخاف عُمَيْراً إنّه رجلٌ فاتك، ولا أدري ما جاء به. فأطاف المسلمون برسول الله مَلآ، وجاء عُمَيْر، متقلّداً سيفه، إلى النَّبيِّ نَّهِ فقال: أَنْعِمْ صباحاً. قال: ما جاء بك یا عُمَيْر؟ قال: حاجة. قال: فما بال السّیف؟ قال: قد حملناها يوم بدرٍ فما أفلحت ولا أنْجَحَتْ. قال: فما قولك لصَفْوان وأنت في الحِجْر؟ وأخبره بالقصَّة. فقال عُمَير: قد كنتَ تحدّثنا عن خبر السماءَ فُكَذّبك، وأراك تعلم خبرَ الأرض. أشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأنَّك رسولُ الله، بأبي أنت وأُمي، أعطني منك علماً يعلمُ أهلُ مكة أنّي أسلمتُ. فأعطاه، فقال عمر: لقد جاء عُمَير وإِنَّه لأَضَلُّ من خنزير، ثم رجع وهو أحبُّ إليَّ من ولدي(١). وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢)، قال: حدثنا عُكَّاشة الذي قاتل بسيفه يوم بدر حتى انقطع في يده، فأتى رسول الله وَل﴿ فأعطاه جذْلاً من حَطَب، فقال: قاتلْ بهذا. فلما أخذه هزّه فعاد سيفاً في يده، طويل القامة شديد المثْن أبيض الحديدة. فقاتل بها، حتى فتح الله على رسوله، ثم لم يزل عنده يشهدُ به المشاهدَ مع رسول الله بَّرَ، حتى قُتل في قتال أهل الرِّدة وهو عنده، وكان ذلك السيف يسمَّى القوي. (١) ابن هشام ١/ ٦٦١- ٦٦٢. (٢) دلائل النبوة ٩٨/٣ - ٩٩. ٦١ هكذا ذكره ابن إسحاق بلا سندٍ . وقد رواه الواقديّ(١)، قال: حدّثني عمر بن عثمان الجحشيّ، عن أبيه، عن عمَّته، قالت: قال عُكَّاشة بن مِحْصَن: انقطع سيفي يوم بدرٍ، فأعطاني رسول الله وَ ل﴿ عوداً، فإذا هو سيفٌ أبيض طويل. فقاتلتُ به. وقال الواقدي(٢): حدّثني أسامة بن زيد اللَّيْئي، عن داود بن الحُصَيْن، عن جماعةٍ، قالوا: انكسر سيفُ سَلَمَة بن أسلم يوم بدر، فبقي أعْزَلَ لا سلاح معه، فأعطاه رسول الله وَ ل قضيباً كان في يده من عراجين، فقال: اضربْ به. فإذا هو سيفٌ جيّد. فلم يزل عنده حتى قُتل يوم جسر أبي عُبَيْد. ذكر غزوة بدر ((من مغازي موسى بن عقبة فإنها من أصحّ المغازي)) (٣) قد قال إبراهيم بن المنذر الحِزامي: حدّثني مُطَرِّف ومَعْن وغيرهما أنّ مالكاً كان إذا سُئل عن المغازي قال: عليك بمغازي الرجل الصّالح موسى ابن عُقْبة، فإنّه أصحّ المغازي. قال محمد بن فُلَيْحِ، عن موسى بن عُقْبة قال: قال ابن شهاب. (ح) وقال إسماعيل بن أبي أُوَيْس: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُقْبة - وهذا لفظه - عن عمّه موسى بن عُقْبة، قال: مكث رسول الله وَ ل بعد قتل ابن (١) المغازي ٩٣/١، دلائل النبوة ٩٩/٣. (٣) وجدت قطعة منها في المكتبة البروسية وترجمها الأستاذ إدوارد سخاو إلى الألمانية (٢) المغازي ٩٣/١-٩٤، دلائل النبوة ٩٩/٣. سنة ١٩٠٤، وقد وصف الإمام مالك مغازيَ موسى بأنها أصح المغازي (تهذيب الكمال ١١٩/٢٩، والسخاوي: الإعلان ص٥٢٥) وقد سمعها الذهبي بالمزة على شيخه أبي نصر الفارسي (تذكرة ج١ص ١٤٨) وذكر أنها في مجلد صغير (تاريخ الإسلام ج٦ في ترجمة موسى بن عقبة ١٥/ الترجمة ٤٣١) على أن المؤلف لا ينقل من المغازي مباشرة، وإنما ينقل من دلائل النبوة للبيهقي ١٠١/٣ فما بعد. ٦٢ الحَضْرَمِيّ شهرين، ثم أقبل أبو سفيان في عِيرٍ لقُرَيش، ومعه سبعون راكباً من بطونْ قُرَيش؛ منهم: مَخْرَمة بن نَوفَلُ وعَمَّرو بن العاص، وكانوا تُجّاراً بالشام، ومعهم خزائن أهلٍ مِكة، ويقال: كانت عِيرهُم ألف بعير. ولم يكن لقُريش أُوقِيّةٌ فما فوقها إلاَّ بعثوا بها مع أبي سفيان؛ إلاَّ حُوَيَطب بن عبدالعُزَّى، فلذلك تخلّف عن بدرٍ فلم يشهدها. فذكروا لرسول الله وَاليهود وأصحابه، وقد كانت الحرب بينهم قبل ذاك، فبعث عَدِيّ بن أبي الزَّغْباء الأنصاريّ، وبَسْبَسَ بن عَمْرو، إلى العِير، عَيْناً له، فسارا، حتى أتيا حيّاً من جُهَيْنة، قريباً من ساحل البحر، فسألوهم عن العِير، فأخبروهما بخبر القوم. فرجعا إلى رسول الله وَّلّ فأخبراه. فاستنفر المسلمينَ للعِير، في رمضان. وقَدِمِ أبو سُفيان على الجُهَنِيِّين وهو متخوّفٌ من المسلمين، فسألهم فأخبروه خبر الراكبَيْن، فقال أبو سُفيان: خُذُوا من بَعْر بعيريهما. ففتَّه فوجد النَّوَى فقال: هذه علائفُ أهلِ يثرب. فأسرع وبعث رجلاً من بني غِفار يقال له ضَمْضم بن عَمْرو، إلىَ قريش أنِ انفِرُوا فاحْمُوا عِيرَكم من محمدٍ وأصحابه. وكانت عاتكةُ قد رأت قبل قُدُوم ضَمْضم؛ فذكر رؤيا عاتكة، إلى أن قال: فقدِمِ ضَمْضمٌ فصاح: يا آل غالب بن فِهْر انفروا فقد خرج محمدٌ وأهلُ يثرب يعترضون لأبي سفيان. ففزعوا، وأشفقوا من رؤيا عاتكة، ونفروا على كل صَعْبٍ وذَلولٍ، وقال أبو جهل: أيَظُنُّ محمدٌ أنْ يصيبَ مثلَ ما أصاب بنخلة؟ سيعلم أنَمْنَعُ عِيرَنا أم لا؟ فخرجوا بخمسين وتسع مئة مقاتل، وساقوا مئة فرس، ولم يتركوا كارهاً للخروج. فأشخصوا العبّاسَ بن عبدالمُطَّلب، ونَوْفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وأخاه عقيلاً، إلى أن نزلوا الجُحفة. فوضع جُهَيْم بن الصَّلْت بن مَخْرمة المُطَّلبي رأسَه فأغفى، ثم نزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارسَ الذي وقف عليَّ آنفاً. قالوا: لا، إنَّك مجنون. فقال: قد وقف عليَّ فارسٌ فقال: قُتل أبو جَهْل، وعُتْبة، وشَيْبة، وزَمْعة، وأبو البَخْتَرِيّ، وأُمَّة بن خَلَف، فعَدَّ جماعةً. فقالوا: إنَّما لَعِبَ بك الشَّيطانُ. فَرُفع حديثُهُ إلى أبي جهل، فقال: قد جئتمونا بكذِب بني المُطَّلب ٦٣ مع كذِبِ بني هاشم، ستَرَوْن غداً من يُقتل. وخرج رسول الله وَّر في طلب العِير، فسلك على نَقْب(١) بني دينار، ورجع حين رجع من ثنيَّة الوداع، فنفر في ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً، وأبطأ عنه كثير من أصحابه وتربَّصوا. وكانت أوّل وقعةٍ أعزَّ الله فيها الإسلام. فخرج في رمضان ومعه المسلمون على النَّواضح يَعْتَقِب النَّفرُ منهم على البعيرِ الواحد. وكان زميلَ رسولِ اللهِ وَّ﴿ عليُّ بن أبي طالب، ومَرْتَد بن أبي مَرْتَد الغَنَوِيّ حليف حمزة بن عبدالمُطَّلب، ليس مع الثلاثة إلاَّ بعيرٌ واحد. فساروا، حتى إذا كانوا بعِرْق الظُّبْية(٢) لقيهم راكبٌ من قِبَل تِهامة، فسألوه عن أبي سفيان فقال: لا عِلمَ لي به. فقالوا: سلِّمْ على رسول الله بَلقر. قال: وفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم. وأشاروا إليه. فقال له: أنتَ رسولُ الله؟ قال: نعم. قال: إنْ كنتَ رسول الله فحدِّثْني بما في بطن ناقتي هذه. فغضب سلَمة بن سلامة بن وَقْش الأنصاري، فقال: وقعتَ على ناقتك فَحَمَلَتْ منك. فكره رسولُ الله ◌َ ﴿ ما قال سَلَمَةُ فأعرض عنه. ثم سار لا يلقاهُ خبر ولا يعلمُ بنَفْرةٍ قُرَيش، فقال رسولُ الله ◌َّ: أشيروا علينا. فقال أبو بكر: أنا أعلمُ بمسافة الأرض، أخبرنا عدِيّ بن أبي الزَّغْباء: أَنّ العِيرَ كانت بوادي كذا(٣). وقال عمر: يا رسول الله، إنّها قريش وعِزُّها، والله ما ذلَّت منذ عزَّت ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلَنَّك، فتأهَّبْ لذلك. فقال: أشيروا عليَّ. قال المِقْدادُ بن عَمْرو: إنّا لا نقول لك كما قال أصحاب موسى فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاَ إِنَّاهَهُنَا فَعِدُونَ (٥)﴾ [المائدة]، ولكن اذهبْ أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكم مشَّبِعون. فقال: أشيروا عليَّ. (١) أي: طريق. موضع بين مكة والمدينة قرب الروحاء. (٢) (٣) جَوّد البشتكي نقطة الذال، فهو من باب الإشارة إلى الشيء. ٦٤ = فلما رأى سعد بن مُعَاذ كثرةَ استشارته ظَنَّ سعد أَنّه يستنطقُ الأنصارَ شَفَقَاً أنْ لا يستحوذوا معه، أو قال: أنْ لا يستجلبوا معه على ما يريد، فقال: لعلّك يا رسولَ الله تخشى أنْ لا تكون الأنصارُ يريدون مواساتك، ولا يرونها حقّاً عليهم، إلاّ بأنْ يروا عدُوّاً في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإنّي أقولُ عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعنْ حيثُ شئتَ، وصِلْ حبلَ مَن شئت، وخُذ من أموالنا ما شئتَ، وأعطِنا ماشئتَ، وما أخَذْتَه منّا أحبّ إلينا مما تركته علينا، فَوَالله لو سرتَ حتى تبلغَ البِرْك من غِمد ذي يَمَن لَسِرْنا معك . فقال رسول الله وَّ: سِيروا على اسم الله عزّ وجلّ فإنّ قد أُريتُ مَصَارِعَ القوم. فعمد لبدر. وخفض (١) أبو سُفيان فلصق بساحل البحر، وأحرزَ ما معه، فأرسل إلى قريش، فأتاهم الخبرُ بالجُحْفَة. فقال أبو جهل: والله لا نرجعُ حتى نقدم بدراً فنقيم بها. فكره ذلك الأخنسُ بن شريق وأشار بالرَّجْعةِ، فأبوا وعصوه، فرجع ببني زُهْرة فلم يحضر أحدٌ منهم بدراً. وأرادت بنو هاشم الرجوعَ فمنعهم أبو جهل. ونزل رسول الله وَّر على أدنى شيءٍ من بدر، ثم بعث عليّاً والزُّبَيْرَ وجماعةً يكشفون الخبر، فوجدوا واردَ قُرَيش عند القَلِيبِ، فوجدوا غلامَين فأخذوهما فسألوهما عن العِير، فطفقا يُحَدِّثانِهِم عن قُرَيش، فضربوهما. وذكر الحديث، إلى أنْ قال: فقام رسولُ الله ◌َّ فقال: أشيروا عليَّ في المنزل . فقام الحُباب بن المنذر السَّلمي: أنا يا رسول الله عالمٌ بها وبقُلُبِهَا؛ إنْ رأيتَ أنْ تسيرَ إلى قَلِيبٍ منها قد عرفتها كثيرةَ الماء عذْبة، فتنزلَ عليها وتسبق القوم إليها ونُغَوِّر ما سواها. فقال: سِيروا، فإنَّ الله قد وعدكم إحدى الطَّائفتين. فوقع في قلوب ناسٍ كثير الخوف. فتسارع المسلمون والمشركون إلى (١) أي: جمع الإبل وساقها. تاريخ الإسلام ١/م٥ ٦٥ الماء، فأنزل الله تلك الليلة مطراً واحداً؛ فكان على المشركين بلاءً شديداً منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين دِيمةً خفيفةً لَبَّدَ لهم الأرض، فسبقوا إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل، فاقتحم القوم في القَلِيب فماحوها(١) حتى كثر ماؤها، وصنعوا حوضاً عظيماً، ثم غوَُّوا ما سواه من المياه . ويقال: كان مع رسول الله وَّرِ فَرَسان، على أحدهما: مُصْعَب بن عُمَيْر، وعلى الآخر: سَعْدُ بن خَيْثَمَة. ومرّة الزُّبَيْرُ بن العَوّام، والمِقْداد. ثم صَفَّ رسولُ اللهِ وَّرِ عِلِى الحياض، فلما طلع المشركون قال رسول اللهِ الَّ﴿ - فيما زعموا -: ((اللَّهُمَّ هذه قريش قد جاءت بخُيَلائها وفَخْرِها تُحَادُّك وتُكذّب رسولَك)). واستنصر المسلمونَ اللهَ واستغاثُوه، فاستجابَ اللهُ لهم. فنزل المشركون وتَعَبَّأوا للقتال، ومعهم إبليس في صورة سُراقة المُدْلِجِي يحدّثهم أنَّ بني كِنانة وراءه قد أقبلوا لنَصْرِهم. قال: فسعى حكيم بن حِزام إلى عُتْبة بن ربيعة فقال: هل لكَ أن تكونَ سيّدَ قُرَيش ما عشتَ؟ قال: فأفعلُ ماذا؟ قال: تُجِيرُ بين الناس وتحملُ دِيَّةً ابن الحَضْرَمِيِّ، وبما أصاب محمدٌ في تلك العِير، فإنّهم لاَ يطلبون من محمدٍ غير هذا. قال عُتْبة: نعم قد فعلتُ، ونِعمَّا قلتَ، فاسْعَ في عشيرتكَ فأنا أتحمَّلُ بها. فسعى حكيمٌ في أشراف قريشٍ بذلك. وركب عُتْبة جَمَلاً له، فسار عليه في صفوف المشركين فقال: يا قوم أطيعوني ودعوا هذا الرجل؛ فإنْ كان كاذباً وَلِيَ قَتْلَهُ غَيْرُكم من العربِ فإنَّ فيهم رجالاً لكم فيهم قرابةٌ قريبة، وإنَّكم إنْ تقتلوهم لا يزال الرجلُ ينظر إلى قاتلٍ أخيه أو ابنه أو ابن أخيه أو ابن عمّه، فيورث ذلك فيكم إحناً وضغائنَ. وإنْ كان هذا الرجل مَلِكاً كنتم في مُلْك أخيكم. وإن كان نبيّاً لم تقتلوا النّبيَّ فتُسَبُّوا به. ولن تخلصوا إليهم حتى يصيبوا أعدادكم، ولا آمنُ أنْ تكونَ لهم الدبرة عليكم . (١) أي: نزلوا إلى قرار البئر ليملؤوا الدلاء لقلة مائها، وماح أصحابَهُ: استسقى لهم. ٦٦ فحسده أبو جهلٍ على مقالته، وأبى الله إلاّ أنْ ينفذ أمره، وعُتْبة يومئذٍ سيّدُ المشركين. فعمد أبو جهل إلى ابن الحَضْرَميّ - وهو أخو المقتول - فقال: هذا عُتبة يخذِّل بين النَّاس، وقد تَحمَّلَ بدِيةِ أخيكَ، يزعمُ أنَّك قَابِلُهَا، أفلا تستحْيُون من ذلك أنْ تقبلوا الدِّيَة؟ وقال لقريش: إنَّ عُتْبةَ قد علم أنَّكم ظاهرون على هذا الرجلِ ومَنْ معه، وفيهم ابنه وبنو عمّه، وهو يكره صلاحكم. وقال لعُتْبة: انتَفْخ سَحْرُكُ(١). وأمر النّساء أن يُعْوِلْنَ عَمراً، فقمن يَصِحْن: واعَمراه واعَمراه؛ تحريضاً على القتال(٢). وقام رجال فتكشَّفُوا؛ يُعيِّرون بذلك قُرَيشاً، فأخذت قريش مَصَافَّها للقتال. فذكر الحديث إلى أن قال: فأُسر نفرٌ ممّن أوصى بهم رسولُ الله وَل أنْ لا يقتلوهم إلّ أبا البَخْتَرِيّ، فإنَّه أبى أنْ يستأسِرَ، فذكروا له أنَّ رسولَ الله وَ ل﴿ قد أمرهم أن لا يقتلوهَ إن استأسرَ، فأبى. ويزعم ناسٌ أنَّ أبا اليَسَر قتلَ أبا البَخْتَرِيّ، ويأبى عُظْم النَّاس إلّ أنَّ المجذّر هو الذي قتله. بل قتله أبو داود المازني. قال: ووجد ابنُ مسعود أبا جهلٍ مصروعاً، بينه وبين المعركة غير كثير، مُقَنَّعاً في الحديد واضعاً سيفَه عَلَى فخذَيْه ليس به جرح، ولا يستطيع أن يحرِّك منه عُضْواً، وهو مُنْكَبٌّ ينظر إلى الأرض. فلما رآه ابن مسعود أطافَ حوله ليقتله وهو خائفٌ أنْ يثورَ إليه، وأبو جهلِ مُقَنَّع بالحديد، فلما أبصره لا يتحرّك ظنَّ أنّه مثبت جراحاً، فأراد أنْ يضربهُ بسيفهِ، فخشيَ أن لا يغني سيفُه شيئاً، فأتاه من ورائه، فتناول قائمَ سيفه فاستلَّه وهو مَّنْكَبٌّ، فرفع عبدالله سابغةَ البيضةِ عن قفاه فضربه، فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه. فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح، وأبصر في عنقه خدراً(٣)، وفي يديه (١) السَّحْر: الرئة، ويقال للجبان الذي ملأ الخوفُ جوفه: انتفخ سحرك. (٢) قارن سيرة ابن هشام ١/ ٦٢٢ -٦٢٤. جَوّد البشتكي وغيره ضبطها بالخاء المعجمة. (٣) ٦٧ وفي كتفَيه كهيئة آثار السّياط، فأتى النّبيَّ وَّهِ فأخبره، فقال النّبيُّ وَّ: ذلك ضَرْب الملائكة. قال: وأذلَّ الله بوقعة بدر رِقابَ المشركينَ والمنافقين، فلم يبق بالمدينة منافقٌ ولا يهوديّ إلّ وهو خاضع عنقه لوقعة بدر. وكان ذلك يوم الفُرْقان؛ يوم فَرَّق الله بين الشِّرْك والإيمان. وقالت اليهود: تَيَقَّنَا أنَّه النّبيّ الذي نجد نَعْتَه في التوراة، والله لا يرفعُ رايةً بعد اليوم إلّ ظهرتْ. وأقام أهلُ مكّة على قَتْلاهم النَّوْحَ بمكةَ شهراً. ثم رجع النّبِيُّ ◌ََّ إلى المدينة، فدخل من ثَنِيّة الوداع. ونزل القرآن فَعَرَّفهم الله نِعمتَه فيما كرِهوا من خروج رسول الله وَّل إلى بدر، فقال: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيَتِّكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾﴾ [الأنفال]، وثلاث آيات معها . ثم ذكر موسى بن عُقْبة الآيات التي نزلت في سورة الأنفال في هذه الغزوة وآخرها. وقال رجال ممّن أُسِر: يا رسولَ الله، إنَّا كنّا مسلمين، وإنَّما أُخْرِجنا كُرْهاً، فَعَلامَ يؤخذ منّا الفِداء؟ فنزلت: ﴿قُل لِّمَن فِىَ أَبْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرَا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ (٣٠)﴾ [الأنفال]. حذفتُ من هذه القصّة كثيراً ممّا سلف من الأحاديث الصحيحة استغناءً بما تقدّم(١). وقد ذكر هذه القصة - بنحو قول موسى بن عُقْبة - ابنُ لَهِيعة عن أبي الأسود، عن عُرْوة، ولم يذكر أبا داود المازني في قَتْل أبي البَخْتَرِيّ، وزاد يسيراً(٢). (١) كتب على هامش الأصل: ((هذه القصة في مغازي ابن عقبة في اثنتي عشرة ورقة في مسطرة ستة عشر. بخط مؤلفه)). (٢) دلائل النبوة ١١٩/٣ - ١٢٠. ٦٨ وقال هو وابن عُقْبة: إنَّ عدد من قُتِل من المسلمين ستّةٌ من قُرَيْش، وثمانية من الأنصار. وقُتل من المشركين تسعة وأربعون رجلاً، وأُسر تسعة وثلاثون رجلاً (١). كذا قالا. وقال ابن إسحاق: استشهد أربعة من قريش وسبعة من الأنصار. وقُتل من المشركين بضعةٌ وأربعون، وكانت الأسارى أربعة وأربعين أسيراً(٢). وقال الزُّهري عن عُرْوَة: هُزِم المشركون وقُتل منهم زيادة على سبعين، وأُسِر مثل ذلك. ويشهد لهذا القول حديث البراء الذي في البخاري (٣)؛ قال: أصاب النّبيُّ وَّه وأصحابُه من المشركين يوم بدرٍ أربعين ومئة؛ سبعين أسيراً وسبعين قتيلاً، وأصابوا منّا یوم أُحُدٍ سبعين. وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن أُسامة بن زيد، أنَّ النَّبِيَّ وََّ خِلَّف عثمانَ وأسامَة بن زيد على بنته رُقَيَّة أيام بدر. فجاء زيد بن حارثة على العَضْباء، ناقةِ رسول الله وَلَه بالبشارة. قال أسامة: فسمعتُ الهَيْعَةَ، فخرجتُ فإذا أبي قد جاء بالبشارةِ، فَوَالله ما صدَّقْتُ حتى رأينا الأسارى، فضرب رسولُ الله وَّ لعثمانَ بسهمه(٤). وقال عبدان بن عثمان(٥): حدثنا ابن المبارك، قال: أخبرنا عبدالرحمن ابن يزيد بن جابر، عن عبدالرحمن - رجل من أهل صنعاء - قال: أرسل النَّجَاشِيُّ إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فدخلوا عليه وهو في بيت، عليه خُلقان جالسٌ على التراب. قال جعفر: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال. فقال: أُبشِّركم بما يسُؤُّكم؛ إنّه قد جاءني من نحو أرضكم عينٌ لي فأخبرني أنَّ الله قد نصر نبيَّه بََّ وأهلك عدوَّه، وأُسر فلانٌ وفلانٌ، التقوا بِوَادٍ يقال له بَدْر، كثير الأراك، كأنّ أنظرُ إليه، كنت أرعى به لسيّدي - رجل (١) دلائل النبوة ٣/ ١٢٢ - ١٢٣. (٢) دلائل النبوة ١٢٣/٣. البخاري ١٠٠/٥، ودلائل النبوة ١٢٤/٣ . (٣) (٤) دلائل النبوة ١٣٠/٣ - ١٣١. (٥) دلائل النبوة ٣/ ١٣٤. ٦٩ من بني ضَمْرة - إِبلَه. فقال له جعفر: ما بالك جالسٌ على التراب، ليس تحتكَ بساط، وعَلَيك هذه الأخلاقُ(١)؟ قال: إنَّا نجدُ فيما أنزل اللهُ على عيسى عليه السَّلام أنَّ حقّاً على عباد الله أنْ يُحْدِثُوا تواضعاً عندما أحدث لهم من نعمته. فلما أحدث الله لي نَصْرَ نبيّه أحدثتُ له هذا التواضع . ذكر مثلَ هذه الحكاية الواقديُّ في مَغَازِيه بلا سَنَد(٢). فصل في غنائم بدر والأسرى قال خالد الطَّخَان، عن داود، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله وَّول يوم بدر: مَنْ فعل كذا وكذا،َ فله من النَّفْل كذا وكذا. قال: فتقدَّم الفِتْيان، ولِزِم المَشْيَخَةُ الرايات. فلما فتح الله عليهم قالت المشيخة: كنّا رِدْءاً لكم، لو انهزمتم، فِئْتُم إلينا، فلا تذهبوا بالمَغْنَم ونبقى. فأبى الفِتْيان وقالوا: جعله رسول الله وَ له لنا. فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ إلى قوله: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ ﴾﴾ [الأنفال]. اَلْأَنْفَالِ يقول: فكان ذلك خيراً لهم. فكذلك أيضاً: أطيعوني فإنّ أعلمُ بعاقبةِ هذا منكم. أخرجه أبو داود(٣). ثم ساقه من وجهٍ آخر عن داود بإسناده. وقال: فقسمها رسول الله وَل بالسّواء . وقال عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبَيْد الله بن عبدالله، عن ابن عبّاس، أنّ النّبِيَّ وَّ تَنْقَّل سيفَه ذا الفِقار يوم بدر(٤). وقال عمر بن يونس: حدّثني عِكْرِمة بن عمّار، قال: حدثني أبو زميل، أي: الثياب البالية . (١) (٢) المغازي ١٢٠/١-١٢١. أخرجه أبو داود (٢٧٣٧) و (٢٧٣٨) و (٢٧٣٩)، ودلائل النبوة ١٣٥/٣. (٣) (٤) دلائل النبوة ١٣٦/٣. ٧٠ قال: حدثني ابن عبّاس، قال: حدثني عمر قال: لما كان يوم بدر، فذكر القصّة . قال ابن عبّاس: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله وَ ليون: ما ترون في هؤلاء؟ فقال أبو بكر: هم بنو العمّ والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فِدْيةً فتكون لنا قوَّةً على الكُفّار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام. فقال رسول الله وَله: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله يارسول الله لا أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تُمَكِّنَا فنضرب أعناقَهم؛ فَتُمَكِّنْ عليّاً من عقيل فيضرب عُنُقَه، وتُمَكِّني من فُلان؛ نسيب لعمر؛ فأضرب عُنُقَه، فإنَّ هؤلاء أئمّة الكُفْر وصناديدها. فهوى رسول الله بَّه ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلتُ. فلما كان من الغد جئتُ، فإذا رسولُ الله وَ له وأبو بكر يبكيان. قلتُ: يا رسولُ الله أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكيان، فإنْ وجدتُ بكاءً بكيتُ، وإلاّ تباكيتُ لبكائكما. فقال: أبكي لِلَّذِي عَرَض على أصحابك من أخْذِهم الفداء، لقد عُرِض عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشجرةِ - شجرة قريبة من نبيِّ اللهِ وَّهُ - وأنزلَ الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَّهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِى اُلْأَرْضِّ ◌َ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَيِمْتُمْ حَلَلًا طَيِّبًا • [الأنفال]، فأحلَّ اللهُ ٦٩ لهم الغنيمة. أخرجه مسلم(١). وقال جرير، عن الأعمش، عن عَمْرو بن مُرّة، عن أبي عُبَيْدة بن عبدالله، عن أبيه قال: لما كان يومُ بدر قال لهم رسولُ الله ◌َّ: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ فقال عبدالله بن رواحة: أنتَ في وادٍ كثيرِ الحَطَب فأضرم ناراً ثم ألْقِهم فيها. فقال العبّاس: قَطَعَ اللهُ رَحِمَك. فقال عمر: قادتُهم ورؤوسُهم قاتلوكَ وكذَّبوكَ، فاضْرِبْ أعناقهم. فقال أبو بكر: عشيرتُك وقومُك. ثم دخل رسول الله وَيّ لبعض حاجته. فقالت طائفة: القولُ ما قال عمر. فخرج رسولُ اللهَ وَّل فقال: ما تقولون في هؤلاء؟ إنَّ مَثَلَ هؤلاء كمَثَل (١) مسلم ١٥٦/٥، ودلائل النبوة ١٣٧/٣ - ١٣٨. ٧١ إخوةٍ لهم كانوا من قبلهم؛ قال نوح: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ [نوح]، وقال موسى: ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَّ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَىَ (٢٦ دَیَّارًا ﴾ [يونس]، وقال إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِى فَإِنَُّ مِنِّيِّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ قُلُوپھِمْ ٨٨ [إبراهيم]، وقالِ عيسى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (® ١١٨ [المائدة] الآية. وأنتم قوم بكم عَيْلَة، فلا يَنفلتنَّ أحدٌ منهم إلا بفداءٍ أو بضربة عُنق. فقلت: إلاّ سُهَيْل بن بيضاء فإنَّه لا يُقتل، قد سمعته يتكلّم بالإِسلام. فسكت. فما كان يومٌ أخْوَفُ عندي أنْ يُلْقي الله عليَّ حجارةٌ من السماء من يومي ذلك، حتى قال رسول الله وَ له: إلّ سُهَيْل بن بيضاء(١). وقال أبو إسحاق، عن البَرَاء أو غيره، قال: جاء رجلٌ من الأنصار بالعبّاس قد أسره إلى رسولِ اللهِ وَ ﴾، فقال العبّاس: ليس هذا أسرني، فقال رسولُ اللهِوَلّهِ: لقد آزرك الله بمَلَكِ کریم. وقال ابن إسحاق: حدثني مَن سمع عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: كان الذي أسر العبَّاسَ أبو اليَسَر كعب بن عَمْرو السَّلَمِيّ، فقال النّبيُّ ◌َّ: كيف أسرته؟ فقال: لقد أغلق(٢) عليه رجلٌ ما رأيته قَبْلُ ولا بَعْدُ، هيئته كذا وكذا. فقال: لقد أعانكَ عليه مَلَكٌ كريم. وقال للعبّاس: اقْدِ نفسَك وابنَ أخيك عقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث. فأبى وقال: إنّي كنتُ مسلماً وإنّما استكرهوني. قال: الله أعلمُ بشأنك إِنْ يَكُ ما تَدَّعي حقّاً فاللهُ يجزيك بذلك، وأما ظاهرُ أمرك فقد كان علينا، فاقْدٍ نفسَكَ. وكان قد أُخذ معه عشرون أوقية ذَهَباً، فقال: يا رسولَ الله احسبها لي من فدائي. قال: لا، ذاك شيءٌ أعطانا الله منك. وقال عبدالعزيز بن عمران الزُّهري، وهو ضعيف: حدثني محمد بن موسى، عن عمارة بن عمّار بن أبي اليَسَر، عن أبيه، عن جدّه قال: نظرت (١) دلائل النبوة ١٣٨/٣ - ١٣٩. وأخرجه أحمد ٣٨٣/١و٣٨٤، والترمذي (١٧١٤) و(٣٠٨٤)، والحاكم ٢١/٣، وإسناده ضعيف لانقطاعه، فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبدالله. (٢) انظر ((غلق)) في ((أساس البلاغة)) للزمخشري. ٧٢ إلى العبّاسِ يومَ بدر، وهو قائمٌ كأنّه صنمٌ وعيناه تذرفان، فقلتُ: جزاكَ الله من ذي رَحِم شرّاً، تقاتلُ ابنَ أخيكَ مع عدوِّه؟ قال: ما فعل، أَقُتِلَ؟ قلتُ: الله أعزُّ له وأنصَرُ من ذلك. قال: ما تريدُ إليَّ؟ قلت: إسار، فإنَّ رسول الله وَ﴿ نهى عن قَتْلك. قال: ليست بأوّل صِلَتِهِ. فأسَرْتُه. وروى ابن إسحاق، عن رجل، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: فبَعَثَتْ قريش في فِداء أسراهم. وقال العبّاس: إنّي كنت مسلماً. فنزل فيه ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ [الأنفال]، قال العبّاس: فأعطاني الله مكان العشرين أوقيّة عشرين عبداً كلّهم في يده مالٌ يضرب به، مع ما أرجو من المغفرة. وقال أزهرٍ السَّمَّان، عن ابن عَوْن، عن محمد، عن عَبِيدة، عن عليّ، وبعضهم يرسِلَّهُ، قال: قال النّبيُّ بَله في الأسارى يوم بدر: إِنْ شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدّتهم. وكان آخر السبعين ثابت بن قيس، قُتِل يوم اليمامة(١). هذا الحديث داخلٌ في معجزاته وَّة، وإخباره عن حُكْم الله فيمن يُسْتَشْهَد، فكان كما قال . وقال يونس بن بُكَيْرِ، عن ابن إسحاق: حدثني نُبَيْه بن وهب العَبْدَري، قال: لما أقبل رسول الله وَ لّر بالأسارى فرّقهم على المسلمين، وقال: استوصُوا بهم خيراً. قال نُبَيْه: فسمعتُ من يذكر عن أبي عزيز، قال: كنت في الأسارى يوم بدر، فسمعت رسولَ الله وَله يقول: استوصوا بالأسارى خيراً. فإنْ كان لَيُقَدَّمُ إليهم الطّعامُ فما تقع بيد أحدهم كَسْرَةٌ إلّ رمى بها إلى أسيره، ويأكلون التمر. فكنت أستحي فآخذ الكسرةَ فأرمي بها إلى الذي رمى بها إليّ، فيرمي بها إليّ. أبو عزيز هو أخو مُصْعَب بن عُمَيْر، يقال: إنَّه أسلمَ. وقال ابن الكلبي وغيره: إنَّه قُتِل يوم أُحُد كافراً. (١) دلائل النبوة ١٣٩/٣. ٧٣ وعن ابن عبّاس، قال: جعل النّبيُّ رَِّ فداءَ أهلِ الجاهلية يوم بدر أربع مئة . أخرجه أبو داود من حديث شُعْبة، عن أبي العَنْبَس، عن أبي الشَّعْثاء عنه(١) . وقال أسباط، عن إسماعيل السُّدِّي: كان فداء أهل بدر: العبّاس، وعَقِيل ابن أخيه، ونَوْفل، كل رجل أربع مئة دينار(٢). وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدّثني العبّاس بن عبدالله بن مَعْبَد، عن بعض أهله، عن ابن عبّاس أنَّ رسولَ الله وَِّ قال يوم بدر: إنّي قد عرفت أنّ ناساً من بني هاشم وغيرهم قد أُخْرِجوا كرهاً، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً منهم فلا يقتُلْه، ومَنْ لقي أبا البَخْتَري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس فلا يقتله، فإنَّه إنَّما أُخْرِج مستكرهاً. فقال أبو حُذَيْفَة بن عُتْبة: أنقتل آباءنا وإخواننا ونترك العبّاس؟ والله لئن لقيتُه لألحمتّه بالسيف. فبلغت رسولَ الله وَّهِ، فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، أيُضْرَب وجهُ عمّ رسولِ الله بالسَّيف؟ فقال عمر: يا رسول الله ائذنْ لي فأضرب عُنُقَه، فَوَالله لقد نافق . فكان أبو حُذَيْفة بعدُ يقول: والله ما آمنُ من تلك الكلمةِ التي قلتُ، ولا أزالُ منها خائفاً، إلاّ أنْ يكفِّرَها الله عنّي بشهادة. فاستُشهد يوم اليمامة. قال ابن إسحاق: إنَّما نهى رسولُ اللهِوَّرَ عن قتْل أبي البَخْتَرِيّ لأنّه كان أكَفّ القومَ عن رسولِ اللهِوَّرَ وهو بمكة(٣). وكان العبّاس أكثر الأسرى فداءً لكونه مُوسرًا، فافتدى نفسه بمئة أوقية ذهب . وقال ابن شهاب: حدّثني أنَس أنَّ رجالاً من الأنصار استأذنوا رسولَ الله (١) أبو داود (٢٦٩١)، ودلائل النبوة ٣/ ١٤٠. (٢) دلائل النبوة ٣/ ١٤٠. (٣) ابن هشام ٦٢٨/١-٦٢٩، دلائل النبوة ١٤٠/٣ - ١٤١. ٧٤ وَلِّ فقالوا: ائذَنْ لنا فلنتركْ لابن أختنا فِداءَه. فقال: لا والله لا تَذَرُنَّ دِرْهماً. أخرجه البخاري(١) . وقال إسرائيل، عن سِماك، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قالوا: يا رسول الله، بعدما فرغ من بدر، عليك بالعِير ليس دونها شيء. فقال العبّاس وهو في وِثاقه: لا يصلُح. قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّ الله وَعَدَكَ إحدى الطائفتين، وقد أعطاكَ ما وعدك. وقد ذُكر إرسال زينب بنت رسول الله ◌َّيه بقلادتها في فداء أبي العاص زوجها رضي الله عنهما. وقال سعيد بن أبي مريم: حدثنا يحيى بن أيّوب، قال: حدثنا ابن الهاد، قال: حدثني عمر بن عبدالله بن عُرْوة بن الزُّبَيْر، عن عُرْوَة، عن عائشة: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ لما قدِم المدينةَ خرجت ابنته زينب من مكة مع كِنانة - أو ابن كِنانة - فخرجوا في أثرها. فأدركها هَبَّار بن الأسود، فلم يزل يطعنُ بعيرها برمحه حتى صَرَعها، وألقتْ ما في بطنها وأهريقت دماً. فتحمَّلت. فاشتجر فيها بنو هاشم وبنو أُميَّة. فقالت بنو أُميَّة: نحنُ أحقُّ بها. وكانت تحت أبي العاص، فكانت عند هند بنت عُتْبة بن ربيعة، وكانت تقول لها هند: هذا من سببٍ أبيك. قالت: فقال رسولُ الله وَل * لزيد بن حارثة: ألا تنطلق فتأتي بزينب! فقال: بلى يا رسولَ الله. قال: فخذ خاتمي فأعطها إياه. فانطلق زيد، فلم يزل يتلطّف حتى لقيَ راعياً فقال: لِمَنْ تَرعى؟ قال: لأبي العاص. قال: فلمن هذه الغنم؟ قال: لزينب بنت محمد. فسار معه شيئاً ثم قال له: هل لكَ أنْ أعطيكَ شيئاً تُعْطيها إيّاهُ، ولا تذكره لأحدٍ؟ قال: نعم. فأعطاه الخاتم. وانطلق الراعي حتى دخل فأدخل غنمه وأعطاها الخاتمَ، فعرفته، فقالت: مَنْ أعطاك هذا؟ قال: رجل. قالت: فأين تركته؟ قال: بمكانٍ كذا وكذا. فسكتت، حتى إذا كان الليل خرجَتْ إليه، فقال لها: اركبي بين يديّ على بعيره. فقالت: لا، ولكن اركب أنت بين يديّ. وركبت وراءه حتى أتت المدينةَ. (١) البخاري ٤ /٨٤، دلائل النبوة ١٤٢/٣. ٧٥ فكان رسول الله ◌َّ يقول: هي أفضلُ بناتي، أصيبت فيَّ. قال: فبلغ ذلك عليَّ بن الحسين، فانطلق إلى عُرْوة فقال: ما حديثٌ بلغني عنك أنَّك تحدّثه تتنقَّص به فاطمة؟ فقال عُرْوَة: والله ما أحبُّ أنَّ لي ما بين المشرقِ والمغربِ وأنّي أتنقَّصُ فاطمةَ حقّاً هو لها، وأما بعد فَلَكَ أَنْ لا أُحدِّثه أبداً(١). أسماء من شهد بدراً جمعها الحافظ ضياء الدين محمد بن عبدالواحد في جزء كبير (٢). فذكر من أُجمع عليه ومن اختُلِف فيه من البدريّين، ورتّبهم على حروف المعجم. فبلغ عددهم ثلاث مئةٍ وبضعة وثلاثين رجلاً. وإنَّما وقعت هذه الزيادة في عددهم من جهة الاختلاف في بعضهم. وقد جاء في فضلهم حديث سعد بن عُبَيْدة، عن أبي عبدالرحمن السُّلَمي، عن عليّ، قال: بعثني رسول الله وََّ وأبا مَرْتَد الغَنَوِي، والزُّبَير، والمقداد، وكلّنا فارس، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، وهو موضع بين مكة والمدينة. فذكر الحديث، ومكاتبةً حاطب بن أبي بَلْتَعَة قريشاً. فقال عمر: دعني أضرب عُنُقَه فقد خان الله ورسولَه. فقال: أليس هو من أهل بدر؟ وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنّة. أو قد غفرتُ لكم. فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. مُتَّفقٌ عليه(٣). وقال الليث، عن أبي الزُبير، عن جابر، أنَّ عبداً لحاطب بن أبي بَلْتَعَة جاء يشكوه فقال: يا رسول الله ليدخلنّ حاطبٌ النّارَ. فقال: كذبتَ لا يدخلها فإنه شهد بدراً والحُدَيْبِيَةِ. أخرجه مسلم (٤). (١) دلائل النبوة ١٥٦/٣ - ١٥٧. (٢) هو المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣هـ. (٣) البخاري ٩٢/٤ و٩٩/٥ و٧١/٨، ومسلم ١٦٨/٧، ودلائل النبوة ١٥٢/٣ - ١٥٣. (٤) مسلم ١٦٩/٧، ودلائل النبوة ١٥٣/٣. ٧٦ وقال يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن مُعَاذ بن رفاعة بن رافع الزُّرَقي - وكان أبوه بَدْرِيّاً - أنَّه كان يقول لابنه: ما أُحبُّ أنّي شهدت بدراً ولم أشهد العَقَبَة. قال: سألَ جبريلُ النبيَّ وَّهِ: كيف أهلُ بدرٍ فيكم؟ قال: خيارُنا. قال: وكذلك مَن شهد بدراً من الملائكة هم خيار الملائكة. أخرجه (١) البخاري(١) . ذكر طائفة من أعيان البدريّین أبو بكر، وعمر، وعليّ، واحْتُبُسَ عنها عثمان يُمَرِّض زوجته رُقَيَّة بنت النّبِيّ ◌َرَ فَتُؤُفِّيَت في العَشْر الأخير من رمضان يوم قدوم المسلمين المدينة من بدر، وضرب له النَّبيُّ وَّل بسهمه وأجره. ومن البدريّين: سعد بن أبي وقّاص. وأمّا سعيد بن زيد، وطلحة بن عُبَيْد الله، فكانا بالشام، فقدما بعد بدر وأسهم لهما النّبيُّ وَلا . . الزُّبَير بِن العوّام، أبو عُبَيْدة بنِ الجرّاح، عبدالرحمن بنِ عَوْف، حمزة ابن عبدالمُطَّلب، زيد بن حارثة، عُبيدة بن الحارث بن المُطَّلب، وأخواه: الطُفَيْلِ، والخُصَيْن، وابن عَمّه: مِسْطح بن أُثَاثة بن عبّاد بن المُطَّلب، وأربعتهم لم يُعقبوا، مُصْعَب بن عُمَيْرِ العَبْدَرِي، المِقْداد بن الأسود، عبد الله ابن مسعود، صُهَيْب بن سِنان، أبو سَلَمَةَ بنَ عبدالأسد، عمّار بن ياسر، زيد ابن الخطّاب أخو عمر. ومن أعيان الأنصار، من الأوْس: سعد بن مُعَاذ. ومن بني عبدالأشهل: عبّاد بن بِشْر، محمد بن مسلمة، أبو الهيثم ابن التَّيْهان . ومن بني ظفر: قَتَادة بن الثُّعمان. ومن بني عَمْرو بنِ عَوْق: مبشِّر بن عبدالمنذر، وأخوه: رِفاعة. ولم يحضرها أخوهما أبو لُبَابة، لأَنَّ النّبيَّ وَّل ردّه فاستعمله على المدينة، وضرب له بسهمه وأجره. (١) البخاري ١٠٣/٥، ودلائل النبوة ١٥١/٣. ٧٧ ومن بني النَّجَّار: أبو أيوب خالد بن زيد، عَوْف(١)، ومُعَوَّذ، ومُعاذ، بنو الحارث بن رِفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غَنْم بن عَوْف، وهم بنو عفراء، أُبُيُّ ابن كعب، أبو طلحة زيد بن سهل، بلال مولى أبي بكر، عُبَادة بن الصّامت، مُعَاذ بن جبل الخَزْرَجي، عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، عِتْبان ابنِ مالك الخزرجي، عُكاشة بن مِحْصَن، كعب بن عَمْرو أبو اليَسَر السَّلَمي، مُعَاذ بن عَمْرو بن الجَمُوحِ. حَشَرَنَا الله في