Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الحُسين بن عبد الله بن الحُسين
ننامُ من الصّياح والقتال)). فقال الوزير: ((أحسبهم جراء)). فقال: ((لا تظن أيها الوزير، لا تظن
ذلك، كلّ كَلب مثلي ومثلُكَ)).
ونظر يوماً في المرآة، فقال لرجل آخر: ((انظر ذقني، هل كَبُرَت أو صَغُرَت)). فقال: ((إنّ
المرآة بيدك))، فقال: ((صدقتَ، ولكنّ الحاضرَ يرى ما لا يَرَى الغائبُ)).
ورؤي وهو يبكي ويَنْتَحِب، فقيل له: ((ما لك؟))، فقال: ((أكلت اليومَ مع الجواري
المَخِيضَ بالبَصَل فآذاني، فلما قرأت في المصحف: ﴿ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى
فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فقلت: ما أعظم قُدْرَةَ الله، قد بيَّن الله كلَّ شيء حتى
أَكْلَ اللَّبَن مع الجَوَارِي)) .
وأراد مرة أن يَدْنُوَ من بعض جَوَاريه، فامتنعتْ عليه وتَشَاحَّتْ، فقال: (أُعطي اللَّهَ عهداً لا
قَرَبِتُكِ إلى سنة، لاَ أَنَا وَلاَ أَحَدٌ من جهتي)).
وقال يوماً: ((قد خَرِيَتْ يَدِي، لو غَسَلْتُها ألفَ مرة لم تَنْظُف حتى أَغْسِلَها مرَّتَيْنِ)).
وماتت أم أبي إسحاق الزجّاج، فاجتمع الناس عنده للعَزَاء، فأقبل ابن الجَصَّاص وهو
يضحك ويقول: ((يا أبا إسحاق، والله سَرَّنِي هذا))، فَدُهِشَ الزَّجَّاج والناسُ، فقال بعضهم: ((يا هذا
كيف سَرَّك ما غَمَّه وغَمَّنا له؟))، قال: ((وَيْحَكَ! بلغني أنه هو الذي مات، فلما صحّ عندي أنّها
◌ُمُه، سَرَّنِي ذلك»، فضحك الناس.
وكان يكسِرُ يوماً لَوْزاً فَطَفِرَتِ لَوْزَةٌ وَأَبْعَدَتْ، فقال: ((لا إله إلاّ الله! كلُّ الحيوان يهرب من
الموت حتى اللَّوْز)».
وقال يوماً في دعائه: ((اللَّهمّ إنّك تجدُ من تعذّبُهُ غَيْرِي، وأنا لا أجد غَيْرَكَ يغفِرُ لي، فَأَغْفِر
لي».
وقال يوماً: ((اللَّهمَ أمْسَخْنِي واجْعَلْنِي جُوَيْرِيَةٌ(١)، وزَوّجْنِي بِعُمَرَ بن الخَطّاب))، فقالت له
زوجته: ((سَلِ الله أن يُزَوّجَك من النّبِيِّ نََّ، إن كان لا بُدَّ لك من أن تَبْقَى جُوَيْرِيَة))، فقال: ((ما
أُحِبّ أن أصيَرَ ضَرَّةٌ لعائشة رضي الله عنها)».
وأتاه يوماً غلامُه بفَرْخ، وقال: ((انظُر هذا الفَرْخَ، ما اشبهه بأمه!))، فقال: ((أُمُّه ذَكَرٌ أَو
أُنثى؟)).
وَبَنَى ابنُه داراً وأَتْقَتَها، ثم أدخل أباه لِيَرَاها، وقال له: ((انظر يا أَبَهْ، هل تَرَى فيها عيباً؟))،
فطاف بها، ودخل المُسْتَرَاحِ، واستحسنه ثم قال: ((فيه عَيْب، وهو أنّ بابه ضَيّقٌ لا تَدْخُل منه
المائدة)) .
(١) هي أم المؤمنين جويرية بنت الحارث المصطلقية زوج النبي ◌َ هر، توفيت سنة (٥٦هـ)، انظر: ((العبر)) للذهبي
(٦١/١).

٢٤٢
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
وكتب إلى وكيلٍ له، أن يحمل له مائة مَنِّ قُطْناً، فَحَمَلَها إليه فلمّا حُلِجَت، استقلّ
المَخْلُوج، وكتب إليه، أن هذا لم يجيء منه إلاّ الرُّبْعُ، فلا تزرعُ بعدَها قُطْناً إلا بغير حَبّ، ويكون
محلوجاً أيضاً)).
وقال يوماً لصديقه: ((وحَيَاتِك الذي لا إله إلاّ هو)).
وتردّد إلى بعض النَّحْوِيّين ليُصْلِحَ لسانَه، فقال له بعد مدّة: الفرس بالسين أو بالصين؟)).
وقال: ((قمتُ البارحة إلى المُسْتَراح، وقد طُفِىءَ القِنديل، فما زلتُ أتلمظ المقعدة حتى
وجدتها)).
