Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
عليّ بن محمد بن الحسين بن محمد بن أبي الفضل
ولكنه ولَد نعمة شديد العُجب والدَّالة. وحمل النفس على ما تدعوه إليه الحداثة. فسد رأيُ
عَضُد الدولة فيه، فلما تُوفي ركن الدولة وسار مؤيّد الدولة من إصبهان إلى الريّ، استصحب
معه الصّاحب بن عبّاد، كاتبه، وأَقرَّ أبا الفتح ابن العميد على حملته ورتَّبه في منزلته وقَدَّمه
ومَكَّنه. فاستمر على عادته في الإِدلال والاستبداد والمُضيّ على وجهه في كل الأحوال.
فاستوحش منه مؤيّد الدولة، وتردَّدت بينه وبين عَضُد الدولة مكاتبات ومراسلات في بابه.
فقبض عليه مؤيّد الدولة في شهر ربيع الأول سنة ست وستين وثلاثمائة. ولما حُبِس وعُذّب
لاستخراج الأموال سُمِلَت عينَه وجُزَّتِ لِحيته وجُدِعَ أنفه، فَفَتَق جَيبَ جُبَّته وأخرج منه رقعةً
تشتمل على ودائع أمواله وذخائره، فألقاها في النار وقال للموكل به: اصنع ما شئت فوالله
لا يصل إليكم من أموالي المستورة حَبَّة واحدة. فما زال يعذّبه إلى أن مات. وقد ذكر
أبو حيان التوحيدي سبب القبض عليه مُستَوفّى، وأورده ياقوت في ترجمة أبي الفتح
ابن العميد وأنشد في آخر حاله [البسيط]:
كما تظنونَ والأيامُ تنتقِلُ.
راعُوا قليلاً فليسَ الدهرُ عبدَكُمُ
ومن شعره وهو في الحبس [السريع]:
لكنه ما بُدّلَ المخْبَرُ
بُدّلَ مِن صورتي المنظَرُ
لكنْ علَى من ليس يستغيِر
ولیس لي حُزْنٌ علی فائتٍ
مُسْتخبر عني فلا يُخبّر
ووَالِهِ القلبِ بما مَسَّني
فقل لمن سُرَّ بما سَاءَني لا بُدَّ للمَسْلَكِ أنْ يُعبر:
وؤُجِدَ على حائط محبس ابن العميد بعد قتله [الخفيف] : .
مَلِكَ شَدَّ لِي عُرَى الميثاقِ بأمانٍ قد سار في الآفاقِ
لِمِ يحُلْ رأيُهِ ولكنّ دهري حال عن رأيه فشَدَّ وِثاقي
وسَقَى الأرض من دَمي المُهْراق
أو حبيبٍ تحِيَّةُ المُشْتاق
فقرى الوحش من عظامي ولحمي
فعَلَى مِن تركتُهُ مِن قِرِيبٍ
وفي بني العميد يقول القائل [الوافر]:
فَأَلْفَيتُ السعادةَ فيِ خُمِودٍ
مررتُ على ديار بني العَمیدِ
فإِنَّكَ لِم تُبَشَّرْ بِالِخُلود
فقلْ للشامتِ الباغي رُوِيداً(١)
وكان أبوه أبو الفضل قد جعل عليه عيوناً يرصُدونه ويطالعونه بأخباره ومتجدّداته. فقال
في الأصل (رظويداً) خطأ، وما أثبتناه يقتضيه السياق.

٢٨٢
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
له بعضهم: إنه الليلة كتب إلى فلان يستدعي منه شراباً. فحمل ذلك إليه ما يحتاجه من نُقْلٍ
ومشْموم ومشروب، فدسَّ أبوه إلى ذلك الرجل من يأتيه بالورقة، فأتاه بها وإذا فيها بخطه بعد
البسملة:
قد اغتنمتُ الليلة، أطال اللَّهُ بقاء سَيّدي ومولاي، رَقْدةً من عين الدهر، وانتهزت فيها
فرصةً من فرص العمر، وانتظمت مع أصحابي في سِمْط الثريًا، فإن لم تحفظ علينا النظام
بإهداء المُدام، عدنا كبنات نعشٍ والسلام.
فاستُطير أبوه فرحاً وإعجاباً بهذه الرقعة البديعة وقال: الآن ظهر لي أثر براعته، ووَثِقْتُ
بجريه في طريقي، ونيابته مَنابي، ووقّع لي بألفَيْ دينار.
وجرى في بعض الأيام في مجلس أبيه قول الشاعر وهو [المجتث]:
لَئِنْ كففتَ وإلاّ شَققْتُ منكَ ثِيابي
فأصغَى أبو الفتح وقال في الوقت [المجتث]:
يا مُولَعاً بعَذابي أَما رَحِمْتَ شَبابي؟
نَهْبَ الأسَى والتصَابي
تركتَ قلبيّ تِيهاً
مِن ذِلَّتي واكتِئابي
إِنْ كنتَ تُنكر ما بي
عن العظام ثيابي
فارفع قليلاً قليلاً
ومن شعره [الطويل]:
يقول لِيَ الواشُون كيف تحبُّها؟ فقلت لهم: بين المُقَصّر والغَالي
وقلتُ: هوّى لم يهوَه قَطْ أمثالي
فقلتُ: أبى مالي وتسألني ما لي؟
ولولا حذاري منھُمُ لصدقتھمْ
و کم من شفيقٍ قال : ما لَكَ واجماً؟
ومن شعره [الكامل]:
إِني متَى أَهْزُزْ قَناتِيَ تَنتثِرْ أَوْصالُها أُنبوبةٌ أُنبوبَا
وأَقِي بحدّ سِنانها المھْرُوبا
أَدعو بعالیھا العُلَی فتجيبني
ومن شعره [الكامل]:
ما زِلتُ في سُكْري أُلَمّع كَفّها وذراعَها بالقَرْصِ والآثار
حتى تركتُ أَديمَها وكأَنَّما غُرِسَ البنفسَجُ فيه بالجُمَّارِ
وقال الثعالبي: كنت عند أبي الفتح ابن العميد في يوم شديد الحَرّ، وقد رَمت الهاچِرة

