Indexed OCR Text

Pages 1-20

كْتَابُ
الواقية الت فيَِّ
تأليث
صَلَّ الدِّنَيلِ بِتَابَكَالصَّفَدي
الشر لالسابع والعشرون
نصر الله بن الحسن بن علوان الهيفي -
الوليد بن محمد بن أحمد حفيد ابن أبي دؤاد
طالعه
يحيى بن حجى الشافعى ابن أبيك الصفدي تكلفة أحمد بن مسعود
حَقِيق وَاعْتِنَاء
تزكي مُصْطفى
أسمر الأرناؤوط.
دَارُ المَاءُ الَّائ العربي
بيروت - لبنان
ـاك
.....

حقوق الطبع محفوظة
١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠م
الطبعة الأولى
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف: ٢٧٢٦٥٢ - ٢٧٢٦٥٥ - ٢٧٢٧٨٢ - ٢٧٢٧٨٣ فاكس: ٨٥٠٧١٧ - ٨٥٠٦٢٣ ص.ب: ١١/٧٩٥٧
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11

كْتَابُ
الوَافِيُّالْقِيَّ ◌ُ

٥
نصر الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد أبو السعادات
٠
بِسْمِ اللهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
ربّ آَعِنْ
١ - ((أبو نصر الهيتي الشافعي)) (١) نَصرُ الله بنُ الحسن بن علوان، الرَبْعي الهِيتي أبو نصرٍ
الشاعر. سكن دمشق، وتوفي بِزُرَع سنة أربع وستين وخمسمائة، وكان يتفقّه للشافعي ويتألّه،
ومن شعره: [من الطويل]:
أعندك صبرٌ إن عراك صُدودُ
وتمنَحُ بعد المَنْعِ سَلْمَى ودادها
فلا شُفِيَ الهَجْرُ المبرِّحُ بالفَتى
ومنه: [من الخفيف]
كيف يُرْجَى معروف قوم من اللؤ
لا يَرونَ العُلى ولا المجْدَ إلاّ
يَتَمِنَّوْن أَنْ تَحُلَّ المساميـ
ومنه: [من الطويل]
لئن أمْسكّتْ عَنّي سحائب كفّهِ
ألم تَر أَنّ المُزْنَ يهطِل تارةً
ومنه: [من الكامل]
خَلَّ الصَّريمَ لِواصفي آرامِهِ
ودَعِ الأَراكَ وما سما مِنْ دَوْجِه
عسى أنّ أيّام الوصال تَعُودُ
وتُلْغَى دُخولٌ بيننا وحُقود
ولا اخضَرّ يوماً للقطيعة عود
مٍ غَدَوْا يَذْخُلُون في كلّ فنْ
بِرَّ عِلقٍ وقَخبةٍ ومُغَنِّي
ـرُ بأسماعِهم ولا الصوتُ منّي
فما أنا للبِرّ القديم جَحودُ
ويُمسِك بعدالهَطْل ثم يجود
وغَزالَهُ لِمُتَيَّمٍ بِثَغامِه
تذعُو على الأغصان وُزْق حَمامِه
٢ - ((ابن زُرَيْق المسند البغدادي))(٢) نصر الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد
أبو السعاداتِ بن أبي منصور بن زُرَيقِ الشيباني القزّاز الحريمي. مُسنَد بغداد في وقته، توفي
(١) انظر ترجمته في كتاب ((تاريخ مدينة دمشق)) (٥٣٢/١٧) و((خريدة القصر)) (٢٣٠/١).
(٢) انظر ترجمته في ((شذرات الذهب)) (٢٧٦/٤)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٥٨١ - ٥٩٠).

٦
الجزء السابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
سنةً ثلاثٍ وثمانين وخمسمائة.
٣ - ((الصاحب صفي الدين)) نصرُ الله بن محمد بن نصر الله صفيّ الدين، أخو الوزير
علاء الدين بن نصر الله، وتقدّم ذكر أخيه علي بن محمد بن نصر الله في مكانه، وولي
الصاحبُ صفيّ الدين هذا بعد أخيه وِزارةً حماة للمنصور سنةً أربع وسبعين وستمائة، وسار
على سيرة أخيه ومنواله، ولم يَزَلْ إلى أن توفي رحمهُ الله سنة ثلاثٍ وثمانين وستمائة بحماة
في شهر رجب.
٤ - (ابن القابض وزير صلاح الدين))(١) الصفيّ نصر الله بن القابض، كان قد خدَم
السلطان صلاح الدين، لمّا كان في شِخنكِيَّة بغداد، وأمدّه بالمال، فرأى له ذلك. فلمّا ملك
استوزره، وكان شجاعاً ثقةً ديّناً أميناً، ولمّا نزل الفرنج داريّا والسلطان في الشرق، جمع من
أهل دمشق سواداً عظيماً وخرج إلى ظاهر البلد، فرآهم الفرنج، فظَنّوهم عسكراً، فرحلوا،
وكان كثير المعروف وكتب أملاكّه لمماليكه لأنّه لم يكن له وَلَدٌ، وبنى بالعُقَيْبة مسجداً، ودفن
به، ويُعرف الآن بمسجد الصفيّ، وتوفي سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
٥ - ((مُعين الدين الهِيتي الشافعي))(٢) نصر الله بن نصر الله بن نصر الله بن سلامة بن سالم
أبو الفتح الهيتي مُعين الدين بن أبي المعالي الشافعي الشاعر، مدح الملوك والوزراء، وتوفي
سنة سبع وثلاثين وستمائة. قدِم الإسكندرية ومدح رُؤساءها وأکابرها ومدح ابن البوري الآتي
ذكره بقصيدة أوّلها: [من الكامل].
أَتَرَى الحبيبَ لطول مُدة بُعده
فلقد كسا جِسْمي الضنّى لفراقه
قد خَذَّدتْ خَدِّي الدموعُ وطالما
وجَنَيْتُ والواشي بذلك شاهدٌ
ما كان أطيب عَصرَ أيّامِ الصَّبَا
زمنٌ خلعتُ به العذار ورُختُ في
وشَرِبتُ من كأسَيْ غناه وفقرِهِ
والآنَ مالي رَغْبةٌ في حُبّ زيـ
يدري بما لاقيتُه من بَعْدِهِ
وأذاقَني فيه مَرارةَ صَدّهٍ
ألصقتُهُ عند الوداع لخدّه
من ريقه المعسول رائقَ شَهْده
في سَبْطِ رَيْعان الشباب وجَعْده
حُبّ العذار أجرُّ فاضل بُرده
وشربت في هَزْل الغَرام وجدِه
ـنْبَ ولا لي مَطمحٌ في هِنْدِهِ
(١) انظر ترجمته في ((مرآة الزمان)) (٤١٣/١/٨).
(٢) انظر ترجمته في ((تاريخ الإسلام)) (٦٣١ - ٦٤٠) (٣٣٣).

