Indexed OCR Text

Pages 1-20

تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام
◌ِؤَخِ الإِسْلام ◌َّْرُ الّذِين أَبِ عَبِّدِ الله مَبْ أَخْشَدِ بْعُثَانِ الذّهَبِىّ
المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ
المَجَلّد الأوّل
المغازي والترجمة النبوية
حَقَّقِه، وَضَبَطَ نَّهِ، وَعَلَّقْعَلَّهِ
الدكتور بشار عواد معروف

تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام
لَِيخِ الإِسْلام ◌َّْرُ الدّينِ أَبِ عَبِّدِالهمَبنَأَخْتَدُبْ عُثَازُ الذَّهَبَيْ
المتوفى ٧٤٨ هـ - ١٣٧٤هـ
المجَلد الأول
المغازي والترجمة النبوية
حَقِّقه، وَضَطَ نَصَّهِ، وَعَلَّقْعَلَّه
الدكتور بشار عواد معروف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمـ
الحمد لله الباقي بعد فناء خَلْقِه، الكافي من تَوَكَّل عليه، القيّوم الذي
ملكوتُ كُلِّ شيءٍ بيديه، حمداً كثيراً طيّباً مُبَارَكاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه
وعظيم سُلطانه. وأشهد أن لا إله إلّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً
عبده ورسوله، أرسله رحمةً للعالمين، وخاتماً للنّبيّين، وحِرْزاً للأميين وإماماً
للمثَّقين، بِأوضح دليلٍ، وأفصح تنزيلٍ، وأفسح سبيل، وأفسر تبيان، وأبهر
برهان. اللَّهُمَّ آته الوسيلةَ، وابْعَثْه مقاماً محموداً، يغبطه به الأوَّلون والآخرون.
وصَلِّ عليه وعلى آله الطيبين، وصَحابته المجاهدين، وأزواجه أُمَّهات
المؤمنین.
أما بعد: فهذا كتابٌ نافع إن شاء الله - ونعوذ بالله من علمٍ لا ينفع ومن
دعاءٍ لا يُسمع - جمعْتُه وتعبتُ عليه، واستخرجتُه من عدّة تصانيف. يعرف به
الإنسانُ مُهِمَّ ما مضى من التاريخ؛ من أولِ تاريخ الإسلام إلى عصرنا هذا؛ من
وَفَيات الكِبارِ من الخلفاء، والقُراء والزُّهّاد والفقهاء، والمحدِّثين والعلماء،
والسَّلاطين وَالوزراء، والُّحاة والشعراء. ومعرفة طبقاتهم وأوقاتهم وشيوخهم
وبعض أخبارهم، بأخصرِ عبارةٍ وألخص لفظ. وما تمّ من الفتوحات المشهورة
والملاحم المذكورة، والعجائب المسطورة، من غير تطويل ولا إكثار ولا
استيعاب. ولكن أذكر المشهورين ومَنْ يُشْبِهِهم، وأترك المجهولين ومَنِ
يشبههم. وأشيرٍ إلى الوقائع الكبار؛ إذ لو استوعبت التراجِمَ والوقائع لَبَلَغَ
الكتاب مئة مجلّدة بل أكثر؛ لأنّ فيه مئة نفس يمكنني أن أذكر أحوالهم في
خمسين مجدداً.
وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مُصنَّفات كثيرة، ومادّته من :
((دلائل التُّبُوَّة)) للبيهقي(١).
و ((سيرة النّبِيِّ وَّ)) لابن إسحاق(٢).
(١) أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، وكتابه ((دلائل النبوة)) طبع غير مرة،
منها طبعة ببيروت سنة ١٤٠٥ هـ في سبع مجلدات، وقد أفاد منه المصنف في السيرة
فائدة عظمى، وعليه أکثر معوله.
(٢) لم تصل إلينا سيرة ابن إسحاق، سوى قطعة صغيرة نشرها الدكتور حميد الله =

و(«مغازيه)) لابن عائذ الكاتب(١).
و ((الطبقات الكبرى)) لمحمد بن سعد كاتب الواقدي(٢).
و((تاريخ)) أبي عبدالله البخاري(٣).
وبعض («تاريخ أبي بكر أحمد بن أبي خَيْئَمة)» (٤).
وبعض تاريخ يعقوب الفَسَوي(٥) .
وتاريخ محمد بن المثنَّى العَنَزِيّ؛ وهو صغير (٦).
وتاريخ أبي حفص الفلاس(٧).
وتاريخ أبي بكر بن أبي شَيْبَةِ(٨).
وتاريخ الواقدي(٩).
وتاريخ الهَيْثم بن عَدِيّ(١٠).
الحيدرآبادي. ووصل إلينا تهذيب ابن هشام. وقد استعمل الذهبي روايتي البكائي ويونس
=
بن بکیر .
(٢)
طبعت في أوربا طبعة ناقصة، ثم طبعت في القاهرة وبيروت على هذه الطبعة وبقي
النقص. ثم استدرك بعض هذا النقص؛ فحقق السيد زياد محمد منصور القسم المتمم
لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم، وطبع (ط ٢ سنة ١٩٨٧). وحقق الدكتور محمد بن
صامل السلمي طبقة صغار الصحابة، وهم الطبقة الخامسة، ونشر منه مجلدين سنة
١٩٩٣ م.
(٣) لا شك أنه يشير إلى تاريخه الكبير الذي حققه العلامة عبدالرحمن المعلمي اليماني،
ونشرته دائرة المعارف بحيدرباد الدكن بالهند في السنوات ١٣٥٨ - ١٣٦٢ هـ.
وصلت إلينا قطعة من المجلد الثالث منه، وهي في جامع القرويين بفاس، ولم يطبع إلى
(٥)
حقق صديقنا الدكتور أكرم العمري الموجود منه، ونشرته وزارة الأوقاف العراقية في ثلاثة
مجلدات سنة ١٩٧٤ - ١٩٧٥ م، ثم أعيد نشره ببيروت، وكلام المصنف يشير إلى أن
بعضه قد فقد منذ عصر الذهبي.
(٦)
لم يصل إلينا .
لم يصل إلينا.
(٧)
(٨)
نشر كتاب ((التاريخ)) لابن أبي شيبة ضمن كتابه ((المصنف)) وهو فيه ضمن ج ١٢ ص
٥٤٧- ٥٨٠ و ج ١٣ ص ٥ - ٩٤.
توفي محمد بن عمر الواقدي سنة ٢٠٧ هـ، ولعله يشير إلى كتابه ((المغازي)) الذي نشره
(٩)
المستشرق مارسدن جونس. ثم أعيد نشره بالأوفست غير مرة في بيروت وطهران، على
أن له ((التاريخ الكبير)) و((الطبقات)) الذي أفاد منه تلميذه ابن سعد، ولم يصلا إلينا.
(١٠) لم يصل إلينا.
٦
لم يصل إلينا.
(١)
(٤)
اليوم.