٢٨٣
عليّ بن محمد بن الحُسَين بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن مجاهد
بجَمراتها فقال لي: ما قَول الشيخ في قَلبه؟ فلم أفطَن ما أراد. فلما كان بعد قليلٍ أَتَّى من
استدعاني إلى مجلس والده. فلما مَثُلت بين يديه تبسَّم وقال لي: ما قَول الشيخ في قَلبه؟
فِبُهِتُّ وسَكَتُ، وما زلت أفكر حتى تنبّهْتُ أنه أراد الخَيْشَ، لأنه كان على أبي الفتح من جهة
والده من يطالعه بأخباره. فكتب إلى أبيه بتلك اللفظة في تلك الساعة، فدعاني لفَرْط اهتزازه
لها .
ووجد له أبوه يوماً رُقعةً مكتوبةً بخطّه فيها بيتان وهما [السريع]:
أَدِيبُنا المعروفُ بالكُردي يولَعُ بالغِلْمانِ والمُزْدِ
أدخلني يوماً إلى بيتِه فَناكني والأَيْرُ من عندي
فغضب وقال: أمثل ولدي يكتب بهذا الفُخش والفجور، أما والله لولا ولَولا ولَولا، ثم
أمسَكَ كأنه يشير إلى ما حُكِمَ له من سوء العاقبة وقِصَر العمر.
٣٠٤ - ((الأسَدي الفارقي)) عليّ بن محمد بن الحسين بن موسى بن عليّ بن ميمونٍ
أبو الحسن الأسدي الحنفي الفارقي البغدادي. كان غالياً في التشيّع مليح النادرة، ذا مُجونٍ
ودُعابة. سمع شيئاً من الحديث من أبي الحسن ابن مخلَدٍ، وتُوفيَ سنة اثنتين وثمانين
وأربعمائة .
٣٠٥ - ((ابن النيّار المقرىء» عليّ بن محمد بن الحسين شيخ الشيوخ أبو الحسن
ابن التيار المقرىء البغدادي. صدر الدين. هو الذي لَقَّنَ المستعصم بالله ونال في خِلافته
الحِشْمَة والجاه والحُزْمَة. روَى عنه الدمياطي وغيره، وذُبحَ بدار الخِلافة مع الجملة في من
قتله التتار سنة ستٍ وخمسين وسِتّمائة.
٣٠٦ - ((البَزْدَوي الحنَفي)) عليّ بن محمد بن الحُسَين بن عبد الكريم بن موسى بن
عيسى بن مجاهد، أبو الحسن، فخر الإسلام الحنفي البَزْدَوي. بالباء الموَحَّدة والزاي والدال
المهملة والواو، شيخ الحنفية وأستاذ الأئمة، صاحب الطريقة على المذهب وتنبيه الأعلام.
٣٠٤ - ((لسان الميزان)) لابن حجر (٩٢/٥) رقم (٥٩٦٤)، و((الفَارِقيُّ: بكسر الراء وقاف إلى مَيَّارفارقين.
انطر ((لب اللباب)) للسيوطي (١٤٣/٢) ترجمة (٢٩٤٨)، و((الباب)) لابن الأثير (٤٠٥/٢)،
و((الأنساب)) للسمعاني (٣٣٤/٤).
٣٠٦ - ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٦٠٢/١٨) رقم (٣١٩)، و((الأنساب)) للسمعاني (٢٠١/٢)، و ((الأعلام))
للزركلي (١٢٨/٤)، و(الجواهر المضية)) للقرشي (٣٧٢/١) رقم (١٠٢٤)، و((معجم البلدان)) لياقوت
(٤٠٩/١)، و((معجم المؤلفين)) لكحّالة (١٩٢/٧)، و((الفوائد البهية)) للكنوي الهندي (٢٤).

٢٨٤
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وبَزْدَة المنسوب إليها قلعة حصينة على سِتّة فراسخَ من نسَف. توفي في حدود الثمانين
وأربعمائة.
ت: ٣٠٧ - (القاضي أبو تمام الواسطي)) عليّ بن محمد بن الحسن بن يزداد القاضي أبو تمام
العبدي الواسطي. مسند أهل واسط. كان معتزليّاً، كذا قاله الخطيب. توفي سنةً تسع وخمسين
وأربعمائة .
٣٠٨ - ((ابن كاس الحنفي)) عليّ بن محمد بن الحسن أبو القاسم النخعي الكوفي الفقيه
الحنفي المعروف بابن كاس. وَلِيَ قضاء دمشق وغيرها، وكان إماماً في الفقه كبير القَدْر من
ولَد الأشتر النخَعي. غرق يوم عاشوراء فأخرج ثم مات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وله
كتاب يغضّ فيه من الشافعي رضي الله عنه، ورد عليه نصر المقدسي. وكان قد سمع
الحسن بن علي بن عَفّان العامري وإبراهيم بن عبد الله القَصّار وإبراهيم بن أبي العَنْبَس
والحسَن بن مُكْرَم وأحمد بن أبي عزرةً وأحمد بن يحيى الأَوْدي وغيرهم. وروى عنه أبو
علي بن هارون وأبو بكرِ الربعي وابن زير والدارقطني والمعافا بن زكرياء وأبو حفص
ابن شاهين وعبد الوهاب الكلابي.
٣٠٩ - ((ابن النبيه الشاعر)) علي بن محمد بن الحسن بن يوسف بن يحيى، الأديب
الشاعر البارع كمال الدين أبو الحسن ابن النبيه المصري. صاحب الديوان المشهور. مدح
بني العبّاس واتصل بالملك الأشرف موسى وكتب له الإِنشاء، وسكن نَصِيبين. وتوفي حادي
عشرين جمادى الأولى سنة تسع عشرة وستمائة بنصيبين. هذا ديوانه المشهور أظن أنه هو
الذي جمعه من شعره وانتقاه لأنه كله منَقَّى منقَّح، الدرَّة وأختها، وإلا فما هذا شعر مَنْ
٣٠٧ - ((لسان الميزان)) لابن حجر (٩٨/٥) رقم (٥٩٧٤)، و((الإكمال)) لابن ماكولا (٢٩١/٢)، و((الميزان))
للذهبي (١٥٥/٣) ترجمة (٥٩٣٨)، و((سير أعلام النبلاء)) له (٢١٢/١٨) ترجمة (١٠٠)، و«تاريخ
بغداد)) للخطيب (١٠٣/١٢) ترجمة (٦٥٤١)، و((سؤالات الحافظ السّلفي لخميس الجوزي)) صفحة
(٥١) ترجمة (٩)، و((الأعلام)) للزركلي (٣٢٨/٤).
((غاية النهاية)) لابن الجزري (٥٧٦/١) رقم (٢٣٣٦)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (٧٠/١٢)
٣٠٨۔
رقم (٦٤٦٩)، و((الجواهر المضية)) للقرشي (٣٧١/١) رقم (١٠٢٣)، و((الأنساب)) السمعاني (١٠/
٣٢٤)، و(تاج التراجم)) لابن قطلوبغا (٤٥) رقم (١٣٤).
٣٠٩ - ((شذرات الذهب)) لابن العماد (٨٥/٥)، و((عقود الجمان)) لابن الشعار (١٥٣/٤ - ١٦٩)، و(حسن
المحاضرة)) للسيوطي (٥٦٦/١)، و((العبر)) للذهبي (٨٤/٥)، و((سير أعلام النبلاء» له (١٧٨/٢٢)
رقم (١١٨)، و((تاريخ الإسلام)) له (آيا صوفيا ٣٠١)، (١٩٧)، و((فوات الوفيات)) لابن شاكر (٦٦/٣ -
٧٣) رقم (٣٥١)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٤٣/٦).

٢٨٥
علي بن محمد بن الحسن بن يوسف بن يحيى .
لإ نظم له إلا هذا الديوان الصغير.
نقلت من خط شهاب الدين القُوصِي في معجمه قال: أنشدني لنفسه بدمشق في صبيّ
يشتغل بعلم الهندسة [الطويل]:
وبيَ هَنْدسِيُّ الشكلِ يَسبيكَ لَحظُه وخَالٌ وَخَدُّ بالعِذار مطَرَّزُ
كقوس علمنا أنَّما الخالُ مركز
ومُذْخَطّ بيكار الجمال عِذارَه
وقلت أنا أيضاً [الكامل]:
يا أيها الرشَأُ الذي لمّا بدًا مُحِيَّتَ لديه محاسنُ الأقمارِ
ما راح خدُّكَ وهو دائرةُ المُتَى إلاّ وخالُك مركزُ البِركَّار
ـــةع مصداقية
ونقلت منه، أنشدني لنفسه في مبقلة [السریع]؛
مَبقَلة أعجبني شَكلُها يسرَحُ مِنِها الطَّرْفُ في مَرْجِ
كأنما قِسْمَةُ أبياتها لمّا بدَتْ رُقعةُ شَطرَنْجِ
قال: أنشدني لنفسه [الطويل]:
١٠,٠٠٠٠
غَزِالٌ بجسمي ما بعينيه من سُقْمٍ
تعلّمتُ عِلْمَ الكيمياء لحبّه
فصحَّت بذا التدبير تصفيرَةً الجسم
فَصَعَّدتُ أنفاسي وقَطَّرتُ أَدِمُعي
ونقلت منه، قال: أنشدني لنفسه في صبي يهودي رآه بدمشق فأحبّه [السريع]:
من آل إسرائيلَ عُلَقتُهِ أسقَمني بالصَّدّ والتّيهِ
قد أنزلَ السَّلْوَى على قلبِهِ وَأُنزِلِ المَنُّ على فِيهِ
وقال: انشدني لنفسه [السريع]:
٥ ٢ لاحَ علَى وجنتِه عارض كالعَرض القائم بالجوهرِ.
يا شَعر لا تكذب على خدّه ما ذاك إلا صَدَأ المِغْفَر
وقال: دخلت أنا وهو على الصاحب الوزير صفي الدين ابن شکر رحمه الله وقد حُمَّ
بقَشْعَريرةٍ في بعض أمراضه فأنشده [مجزوء الرجز]:
تَبّاً لحُمّاك التي أضْئَتِ فؤادي وَلَها.
هَلِ سَألِتِكَ حاجةً فأَنتَ تِهِتَزُّ لِها