٧
نصر الله بنُ عبدِ الله بن مَخْلوفٍ بن علي بن قلاقس القاضي الأعزّ
أنّى صَفا يَنْبُو الهَوى عن صَلْده
لا أنَّ طَبْعي مسَّه طبعٌ ولا
عن عَشْف قلبي في الحسان وكذّه
لكنّ كّدّي في المساعي صَدَّني
لمّا اقتنعتُ من السَّراب بشَمْده
ورِضايَ من هذا الأنام بوخدتي
يرني أخو بُخْلٍ أحُومُ بِورده
كم قد وَرَدتُ بِغُلّة الصادي ولم
قلتُ: شعرٌ متوسّطٌ.
٦ - ((أبو الفتح المِصّيصي الشافعي الأشعري)) (١) نصر الله بن محمد بن عبد القوي أبو
الفتح، المِصّيصيّ، ثم اللاذِقي الدمشقي الشافعي الأصولي الأَشْعَري نَسَباً ومَذهباً. كان متصلِّباً
في السُّنَّةِ، متجنّاً أبوابَ السلاطين، يدرِّس بالزاوية الغربيّة من الجامع الأموي، وهو آخِرٍ من
حدّث بدمشق عن الخطيب، روى عنه ابن الجوزي، وابن عساكر، ومكّي بن علي العراقي،
والحموي، وعسكرُ بن خليفةً وغيرهم. وآخر من حدث عنه أبو المحاسن بن أبي لُقْمةً، توفي
سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة.
٧ - ((ابن قلاقس الشاعر))(٢) نصر الله بنُ عبدِ الله بن مَخْلوفٍ بن علي بن قلاقس القاضي
الأعزّ، أبو الفتوح اللخمي الأزهري الإسكندري، كان سُناطاً، كثير الأسفار، دخل اليمن ومدح
أهلها وعاد مُثْرِياً، فغرق جميع ما معه بقرب دهلك، فردّ إلی یاسر بن بلالٍ وهو عُريان ومدحه
بقصيدته التي أولها: [من الوافر]
صدَرْنا وقد نادى السَّماحُ بنا رِدُوا فِعُدْنا إلى مَغْناكَ والعَوْدُ أحمدُ
وفي ابن قلاقس يقول الوجيه الذّزوي: [من السريع]
وقد أنشدني من شعره البارد
قلتُ وأَيرِي في خَشاه
كِلاكما من مَخْرَجٍ واحد
ياربحَ مَفساه ويا شِعرَه
وقال فيه أيضاً: [من المنسرح]
عيشته في البلاد من أينٍ
يا سائلي عن أبي الفتوح وعن
فاعجَبْ لمن عاش من كّنِيفَينِ
يعيش من شعره وفقحتّه
ولد سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وتوفي بعَيْذاب في شوال سنةً سبع وستين
وخمسمائة، وقد أكثر من أمداح الحافظ السّلَفِي، ودخل إلى صقلْيّة ومدح مَلِكُها الإفرنجي
(١) انظر ترجمته في ((تاريخ الإسلام)» (٥٤١ - ٥٥٠) (١٢٤) و«شذرات الذهب)) (١٣١/٤).
(٢) انظر ترجمته في ((خريدة القصر)) قسم شعراء مصر (١٤٥/١) و((كتاب الروضتين)) (٢٠٥/١) وابن خلكان (٢/
١٥٦) و((إرشاد الأريب)) (٢١١/٧)، و(«البداية والنهاية)) (٢٦٩/١٢) و(الأعلام للزكلي)) (٢٤/٨).

٨
الجزء السابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
غُلْيُلْم، يقال: إن من جملة ما أعطاه مركباً مَملُوءاً جُبناً. ولما قدم إلى الإِسكندرية خرج الناس
للسلام عليه، فلما نزل من المركب رآه أبو العباس أحمد بن أبي الصَّلاح فشهق له وقال: [من
الطويل]
أطلَّ هلال الفاسقين فلا أهلا فلا مَزْحباً بالقادمين ولا سهْلا
ولابن قلاقس نثرٌ جيدٌ، وهو من الشعراء المجيدين، ولعلّه لو عُمِّر لكان شعره ازداد
جُودةً، ومن شعر ابن قلاقس: [من البسيط]
لاتّئْنِ جِيدَكَ إِنَّ الروضَ قد جِيدا
إذا تبسّم ثغرُ المُزْن عن يقَقٍ
وإِن تَنثَّرَ ذَرِّ منه فاجتَلِهِ
واستَنطقِ العُودَ أو فاسمَعْ غرائبَهُ
يشدو وينظُرُ أغْطافاً منمّقةً
ماذا على العِيس لَو عادت بربّتها
رُدَّ الركابَ لأمرٍ عَنَّ ثانيةٌ
وقِفْ أبتُك مالان الحديد له
حُلَّتِ عُرَى النوم عن أجفان ساهرةٍ
تفجّرت وعصا الجوزاءِ تَضرِبُها
يا ثَعْلبَ الفجر لا سِرْحانَ أوّلهُ
وقال: [من الكامل]
سفْحتْ عيونُ الغَيم أدمُع قَطرِه
وسَرى النسيمُ بقهوةٍ حيّا بها
وسرى بمؤتنق الحدائق قائصاً
وانشقَّ جَيْبُ الأُفُق عن متألْقٍ
وكأنه ظَنَّ النجومَ كواعباً
وكأن ذا الرعئاتِ ينشد إثْرَها
ودعا بحيَّ على الصَّبوح مُؤمَّرٌ
تزهي فضول التاج مَفْرق رأسه
غنّى فهزّ قَوام قسّيس الدُجا
ما عَطَّلَ القَطْرُ من نُوّارِهِ جِيدا
فانظرهُ في وَجَناتِ الورد توريدا
بمبسم الأقحوان الغَضِّ مَتْضودا
من ساجعٍ لَحنُهُ يسترقص العُودا
كأنه آخِذٌ عنها الأَغارِيدا
مقدارَ ما تتقاضاها المواعيدا
وسَمِّهِ في بديع الحُبّ، ترديدا
فإن صدقت فقل: هل صرت داودا
رَدّ الهوَى هُذبها بالنجم معقودا
فذكِّرتنيَ مُوسَى والجلاميدا
خُذِ الثُّرِيّا فقد صادفتَ عُنقودا
فالروضُ يضحَك عن مباسم زهرِهِ
دَوْحاً لَوَتْ عِطَفيهِ راحة سكره
فأثار طامِسَ عرفها عن ذكره
ينجابُ تقطيب الظلام بتبره
فرمى لها بملاءة من فجره
شجواً أثار البَيْنُ سالِفَ ذكره
حَتمٌ على الظرفاء طاعةُ أمْره
ويهُزّ رقم الوجه مُرهَف خَصْره
طرباً فشقَّ صدارَهاعن صدره