وانبثق له كنيف فقال لغلامه: ((بادِرْ أَخْضِرْ من يُصْلِحُه، لتَتغذَّى به قبل أن يَتَعَشَّى بنا».
وطلب يوماً من البستاني الذي له، بَصَلاَ بِخَلّ، فأحضر إليه بَصَلاً بلا خَلّ، فقال له: ((لأَّ
شيء ما تَزْرَعُهُ بِخَلْ؟)).
والصحيح أنه كان يتظاهر بذلك؛ ليَرَى الوُزَرَاء منه هذا التغفل، فيأمنوه على أنفسهم إذا خَلا
بالخُلَفاء .
٣٦١٦ - ((الرئيس بن سينا)) الحُسين بن عبد الله بن سِينا البُخارِيّ، أبو علي الشيخ الرئيس
فَيْلَسُوف الإِسلام. قال أبو عُبَيْد عبد الواحد الجوزجاني: ذكر الرئيس، قال: كان أبي رَجُلاً من
٣٦١٦ - ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٥٣٩/١) ترجمة (٢٠١٤)، و((العبر في خبر من غبر)) له (٢٥٨/٢) وفيات سنة
(٤٢٨ هـ)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٤٧/٣)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٥٣١/١٧ - ٥٣٦) ترجمة
(٣٥٦)، و((تاريخ حكماء الإسلام)) للبيهقي (٥٢ - ٧٢)، و((تاريخ الحكماء)) للشهر ستاني (٤١٣ - ٤٢٦)،
و(تتمة المختصر في أخبار البشر)) لابن الوردي (٥١٩/١)، و ((تاريخ مختصر الدول)) لابن العبري (٣٢٥ -
٣٣٠)، و((تاريخ فلاسفة الإسلام)) للطفي جمعة (٥٣ - ٦٦)،، و((تاريخ الفلسفة في الإسلام)) لدي بور (١٦٤
- ١٨٨)، و((إغاثة اللهفان)) لابن قيم الجوزية (٢٦٦/٢)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٥٥٥/٢)، و«هدية
العارفين)) للبغدادي (٣٠٨/١ -٣٠٩)، و((الكامل في التاريخ)) لابن الأثير (٤٥٦/٩)، و((وفيات الأعيان))
لابن خلكان (١٥٧/٢ - ١٦٢)، و((الإعلام بوفيات الأعلام)» للذهبي (٢٨٧/١) وفيات سنة (٤٢٨ هـ) ترجمة
(١٩١٢)، و((دائرة المعارف الإسلامية)) للسنتاوي وآخرين (٢٠٣/١ - ٢١٠)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير
(١٢/ ٥٣)، و((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) لابن أبي أصيبعة (٤٣٧ - ٤٥٩)، و((عيون التواريخ)) لابن
شاكر الكتبي (١٥٩/١٢، ب ١٦٦)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي وفيات سنة (٤٢٨ هـ)، (٢٥/٥ -
٢٦)، و((المختصر في أخبار البشر)) لأبي الفداء (١٦١/٢ - ١٦٢)، و((الذريعة إلى تصانيف الشيعة)) لآغا
بزرك (٤٨/٢، ٩٦) و(١٨٤/٧)، و((دول الإسلام)» للذهبي (٢٥٥/١)، و(«الجواهر المضية في طبقات
الحنفية)) للقرشي (٦٣/٢، ٦٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (٢٣٤/٣)، وفيات سنة (٤٢٨ هـ)
. و((خزانة الأدب)) لعبد القادر البغدادي (٣٦٤/١) و(٩٧/٥)، و(١٦٠/١١، ١٦١، ١٦٣، ١٦٥)،
و((المجددون في الإسلام)) لعبد المتعال الصعيدي (١٨٥ - ١٨٩)، و((طبقات الفقهاء الحنفية)) لطاش كبري
زادة (٧٠)، و((الشقائق النعمانية)) له (٤٧٥/١ -٤٧٨)، و((الطبقات السنية)) للغزي (٧٦١)، و«روضات
الجنات)) للخوانساري (١٧٠/٣ - ١٨٥)، و((الخالدون العرب)) لقدري طوقان (١٠١ - ١١٦)، و((الفهرس
التمهيدي للمخطوطات المصورة)) (٤٥٣ - ٤٦٤ و٥١٦ - ٥٦٦)، و((تاريخ الخميس)) للديار بكري (٢/ =

٢٤٣
الحُسين بن عبد الله بن سِينا البُخارِيّ
أهلِ بَلْخ، وانتقل إلى بُخَارَى أيامَ نُوح بن منصور، واشتغل بالتّصوُّف، وأحضر لي مُعلّم القرآن،
ومُعلِّم الأدب، وكَمَّلْتُ العَشْرَ من العُمر، وقد أتيتُ على القرآن، وعلى كثيرٍ من الأدب، فكان
يُقْضَى مِنِي العَجَبُ. وكان أبي مِمْن أجاب دَاعِيَ المِصريِّين، ويعدّ من الإسماعيليّة، وقد سَمع
منهم ذِكْرَ النَّفْس والعَقْل، على الوجه الذي يقولونه، وكذلك أخي، وربَّما تذَاكَرًا به وأنا أسمعهما،
وأدرك ما يقولانه ولا تقبله نفسي، وابتدءوا يدعُونَنِي إليه. ثم جاء إلى بُخَارَى أبو عبد الله النَّاتليّ،
وكان يَدَّعِي الفلسفةَ، فأنزله أبي دارَنَا رجاءَ تعليمي منه. وكنت قبلَ قُدومه أشتغلُ بالفِقه، والتردّد
فيه إلى إسماعيل الزّاهد، وأبحثُ وأُنَاظِرُ فيه.