زُمْرتهم. وقد ذكرنا من استُشهد منهم . وقُتِل من المشركين : حنظلة بن أبي سفيان بن حرب، وعُبيد بن سعيد بن العاص، وأخوه: العاص، وعُتبة، وشَيْبة، ابنا ربيعة، وولد عُتبة: الوليد، وعُقْبة ابن أبي مُعَيْطِ، قُتِل صَبْراً، والحارث بن عامر النَّوْفَلي، وابن عمّه طُعَيْمَة بن عِدِيّ، وزَمعة بن الأسود، وابنه: الحارث، وأخوه: عقيل، وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام ابن الحارث بن أسد - واسمه العاص - ونوفل بن خُوَيْلد أخو خديجة، والنَّضْر بن الحارث، قُتِل صَبْراً بعد يومين، وعُمَيْر بن عثمان التَّيمي عمّ طلحة بن عُبَيدالله، وأبو جهل، وأخوه: العاص بن هشام، ومسعود بن أبي أُميّة المخزومي أخو أمّ سَلَمَة، وأبو قيس أخو خالد بن الوليد، والسَّائب بن أبي السائب المخزومي، وقيل لم يُقْتَل، بل أسلم بعد ذلك، وقيس بن الفاكه بن المغيرة، ومنبّه ونُبَيْه: ابنا الحَجّاج بن عامر السَّهمي، وولدا مُنبِّه: الحارث(٢)، والعاص، وأُميّة بن خَلَف الجُمَحي، وابنه: عليّ. وذكر ابن إسحاق(٣) وغيرُه سائرَ المقتولين، وكذا سمَّى الذين أُسروا. تركتُهُم خوفاً من التطويل . وفي رمضان: فرض الله صومَ رمضان، ونسخ فرضية يوم عاشوراء. وفي آخره: فُرِضت الفِطْرة. وهم الناسخ فأضاف ((بن)) بين عوف ومعوذ. (١) لم يذكر ابن إسحاق الحارث بن منبه ضمن القتلى من بني سهم (١/ ٧١٢-٧١٣). (٢) (٣) ابن هشام ٧٠٨/١-٧١٥. ٧٨ وفي شوّال: دخل النّبيُّ مَّل بعائشة، وهي بنت تسع سنين. وفي صفر: تُوُفِّي أبو جُبَيْرِ المُطْعم بن عَدِيّ بن نَوْفَل ـ ونوفل هو أخو هاشم بن عبدمَناف بن قُصَيّ - تُوُفّي مشرِكاً عن سنٍّ عالية، وكان من عقلاء قُريش وأشرافهم. وهو الذي قال رسولَ الله وٍَّ: لو كان المُطْعم ابن عَدِيّ حيّاً وكلّمني في هؤلاء النَّتْنَى لأجبتُهُ. وكانت له عند النّبيّ ◌َّ يد، لأنّه قام في نقض الصحيفة. وفيها: تُوُفِّي أبو السّائب عثمان بن مظعون رضي الله عنه ابن حبيب بن وهب بن حُذَافة بن جُمَح الجُمَحِي، بعد بدر بيسير. وقد شهدها هو وأخواه: قُدامة، وعبدالله. وعثمان هذا أحد السابقين، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة الهجرةَ الأولى، ولما قدم أجاره الوليد بن المغيرة أياماً. ثم ردّ على الوليد جواره. وكان صوَّاماً قوّاماً قانتاً لله . وفيها: تُوُقِّي أبو سَلَمَةَ (ت ق)(١) عبد الله بن عبدالأسد بن هلال بن عبدالله بن عمر بن مخزوم رضي الله عنه، مَرْجِعَ رسول الله ◌َّل من بدر. وهو ابن عمَّ النّبيّ وََّ وأخوه من الرضاعة، وأمَّه بَرَّةُ بنت عبد المُطَّلب. من السابقين الأوّلين، شهد بدراً، وتزوَّجت أمّ سَلَمَة بعده بالنّبِيّ وَّ، وروت عنه القول عند المصيبة، وقيل: تُوُفِّي سنة ثلاثٍ بعد أُحُدٍ أو قبلها. وفيها: وُلد عبدالله بن الزُّبَيْرِ، بالمدينة، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومروان ابن الحَكم بمكة. (١) يعني: أخرج حديثه الترمذي وابن ماجة. ٧٩ قصَّة النَّجاشي من السّيرة(١) ثم إنَّ قُريشاً قالوا: إنَّ ثأرَنا بأرض الحبشة، فانتُدُب إليها عَمْرو بن العاص، وابن أبي ربيعة . قال الزُّهْري: بلغني أنَّ مخرجَهما كان بعد وقعة بدر . فلما بلغ النّبِيَّ ◌َّهَ مخرجهُما، بعث عَمْرو بن أُميَّة الضَّمري بكتابه إلى النَّجَاشِيّ. وَقال سعيد بن المُسيِّب وغيره: فبعث الكفّار مع عَمْرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة للنَّجاشي، ولعُظماء الحبشة هدايا. فلما قدِما على النجاشي قبل الهدايا، وأجلس عَمْرو بن العاص على سريره. فكلّم النّجاشيّ فقال: إنّ بأرضكم رجالاً منّا ليسوا على دينك ولا على ديننا، فادفعهم إلينا. فقال عُظماء الحبشة للنجاشيِّ: صدق، فادفعهم إليه. فقال: حتى أکلّمهم. قال الزُّهْرِي، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، عن أمّ سَلَمَة، قالت: نزلنا الحبشةَ، فجاوَرنا بها خيرَ جارٍ، النّجَاشيّ، أمِنَّا على ديننا وعَبَدْنا الله عَزَّ وجلَّ، لا نؤذَى ولا نسمع شيئاً نكرهُه. فلما بلغ ذلك قريشاً ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النّجاشيّ مع رجلين بما يُسْتَطْرَف من مكة. وكان من أعجب ما يأتيه منها: الأدم. فجمعوا له أدماً كثيراً، ولم يتركوا بطْرِيقاً عنده إلاّ أَهْدوا له. وبعثوا عبدَالله بنَ أبي ربيعة، وعَمْرو بنَ العاص وقالوا: ادفعا إلى كل بَطْرِيقٍ هديَّتَه قبل أنْ تُكَلِّمَا النَّجاشِيَّ. فقدِما، وقالا لكل بطْريقٍ: إنّه قد ضوى(٢) إلى بلد الملك منّا غِلْمان سُفَهاء، خالفوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في دينكم. وقد بَعَثَنَا أشرافُنا إلى الملك ليردَّهم، فإذا كلّمناه فأشيروا عليه أن يسلّمهم إلينا. فقالوا: نعم. (١) ابن هشام ٣٣٢/١-٣٤١. (٢) أي: لجأ وأوى. ٨٠