٩
نصر الله بنُ عبدِ الله بن مَخلوفٍ بن علي بن قلاقس القاضي الأعزّ
وارتاع من ماء الصباح فشمّرت
فاقذِفْ شياطين الهموم بأَنجُم
بزجاجةٍ حيَّاك منها قَيْصَرٌ
ما ألبستْه الراحُ ثوباً مُذهباً
يَسْقيكها رشاً كأنّ مذاقها
أرسلتُ لحظي رائداً فأَضلّه
أعشى الدليلَ دُجا الدَلالِ فسائِلوا
وقال: [من الكامل]
عَرضَتْ لمغْترض الصباح الأبلج
فتمزّقتْ شِيَةُ الدُجا عن غُرَّتَي
ووراء أستار الحمول لواحظٌ
من كلّ مبتسم السّنان إِذا جرى
ولقد صحِبتُ الليلَ قَلَّصَ بُرْدَه
وكأنّ منتشر النجوم لالى
وسَهِرتُ أرقبُ من سُهَيلٍ خافقاً
واستعبرَتْ مُقَلُ السّحاب فأضحكَتْ
وقال: [من الخفيف]
سَدَّدوها مِنَ القُدود ◌ِماحا
يا لها حالةً من السِلْم حالت
صحّ إِذْ أُذَرتِ العيونُ دِماءً
يا فؤادي وقد أُخِذتَ أسيراً
قل لأعشارك التي اقتسموها
عجباً للجفون وهي مِراضٌ
آهٍ من موقفٍ يودّ به المُغْـ
حيث يخشَى أن يَنِظم اللثم عِقْداً
وقال: [من الكامل]
عَقَدوا الشعورَ معاقدَ التيجان
أذيال حُلّته لفائض نحره
تَثني الخَليع إلى السرور بأسره
وكأنّما هو في جوانب قصره
إلا وقلّده الحَباب بدرّه
من ريقه وحبابها من ثغره
ليلٌ يُمَدّ بعُذره وبغَذره
فلكَ الأزرّة عن مطالع بدره
حوراءُ في طَرَفِ الظلام الأدعج
شمسين في أفقٍ وكِلّةٍ هودج
غازلْنَ معتدل الوشيح الأعوّجِ
دَمْعُ النجيع من الكْميِّ الأهوج
لعُباب بحر صَباحِه المتموّجِ
نُظِمت على صَرْحٍ من الفَيْروزج
متفرّداً فكأنّه قلبُ الشجي
منها ثغور مُفوَّفٍ ومُدْبَّجِ
وانتضوها من الجفون صفاحا
فاستحالت ولا يفاخ كفاحا
أنَّهُمْ أَثْخَنوا القلوبَ جِراحا
أتقطّرتَ أم وضعتَ السِلاحا
ضربوا فيك بالعيون قِداحا
كيف تستأسِر القلوبَ الصِحاحا
ـرم لو مات قبله فاستراحا
فيه أو يعقد العناقُ وِشاحا
وتقلّدوا بِصَوارم الأجفانِ

١٠
الجزء السابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ومَشَوْا وقد هَزَّ الشبابُ قُدودهم
جَرّوا الذوائبَ والذوابل وانثنّوا
وتوشّحوا ورداً فقلتُ أراقمٌ
ولربّما عطفوا الكعوبَ فواصَلوا
في حيث أذكى السمهريّ شراره
وعلا خطيب السيف مِثْبَرَ راحةٍ
يا مُرسِلَ الرمح الصقيل سِنانُه
هاتيك شمسُ الراح يسطع ضوءُها
وهلال شوّالٍ يقول مصدّقاً
لا تَسْقِنيها من مَحاجرٍ نَرْجِسٍ
فأدارها ممزوجةً قد خالطت
والورق في الأوراق قد هتفَتْ على
فكأنّ أوراق الغصون ستائرٌ
وقال: [من السريع]
كُمْ نابِلٍ في طَزفك البابلي
وكم حوى رِذفُك من موجةٍ
يا كوكباً ناظرُه طـالــعـاً
يوقعُني منك على مانع
طلاقةٌ أنشأ لي بَرقُها
وسُقمُ أجفانٍ توهّمتُها
ومَغْطِفْ معتدلٌ مـائِلٌ
حُبّك لا حبّك هذا الذي
وليتني أشكو إِلى غادرٍ
وليلةٍ أسلمتُ أصداءها
فالتهبتْ فَحْمَتُها جَمْرَةً
وانتسَقَتْ نحوي مَسَرّاتها
وقال: [من الكامل]
هَزَّ الكُماةِ عَوالِيَ المُرّان
فثَنوا عِنانَيْ محصَّنٍ وحصان
خلعَتْ ملابسَها على غِزْلان
ما بين ليث الغاب والثعبان
رفعَ الغبار لها مُثار دُخان
يتلو عليه مَقاتلَ الفُرسان
أمسك فليس اليوم يوم طِعان
مِن خلفٍ سُخب مارقٍ وقَناني
بيدِي غَصَبْتُ النونَ من رمضان
حَسْبي التي بأناملِ السَّوْسان
بالياسَمين شقائقَ النغمان
عَذَب الغصون بأَغْذبِ الألحان
وكأن أصواتَ الطيورِ أغاني
وذابلٍ في عِطْفك الذابـلِ
تضرِبُ من خَضْرك في ساحل
كناظِرِ في كوكبِ آفل
مَخايلٌ عندك من باذل
سحائباً من دمعي الهاطل
ترثي لسُقْم الجسَد الناحل
مالي وللمعتدل المائل
أوقع في أنشوطة الحابل
وليتني أُشكّى من العاذل
من أكؤس الراح إِلى صاقل
من خمرةٍ قاتلةِ القاتِل
نَسقَ الأنابيب إلى العامل