وتاريخ خليفة بن خيّاط، والطبقات له (١).
وتاريخ أبي زُرْعَة الدمشقي(٢).
والفُتُوح لسيف بن عمر(٣).
وكتاب النَّسَب للزُّبير بن بكار (٤).
و(المُسْنَد)) للإمام أحمد(٥).
وتاريخ المفضّل بن غسّان الغَلاَبي(٦).
والجرح والتعديل عن يحيى بن مَعِين (٧).
والجرح والتعديل لعبدالرحمن بن أبي حاتم (٨).
ومَن عليه رَمْزٌ فهو في الكتب السّة أو بعضها، لأنّني طالعتُ مُسَوَّدَةَ
((تهذيب الكمال)) لشيخنا الحافظ أبي الحَجّاج يوسف المِزّي، ثم طالعتُ
المُبَيَّضَةَ كلَّها(٩). فَمَن على اسمه (ع) فحديثه في الكتب السّة، ومَن عليه (٤)
فهو في السُّنَن الأربعة، ومَن عليه (خ) فهو في البُخاري، ومَن عليه (م) ففي
(١) حققهما صديقنا العمري ونشرا ببغداد.
(٢) حققه السيد شكر الله بن نعمة الله القوجاني بإشراف عمي العلامة الدكتور ناجي معروف
رحمه الله تعالى سنة ١٩٧٣ م، وطبعه مجمع اللغة العربية بدمشق .
(٣)
لم يصل إلينا. ونشر الدكتور قاسم السامرائي كتابه عن الردة والجمل.
وهو ((جمهرة نسب قريش وأخبارها)) هو كتاب فخم جدًا، وصلت إلينا قطعة منه، ونشر
(٤)
العلامة محمود شاكر رحمه الله مجلدًا منه سنة ١٣٨١ هـ.
(٥) طبع أول مرة في المطبعة الميمنية بالقاهرة سنة ١٨٩٦ م في ستة مجلدات، ثم أعيد طبعه
على هذه الطبعة في أماكن متعددة إلى أن حققه مجموعة من المحققين بإشراف صديقنا
علامة الديار الشامية الشيخ شعيب الأرنؤوط وصدر ببيروت في خمسين مجلدًا
١٩٩٣ - ٢٠٠١ م.
(٦) لم يصل إلينا.
(٧) لعله يشير إلى رواية عباس الدوري عن يحيى بن معين، وقد نشرها الدكتور محمد نور
سيف. وقد طبعت من روايات يحيى بن معين: سؤالات ابن طهمان، وابن محرز،
والدارمي.
(٨) حققه العلامة عبدالرحمن المعلمي اليماني، ونشر في الهند في تسعة مجلدات في
السنوات ١٩٥٢ - ١٩٥٦ م. ثم طبعت عن هذه الطبعة طبعات.
(٩) حققته وعلقت عليه، وطبعته مؤسسة الرسالة في بيروت في خمسة وثلاثين مجلدًا
(١٩٨٠- ١٩٩٢م) وطبع حتى الآن ست طبعات. كما طبع طبعة معتصرة في ثمانية
مجلدات كبار من ذوات العمودين (بيروت ١٩٩٧ م). وقد سرق طبعتنا أحد (الدكاترة)
السوريين المشهورين بسرقة جهود الآخرين .
٧

مسلم، ومَن عليه (د) ففي سُنَن أبي داود، ومَن عليه (ت) ففي جامع
التِّرْمِذِيّ، ومَن عليه (ن) ففي سُنَن النَّسَائِيّ، ومَن عِليه (ق) ففي سُنَن ابن
ماجة. وإنْ كان الرجل في الكُتُب إلاّ فَرْدَ كتابٍ فعلَيه (سوى ت) مثلاً، أو
(سوی د).
وقد طالعتُ أيضاً عليه من التواريخ التي اختصرْتُها(١):
تاريخ أبي عبدالله الحاكم(٢).
وتاريخ أبي سعيد بن يونس(٣).
وتاريخ أبي بكر الخطيب(٤).
وتاريخ دمشق لأبي القاسم الحافظ(٥).
وتاريخ(٦) أبي سعد ابن السَّمْعانيّ، (والأنساب))(٧) له.
وتاريخ القاضي شمس الدين ابن خَلِّكان(٨).
(١) انظر تفاصيل ذلك في كتابنا: الذهبي ومنهجه ٢١٥ فما بعد ففيه تفصيل.
(٢) أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيِّع المتوفى سنة
٤٠٥ هـ. وقد فقد كتابه، ولم يصل إلينا مختصر الذهبي. ولكن بقي مختصر تاريخ
الحاكم للخليفة النيسابوري، نشره بهمن كريمي في طهران سنة ١٣٣٩ هـ شمسي.
(٣) لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧ هـ تاريخان، أحدهما خاص بالمصريين، والآخر خاص
بالغرباء الذين دخلوا مصر، ولم يصلا إلينا، لكن جمع نصوصه الدكتور عبدالفتاح
فتحي عبدالفتاح، ونشره في مجلدين ببيروت ٢٠٠٠ م وهو عمل جيد ومستوعب.
(٤) هو ((تاريخ مدينة السلام))، طبع في القاهرة سنة ١٩٣١ م طبعة سقيمة، وطبع عن هذه
الطبعة طبعات متعددة. ثم يسر الله لنا فجمعنا مخطوطاته من المدينة المنورة،
والقاهرة، وتونس، والجزائر، وباريس، ولندن، وأدنبرة، وإستانبول وحققناه، فظهر
عن دار الغرب ببيروت في سبعة عشر مجلدًا (٢٠٠١ م). أما مختصر الذهبي فلم
يصل إلينا .
(٥) طبع مجمع اللغة العربية بدمشق منه عدة مجلدات محققة تحقيقًا علميًا، ثم طبع في
بيروت بأخرة في سبعين مجلدًا طبعة تجارية.
(٦) المقصود به: ((ذيل تاريخ مدينة السلام))، ولم يصل إلينا، ولا وصل مختصر الذهبي،
ووصلت قطعة من مختصر ابن منظور، كما بيناه مفصلاً في مقدمتنا لتاريخ الخطيب.
(٧) بدأ بتحقيقه العلامة عبدالرحمن المعلمي منذ سنة ١٩٦٢ م واصدر منه ستة مجلدات
إلى سنة ١٩٦٦ م ثم إكمل في بيروت. وطبع بعد ذلك طبعات تجارية.
(٨) هو ((وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان)) طبع غير مرة، وأفضل طبعاته هي التي حققها
صديقنا العلامة إحسان عباس، متعنا الله بعمره.
٨