٢٨٦
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
فكانت جائزة هذين البيتين استخدامه له على ديوان أوقاف الجامع المعمور بدمشق
بجرايةٍ وافرةٍ وجارٍ موفور. قال: وأنشدني من قصيدةٍ أشرفية [المتقارب]:
حسان الوجوه جفاف المضَارِبْ
برزنا إلى الرّميٍ في حَلْبَةٍ
كأحداقهم تحت قِسِيّ الحَواجِب
بنادقُهم في عيون القِسِيّ
وهذي لها طائر القلب واجب
فتلك لها طائر في السّما
ومنها في وصف البُزاة [المتقارب]:
بُزاةٌ لها حَدَقُ الأُفْعُوان وأظفارها كَحُماة العقَارِبْ
وذا طائر حَذَرَ الموت هَارِب
فلْلأُفْقِ نِسرانِ ذا واقِعٌ
قال: وأنشدني لنفسه أبيات [البسيط]:
يا جاذبَ القَوْسِ تقريباً لِوَجنته والهائم الصّبُّ منها غَيرُ مقترِبٍ
ألَيسَ من نَكّدِ الأيامِ يُخرَمُها فمِي ويلثمها سَهْمٌ مِن الخشَبِ
قال: وأنشدني لنفسه يمدح الوزير يوسف بن الحسين [الخفيف]:
بدر تَمّ له من الشعر هَالَهْ من رآه من المحبين هَالَّةْ
قَصُرَ الليلُ حين زار ولا غَ زْو غَزال غارت عليه الغَزالَة
يا نسيمَ الصَّبَا عسَاكَ تحمَّلْ ت لنا من سكان نَجْدٍ رِسالَة
كلٌّ معسولةِ المَراشِفِ بيضاءَ حَمتها سُمُر القَنا العَسَّالَةِ
عانقتني كصَارِمي وأدارت مِعْصَمَيها في عاتقي كالجِمالَة
بسَطتْ دَوحُهُ علينا ظِلاله
إنَّ بالرقْمتَين ملعَبَ لهوٍ
مَعْلَم مُعْلَم وش بُسْطَہ الزهـ
وكأنّ الحَمامَ فيه قِيان
وكأنّ القضيبَ شَمَّر للرقـ
إن خوض الدماء أطيبُ عندي
فهي مثل القِسِيّ شكلاً ولكنْ
تركتها الحُداة بالخفْض والرَّفْ
ـرُ وحاكته دِيمَةٌ هَطّالَة
أَعربَت لحنها على غير آله
صٍ سُخَيراً عن ساقه أذيالَه
من مطايا أمسَت تَشَكِّى كَلالَه
هي في السَّبْق أسهم لا محالَه
ح حروفاً في جَرّها عَمّاله
نحو باب الوزير يوسف نجم الــدين نجل الحسَين زَيْنِ الجَلالَه

٢٨٧
علي بن محمد بن الحسن بن يوسف بن يحيى
كم له من رسالةٍ تُعْجز الخَلـق كأن الباري بها أَوحَى لَه
يوسفيّ إذا رأيت جمالَه
ذو يدٍ موسويّةٍ ومُحَيّا
ئل في نّيْل جوده آماله
بسط الجود عندما بسط السا
داره جَنَّة النعيم فمن فاز بتقبيل تُزبها طُوبَى لَه
قلت: وقد تقدّم في ترجمة محمد بن يوسف التّعَفْري له قصيدة على هذا الوزن. قلت
أنا، وهي من مبادي ما نظمت في زمن الصّبا [الخفيف]:
ذكر البانَ بالعقيق وضَالَه عندما شام برقَه فأضالَةْ
كادَ يقضي أو قد قضَى لا مَحالَه
واعتراه إلى الديار حَنينٌ
عَساهُم، والأماني على المُحالِ مُحالَه
غصنُ البان مَيْلَه واعتدالَه
لم يزده وذاك شَرط العَدالَه
أَلِفُ القَدّ بالنسيم مُمَالَه
قلتَ: بدرُ السّماءِ في وَسْطَ هَالَه
فاعترَى القلبَ غَيْرةٌ حين خَالَه
عمّه بالجمال أصبح خالَه
جاءني حُسْنُه بأَلْفَيْ دَلالَه
وبَراني فلا عَدِمت دَلالَه
أنه قد أسَالَه فأَسَالَه
رَقَّ مما به العدَى والأسَى لَه
نِلْتُ فيها من الحبيب وِصَالَه
منع الصبحُ أن تُصَادّ الغزَالَه
سَلَّ برقُ الدُّجَى عليها نِصَالَه
إنَّ عينَ الزمان فيها كَلالَه
ودموع المشوق إلاّ مُذَالَه
ونِفارُ الحبيب إلا مَلالَه
أَيُّ عَيشٍ يهنا بقولي:
بأبي أَهْيفٌ تعلم منه
وحَكاه الخَطّيُّ لَوناً ولِيناً
ما تثنَّى عِطْفاه إلاّ وأَمسَت
شمس أُفقِ أدار لِثاماً
نَقِّط الحُسْن خدَّه سَوادٍ
قيل لي: ذا الذي غدَوْت تراه
إِن تكلَّفت في هواه سُلُوّاً
أصل ما بي دَلالُه قد دهاني
وكأنّي به تحيَّلَ دمعي
وأذابَ الفؤادَ بالوَجْد حتى
لَسْتُ أنسَى ليالياً قد تولَّت
كُلّمَا مَدّت النجومُ شِباكاً
أو تَبدَّت فيها طلائعُ فجرٍ
أيّها القلبُ عَدّ عن ذكر هذا
ما فؤادُ المُحِبّ إلا مُذاب
وكلام العَذول إلاّ مَلاَمٌ

٢٨٨
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
ونقلت من خطه قال: أنشدني لنفسه قصيدته الرقْطَاء يُعْجَم منها حرف ويطلَق حرف،
وسَمّاها: مِضْمار الخَواطِر، يمدح بها الوزير علم الدين يحيى ابن الصاحب صفي الدين
ابن شکر وهي [مجزوء الرجز).
قَدْ فَازَ عندي رَجُ لِلْ بحبّهِ يستعجلُ
** ريم غَرِيرُ نافِر شُوَيْدِنْ مُخَلَخَلُ
النا بِرُشْدِ سُبُلُ
قلبٌ مَشُوق وَجِلُ
فلا تُلِحْ عُذَّلُ
مِن كَفّ ربِم يَرْفُلُ
تحت لَيلِ يُسْبِلُ
كَبَرقَ لَيْلِ يُعِجَلُ
قَطُّ قلباً تدخلُ
ـذا زمنْ مِزَلــزَلُ
برب عزم يكفُلُ
جَلّ فِلاَ يُمثَّلُ
أَضلَّنا فَلا تُرَى
فَوَیْحَ قِلِبِ صَبَّهُ
ليسَ يُطِيعُ قلبَهِ
قُمْ يا نديم ترتوي
أَبلَجُ حَيّانا بِصُبْحٍ
بكفه قد شَعْشَعت
جَلَّ فلا يدخل غَمُّ
يحبّايَ كن لي إنَّ هـ
لا خَوفَ من آفاتِهِ
هَذا قصيد بك قد
...
وقال: أنشدنى لنفسه [الطويل]:
رَنا وانثنَى كِالسَّيف والصَّعْدِةِ السَّمْرا
خذوا حذركم من خارجيّ عِذارِه
غُلامِ أرادِ اللَّه إطفاءً فتنةٍ
فِزَرَقْنَ بِالأصداغْ جِنَّةَ خِذْه
أَغَنُّ يُناجي شعره حَلْي خصره
وصلتُ بداچي شعره لَیل وَصْلِه
أَخوض عُباب الموت من دون ثَغْره
غزال رخِیم الدَّل في یوم سلمه
فما أكثر القتلَى وما أرخص الأسرَى
فقد جاء زحفاً في كتيبه الخضرا
بعارضه فاستأنِفَت فِتنةٌ أخرى
وأرخى عليها من ذوائبه سترًا
کما یعتب المعشوقُ عاشقه سِرًا
فلم أرَ صُبْحَاً غِيرَ غُرّتِهِ الغَرّا
كذاك يغوصُ البحرَ مِن طلب الدُّرّا
ولَيثٌ له في حربه البَطْشَة الکبری
دَرِيٍّ يحمل الكأسِ في يومٍ لَذَّةٍ ولكنْ بحمل السَّيْفِ يوم الوغَى أدرَى