١
١١
نصر الله بنُ عبدِ الله بن مَخْلوفٍ بن علي بن قلاقس القاضي الأعزّ
ماسَتْ فقيل: هي القضيبُ الأَمَلَدُ
ورأَت بديع جمالها فتبسّمتْ
بيضاء رَوْض الحسن منها أخضَرٌ
فعَلَتْ سيوف السِخر من أجفانها
يا هذه إِن كنتُ دونك ثانياً
دافعتُ في صدر الظنون ولم يكن
هل عند ليل الشعر أني نائم
يا ضيف طَيْفٍ ما هداه لمضجعي
والله لولا أنني بك طامعٌ
هذي النجومُ وأنتَ من إخوانها
كم فيك عن بلقيس من نَبّأ فهل
لا تَنفِ همّي بالعُقار فإنّها
لي روضةٌ من خاطري ومُدامةٌ
وقال: [من الكامل]
السحبُ ما عطفَتْ إليك مُدامُ
تَقِف النواسم فيك وهي لوائم
تَيّمْتَ حتى قيل صبتْ صباً
ماذا بعثتَ إِلى النفوس وإنما
مُلْيتَ مكتهِل البناتِ فللحيا
رُخماك وهو أسِنْة وأعِنّة
ما حليةُ المُشْتاق في آرامه
قُسِمَ السَّقام لجسمه وجفونها
فسَقام أجفان الكواعب صحة
يا رَبَّةَ الخِذْرِ التي هي تحته
يَهْتَزُّ من عِطفيكِ غصنُ أراكةٍ
وتسير عِيسُك كالقسيّ عَواطفاً
ويطول منك الظلم حتى أنه
ورَنّتْ فقيل: هي الغزال الأغيدُ
عن جوهرٍ بمِثاله تتقلّد
ومدامعي حُمْرٌ وعَيْشي أسود
ما يفعل الصِمصام وهو مجرَّد
طَرْفي ففي قلبي المقيم المقعد
بسوى الثُريًّا يُستراب الفَرقد
ولصَبْوتي طَرْفٌ عليك مُسَهّد
إلاّ لهيبٌ في الحشا يتوقّد
ما كنتُ من كّلَفي بحبك أرقُد
بجميع ما نصّيتُه لك تشهّد
قلبي سليمان وطزفي هذهد
أبداً يُثار بشُربها ما يخمّد
وُرق القوافي بينهنّ تُغرِّد
والوُرق ما هتفَتْ عليك نِدامُ
وتسير زَهْر الروض وَهْو لِثام
وفتنتَ حتى قيل هامٍ رهام
نمَّت إليك ببعضه الأجسام
سَبَلّ يلاعب مغطفيه غلام
خِيَمْ مُطَنَّبةٌ عليه خيام
وهي التي عَزَّتْ فليس تُرام
وتخالفت بوفاقها الأقسام
هي في جفون العاشقين سَقام
بَذْرٌ شريق النور وهو غَمام
فينوح من وَجْدي عليه حَمام
فتصيرُ في الأخشاءِ وهي سِهام
لولا جَبينُك قلتُ والإظلام

١٢
الجزء السابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وقال: [من الكامل]
ما زال يخدَعُ قلبَه حتى هفا
أَعَشى عيونَ الشُّهْب حتى لم يدَعْ
وألاح فيها يستطيرُ كشاربٍ
وكأنما وافى الظلام بعَزْله
حتى إذا سطع الضياءُ وأشبهَتْ
خجِلَتْ خدود الزَّهر عنه بروضة
أجرى النسيمُ بجانِبَي ميدانها
وأغرَّ كفّ لوصل غُربَ جِماحه
كلّفتُ بدرَ التمّ مثل جماله
أنا والمدامُ بكفه وجفونه
أضْحى يَحِنُّ ويَرْجَحِنُّ وإنّ من
هل كنتُ أسلو والخيانة شَأْنُه
وقال: [من البسيط]
كم مقلةٍ للشقيق الغَضّ رمداءِ
وكم ثغور أَقاحٍ في مَراشِفها
فما اعتذارك عن عذراء جامحةٍ
نضَتْ عليها حُسامَ المجد فامتنعَتْ
أما تَرَى الصبحَ يخْفَى في دُجُنَّتِه
والطيرُ في عَذّباتِ الدَوْحِ ساجعةٌ
وقد تضمَّخ ذيل الريح حين سَرت
فَحَيِّ في الكأس كِسرّى تُخيٍ رِمّته
وعُذْ بمعجز آيات المُدامة من
فما الفصاحةُ إلاَّ ما تُكرِّره
يُديرها فاتن الألحاظ فاترُها
ومحسنٍ حسنٍ ألقتْ إلى يده
ناهيكَ من شادنٍ شادٍ تَغارُ على
برق يهُز الجوَّ منه مرهفا
طرفاً لها إلاَّ قضَى أن يطرفا
نشْوَانَ رشَّ على الحديقة قَرقَفا
فَثَلا عليه من الصباح ملطّفا
في لُجّةٍ حَبباً طفا ثم انطفا
غيداء قلّدها نداه وشَنَّفا
طِرفاً وجرّ على رُباها مُطْرَفا
من بعدٍ ما هجر المتيَّم ما كفى
وظلمته فلذا تبدًا أَكلفا
ما شِئْتَ سَمِّ من الثلاثة مُذْنفا
أحلى الحُلَى متعطّفاً متعطّفا
أيكون ذلك حين فاءً إلى الوفا
إِنسانها سابحٌ في دمع أنداءِ
رضابُ طائفةٍ بالرِّيّ وطْفاء
لاحَتْ كما لامستها راحةُ الماء
بلامةٍ للحباب الجمّ حصداء
كأنّما هو سَقْطٌ بين أحشاء
تَطابُقَ اللحن بين العود والناي
بعاطرٍ من شَذى غيداء غَناء
بروح راحٍ سرت في جسم سرّاء
نوافثِ السِخر في أجفانٍ حَوراء
مَبازل الدَّنْ من ترجيع فأفاء
صاح مُعَربد أعضاءٍ وأعضاء
أعنّةُ الحبّ طوعاً كل سوداء
أُذُن المصيخ إليه مقلة الرائي