وتاريخ العلامة شهاب الدين أبي شامة (١).
وتاريخ الشيخ قُطْب الدّين ابن اليُونيني؛ وتاريخه على تاريخ (٢) ((مِرآةٍ
الزّمان)) للواعظ شمس الدين يوسف ابن الجوزي(٣)؛ وهما على الحوادث
والسِّنین.
وطالعت أيضاً كثيراً من :
تاريخ الطَّبري(٤).
وتاريخ ابن الأثير(٥).
وتاريخ ابن الفَرَضيّ(٦).
وصِلته لابن بَشْكُوَال(٧) .
وتكملتها للأبّار (٨).
والكامل لابن عدِيّ (٩).
وكُتُباً كثيرة وأجزاء عديدة، وكثيراً من ((مِرآة الزمان))(١٠).
(١) أظنه يقصد ((الروضتين في أخبار الدولتين)) وذيله، وكلاهما مطبوع منتشر مشهور.
(٢) أي: ذيل على تاريخ مرآة الزمان. وطبعت منه أربعة مجلدات إلى سنة ٦٨٦ هـ.
(٣) هكذا تجَّوز المصنف فنسبه إلى جده لأمه أبي الفرج ابن الجوزي، والمعروف ((سبط
ابن الجوزي))، ولكن المصنف ذكر ذلك غير مرة، فظهر أن هذا من أسلوبه رحمه
الله .
(٤) هو ((تاريخ الأمم والملوك)) طبع في أوربا ثم طبع بمصر على طبعة أوربا غير مرة،
آخرها طبعة أبي الفضل إبراهيم.
(٥) هو المعروف بالكامل في التاريخ، طبع في أوربا ثم أعيد طبعه في البلاد العربية على
هذه الطبعة، ولعل من أفضلها طبعة دار صادر.
(٦) هو كتاب ((تاريخ علماء الأندلس)) طبع في أوربا أيضًا ثم طبع على هذه الطبعة في
البلاد العربية غير مرة.
طبع في أوربا أيضًا، وأعيد طبعه في مصر وغيرها، وهو محتاج إلى تحقيق وضبط.
(٧)
(٨) هو ((التكملة لكتاب الصلة)) طبع في أوربا، ثم طبع غير مرة، وبقي منه المجلد الثالث
إلى أن طبعة الدكتور الهراس، لكن طبعته تحتاج إلى تحقيق وتدقيق ومزيد عناية
وضبط .
(٩) طبع في بيروت طبعات رديئة جدًا، وعندي منه نسخ خطية متقنة .
(١٠) لا شك أن الموارد التي اعتمدها المصنف في تأليف هذا التاريخ الوسيع أكثر بكثير
مما ذكر، يعرف ذلك من يطالع تعليقاتنا على التراجم وبيان الكتب التي اقتبس منها = .
٩

ولم يعتن القدماء بضبط الوَفَيات كما ينبغي. بل اتَّكَلُوا على حِفْظهم.
فذهبتْ، وفَيَاتُ خَلْقِ من الأعيانِ من الصَّحابة، ومَن تبِعهم إلى قريبٍ زمان
أبي عبد الله الشافعي رحمه الله، فكتبنا أسماءهم على الطبقات تقريباً. ثم
اعتنى المتأخِّرون بضبط وَفَيَات العلماء وغيرهم، حتى ضَبطوا جماعةً فيهم
جَهَالةٌ بالنسبة إلى معرفتنا لهم. فلهذا حُفظتْ وَفيَاتُ خلقٍ من المجهولين
وجُهِلَتْ وَفيَاتُ أئمّةٍ من المعروفين. وأيضاً فإنَّ عدَّةَ بُلْدَانٍ لم يقع إلينا
تواريخها؛ إمّا لكَوْنِها لم يُؤْرِّخْ علماءَها أحدٌ من الحُفَّاظ، أو جُمع لها تاريخٌ
ولم يقع إلينا .
وأنا أرغبُ إلى الله تعالى، وأبتهلُ إليه أن ينفعَ بهذا الكتاب. وأن يغفرَ
لجامعِه وسامِعه ومُطالِعه وللمسلمين. آمين.
=
المصنف، فكأنه كتب هذه المقدمة عند أول تأليفه الكتاب ثم لم يعدلها، أو أنه لم ير
ضرورة لذلك.
١٠