٢٨٩
علي بن محمد بن الحسن بن يوسف بن يحيى
أهيم به في عَقده أو نِجاده فلا بُدَّ في السَّرَّاء منه وفي الضَّرّا
فهذا قد استغنی وذاك اشتكى الفقرا
وساكن ذاك النحرِ لا يذكر البحرا
إذا حسَرَت أكمامها لَجرَی نهرا
فما كنت أرضَى بعد إيمانيَ الكُفْرا
إذا خدعتني عنه غانية عذرا
لَحَى اللَّه ربَّ الشعر أو ناظم الشعرا
كأنّي على شاهِ أَرمنَ أنثرُ الدُّرًّا
فمن حاتم وابن الوليد ومن كِسرًا
فخَفْ وتَيقِّن أنّ في عُسْرِهِ يُسْرا
بنانٍ يديه للنَّدَى أبحراً عشرا
تأَوَّدَ تِيهاً واكتسَى وَرَقاً خضرا
ومجلسَ عدلٍ لا يكون به صدرا
وظامية الخلخال إنّ وشاحها
تلألأ دُرّ العقد تِيهاً بجيدها
لها مِعْصَم لولا السّوار يصدّه
دعتني إلى السُّلوان عنه بحبها
بأَيّ اعتذارٍ ألتقي حُسْنَ وجهه
تقول وقد أزرى بها حسن وصفه
ألم تَرَني بين السّماطَينِ مُنْشَداً
مَليك كريم باسل عَمَّ عَذْلُه
أني سَخِيّ تحت سَطوته الغِنَى
هو البحر بل - استغفر الله - إن في
إذا قام ينميه الخطيب بمنبرٍ
لحَى اللهُ حرباً لم یکن قلب جیشھا
وقال: أنشد الصاحب صفيّ الدين بحضوري هذه الأبيات [الخفيف]:
قمتُ ليلَ الصُّدودِ إلا قليلا ثم رَتَّلت ذِكركم ترتيلا
وهجرت الرقاد هجراً جميلا
ووصلتُ السُّهادَ أقبحَ وَضْلٍ
مسمَع كَلَّ من كلامٍ عَذُولي
حينَ ألقَى عليه قَولاً ثقيلا
أخذته الأحداق أخذاً وَبِيلا
في بحار الدُّموعِ سَبْحاً طويلا
غصناً طليحاً ولا كئيباً مهيلا
حينَ أضحَى مِزاجُها زَنجبيلا
سٍ: ارحموني ومَهّلُوهم قليلا
قد تبثَّلتُ للثَّنا تبتيلا
إنه كان وعده مفعولا
وفؤاد قد كان بين ضلوعي
قل لرامي الجُفون أَنَّ لِعَيني
ماسَ عُجْباً عن كأنه ما رآني
وحمى عن محبه كاس ثغرٍ
بان عني فصِحت في أَثَر العِيـ
أنا عبدٌ للصاحب ابن عليّ
لا تسِمهُ وَغْداً بنَيل نَوالٍ
راع أعداءه بصُفْرٍ اليّراعا ت فأنسى صَرِيرُهُنَّ الصَّهِيلا

٢٩٠
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وإذا كان خصمك الدهر والحكـ
إِنَّ مدحي له أشدّ وَطْآءً
جل عن سائر البريَّة قدراً
قلت: ومن شعره [البسيط]:
ثم إلى اللَّه فاتخذه وكيلا
وقرضي أقوى وأقومُ قِيلا
فاخترعنا لمدحه التنزيلا
باكر صَبوحَك أهنَى العيشِ باكرُه فقد ترنّم فوق الْأَيْكِ طائِرُهُ
كالرَّوض تطفو على نهرٍ أزاهِرُه
والليل تجري الدّراري في مجرَّته
وكوكب الصبح نَجَّابٌ علی یده
فانهض إلى ذَوْب ياقوتٍ لھَا حَبَبٌ
جمراء في وَجْنَة السّاقي لها شَبَهٌ
ساقٍ تكوّن من صُبْحٍ ومن غَسَقٍ
مفَلَّج الثغر معسولُ اللَّمَى غَنِجْ
مُهفهَفُ القدّ يندَی جسمُه تَرَفاً
بِيضِّ سَوالفه لُغْسٌ مَراشفُه
تعلَّمتْ بانَة الوادي شَمائلَه
كأنه بسَواد الصُذْغِ مكتَحِلٌ
نبيُّ حُسْنٍ أظلَّتنا ذَوائبه
فلو رأت مقلتا هاروت آیته الـ
قامت أدِلَّة صُدْغَيه لعاشقه
خُذْ من زمانك ما أعطاك مغتَنِماً
مخَلَّق تملأ الدنيا بَشائِرُه
تنوبُ عن ثغر من تهوَى جَواهِرُه
فهل جَناها مع العُنقود عاصره؟
فابيَضَّ خدّاه واسوَدَّت غَدائره
مؤنَّثُ الجَفْنِ فحل اللحظ شاطره
مخَصَّر الخَصْرِ عَبْلِ الرّذْفِ وافره
نُعْس نواظره خُرْس أسَاوِره
وزوّرت سِخر عينيه جَاذِرُه
ورُكّبَت فوق خَذَّيه مَحاجره
فقام في فترةِ الأجفان ناظِرُه
كبرى لآمن بعد الكفر ساحره
على عَذولٍ أتَى فيه يناظرُه
وأنت ناهٍ لهذا الدهر آمرُه
فالعمر كالكأس تُسْتَحِلَى أوائله لكنه رُبَّما مُجَّت أَواخِرُه
ومنه من قصيدة [الطويل]:
وفي الكَلَّة الحمراء بيضاءُ طِفلَةٌ بِزُرْقٍ عيونِ السُّمْرِ يُحمَى احوِرارُهَا
به دون سَترِ الخِذْرِ عنّا استتارها
تَعانقَ فيها ليلُها ونھَارُها
وليس لها استِيحاشها ونفارُها
أثار لها نَقْعُ الجِياد سُرادِقاً
لها طَلعة من شعرها وجَبينها
لها من مَهاةِ الرّمل جِيد ومُقلَةٌ