١٣
نصر الله بنُ عبدِ الله بن مَخْلوفٍ بن علي بن قلاقس القاضي الأعزّ
فاعْكُف على خَلَس اللذّات مُغتَنماً
وقال: [من الكامل]
شقّ الصّباحُ غِلالةَ الظلماءِ
وتكلّلَتْ تيجانُ أزهارِ الرَّبا
وجرى النسيم فجرَّ فَضْلَ ردائِهِ
وعلا الحمامُ على منابر أَيكَّةٍ
ودعا وقد رقّ الهواءُ منمّقُ السِـ
لو لم يكن مَلِكَ الطيور لَما انثنى
فاشْرَبْ مُعَتَّقَةَ الطَّلا صِرْفاً على
مِنْ كفّ وْفاءِ الجفونِ كأنّما
في سِخرٍ مقلتِها وخمرةٍ ريقِها
يا قاتَلَ اللهُ العيونَ فإنها
يا هذه مهلاً فلولا أنني
لبلغتُ ما أرجو بحدٌ مهنّدٍ
وطرقتُ دارَك باللِّوى في مَعْشرٍ
وأبَحْتُ يا أسماءُ معسولَ اللَّمَى
لكن ركنتُ إلى السُّلوّ ولم أقُلْ
وقال: [من الکامل]
أنسيمُ برقٍ أَمْ شَميمُ عَرار
أم هزّ معطفَهُ الغرامُ فمزّقت
أم باكَرَتْهُ يدُ الهوى بمُدامةٍ
بل هزّ عِطْفيه لنَوْح حمامةٍ
وعليلِ نفحةِ روضةٍ مطلولةٍ
ما استنشقَت منها المَعاطِفُ بِلْةٌ
حيث الغصونُ تميس في كُثْبانها
عِبِثْت بها أيدي الصَّبا فتمايلَتْ
وتكلّلتْ تيجانُ أزهارِ الرَّبا
فالدر في حربه تلوين حرباء
وانحلّ عِقدُ كواكبِ الجوزاءِ
بغرائبٍ مِن لؤلؤِ الأنداء
متحرّشاً بمساقطِ الأنواء
يُبدي فصاحةَ ألْسُنِ الخُطَباء
ـربال طابت زَهْرةُ الصهباء
بالتاج يمشي مشيةً الخُلَفاء
رَقصِ الغصون ورَنَّة المُكّاء
يسعى بنارٍ أُضرِمَتْ في ماء
دائي الذي حُمِّلتهُ ودوائي
شَرَكُ العقولِ وآفة الأعضاء
لا أنْثَنِي عن ذِمّةٍ ووفاء
ذَرِبٍ وعامِلٍ صَعْدةٍ سَمْراء
أخذوا شّجاعتَهم عن الآباء
لهُمُ ووَزْدَ الوجنة الحمراء
أعزِز عليَّ بفُرقة الخلطاء
أَوْرَى بجانحتيه زَنْدَ أُوارِ
أيدي الصَبابةِ عنه ثوبَ وقار
صِرْفٍ فبات لها صريع خُمار
هَتَفَتْ ودَمْعٍ غمامةٍ مِدرار
باحت بما ضَمَّتْ من الأسرار
إلاَّ انثنَتْ في القلب جَذْوةُ نار
طَرباً لسجعِ مَلاحنٍ الأطيار
فكأنّما شربَتْ بكأس عُقار
بفرائد من لؤلؤِ الأمطار

١٤
الجزء السابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
فالجوُّ في مِسْكيّةِ الغَيْمِ انبرى
والغانياتُ تميس في أرجائها
من كل سافكةٍ بسيفٍ فتورِها
كالبدرِ في بُعْد المَنال وفي السَّنا
ومهفْهفٍ عَبث الصِّبا بقَوامِه
وَسْئَانُ ما جالت قِداحُ جمالِهِ
عاطَيْتُه راحاً إلى الشمسِ انتمّتْ
والليلُ من جوزائه وهِلالِه
وقال: [من الكامل)
هذا اللَّوى لا حُطّ منهُ لواءٌ
فاخلُلْ عقودَ الدّمْع في عُقْدَاته
والعَبْ بِعطفك كالقضيب فإنّما
لم يَبْقَ من آثار أَنْجُمِ غِيْدِه
جعلوا الحُماةَ حِماءَهم وترخّلوا
وتكنّسوا قَصبَ الوَشيج وتفعل
هذي المنازلُ كالمنازِل فاسألوا
ذُمّ الفِراقُ وما علقتُ بذِمَّةٍ
لله ذاك العَيشُ إذ لا بَيْنَنا
فالجوُّ صافٍ والمواردُ عَذْبةٌ
ولقد نزعتُ عن الغَرام فشاقني
هَبَّتِ صَبا نَجْدٍ وهَبَّ لِيَ الصِّبا
ماذا على العُذّال إن خَلَع الهَوَى
بل كَيْف يَحسُن بي الهوى ومَحلّه
يا حبّذا رِيُّ الكئيب من الظّما
هو مَنكِبُ العزْمِ الذي لو أنه
ولَدَيَّ فِكرّ إن تبلّج نورُه
أَلقى القريضَ له مقالدَ أمرِهِ
كم بيت شعرٍ قد علا بِبنائِه
والأرضُ في مُؤْشيّة الأزهار
مختالةٌ مَيْسَ القنا الخَطَّار
عَمْداً وما لقتيلها من ثار
والريم في كَحَلٍ وفرطِ نفار
عَبَثَ الصَّبا بمَعاطفِ الأشجار
إلاَّ ثنى قلبي مِنَ الأعْشار
بزجاجةٍ تنمي لضَوْءِ نّهار
يختال بين قلادةٍ وسوار
يرتادُني عنه هَوىّ وهَواءُ
إن جرَّعتْك غَرامَك الجَزْعاء
أهدَتْ بوارحَها لك البُرْحَاءُ
إلا الدموعُ فإنها أنواء
فبحيثما حَلّوا ظُبى وظِباء
السمراء ما لا تفعل السمراء
عن بدرها فلقد دَجَتْ ظَلْماء
من سَلوةٍ فمتى يُذَمُّ لِقاء
بَيْنٌ ولا عاداتُنا عُدَواء
والروض نَضْرٌ والنسيمُ رُخاء
أَرَجْ نماه مَندَلٌ وكِباء
فتلاقت الأهواءُ والأهواء
عُذرِي وعُذرِي غَادةٌ عَذْراء
دون الحضيض ودُونِيَ الجَوْزاء
لا حبّذا أُزْوَى ولا ظَمْياء
ريخ لقالوا إنها نَكْباء
شهِد الذّكاءُ بأَنَّ ذاك ذُكاء
فاختار وهو المانعُ الأَبَّاء
بَيْتُ دَعائمُ سَمْكِهِ العَلياء