السَّنَةَ الأولى مِنَ الهِجْرَة
روى البخاري في صحيحه(١) من حديث الزُّهْري، عن عُرْوة، عن عائشة
أنّ المسلمين بالمدينة سمعوا مَخْرَج رسول الله وَ له. فكانوا يَغْدُون إلى
الحَرّةِ(٢) ينتظرونه، حتى يَرُدَّهم حَرُّ الشّمس، فانقلبوا يوماً، فأوْفى يهوديٌّ
على أُطُمِ(٣) فَبَصُرَ برسولِ اللهِ نَّهُ وأصحابه مُبَيِّضين يَزُولُ بهم السَّراب،
فأخبرني عُرْوَةُ أنَّ رسولَ الله ◌ِّهِ لقي الزُّبَيْرَ في رَكْبٍ من المسلمين كانوا
تُجّاراً قافلين من الشّام. فكسا الزُّبَيْرُ رضي الله عنه رسولَ اللهِ وَّر وأبا بكرِ
ثيابَ بياضٍ. قال: فلم يملك اليهوديُّ أَنْ صاحَ: يا مَعْشَر العربِ، هذا
جدُّكُمُ(٤) الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السّلاح. فتلقَّوه بظهرِ الحَرَّة،
فَعَدَلَ بهم ذاتَ اليمين حتى نزل في بني عَمْرو بن عَوْف يوم الاثنين من ربيع
الأول. فقام أبو بكر للنَّاس، فطفِقِ مَنْ لم يعرف رسولَ الله وَ له يسلم على
أبي بكر حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله ◌َّهِ، فأقبل أبو بكر يُظِلَّه بردائِهِ،
فعرفَ الناسُ عند ذلك رسولَ اللهُ بَّرِ. فَلْبِثَ في بني عَمْرو بن عَوْق بضْعَ
عشرةَ ليلة، وأسَّس مسجدهم. ثم ركبٍ راحلته وسار حوله النّاسُ يمشون،
حتى بركت به مكانَ المسجد، وهو يُصلِّي فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين -
وكان مِرْبَداً لسَهْلِ وسُهَيْل - فدعاهما فساومهما بالمِرْبَد ليتَّخذه مسجداً،
فقالا: بل نَهَبُهُ لكَ يا رسولَ الله. ثم بناه مسجداً، وكان ينقل اللَّبِنَ معهم
ويقول :
هذا الحِمَالُ، لا حِمَالَ خَيْبَرْ
هذا أَبَرُّ - ربَّنا - وأطْهَرْ
البخاري ٧٣/٥-٧٨ بتصرف في النص على عادة المؤلف رحمه الله.
(١)
موضع بقرب المدينة يُعرف بحرَّة واقم.
(٢)
(٣) أي: حصن.
(٤) أي: حَظُّكم وصاحب دولتكم.
١١

ويقول :
اللَّهُمَّ إِنَّ الأجْرَ أَجْرُ الآخِرِهْ فارْحَمِ الأنصارَ والمُهاجِرَهْ
وخرّج البخاريُّ من حديث أبي إسحاق عن البَرَاء حديثَ الهجرة
بطوله(١).
وخَرَّج من حديث عبدالعزيز بن صُهَيْب عن أنَس قال: أقبل النّبِيُّ لَل
إلى المدينة وهو مُرْدِفٌ أبا بكر. وأبو بكر شيخٌ يُعرَف، والنَّبِيُّ وَِّ شابٌ لا
يُعْرَف، فَيَلْقى الرجلُ أبا بكرٍ فيقول: مَنْ هذا بين يديك؟ فيقول: رجلٌ
يَهديني الطَّريقَ، وإنّما يعني طريقَ الخير، إلى أن قال: فنزل رسولُ اللهِ وَله
جانب الحَرَّة، ثم بعث إلى الأنصار، فجاؤوا إلى النَّبِيِّ وَّهِ، فسلَّمُوا
عليهما، وقالوا: اركبا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنٍ. فركبا، وحَقُّوا دُونَهما بالسِّلاح. فقيل
في المدينة : جاء نبيُّ الله، جَاء نبيُّ اَلله، فأقبل يسيرُ حتى نزلَ إلى جانبٍ دار
أبي أيّوب، وذكر الحديث(٢).
ورُوِّيْنا بإسنادٍ حَسَنٍ، عن أبي البَدَّاحِ بن عاصم بن عَدِيّ، عن أبيه قال:
قدم رسولُ الله ◌َّر المدينةَ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خَلَت من ربيع
الأول، فأقام بالمدينةِ عشرَ سنين(٣) .
وقال محمد بن إسحاق(٤): فقَدِم ضُحَى يوم الاثنين لاثنتي عشرة خَلَت
من ربيع الأول، فأقام في بني عَمْرو بن عوف؛ فيما قيل؛ يوم الاثنين
والثلاثاء والأربعاء والخميس، ثم ظعن يومَ الجمعة، فأدركته الجمعةُ في
بني سالم بن عَوْف، فصلَّها بمَنْ معه. وكان مكان المسجد مِرْبَداً لغُلامين
يتيمين، وهما سَهْلٌ وسُهَيْل ابنا رافع بنِ عَمْرو من بني النَّجَّار فيما قال
موسى بن عقبة، وكانا في حِجْر أسعد بن زرارة.
وقال ابن إسحاق(٥): كان المِرْبَد لسَهْلٍ وسُهَيْلٍ ابني عَمْرو، وكانا في
البخاري ٧٨/٥.
(١)
البخاري ٧٩/٥، ودلائل النبوة ٥٢٦/٢ - ٥٢٧.
(٢)
(٣) دلائل النبوة ٢/ ٥١١ .
دلائل النبوة ٢ / ٥٠٣ .
(٤)
(٥) ابن هشام ١/ ٤٩٤ -٤٩٦.
١٢