٢٩١
علي بن محمد بن الحسن بن يوسف بن يحيى
وما سَكَنت وادي العَقيق ولا الغَضا ولكن بعيني أو بقلبي دارها
أشكّك هل ذا قُرطُها وسِوارُهَا
وأيّ كثيبٍ ضاق عنه إِزارُها
بأنَّ نفيسات اللآلي صِغارها
هي الخمرُ إلاّ أنّ حَظي خِمارها
بعيدٌ علينا حَجُّها واعتِمارها
إذا ما الثريّا والهلال تقارنا
فأَيُّ قضیپٍ جالَ فیه وشاحها
وما كنت أدري قبل لؤلؤ ثَغرِها
هي البدر إِلاّ أنّ عندي مُحاقه
أيا كعبة من خالها حَجَر لها
فإن بلغتها النفس يوماً بشقها فقلبي لها هَدي ودمعي جمارها
ومنه [الكامل]:
طاب الصَّبوحُ لنا فَهاكَ وهَاتٍ واشرب هنيئاً يا أخا اللَّذَّاتِ
والدهر سَمْح والحَبيب مُوَاتي
بكواكبٍ طَلَعت من الكاساتِ
فعجبْتُ للنيرانِ في الجَنّات
والدرّ مجتَلَب من الظلمات
مِنْديلَ عُذْرَتها بكفّ سُقاتي
مَرَقتْ من الراووق في الطاسات
خَيْثُ الشمائل شاطر الحركات
ملتفَّةً كأسَاودِ الحيّات
ما بين منصرفٍ وآخرَ آت
عدَل الزمان على ذوي الحاجات
كم ذا الثّواني والشباب مُطاوع
قُم فاضْطَبح من شمس كاسِكَ واغتبقْ
صفراءُ صافية توَقَّد بردُها
ينسَلُّ من قار الظروف حَبَابها
عَذراء واقعَها المِزَاجِ أما ترَى
وتُريكَ خَيط الصبحِ مقتولاً إذا
يسعَى بها عَبْلِ الرَّوادف أهْيفٌ
يهوي فتسبقه أساودُ شعره
يدري منازل نَيّرات كؤوسه
لو قسمت أرزاقنا بيمينه
حَظّي من الزّمَن القليل وهذه نَفَثات فِيَّ وهذه كلماتي
ومنه [السريع]:
سِوايَ في سَلْوَته يُطمَعُ فعَنْفُوا إِنْ شئتُمُ أو دَعُوا
أَوضَحتمُ الرّشْدَ فمن يهتدي وقلتمُ الحَقَّ فمن يسمَعُ؟
في الحَدَقِ النُّجْلِ وإِنْ أوسَعوا
بي ضَيّق العَين وإِنْ أطنبوا
الليل من شعرته مُسْبَل والشمس من طلعته تطلعُ

٢٩٢
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
ومنه [الوافر]:
أَماناً أيها القمَر المطِلُّ ففي جَفْئَيك أَسيافٌ تُسَلُ
ولي جسَد يذوب ويضمحِلْ
يزيد جمال وجهكَ كلّ يومٍ
ولكنْ دَلُّ مَنْ أَهوّى يدلّ
وما عَرف السَّقامُ طريقَ جِسمي
صَدقتم إِنَّ ضِيقَ العَينِ بُخْل
يميل بطَرْفه التركيّ عَنّي
إذا نُشِرَتْ ذَوائبُه عليه ترَى ماءً يرِفُّ عليه ظِلّ
قلت: أخذت هذا المعنى من الرابع وقلت: [السريع]:
أُتركْ هوَى الأتراكِ إِنْ شئتَ أَنْ لا تُبتَلَى فيهم بهمّ وضَيْر
ولا تُرَجُ الجُودَ من وَضْلِهم ما ضاقتِ الأعين منهم لِخيْر
ومن شعر ابن النبيه [الوافر]:
بفؤاده تذكاره وهو ناس
جَدّ وَجْدي بحبّ لاهٍ وأودَى
من بني الترك لَيْنُ العِطف قاسي الـ
ـقلب سهل القِيادِ صَعْب المِراس
ـل فإن جاد كان ضدّ القِياس
ضَيْق العَين وهي من صفة البخـ
ومنه [الكامل]:
قُمْ يا غُلامُ ودَعْ نصيحةَ من نصَخْ فالدّيك قد صَدَع الدجالمًا صدَخْ
خَفِيَت تباشير الصباح فسقّني ما ضل في الظلماء من قدح القدح
لمقَطّبٍ إلا تهَلَّل وانشرَح
لكنّه مزجَ المسَرَّة بالفرح
قلنا: شراب أو سَراب قد طفح
سَرّاؤها في باخِلٍ إلا سمَح
عذر لمن خلع العِذار أو اطرح
صَهْباء ما لمعت بكفّ مديرها
واللَّهِ ما مزَجِ المُدَام بمائها
وضحتْ فلولا أنها تروي الظما
هي صفوة الكرم الکریم فما بَدت
من كفّ فتّان القَوام بوجهه
قمر شقائق مرج وجنته حِمّى ما شقّها سَزْج العِذار ولا سَرح
ولَّى بشعرٍ كالظلام إذا دَجا وأتَى بوجهٍ كالصباح إذا وضح
يهتز كالغصن الرطيب على النَّقا ذاخَفَّ في طَيّ الوشاح وذا رَجح
النرجسُ الغَضُّ استحَى من طَرْفه وشعره زهرُ الْأَقاح قد انفَتح
وكأنه متبسّم بعقوده أو بالثَّنايا قد تقَلَّد واتَّشَح

٢٩٣
علي بن محمد بن الحسن بن يوسف بن يحيى
قلت: ولابن سناء الملك قصيدة على هذا الوزن تأتي في ترجمته إن شاء الله تعالى،
ومن شعره أيضاً [البسيط]:
يا ساكني السَّفْح كم عينٍ بكم سَفَحتْ نزحتُمُ فهيَ بعد البُعْد قد نزحَتْ
لا بل هي الشمس زالت بعدما جنحت
لَهْفي لطيبةٍ أنسٍ منكمُ نفرَتْ
بيضاء حَجَّبها الواشون حين سَرَت
يقتَصُّ من وجنتيها قلبُ عاشقها
عَنّي فلو لمحَت صِبْغَ الدّجًا لمحَت
إِنْ ضَرَّجَت قلبَه باللحظ أو جَرحت
يهتزُّ بين وٍشَاحَيها قضيب نقاً حمائم الحلي في أفنانه صدَحتْ
كمسكةٍ نفحَت في جمرةٍ لَفحَتْ
بالسُّقْم صَحَّت وبالسُّكر الشديد صحَتْ
فيها ضُخّى وعيونُ النرجسِ اتَّقَحت
ومالت القُضْبُ للتَّعْنيقِ واصطَلَحت
مجَامِرَ الزهر من أذياله نَفَحت
عن البُروجِ بِكَفّ الصُبْحِ إِذْ وَضَحَت
ثوبَ الحَباب حَياءً منه واتّشحَت
كأنها بنِصال الماء قد ذُبِحَت
لكنْ رَوادِفه من ثِقلها رجحَت
ربيع عينيّ فيه كُلّما سَرحت
لي هِمَّة لدَنيّ قَطُ ما طَمحت
وأسوَدُ الخال في محمّر وجنتها
لها جُفون وأَعطاف عجِبت لها
وروضةٌ وَجَنات الورد قد خجلت
تَشاجر الطَّيرُ في أشجارها سَحَراً
والقَطْر قد رشَّ ثَوبَ الذَّوح حین رأی
باكرتُها وحَمامُ الرَّوْض نافِرةٌ
ما بين عُذرانٍ ماءٍ مسَّها لبَسَت
تشَعشعَت في يد السّاقي وقد مُزِجت
يسعَى بها أَهْيَفْ خفّت معَاطِفه
للحُسْن ماءٌ ومرعَى وفق وجنته
قالوا: تعشّقْ سِوَى هذا فقلت لهم
في أحسَنِ الناس أشعاري إذا نُسِبت وفي أجلّ ملوكِ الأرض قد مدحت
قلت: وفي ترجمة صفيّ الدين عبد العزيز بن سَرايا الحِّي قصيدة على وزن هذه
ذكرتها هناك، وهذه أصنَع. ولي أنا قصيدة في هذا الوزن وعلى هذا الرويّ أستحيي أن أذكرها
بعد هذه، ولكن فتنة الإِنسان بكلامه أوجبت إيرادها، وهي [البسيط]:
وَفَى لها الحُسْنُ طَوعاً بالّذي اقترحت فلَو رأَتها بُدور الثَّمّ لافتُضِحتْ
كأنها البدرُ في ليل الذَّوائب قد تقَلَّدت بالنجومِ الزُّهْر واتَّشحَت
صَحَّت على سَقَم أَجفانُها وكذا أعطافُها وهي سَكْرَى بالشباب صحَت
تفري حَشَاي وتفنيها لَواحِظها ما ضَرَّ تلك الصِّفاح البيضِ لو صَفحت