١٥
نصر الله بنُ عبدِ الله بن مَخْلوفٍ بن علي بن قلاقس القاضي الأعزّ
تَخيّا به الأمواتُ بعد فنائها
ألفاظه كالشُهْبِ إلاّ أنها
وإلى سَراة بني عَديِّ أنتمي
قومٌ هم غُرر الزّمان وأهله
يتورّدون الخطّبَ وهُوَ مهالكٌ
ويخاطبون بألسُنِ البيض التي
من كلّ أروعَ ضاربٍ بحُسامه
متناسبِ الأجزاءِ أجمعُ صدرِه
إِنْ تَظلِمِ الأقدارُ فهو مُهَتّدٌ
تأبَى مَناط نِجاده فكأنه
ويُهزّه هَزّج الصَّهيل كأنما
أبناءُ لخُم الأكرمين عِصابةٌ
نَشروا أَمامَ خَميِسهم أحسابَهم
ضربوا بمُستنّ الركابِ قبابَهم
وتَحَكِّمَ الضِيْفانُ في أموالهم
يخشاهمُ ريبُ الزمانِ فجارُهم
نَسَبٌ لَوَانْ الزَّهْرَ في إشراقه
وقال: [من الكامل]
أصبحتُ بين سَوالفٍ وعيونٍ
فدَعِي المَلامةَ في التصابي واعلمي
ماذا عليكٍ إذا سفحتُ مدامعي
ما زلتُ أُخفي الحبَّ حتى هاجه
يا عاذلي رِفْقاً على قلبي فما
صادته أَيْدي الحبّ إذ نصبتْ له
خَفْض عليّ فما أراك تصدّني
كيف السبيل إلى السُلوّ وقد خَلَتْ
وعلى الحُمول غريرةٌ أجفانها الـ
هيفاء تحت نِقابها وثيابها
ولربّما ماتت به الأحياء
في كُلّ خَطبٍ فيلقٌ شهباء
في حيث تثنى الغُرَّة القَعْسَاءُ ...
والعالمونَ جِبلّةٌ دهماء
ويبادرون الحربَ وهي فَناء
من دونِها تتلجلج الخُطّباء
رأسَ الكَميّ إذا التظَتْ هَيْجاء
قَلْبٌ وأجمَعُ قَلِبهِ سَوْداء
أو تُظْلِمِ الأخطار فهو ضِياء
من تحتِ منعقد اللواء لواء
حكمتْ عليه القهوةُ الصهباء
لا ينثنون وفي الثّبات ثَناء
في الحَرْب وهي الرايةُ البيضاء
فتساوت الغُرَباء والقُرَناء
حتى كأنّهمُ لهم شُرَكاء
لم يَذْرِ في السّرّاء ما الضَّرّاء
لتشابَةَ الإصباحُ والإمساء
وقفاً على أمنيَّةٍ ومَنونٍ
أن الملامةَ ربّما تُغريني
وأطلتُ في آي الديار أنيني
وَشْكُ الفِراق وأظهرتْه جفوني
أُرضيك في فعلي ولا تُرضيني
شَرَكاً بألحاظ الظُّباء العين
باللّوم عن شَغَفي ولا تَثْنيني
من آل حمدةَ جانبا يَبْرين
-مرضى الصِحاح بقتلتي تُفتيني
ما شئتَ مِنْ وردٍ ومن نِسْرين

١٦
الجزء السابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
سفرتْ فأَبْدَتْ بدرَ تمَّ طالعاً.
وبكت فأَبْقَت في عقيقٍ خدودها
وقال: [من الطويل]
سَرت وجبينُ الجوّ بالطلّ يرشَح
فقابلتُ من أسماطها الزَّهْرَ تُجتلى
بحيث الرُّبا تخضلّ والدَّوح ينثني
وفي طيّ أبراد النسيم خميلةٌ
تُضاحِكُ في مَسْرى العواطفِ عارضاً
وتُوري به كفُّ الضيا زندَ بارقٍ
تَفَرَّسَ منه البذر في متنِ أشقرٍ
على حين أوراق الصَّبا الغضّ نَضْرةٌ
وقال: [من الكامل المرفّل]
سافر إذا حاولت قَذْرَا
والماء يكسب ما جرى
وبِنُقلة الدرر النفيـ
وضلاً إذا امتدّت يدا
فالبدر أنفق نوره
زِد رِفـعـةً إن قيل أتـ
فالغصن يدنو ما اكتسى
حركاتٍ عبِسكَ إن أرد
فالمهدُ أَسكنُ للصغيـ
وقال: [من الطويل]
بعيَنْيه سُكري لا بكأسٍ عُقارِهِ
فيا حبّذا خمرُ الفتور يُديرها
سقاني فلما أن تَملّكَني الهوى
فللبدر ما يُبْديه فوق لثامه
تضيءُ بروقُ البيض دون اجتلائه
لكَ في ليالٍ للغدائر جون
آثارَ لؤلؤِ دمعها المكنون
وثوب الغوادي بالبروق موشّخ
وقبَّلتُ من أمراطها الزهر ينفح
ودمعُ الحَيا يَنْهلّ والطَّيْر تصدَح
بأعطافها نَورُ المُنى يتفتّح
مدامعَه في وجنة الرَّوْض تسفح
شرارتُه في فحمة الليل تقدَح
يُلاعِب عِطفَيْه النسيم فيرمح
ووُرق التصابي بالصبابة تُفْصِح
سار الهلالُ فـصـار بدرا
طِيباً ويخبُث ما استقرّا
ـسة بُدّلَتْ بالبحر نَخرا
ك فإن هما حَلَتا فهَجْرا
لما بدائم استرا
ـرَبَ وانخفِضْ إن قيل أثرى
ثمراً ويسمو ما تعرّى
ت مِهادَ عَيْشِك أن تقرّا
ـر بحيث جاء به ومرّا
رَشاً صاد آسادَ الشَّرَى بنفارِهِ
على وَرد خذَّيْه وآس عذاره
ثنى معطفَيْه عن صريعٍ خماره
وللغصن ما يُخْفيه تحتَ إزاره
وتهوي نجومُ السُمر دون اهتصاره