حِجْرمُعاذ بن عَفْراء.
وغلط ابن مَنْدَة فقال: كان لسَهْلِ وسُهَيلٍ ابنَيْ بيضاء، وإنّما ابنا بيضاء
من المهاجرين.
وأسّس رسولُ الله ◌َّ في إقامته ببني عَمْرو بن عَوْف مسجدَ قُباء.
وصلّى الجمعةَ في بني سالم في بطن الوادي. فخرج معه رجال منهم،
وهم: العبّاس بنٍ عبادة، وعِثْبان بن مالك، فسألوه أن ينزل عندهم ويقيم
فيهم، فقال: خَلُّوا النَّاقَةَ فإنَّها مأمورة. وسار والأنصارُ حولَهُ حتى أتى بني
بياضة، فتلقَّاه زياد بن لَبِيد، وفَرْوَة بن عَمْرو، فَدَعوه إلى التُّزول فيهم،
فقال: دعوها فإنَّها مأمورَة. فأتى دُورَ بني عَدِيّ بن النَّجَّار؛ وهم أخوالُ
عبدالمطلب؛ فتلقَّاه سَليط بن قيس، ورجالٌ من بني عَدِيّ، فدعوه إلى
التُّزولِ والبقاء عندهم، فقال: دَعوها فإنَّها مأمورة. ومشى حتى أتى دُورَ
بني مالك بن النَّجَّار، فَبَرَكت النَّاقةُ في موضع المسجد، وهو مِرْبَدُ تَمْرٍ
لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْن. وكان فيه نخلٌ وخِرَب(١)، وقبوَر للمشركين. فلم ينزل عن
ظهرها، فقامت ومشت قليلاً، وهو بٍَّ لا يَهِيجُها، ثم التفت فكرَّتْ إلى
مكانها وَبَرَكَتْ فيه، فنزل عنها. فأخذ أبو أيّوبَ الأنصاريُّ رَحْلها فحمله إلى
داره. ونزل النّبيُّ نَّه في بيتٍ من دار أبي أيّوب. فلم يزل ساكناً عند أبي
أيّوب حتى بنَى مسجدَه وحُجَرَهُ في المِرْبَد. وكان قد طلب شراءه فأبت بنو
النَّجَّار من بَيْعِه، وبذلوه لله وعَوَّضُوا اليتيمَيْن. فأمر بالقبور فَنُبشتْ،
وبالخِرَب فسُوِّيتْ. وبنى عِضَادَتيه بالحجارةِ، وجعل سَوَارِيه من جُذُوع
النَّخْلِ، وسَقَفَهُ بالجَرِيدِ، وعَمِلَ فيه المسلمون حِسْبَةً.
فمات أبو أُمامة أسعد بن زرارة الأنصاريّ تلك الأيام بالذُّبَحَة. وكان
من سادة الأنصار ومن نُقَبائهم الأبرار. ووَجَد النبيُّ ◌َّهِ وَجْداً لموته، وكان
قد كَوَاهُ. ولم يجعل على بني النَّجَّار بعده نقيباً وقال: أنا نقيبكم. فكانوا
يفخرون بذلك.
(١) في نسخة: ((وحرث))، وما أثبتناه من نسخة البشتكي ٢، ويعضده ما في الصحيحين،
وقال النووي: ((هكذا ضبطناه بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء. قال القاضي: رويناه
هكذا، ورويناه بكسر الخاء وفتح الراء، وكلاهما صحيح، وهو ما تَخَرَّبَ من البناء)) .
١٣

وكانت يَثْرِب لم تُمَصَّر، وإنَّما كانت قُرِىّ مُفَرَّقة: بنو مالك بن النَّجَّار
في قرية، وهي مثل المَحِلَّة، وهي دار بني فُلان، كما في الحديث: ((خيْرُ
دُورِ الأنصار دارُ بني النَّجَّار)»(١) .
وكان بنو عَدِيّ بن النَّجَّار لهم دارٌ، وبنو مازن بن النَّجَّار كذلك، وبنو
سالم كذلك، وبنو سَاعدة كذلك، وبنو الحارث بن الخزرج كذلك، وبنو
عَمْرو بن عَوْف كذلك، وبنو عبدالأشهل كذلك، وسائر بُطُون الأنصار
كذلك. قال النَّبيُّ بَّهَ: ((وفي كلِّ دُور الأنصارِ خيرٌ))(٢).
وأمرَ عليه السَّلام بأنْ تُبَى المساجدُ في الدُّور. فالدَّار - كما قلنا - هي
القرية. ودار بني عَوْف هي قُباء. فوقع بناء مسجده بَّر في بني مالك ابن
النَّجَّار، وكانت قريةً صغيرة.
وخَرَّج البخاري(٣) من حديث أنس أنَّ النَّبِيَّ وَّ نزل في بني عَمْرو ابن
عَوْف، فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثم أرسل إلى بني النَّجَّار فجاؤوا.
وآخى في هذه المُدَّة بين المهاجرين والأنصار. ثم فُرضت الزكاة.
وأسلم الحَبْر عبد الله بن سَلَام، وأُناسٌ من اليهود، وكَفَرَ سائرُ اليهود.
قصّة إسلام ابن سَلام
قال عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أنَس، قال: جاء عبد الله بن سَلَام فقال:
أشْهد أنّك رسولُ الله حقّاً. ولقد علمت يهودُ أنّي سيِّدُهُم وابن سيّدِهِم،
وأعْلَمُهُم وابنُ أعلمِهِم، فادْعُهم فَسَلْهُمْ عنّي قبل أن يعلموا أنّي قد أسلمتُ.
فأرسل إليهم فأتَوْا، فقال لهم: يا مَعْشَرَ يهود، وَيْلَكم اتّقوا الله، فَوَالذي لا
إله إلّ هو إنّكم لَتَعْلَمون أنِّي رسولُ الله فأسْلِمُوا. قالوا: ما نَعْلَمُه، فأعادَ
ذلك عليهم ثلاثاً. ثم قال: فأيُّ رجلٍ فيكم عبدالله بن سَلام؟ قالوا: ذاك
سيِّدُنا وابن سيِّدِنا، وأعلمُنَا وابن أعلَمِنا. قال: أفرأيتم إنْ أَسْلَم؟ قالوا:
(١) طرف من حديث أبي أُسيد الساعدي، أخرجه أحمد ١٩٦/٣ و٤٩٧، والبخاري
٤١/٥ و٢٠/٨ ومسلم ١٧٥/٧، والنسائي في الكبرى (٨٣٤٠) و(٣٨٤١)
و(٨٣٤٢).
(٢) هو طرف من الحديث السابق.
(٣) البخاري ٨٦/٥.
١٤