٢٩٤
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
مهَاة حُسْنِ أداريها إذا نفرت عنّي وأعطِفها بالعَثْب إِنْ جَمحَت
وقال كيف حلَت في غادةٍ مَلُحَت
تجارة الحب في روحي وما ربحت
فيها ولو جَنحت نحو الوَفا نجحت
قد حار في وصف أغزالي العَذُول بها
بذلت في وصلها روحي فقد خسرت
ولي أماليّ نفسٍ طالما كذبت
زارت لتمنحني من وَصلها مِنناً أَهلاً بها وبما مَنَّت وما منحت
رَوضٍ على مثلٍ عِطفَيها ولا صدَحت
رأيتها فوق حُسْن الغُصن قد رجحت
لكنها وردة بالطّلّ قد رشَحَت
أزاهرٌ قد طفَت في لُجَّةٍ طَفَحت
كأنها شَفَة للكأس قد فتحت
وحُمْرَةُ البرقِ في فحمِ الدجا قدَحت
أقسمتُ ما سَجعت وُزْق الحَمائم في
وكُلَّما اعتدَلت بالمَيْلِ قامتُها
وما اكتسَى خَدُها من لؤلؤٍ عرقاً
ورُبَّ ليلٍ خفيفِ الغَيْمِ أنجمُه
يتلو الهلالُ الثريّا في مِطَالعها
وللنّسيم رسالات مردّدَة
والزَّهرُ قد أُوقدت منه مَجامرُه فكلما لفَحت ريحُ الصَّبا نفَحت
وقال ابن النبيه [الطويل]:
خدمتُ بديوان المحبّةِ ناظراً على غِرَّةٍ يا ليتَني فيه عَاملٌ
وحاسبَ فرطُ السّقْم جسمي فلم تكن توافيه إلا أعظمٌ ومفَاصِل
وقال ابن النبيه بيتاً أبدع فيه، تقرأ كل كلمتين منه مقلوباً وهو [الرمل]:
لَبِقِ أَقبلَ فيه هَيَفْ كل ما أملك إِنْ غَنَّى هِبَهْ
وقال يمدح الأشرف موسى بزَجلٍ وهو :
والحبيب حُلْو رُشَيَّقْ
الزمان سعيد مُوَاتي
والشراب أصفر مُروَّقْ
والربيع بساطُو أخضر
عن عَبير أو مِسْك أَذْفَرْ
والنسيم سَحَزْ تنفّسْ
من سُلاف الغَیم تسكّر
يَنجلي في نَقش أَخضَر
في الغِنا مزموم ومُطْلَقْ
والغصُون بحال ندامَى
والغَدير يمدّ مِغصم
والهَزار يعمل طَرايقْ
هاتٍ يا ساقي الحُمَيّا إِنَّ نجمَ الليل غَرَّبْ

٢٩٥
علي بن محمد بن الحسَن بن يوسف بن يحيى
من يكون البدرُ ساقيه
أنتَ والأَوتار والكاس
لا تخاف الصُبح یھجم
ذا قبَس يا بني في يَداك
لا تقرّبها لِحدَّك
خجلٹ من نور وجهك
والحَباب باهَتْ لشَغرك
ذا المليح في الجنّة يبدو
آه على قُبْلَة في جیدو
لو ترَى حُمرة خُدودُو
کان تری ثوب اطِلس
كيف لا يشربْ ويطرب
لِلهموم دَوا مُجَرَّب
دَعْ يجي ويركّبْ أبلَقْ
أو قُصُوص ياقوت أحمَرْ
تشتعل بالنار وتَسْكّر
إِذْ رَأَتْ أَجَلّ مَنظَر
من حَيَاه يَعُوم ويَغْرَقْ
وأنا مِسكين في جَهئَّمْ
وأخرى في ذاك الفُمَّيَّمْ
وعِذارُه المُنَمْنَم
أحمر مَعدني بأخضر مُعَثَّقْ
يا نديمْ اسمَعْ نَصيحا لا تَنم ما دمت يمكن
الصّبَاحِ ومثلُه في الكاس ما ترَى ما أبهَجْ وما أحسَن
والشقيق حمَرا في صَفرا كأنه رایت شَاه أَزْمَن
ملك تخال جَمالو مَا خُلِقْ وليسَ يُخلق
الكَرم والعَفاف والبَاس عندك أبو الفَتح مُوسَى
والعدُو بحال فَريسا
لا جليل ولا نفيسا
إن ذا سعيد مُوفَّقْ
الأسَد إذا تَنَمَّز
لم يدع في الدنيا يُذكر
وكسَا الاسلام جَلالَه
ورَشَيقَه المعاطف ٢ رأَتُوا بينَ السَّناجِقْ
والسّيوف بحال بَوَارِق
والغُبار بحال غَمَائم
بشعاع علَى الخَلائق
وَسَنا جبينُو يَرمي
زعقت: حِرِامْ زَوجي والنبي غدا تطلق
فأردت معارضته وأنا بالقاهرة سنة سبع وثلاثين سبعمائة، فقلت وهو أول زجل نظمته:
أبصَر النيل كيفَ صَفَالي وانطبّع لَمَّا تمَلَّقْ

٢٩٦
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
١٠
وفرَش في الرَّوْض بسَاطُو وهو بالأزهار مُزَوَّق
ما بقي لِلَّهْوِ عَاقَةْ
والسرور من خَلَفُو سَاقَه
كل باقَه بِلبّاقَه
حين رأى الراوُق مُعَلَّق
حين رأى للورد صَوْلَه
والربيع قد صّار لُو دَوْلَه
هات كاسي يا نَديمي
الفرح شاليشو عندي
والمليح عَبَّى لي خضرَة
والشراب قاعد مجلس
أصبَح النرجسْ في بهتّه
والشقيق يَحمل مَشاعِل
والنسيم لمّا تحرَّكْ رَقِّص الأغصان في جَوْلَه
وعَليه الطَّير غَنَّى
مَّا نجُومي غَير نَدامَى
سَبَّقوا لِلَّهْو بدري
وغَدا يومي بنعمَه
فاضرِبُوا إلى الرعد كُوسَات
والغَدير بالمَوجِ صَفَّقْ
طرَدُوا بالسَّعد عكسي
واحتّسَوا في الكاس شمسي
وعليها أطلبُ أَمسِي
وانشرُوا إلى البَرق بَيْرق
أيّ مليحِ يَسبي فؤادي عندَمَا تَسحر عيونو
مَا يَنال الصبَّ مِنُّو في مناه إِلاّ منُونُو
أو تَبَدَّى نُور جَبِينُو
لَوْ ثَنَى أَعطافْ قَدُّو
تبصر الأغصان في كسره
قلتُ: قلبي قد تقَلَّى
قلتُ: في ثَغرك حَلاوة.
قلت: يا زهرة حياتي
قلت: مثل الغُضن قُدَّك
يا فؤادي لا تحل عن
إِيَّاكَ أن يُطِغيكَ لائم
والصَّباح من غَيْظُو ينشقّ
قال لي: مِن ذي العُوَينات
قال: هي سُكْر سُنَينات
قال: هي في ذي الوُجّينات
قال لي: وَاخْلاَ وأرشَقْ
حب هذا الظبي الاخوّر
قال: كَنَّك بُو تعَذّر
وعليه الخال كعنبر
ما ترَى كافور خَدُّو
لا تَخفْ صَوْلَة عِذارُو دَع يجي ويَركب أَبلَق