١٧
نصر الله بنُ عبدِ الله بن مَخْلوفٍ بن علي بن قلاقس القاضي الأعزّ
وقد غنيَتْ أعطافه عن رِماحه
لئن كان قلبي مُقْفِراً من جماله
وواللهِ لولا أنه جئَّةُ المُنى
وفي فَلَك الأصداح بدرُ محاسنٍ
كأنّ الثريّا والهِلالَ تقاسما
وكم جُرَّدَت دون الظباء من الظَّبى
وما أطلقتْ بالسحر غزلانُ بابِل
إذا غرسَتْ أيدي الصبابة في الحشا
إذا هبّ نجديُّ النسيمِ أحاله
غَراماً ببانات اللّوى وأراكِهِ
وقال: [من البسيط]
أرابَه البانُ إن لم يَقْضِ آرابا
كأنّ أوطانَ أوطارٍ محاسنُها
حيثُ المغاني غوانٍ ما اشتكتْ يدُها
ولا ألمَّ بها مثلي فأذمعَه
يا حبَّذا البان إذ أَجْنى فواكهَه
وإذا أبيتُ وكأسُ الراح مالئة
سقاه كالدمع إلاّ ما يؤثّره
وجرّ فيه كأنفاسي غلائلَه
قِفا لأعتُبَ دهراً لانَ ثم عسَى
واستنزِلا بلطيفٍ من عتابكما
لله ما ضمّت الأحداج من قمرٍ
أغمض اللحظّ عنه حين ينظر عن
وربّما زارني زُوراً وشقّ إلى
ما كنتُ أُسكِر طَرْفي من مُدامٍ گرّی
يا من إذا ما وَفَى استَوْفى الحشاشة لا
وقال: [من الكامل]
كما غنيت أشفارُه عن شفاره
فإنّ فؤادي عامر باذكاره
لما كان محفوفاً لنا بالمكاره
كَستْه أيادي البين ثوبَ سَراره
جمالَهما من قُرطه وسِواره
لِقتلٍ شجٍ لا يُرْتَجى أخذُ ثاره
لواحظَها إلاَّ انثنى في إِساره
أصولَ الهوى فالوجد بعضُ ثماره
سَموماً بما يمليه من وهج ناره
وشوقاً إلى قُلاّمِه وعَراره
فارتد ناظره المرتادُ مُرتابا
تستنفد اللفظَ إطراء وإِطرابا
يوماً من الخُرَّد الأترابِ أَترابا
فاستعجز الغيثُ إرباءً وأربابا
على ذُرًا البان أعناباً وعُنّابا
كفي حَباباً وطَزْفي فيه أحبابا
فإنه مَنَع الإجداءَ أجدابا
شذاً يقول له الإطنابُ أطنابا
عساه يُعْقِب هذا العَثْبَ أعتابا
قلباً طواه على الأحقاد أحقابا
أرخى ذوائبَ عنهُنَّ الدُّجَى ذابا
جَقْنٍ هو النصلُ إرهافاً وإرهابا
وصلي حِجاباً يُراعِيهِ وحُجّابا
لو لم يحرّم على الإضحاء أصحابا
عدِمتُ حاليك إعطاءً وإعطابا

١٨
الجزء السابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
هَبْ للقلوب من العيون ملاذُ
هيهاتَ ما سُلّتْ شِفارُ لواحظٍ
لا تُرْسِلَنَّ سهامَ لحظِك جاهداً
ومن العجائب أن خذي مُجدِبٌ
يا رامياً كيدي بِنْبل جفونه
ومليحةِ الأوصاف حسَّنها الصِّبا
في طَرْفها الأحوى تأنّقُ بابلٍ
رَقْتْ جفوناً فهي ماءٌ دافقٌ
وقال: [من الطويل]
دعتْه المثاني وادّعتْه المثالثُ
وقارفَ قبل الموتِ والبعثِ قَرْقَفاً
وكان الهوى أبقى عليه صَبابةً
فقام إلى أُمّ الخبائثِ إنها
وأَخيا بروح الراح جسمَ زُجاجة
وقد قال للصَّهْباء إنّي حالفٌ
وما العيش إلا للذي هو ماكث
فيا راحلاً أَبْلِغْ أخِلاَيَ باللِّوَى
لمن كَللٌ مُدّت حوامِ حواملٌ
هناك ولا نُعمانَ قُضْبَّ موائسٌ
دَمي للدُّمَى إن لم أُرِغها برخلةٍ
ربيعةُ فتكٍ لم تَلِذْني مكدّمٌ
ليَّ النافئاتُ السَّخْرِ في عُقَد النُّهَى
وقال: [من البسيط].
الْحِقْ بَنَفْسَجَ فَجرِيَ وَردَتّي شفقٍ
قد عُطِّلَ الأُفُقُ مِن أسماطِ أَنْجُمِهِ
قُمْ هاتٍ جامَك شمساً عند مُصطبحٍ
وأَقْسِمْ لِكلّ زمانٍ ما يليق به
ولها على مكنونها استِخواذُ
إلاّ تثنت والقلوبُ جُذاذ
إنّ المنيّةَ سَيْرُها أغذاذ
وعليه من سَيْل الدموع رَذاذ
خَفّضْ عليك فإنّها أفلاذ
والتيهُ لاديباجُها واللاذ
نَفّاثُ سحرٍ في الحشائَفّاذ
وقستْ فؤاداً دونه الفُولاذ
فها هو للنِذْمان والكاس ثالثُ
يعاجله منها مُمِيتُ وباعثُ
من اللبّ وافاها من الكاس وارث
بها أبداً تصفو النفوسُ الخبائث
على يده منها قديمٌ وحادث
فقالت له الصهباء إنّك حانث
على غيّه أو للذي هو ناكث
وإن رجعوا أنّي على العهد لابث
فمادت بها عِيسٌ رَواغٍ رواغث
وثَمَّ ولا يَبْرِينَ كُثْبٌ عثائث
نديمي بها الدأماءُ أو فالدمائث
عُتَيبةُ حَربٍ لم يلدنيّ حارث
فما هي إلاّ العاقداتُ النوافث
كافورةُ الصبْحِ فنّتْ مِسْكَةَ الغَسَقِ
ناعقِد بخمرك فينا حِلْيةَ الأُفُق
وخَلٌ كاسَكَ نَجْماً عِنْد مُغْتبق
فإن للزَّنْدِ حَلياً ليس للعُنُق