حاش لله، ما كان ليُسْلمَ. قال: يا ابن سَلام أُخْرُج عليهم فخرجَ عليهم، فقال:
ويلكم اتَّقُوا الله، فوَالذي لا إله إلّ هو إنَّكم لَتَعْلَمون أنَّه رسولُ الله حقّاً،
قالوا: كَذَبْتَ. فأخرجهم رسولُ الله وَّهِ. أخرجه البخاريُّ بأطول منه (١).
وأخرج من حديث حُمَيْد عن أنَس(٢)، قال: سمع عبدُالله بنٍ سَلَام
بِقُدُومِ رسولِ الله وََّ، وهو في أرضٍ، فأتى النّبيَّ ◌َِّ فقال: إنّي سائِلَك عن
ثلاثٍ لا يعلمهنَّ إلّ نبيٌّ: ما أُولُ أشْراطِ السَّاعة؟ وما أولُ طعام أهلِ الجنّة؟
وما يَنْزَعُ الولَدَ إلى أبيهِ أو إلى أُمِّه؟ قال: أخْبَرَني بهنَّ جِبْرِيلُ آنفاً. قَال: ذاك
عدوُّ اليهودِ من الملائكة. قال: ثم قرأ ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَ
قَلْبِكَ
[البقرة]. أمّا أوّلُ أشراط السّاعة، فنارٌ تخرجُ على النَّاسِ من
المشرقِ إلى المغرب. وأمّا أوّلُ طعام يأكله أهلُ الجنّة فزيادةُ كبِدِ حُوتٍ .
وإذا سبق ماءُ الرجل ماءَ المرأة نَزَعَ الوَلدُ إلى أبيه، وإذا سبقَ ماءُ المراة نَزَعَ
إلى أمِّه. فتشهّد وقال: إنَّ اليهود قومٌ بُهْت، وإنَّهم إنْ يعلموا بإسلامي قبل
أنْ تسألهم عَّي بَهَتُوني. فجاؤوا، فقال: أيُّ رجلٍ عبدُالله بن سَلَام فيكم؟
قالوا: خيرُنا وابنُ خيرنا، وسيّدُنا وابن سيِّدِنا. قالَ: أرأيتم إنْ أسلم؟ قالوا:
أعاذه اللهُ من ذلك. فخرج فقال: أشهد أنْ لا إله إلّ الله، وأنَّ محمداً رسول
الله. فقالوا: شَرُنا وابنُ شَرِّنا، وتَنَقَّصُوه. قال: هذا الذي كنت أخافُ
يا رسولَ الله.
وقال عَوْف الأعرابيُّ، عن زرارة بن أوْفَى، عن عبدالله بن سَلام قال:
لما قَدِمَ رسولُ اللهِ لَّهِ المدينةَ انْجَفَل النَّاسُ قِبَله، وقالوا: قدم رسولُ الله
وَلَّه. فجئتُ لأنظرَ، فلما رأيتُه عرفتُ أنَّ وجهه ليس بوجهِ كَذَّابٍ. فكان أوّلُ
شيءٍ سمعتُه منه أنْ قالٍ: أيُّها النَّاس، أطْعِموا الطّعام، وأفْشُوا السّلام،
وصِلَوا الأرحامَ، وصَلُّوا بالليل والنَّاسُ نِيام، تدخُلُوا الجنّة بسلام.
(٣)
صحيح (٣).
(١) البخاري ٧٩/٥ - ٨٠، ودلائل النبوة ٥٢٧/٢ - ٥٢٨.
(٢) البخاري ٨٨/٥-٨٩، ودلائل النبوة ٥٢٨/٢ - ٥٢٩.
(٣) أخرجه أحمد ٤٥١/٥، وعبد بن حميد (٤٩٦)، والدارمي (١٤٦٨) و(٢٦٣٥)، وابن
ماجة (١٣٣٤) و (٣٢٥١)، والترمذي (٢٤٨٥) وصححه، والبيهقي في الدلائل =
١٥

وروى أسباطُ بن نصر، عن الشُّدِّيِّ، عن أبي مالك، وأبي صالح، عن
ابن عبّاس؛ وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناسٍ من أصحاب النّبيِّ نَّ في
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ
[البقرة]؛
٨٩
يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِةٍ.
قال: كانت العرب تَمُرُّ باليهود فيُؤْذُونَهم. وكانوا يجدون محمّداً في
التَّوْراة، فيسألون اللهَ أن يبعثه فيقاتلون معه العربَ. فلمّا جاءهم ما عَرَفُوا
كفروا به حين لم يَكُنْ من بني إسرائيل(١).
قصّة بناء المسجد
قال أبو التَّاح، عن أنس: فأرسل رسولُ اللهِ وَله إلى ملأ بني النَّجَّار
فجاؤوا، فقال: يا بني النَّجَّار، ثَامِنوني بحائطكم هذا. قالوا: لا والله، لا
نطلبُ ثمنَهُ إلاّ إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم: كان فيه قبورُ المشركين،
وكان فيه خِرَبٌ ونخلٌ. فأمر رسولُ اللهِ وَّ بقبور المشركين فَنُبِشَتْ،
وبالخِرَب فسُوِّيتْ، وِبالنَّخْل فقُطِع. فصَقُوا النَّخْلَ قِبلةً، وجعلوا عِضَادَتَيْه
حجارةً، وجعلوا ينقُلُون الصَّخرَ، وهم يَرَتَجِزون، ورسولُ الله ◌َّ معهم،
ويقولون :
اللَّهُمَّ لا خيرَ إلّ خيرُ الآخرة
فانصُرِ الأنصارَ والمُهاجِرة.
مُتَّفقٌ عليه(٢). وفي رواية: فاغفِرْ للأنصار.
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، فيٍ قصّة بناء المسجد: فطفِق
هو وأصحابُه ينقلون اللَِّنَ، ويقول. وهو ينقل اللّبِنَ معهم:
هذا أبرُّ - ربَّنا - وأظْهرْ
هذا الحِمال، لا حِمَال خيبرْ
ويقول :
اللّهمَّ لا خيرَ إلاّ خيرُ الآخرة
فارْحَمِ الأنصارَ والمُهَاجِرَة
=
٥٣١/٢.
(١) دلائل النبوة ٥٣٦/٢.
(٢) البخاري ١١٧/١ و٢٥/٣ و٨٣ و١٤/٤٩ و١٥ و٨٦/٥، ومسلم ٦٥/٢
و١٨٨/٥، ودلائل النبوة ٥٣٩/٢ - ٥٤٠.
١٦