٢٩٧
عليّ بن محمد بن حبيبٍ أَقضَى القضاة أبو الحسن الماوَزدي البصري الشافعي
جَارتي يَوم وهوَ دَاخِلِ
أبصَرتْ مَعشُوق قلبي
فَسبَاها بانعِطَافُو وتَثَتّيه في الغلائل
فتَحتْ لو قالت: ادْخُل نعملُويا سِيد واصِل
وَزُوَيجي إِنْ تكلّم أكلَ الدرّه وفَرَّق
ولما مات رثاه شهاب الدين أبو الخطاب محمد بن جعفر بن الحسين الرّبَعي المنفوشِي
من قرية المنفوشة من قرى النيل ببلاد العراق [الخفيف]:
شُعَراءُ الزمانِ إِنَّ المعَاني والمعَالي تَبكي على ابنِ النبيهِ
ماتَ روحُ القَريض واخْتُرِمَ الفضلُ وحسنُ البديعِ والتشبيه
٠٠:
كان عند الإِنشادِ آيَّةً موسَى فالقَوَافِي من بعده في التّيه
٣١٠ - ((القاضي الماوَزدي الشافعي)) عليّ بن محمد بن حبيبٍ أُقضَى القضاة أبو الحسن
٣١٠ - ((الميزان)) للذهبي (١٥٥/٣) ترجمة (٥٩٣٦)، و((المغني في الضعفاء)) له (٤٥٤/٢)، ترجمة
(٤٣٣١)، و((سير أعلام النبلاء)) له (٦٤/١٨) ترجمة (٢٩)، و((المعين في طبقات المحدثين)) له
(١٣٠) رقم (١٤٤٢)، و((الأعلام بوفيات الأعلام)) له (١٨٦)، و((دول الإسلام)) له صفحة
(٣٢١)، و((العبر)) له (٢٩٦/٢)، و((تاريخ الإسلام)) له وفيات (٤٥٠ هـ) الصفحة (٢٥٢) ترجمة
(٣٥٢)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب (١٠٢/١٢، ١٠٣) ترجمة (٦٥٣٩)، و((طبقات الفقهاء)) لابن
الصلاح (٦٣٦/٢) ترجمة (٢٤٢)، و((طبقات الفقهاء)) للشيرازي (١٣١)، و((النجوم الزاهرة)) لابن
تغري بردي (٦٤/٥)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٧٢/٣)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٩٩/١٢)،
و((طبقات الشافعية)) للأسنوي (٢٠٦/٢) ترجمة (١٠٣٢)، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة
(٢٣٥/١) ترجمة (١٩٢)، و((طبقات السبكي)) (٢٦٧/٥، ٢٨٥) ترجمة (٥٠٩)، و((الإنباء في
تاريخ الخلفاء» لابن العمراني (١٩٠)، و((أدب الوزير)) لعبد العزيز الخانجي (المقدمة)، و(تهذيب
الأسماء واللغات للنووي (٢١٠/٢)، و((تاريخ الخميس)) للديار بكري (٤٠٠/٢)، و((روضة
المناظر في أخبار الأوائل والأواخر» لابن الشحنة (على هامش الكامل) (١٦٤/٨)، و((تاريخ ابن
خلدون)) (٤ ج ١٠٣١)، و((الكنى والألقاب)) للقمي (١١٦/٣)، و((الفكر السامي)) للحجوي (٤/
١٥٨)، و((تاريخ الخلفاء)) للسيوطي الصفحة (٤٢٣)، و((اللباب (()) لابن الأثير (١٥٦/٤)،
و((الأنساب)) للسمعاني (١٨١/٥)، و((طبقات المفسرين)) للسيوطي صفحة (٧١) ترجمة (٧٧)،
و((طبقات المفسرين)) للداوودي (٤٢٧/١) ترجمة (٣٦٨)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣/
٢٨٢) ترجمة (٤٢٨)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (٥٢/١٥، ٥٥) ترجمة (٢)، و((الكامل في
التاريخ) لابن الأثير (٤١٨/٩ - ٤٥٥ - ٤٥٩ - ٥١١ - ٥٢٢ - ٦١٧ - ٦٥١)، و (٢٨/١٠)،
و((مختصر تاريخ دولة آل سلجوق)) (٢٤)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (٤١/١٦)، و((شذرات
الذهب» لابن العماد (٢٨٥/٣ - ٢٨٦)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٩٥/٥ - ٩٧)، و((معجم
المؤلفين)) لكحالة (١٨٩/٧).

٢٩٨
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
الماوردي البصري الشافعي. صاحب التصانيف المليحة الجيدة. روى عنه الخطيب ووَثَّقه.
ومات في شهر ربيع الأول سنة خمسين وأربعمائة، وبينه وبين القاضي أبي الطيّب الطبري في
الوفاة أحد عشر يوماً. وَلِيَ القضاء ببلدان كثيرة، ثم سكن بغداد وتفقّه على أبي القاسم
الصَّيْمَرِي بالبصرة. وارتحل إلى أبي حامدِ الإِسفراييني، ودرّس بالبصرة سنين كثيرة. ومن
تصاينفه: تفسير القرءان سماه ((النكت والعيون))، وكتاب ((الحاوي في الفقه)) يدخل في عشرين
مجلداً، وكتاب ((الإِقناع في الفقه)) أيضاً، و((أدَب الدين والدنيا))، و((الأحكام السلطانية))،
و ((سياسة الملك وقوانين الوزارة))، و ((تعجيل النصر وتسهيل الظفر))، وكتاب في النحو.
وكان عظيم القَدْر متقَدِماً عند السلطان. قال أبو عمرو ابن الصلاح: وهو متهم
بالاعتزال، وكنت أَتأَوَّل له، وأعتذر عنه، حتى وجدته يختار في بعض الأوقات أقوالَهم. قال
في تفسيره في الأعراف: لا يشاءُ عبادة الأوثان. قال في قوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا لَكُلَّ نَبِيّ عَدُوّاً﴾
[الأنعام: ١١٢] على وجهين، معناه: حكمنا بأنهم أعداء، والثاني: تركناهم على العَداوة، فلم
نمنعهم منها. وتفسيره عظيم الضَّرر، لكونه مشحوناً بتأويلات أهل الباطل. وكان لا يتظاهر
بالانتساب إلى أهل الاعتزال، بل يتكثّم، ولكنه لا يوافقهم على خلق القرءان ويوافقهم في
القَدَر، ولا يرَى صِحّة الرواية والإِجازة، وذكر أنه مذهب الشافعي. وكان القادر قد تقدّم إلى
أربعةٍ من الأئمة في المذاهب الأربعة ليضع كل واحدٍ مختصراً في الفقه، فوضع الماوردي
الإقناع، ووضع القدوري مختصره، ووضع عبد الوهاب المالكي مختصراً، ووضع من
الحنابلة واحد مختصراً، وعرضت عليه، فخرج الخادم إلى الماوردي وقال له: قال لك أمير
المؤمنين: حفظ الله عليكَ دينَك كما حفظتَ علينا ديننا. وكان قد سلك طريقاً في توريث ذوي
أرحام القريب والبعيد سواء، فجاء إليه كبير من الشافعية فقال له: اتَّبع ولا تَبتَدِغْ، فقال: بل
اجتهد ولا أُقلّد، فانصرف عنه.
ولمّا تَلَقَّب بأقضَى القضاة أنكر الصَّيْمَري والطبري أبو الطيّب وغيرهما ذلك، هذا بعد
أن كتبوا خطوطهم لجلال الدولة بن بهاء الدولة بن عَضُد الدولة بجواز أن يتسمَّى بملك
الملوك الأعظم، فلم يُلْتَفَت إليهم. وتلقَّب بأقضَى القضاة إلى أن توفي. وقيل إنه لم يُظْهِر
شيئاً من تصانيفه في حياته وجمعها كلها في مكان، ولما دَنتْ وفاته قال لشخصٍ يثق إليه: إن
كتبي لم أظهرها لأني لم أجد نِيَّة خالصة لله تعالَى لم يَشُبْها كدر، فإذا أنا وقعت في النزع
وعاينت الموت، اجعل يدك على يدي، فإن قبضت عليها وعصرتها فاعلم أنه لم يُقبَل مني
شىء منها، واعمد إلى الكتب وألقها في دجلة، وإن بسطت يدي ولم أقبضها على يدك فاعلم
أنها قد قُبلت وأني قد ظفرت بما كنت أرجوه. قال: فلما وقع النزع وضع يده في يده فبسطها