١٩
نصر الله بنُ عبدِ الله بن مَخْلوفٍ بن علي بن قلاقس القاضي الأعزّ
هبَّ النسيم وهبّ الريمُ فاشتركا
واستّرقصَتْنيّ كاسترقاصٍ حامِلها
وبِتُّ بالكاس أغْنَى الناسِ كِلْهم
كَمْ وُرّدتِ وَجَناتُ الصِرف في قدحِ
يسعى بها رَشَأْ عيناه مُذ رمقَتْ
حَبابُها وأحاديثي ومبسِمُه
حتى إذا أخذتْ مِنّا بسَورتها
رَكِبتُ فيه بِحاراً من عجائبها
ولم أزلْ في ارتشافي منه ريقَ فٍ
يا ساكنَ القلب عمّا قد رُميتُ به
لا تَعْجَبَنَّ لكلّ الجسم کیف مضى
لم أسترقْ بمنامي وصلَ طيفِهم
ولا اجتلى الطرفُ بَرقاً من مَباسمهم
في الهندِ قد قیل أسیاف الحدید ولو
نَسِيت ما تَحتَ تفتيرِ الجُفونِ أما
وبتّ بالجَزْعِ في آثارهم جَزِعاً
في نارٍ وَجْدِيَ معنّى من تلهبّهِ
وقال: [من المجتثّ]
لا أشربُ الراخ إلاّ
وإن فَنِيتُ فعندي
قُمْ يا نديمي فأنْصِتْ
غنّى وناح فنزَّعـ
طاوِغْ على العَزْف والقَّضـ
وانهَضْ بطيشك عن سَخـ
أثورُ من ذي ومن ذا
وإن رمتني الليالي
في نَكْهَةٍ من نسيم الروضةِ العَبِق
مُخْضَرَّة الوُزق في مُخْضَرَّةِ الوَرَق
فالخَمْرُ من عسجدٍ والماءُ من وَرِق
فتحتُ بالمزج ما تعلوه من حَدَّق
لم يَبْق فيَّ ولا فيها سوى المرَّمَق
ثلاثةٌ كلها من لؤلؤ نسَق
مآخذَ النوم من أجْفانٍ ذي أَرَق
أَنْي سلِمتُ وما أَدري من الغَرَق
أَطفأْتُ في بَزْدِه مشبوبةَ الحُرَق
من ساكِنِ القلب مع ما فيه من قَلَق
وإنما اعْجَبْ لبعضٍ الجسم كيفَ بَقي
فما له صار مقطوعاً على السَّرَق
فما له مثل صَوْبِ العارضِ الغَدِق
لا هندُ ما قيل أسيافٌ من الحَدَق
خُلوقةُ الجفنِ إِثْرَ الصارمِ الدِّلق
إن جُرِّدَ البَزْقُ إيماضاً على البُرَق
وفي فؤادِيّ ما فيه من الوَلَق
ما بينَ شادٍ وشادنْ
إلى معادٍ معادن
والليلُ داجٍ لداجِنْ
ـتُ ثوبَ خاشٍ مُخاشِن
ـف كلّ حاسٍ وحاسِن
ـتٍّ ذي وقارٍ وقارن
في كلّ غابٍ وغابِن
يوماً بداهِ أُدامِن
وقال على طريق أبي الرقعمق: [من مجزوء الرجز]

٢٠
الجزء السابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
يا هذه لا تَـنــطِـقـي
أما علمت أنّني
أصبحتُ صَبّاً هائماً
فطبلي من بعدِ ذا
وأرعدي من غضبٍ
ودّففي وبعد ذا
أنا الذي فُقْتُ الورى
أنا الذي طُفْتُ بلا
أنا الذي يا إخوتي
والستين والجوز مع الـ
يا هذه تعطّفي
أمّا أما أمّا أما
في جوسقٍ مرتفع
ما فانظري وجهَ هِلا
كزورقٍ من ذَهَبِ
والماء في النّهَّر غدا
كذاك لون الأقحوا
والوزد كالخدّ كمـا الــ
ويلاه من مهفَهفٍ
ذي وَجْنةِ أسيلةٍ
وشعرةٍ مُسْوَدَّةٍ
وقـامـةٍ تميس كـلــ
ياحُسَنهُ يَختال في
يا هذه لمابدا
فشمَّر الكُمَّ إلى
ورام أن يقفزبا
علِقتُهُ وصِرْتُ من
إيه ومن وجدي به
بَسَّكِ لا تُنَقيقي
أصبحتُ شيخ الحُمق
بتوبيّ المزوّق
إِنْ شِئْتِ أو فبوّقي
عليَّ أو فأبرقي
فإن أردتِ فصفقي
من قبل لُبْس البُخْنُق
د الغرب ثم المشرق
أُحبّ أكل الفُسْتُق
ـفانيذـ ــم الـبــدق
توقّفي ترفّقي
آن لنا أن نلتقي
ناهيكَهُ من جوسقٍ
ل الفِطْر فوق الأفق
أكرِمْ به من زَورقٍ
مثل الـحـام الأزرق
ن مثل لون الزيبق
خَّرْجِس مثل الحدَق
مُمَنطَقٍ مُقَرطق
مُحمَرةٍ كالشِّفَق
مِثْل اسوداد الغَسَق
ـغُصنِ الرطيب المُورقِ
ذاك القَباءِ الأزرق
على الحصان الأبلق
دُوَيْنَ رأسِ المِزْفَق
لأبلق عَرْضَ الخندق
فَرْطِ الهوَى في قَلَق
أُمسِكُهُ في الـطرُق