قال ابن شهاب: فتمثَّلَ رسولُ اللهِ وَّهِ بِشِعْر رجلٍ من المسلمين لم يُسَمَّ
في الحديث. ولم يَبْلُغْنِي في الحديثِ أنَّ رسولَ الله وَّهِ تمثَّل ببيتِ شِعْرٍ غير
هذه الأبيات.
ذكره البخاري في صحيحه (١).
وقال صالح بن كَيْسان: حدثنا نافع أنَّ عبدالله أخبره أنَّ المسجد كان
على عهد رسول الله بَّه مَبْنيّاً باللَّبِن، وسَقْفه الجريدُ، وعُمُدهُ خشب النَّخْل.
فلم يزِدْ فيهِ أبو بكر شيئاً. وزاد فيه عمر، وبناه على بُنيانه(٢) في عهد رسول
اللهِ وَهُ بِاللَّبن والجريد، وأعاد عُمُدَه خَشَباً. وغيّره عثمان، فزاد فيه زيادةً
كثيرة، وبنى جدارَه بالحجارة المنقوشة والقَصَّة، وجعل عُمُدَه من حجارةٍ
منقوشةٍ، وسَقَفَهُ بالسَّاج. أخرجه البُخاري(٣).
وقال حمّاد بن سَلَمة، عن أبي سِنان، عن يَعْلَى بن شدَّاد، عن عُبادة،
أنَّ الأنصار جمعوا مالاً، فأتوا به النَّبيَّ وَّهِ فقالوا: ابْنِ بهذا المسجدَ وزيَّنْهُ،
إلى متى نُصلّي تحت هذَا الجريد؟ فقال: ما بي رَغَبةٌ عن أخي موسى،
عريشٌ كَعَريشٍ موسى (٤).
ورُوي عن الحَسَنِ البَصْرِيِّ في قوله: (كَعَرِيش موسى))؛ قال: إذا رفع
يده بلغَ العريشَ، يعني السَّقْفَّ.
وقال عبدالله بن بدر، عن قَيْس بن طَلْق بن عليّ، عن أبيه قال: بنيتُ
مع النّبِيِّ بَّهِ مسجدَ المدينة، فكان يقول: قَرِّبوا اليمَامِيَّ من الطَّين، فإِنَّه من
أحْسَنِكم له بِناءَ(٥).
وقال أبو سعيد الخُذْريّ: قال رسول الله وَّه: المسجد الذي أُسِّس على
(١) البخاري ٧٨/٥، ودلائل النبوة ٥٣٩/٢ .
(٢) في نسخة البشتكي ٢: ((بنائه)) وما أثبتناه من النسخ الأخرى والبخاري ١/ ١٢١،
ودلائل النبوة، وانظر مسند أحمد ١٣٠/٢، وأبا داود (٤٥١)، وصحيح ابن خزيمة
(١٣٢٤) .
(٣) البخاري ١/ ١٢١، ودلائل النبوة ٥٤١/٢ .
(٤)
دلائل النبوة ٥٤٢/٢ .
(٥) دلائل النبوة ٢/ ٥٤٢ .
اريخ الإسلام ١/م٢
١٧

التّقْوَى مسجدي هذا. أخرجه مسلم بأطْوَل منه(١).
وقال وَالّ: صلاةٌ في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاةٍ فيما سِواهُ من
المساجد إلّ مسجد الكعبة. صحيح (٢).
وقال أبو سعيد: كُنَّا نحمل لَبِنَةً لِنةً، وعَمَّار يحمل لِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْن؛ يعني
في بناء المسجد، فرآه النّبيُّ وََّ، فجعل ينفض عنه التراب ويقول: ((وَيْحَ
عمّارِ، تقتله الفئة الباغيةُ، يَدْعُوهم إلى الجنَّةِ ويدعونه إلى النَّار)). أخرجه
البخاريُ(٣) دون قوله: ((تقتله الفئة الباغية)) (٤)، وهي زيادةٌ ثابتةُ الإسناد(٥).
ونافق طائفةٌ من الأوْسِ والخَزْرَج، فأظهروا الإسلامَ مُداراةً لقومهم.
فَمِمَّنْ ذُكِر منهم: من أهل قُباء: الحارث بن سُوَيْد بن الَصّامِت، وكان أخوه
خَلَّد رجلاً صالحاً، وأخوه الجُلَس، دونَ خَلَّدٍ في الصَّلاح.
ومن المنافقين: نَبْتَل بن الحارث، وبِجَاد (٦) بن عثمان، وأبو حَبِيبة ابن
الأزْعَر أحدُ مَنْ بَنَى مسجدَ الضُّرار، وجَارِيَة بِن عامر، وابناه: زيدٌ ومُجَمِّع -
وقيل: لم يصحَّ عن مُجَمِّع النِّفاق، وإنَّمَا ذُكِر فيهم لأنَّ قومه جعلوه إمامَ
مسجد الضِّرار - وعَبّاد بن حُنَيْف، وأخواه سهلٌ وعثمان من فُضَلاء
الصَّحابة .
ومنهم: بِشْرٌ، ورافعٌ، ابنا زيد، ومِرْبَع، وأوْس، ابنا قَيْظِيّ. وحاطِبُ
(١) مسلم ١٢٦/٤، ودلائل النبوة ٥٤٤/٢ - ٥٤٥ .
(٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو في الصحيحين: البخاري ٧٦/٢، ومسلم
١٢٤/٤، وغيرهما.
(٣) البخاري ١٢١/١ و٢٥/٤، ودلائل النبوة ٥٤٦/٢ .
(٤) أدرج ناشرو ((الجامع الصحيح)) هذه الجملة في المطبوع من بعض النسخ، ولم
يحسنوا صنعًا. وانظر تعليقنا على تحفة الأشراف ٤١٥/٣ .
(٥) قال المزي في ترجمة عمار من تهذيب الكمال: ((وتواترت الروايات عن رسول الله
وَ الّ أنه قال لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) روي ذلك عن عمار بن ياسر، وعثمان بن
عفان، وعبدالله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبدالله بن عباس في آخرين)).
(٢٢٤/٢١). أما هذه الزيادة من حديث أبي سعيد فهي عند أحمد ٢٢/٣ و٢٨.
(٦) قيده ابن ماكولا بالباء الموحدة وقال: وبجاد بن عثمان من بني ضبيعة بن زيد، وهو
ممن بنى مسجد النفاق. الإكمال ٢٠٥/١ .
١٨