٢٩٩
عليّ بن محمد بن خلفٍ أبو سَعْد الكاتب التّيْرماني
ولم يقبضها، فعُلِمَ أنه قُبِلَ فَأَظهرت كتبُه. وفي كتاب ((سِرّ السُّرور)) لمحمود النيسابوري بيتان
منسوبان إلى الماوردي وهما [الطويل]:
وفي الجهل قبلَ الموت مَوتْ لأَهلِه فأَجسَادهُم دُونَ القُبورِ قُبورُ
وإِنِ امرءاً لم يُخيٍ بالعلم صدرَه فليسَ له حتى النُّشورِ نُشُور
٣١١ - ((علاء الدين الباجي الشافعي)) عليّ بن محمد بن عبد الرحمن بن خَطَّاب،
الشيخ علاء الدين الباجي المغربي الأصولي المصري. وُلِد سنة إحدى وثلاثين وستمائة،
وتوفي سنة أربع عشرة وسبعمائة. اختصر كتاب ((المحرَّر)) وكتاب ((علوم الحديث)) و
((المحصول في أصول الفقه والأربعين)»(١). وكان عُمْدَةً في الفتوَى. وروَى جزءً ابنِ حَوْصَا
عن أبي العباس التّلِمْساني، وتخرَّج به الأصحاب، ومِمَّن أخذ عنه: العَلاَّمتان قاضي القضاة
تقي الدين السُّبكي وأثير الدين أبو حيان. ورأيت قاضي القضاة تقي الدين السبكي يعظّمه
كثيراً إلى الغاية ويثني على فضائله. كان دَيّناً صَيّناً وقوراً. أخبرني من لفظه العلامة أبو حيّان
قال: كان مفتياً في الفقه على مذهب الشافعي. قرأت عليه يسيراً من مختصره في أصول
الفقه، وسمعت عليه دروساً، أنشدني لنفسه [الوافر]:
رَثَى لي عُذّلي إِذْ عاينوني وسخبُ مَدامِعي مثلُ العُيونِ
ورَامُوا كحلَ عيني قلت: كُفُوا فأصلُ بليّتي كحلُ العُيون
قال: وأنشدني لنفسه [دوبیت]:
بالبلبل والهَزار والشُّخرورِ يُسبّى طَرَباً قلبُ الشجي المهجورِ
فانهضْ عَجِلاً وانْهَبْ من اللّذّةِ ما جادت كرماً به يَدُ المقدور
٣١٢ - ((أبو سعيد بن خلف الكاتب)) عليّ بن محمد بن خلفٍ أبو سَعْد الكاتب التّرماني
- بالنون والياء آخر الحروف وبعد الراء والميم ألِفٌ ونون - ونِيرمان قرية من قُرَى الجبل
بالقرب من هَمَذَان. كان من جِلَّة الكُتَّاب الفُضَلاء والرؤساء النبلاء. كان يخدم في ديوان
بني بُوَيْه ببغداد، ومدح الإمام القادر. وكان قد اتصل ببهاء الدولة ابن عضد الدولة فصنَّف له
٣١١ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر العسقلاني (١٧٦/٣) رقم (٢٨٦٢)، و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (١/
٢٨٦) رقم (٢٦٣)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٥٤٤/١)، و((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي
(٧٣/٣) رقم (٣٥٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (٣٤/٦).
(١)
المحصول للرازي، المحرر الرافعي.
((معجم البلدان)) لياقوت (٣٣٠/٥)، و((يتيمة الدهر)) للثعالبي (٤١٢/٢ - ٤١٣)، و((دمية القصر))
٣١٢ -
للباخرزي، و((تتمة اليتيمة)) للثعالبي (١٢٦/١) رقم (٩٢).

٣٠٠
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
((المنثور البهائي)) في مجلّدة، وهو نثر كتاب ((الحماسة)) وغيرها، وتُوفي سنة أربعَ عشرةَ
وأربعمائة. ومن شعره القصيدة المشهورة وهي [الطويل]:
خَليليَّ في بغدادَ هَلْ أَنتما لِيًا على العهْدِ أَمْ غدًا العَهْدُ بالِيا؟
عليَّ كما أُمْسِي وأُصبحُ باكيا؟
إذا ما جَرَى ذِكر لمن كان نائيا
أنيقاً وبستاناً من النور حاليا
مُنَى يتمنّاها فكنتُ الأمانِيَا
كأنّ على الأحشاء منه مَكاويًا
كأحسن ما كنا عليه تصافيا
وهل ذرفت يوم النوَى مُقلَتاكما
وهل أنا مذكور بخيرٍ لديكما
وهل فيكما مَن إِنْ تنَزَّل منزلاً
أَجَدَّ له طيبُ المكان وحُسْنُه
كتابيّ عن شوقٍ شديد إليكما
وعن أَدمُعِ مُنْهَلَّةٍ، فتأمَّلا كتابي تُنِز آثارُها في كتابيا
ولا تيأسا أن يجمعَ اللَّهُ بيننا
فقد يجمعُ اللَّهُ الشَّتيتَين بعدما يظنّان كلَّ الظنّ أن لا تلاقيا
ولا تأنسَا بالوردِ بعدي واعربا
ولما تفرَّقنا تطيَّرت أن أرى
فضمَّنَتهِ ورداً كرَيَّاك ريحُه
ولا تطلبا صَوني إذا ما تغَنَّتا
وخَبَّرْتُما أن تَيْمَاءَ منزلٌ
فَهذي شهور الصيف عنّا قد انقضَتْ
فِدّى لكِ يا بغدادُ كلُّ مدينةٍ
فقد سِرتُ في شرقٍ البلاد وغربها
فلم أرَ فيهما مثلَ بغداد منزلاً
ولا مثلَ أهليها أرَقَّ شَمائلاً
مَقالَ ابنِ عبد الله يخدع سَاجيا
مكانك مني لا خَلا منكَ خَالِيا
يذكّرني منك الذي لستُ ناسِيًا
تسِرُّ وفَوزٌ جادتا لي الأغانيا
لِلَيلَى إذا ما الصيفُ ألقَى المَراسيا
فَما لِلنَّوَى ترمي بليلَى المرَاميا
من الأرضٍ حتى خطتي ودياريا
وطَوَّفتُ خَيْلي بينها ورِكابيا
ولم أرَ فيها مثلَ دجلةَ واديا
وأعذبَ ألفاظاً وأحلى مَعانيا
وكَم قائلٍ: لو كان وُدُّكَ صادقاً لبغدادَ لم تَرحَلْ، وكان جوابيا:
((يُقيمُ الرجال الموسِرونَ بأرضهم وترمي التّوَى بالمُقْتِرين المراميا)»
ومن شعره يمدح القادر [البسيط]:
لا زلتَ تحيا لِنُعْمَى لاَ نَفاذَ لها في ظلّ عزّ على الدولات تحتّكِمُ