ابن أمية، ورافع بن وَدِيعة، وزيد بن عَمْرو، وعَمْرو بن قيس؛ ثلاثتهم من
بني النَّجَّار، والجَدّ بن قيس الخَزْرَجي؛ من بني جُشَم، وعبدالله بن أُبَّيّ بن
سَلَول، من بني عَوْف بن الخَزْرِج، وكان رئيس القوم.
وممّن أظهر الإيمانَ من اليهود ونافق بعدُ: سَعْد بن حُنَيْف، وزيد ابن
اللُّصَيْت، ورافع بن حَرْمَلة، ورِفاعة بن زيد بن الثّابُوت، وكنانة بن صُورِیًا .
ومات فيها: البَرَاء بن مَعْرُورِ السُّلَمِيُّ أحد ثُقباءِ العَقَبَة رضي الله عنه،
وهو أول من بايع النَّبِيَّ بََّ ليلةَ العَقَبَة، وكان كبيرَ الشَّأن.
وتَلاحق المهاجرون الذين تأخّروا بمكة بالنَّبِيِّ بَّهِ، فلم يبق إلاَّ
محبوسٌ أو مَفْتون، ولم يبق دارٌ من دُور الأنصار إلّ أسلم أهلُها، إلاّ أوْس
الله، وهم حيٌّ من الأوس؛ فإنَّهم أقاموا على شِرْكهم.
ومات فيها: الوليد بن المُغيرة المَخْزوميّ والد خالد، والعاص بن وائل
السَّهْميّ والد عَمْرو بمكة على الكُفْر.
وكذلك: أبو أُحَيْحة سعيد بن العاص الأُموي تُوُفِيّ بماله بالطَّائف.
وفيها: أُرِيَ الأذانَ عبدُالله بن زيد، وعمر بن الخطاب، فشُرع الأذان
على ما رأيا.
وفي شهر رمضان عقد النَّبيُّ وَِّ لواءً لحمزة بن عبد المطَّلِب يعترض
عِيراً لقُرَيش. وهو أول لواءٍ عُقِد في الإسلام.
وفيها: بعث النَّبيُّ ◌َّر حارثة وأبا رافع إلى مكة لينقلا بناته وسَوْدة أمّ
المؤمنین .
وفي ذي القِعْدة عَقَد لواءً لسعد بن أبي وقَّاص، ليُغير على حيٍّ من بني
كِنانة أو بني جُهَيْنَة. ذكره الواقدي(١).
وقال عبدالرحمن بن أبي الزِّناد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد ابن
رُومان، عن عُروة قال: قَدِم النبيُّ ◌َّر المدينة، فكان أول رايةٍ عقدها راية
عُبيدة بن الحارث.
وفيها: آخى النَّبيُّ وَّه بين المهاجرين والأنصار، على المواساة
والحق.
(١) المغازي ١/ ١١ .
١٩

وقد روى أبو داود الطَّيالسي(١)، عن سليمان بن مُعاذ، عن سِماك، عن
عِكْرِمة، عن ابن عبّاس قال: آخى رسولُ اللهِ وَ ل بين المهاجرين والأنصار،
ووَرَّث بعضَهم من بعض، حتى نزلت: ﴿وَأَلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ
٧٥
[الأنفال].
والسبب في قلّة من تُوُفي في هذا العام وما بعده من السّنين، أنَّ
المسلمين كانوا قليلين بالنّسبة إلى مَن بعدهم، فإنَّ الإسلام لم يكن إلاّ
ببعض الحجاز، أو مَن هاجر إلى الحَبَشة. وفي خلافة عمر رضي الله عنه -
بل وقبلها - انتشر الإسلام في الأقاليم، فبهذا يظهر لك سببُ قلّة من تُوُفِّي
في صدر الإسلام، وسبب كثرة من تُوُفِّي في زمان التَّابعين فَمَن بعدَهم.
وكان في هذا القُرب أبو قيس بن الأسْلَت بن جُشَمٍ بن وائل الأوسيّ
الشاعر، وكان يُعْدَل بقَيْس بن الخطيم في الشجاعة والشَّعْر، وكان يحضُّ
الأوسَ على الإسلام، وكان قبل الهجرة يتألَّه ويدَّعي الحنيفية، ويحضّ
قُرَيْشاً على الإسلام، فقال قصيدتَه المشهورة التي أوّلها:
مُغَلْغَلةً عنيّ لُوَيَّ بن غالبٍ
أيا راكباً إمّا عَرَضتَ فبلِّغَنْ
لنا قادةٌ، قد يُقْتَدَى بالذَّوائبِ
أقيموا لنا دِيناً حنيفاً، فأنتمو
روى الواقديّ (٢) عن رجاله قالوا: خرج ابنُ الأسلت إلى الشام،
فتعرَّضَ آلَ جفنةَ فوصلوه، وسأل الرُّهبانَ فَدَعوه إلى دينهم فلم يُرِدْه، فقال
له راهبٌ: أنت تريد دين الحنيفية، وهذا وراءك من حيث خرجتَ. ثم إنَّه
قَدِم مكةَ مُعْتَمِراً، فلقي زيد بن عمرو بن نُفَيْل، فقصَّ عليه أمره، فكان أبو
قيس بعدُ يقول: ليس أحدٌ على دين إبراهيم إلّ أنا وزيد. فلما قَدِم رسول
الله ◌َّ المدينة؛ وقد أسلمت الخَزْرجُ والأوْس، إلاّ ما كان من أوس الله
فإنَّها وقفت مع ابن الأسْلَت، وكان فارسَها وخطيبَها، وشهِد يومَ بُعَاث،
فقيل له: يا أبا قيس، هذا صاحبُك الذي كنتَ تَصِف. قال: رجلٌ قد بُعث
بالحقّ. ثم جاء إلى النّبيِّ وَّر فعرض عليه شرائع الإسلام، فقال: ما أحسن
هذا وأجمله، أنظرُ في أمري. وكاد أن يُسْلِم، فلقيه عبدُالله بن أُبِّيّ، فأخبره
(١) مسنده (٢٦٧٦).
(٢) طبقات ابن سعد ٣٨٤/٤.
٢٠