ثم ابتدأت بكتاب: ((إيساغُوجِي)) على النَّاتليّ. ولمّا ذَكَرَ لي ((حدّ الجنس)) أَنّه هو المَقُول
على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب مَا هُوَ، وَأَخذتُه في تحقيق ((الحَدّ)) بما لم يَسْمَع مثله،
وتَعَجَّب منّي كُلَّ العَجَب، وحَذَّر والدي من شُغْلِي بغير العِلْم. وكان أيّ مسألة قالها لي، أَتَصَوَّرُها
خيراً منه حتى قرأت ظَوَاهِر المَنْطِق عليه، وأما دَقائِقَهُ فلم يكن عنده منها خَبَرٌ. ثم أخذتُ أقرأ
الكُتب على نفسي، وأُطالع الشُّرُوح حتى أحكمت المنطق، وكذلك كتاب ((أقليدس))، فقرأتُ من
أوّله خمسةَ أشكالٍ أو ستّةً عليه، ثم تولّيت من نفسِي حَلَّ بقيّة الأشكال بأَسْرِه. ثم انتقلت إلى
(المجَسطيّ))، ولما فَرَغتُ من مقدّماته، وانتهيت إلى الأشكال الهندسيّة، قالَ لي النَّاتليّ: تَوَلَّ
قراءتها وحَلّها بنفسك، ثم أغْرِضْها عَليَّ لأُبَيْنَ لك صَوابَه من خَطئه. وما كان الرَّجُلُ يقوم
بالكتاب. وأخذْتُ أَحُلُّ ذلك الكتاب، فكم من شَكْلِ ما عَرَفُه إِلاَّ وقتَ ما عَرَضْتُه عليه وفَهَّمْتُه
إيّاه .
ثم فَارَقَنا الثَّاتليّ، واشتغلت أنا بتحصيل العِلم من القُصوص والشّروح من الطَّبِيعي والإِلْهِي،
فصارت أبوابُ العِلْم تَنْفَتِحُ عَلَيَّ.
ثم رغبت فيِ عِلْم الطِّب، وصرت أقرأ الكُتب المصنّفَة فيه، وعلم الطِّبّ فليس من العُلوم
الصَّعبة، فلا جَرَمَ أَنّي بَرَّزتُ فيه في أقلٌ مُدّة، حتى بدأ فُضلاء الطِّبّ يقرءون عليَّ عِلْمَ الطِّبّ،
وتعهّدْتُ المَرْضَى، فانْفَتَحَ علَيَّ من أبواب المُعالجات المُقْتَبَسة من التَّجْرِبة ما لا يُوصف، وأنا مع
ذلك أختلفُ إلى الفقه وأَناظِر فيه، وأنا في هذا الوقت من أبناء ستَّ عشرةَ سنةً. ثم توفّرت على
العِلْم والقرآن سَنَةً ونصفاً، وأعدتُ قراءةَ المَنْطِق وجميعَ أجزاء الفلسفة. وفي هذه المدَّة ما نمتُ
٣٩٩)، و(تاج التراجم)) لابن قطلوبغا الصفحة (١٦٢ - ١٦٣) ترجمة (٩٩)، و((الإكمال)) لابن ماكولا (١/
=
٤٨٣)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات سنة (٤٢٨ هـ) صفحة (٢١٨ - ٢٣٢) ترجمة (٢٦٢)، و((كشف
الظنون)) لحاجي خليفة (٣٦/١، ٥١، ٦٣، ٩٤، ١٨٣، ٢٠١، ٢٣٨، ٣٧٧، ٣٨٠، ٤٤٩، ٤٥١،
٤٦٣، ٦٢٤، ٦٨٥، ٧٢٦، ٧٥٧، ٧٦٦، ٨٤١، ٨٤٣)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٤١/٢)، و((الرد على
المنطقيين)) (١٤١ - ١٤٤) و((تراث العرب العلمي)) لقدري طوقان (٢٨٦ - ٢٩٧)، و((عقود الجواهر)) لجميل
العظم (١٣٣ - ١٤٤)، و((معجم المؤلفين)) لعمر كحالة (٢٠/٤ - ٢٣)، و((أعيان الشيعة)) للعاملي (٦٩/٦)،
و((الملل والنحل)) الشهرستاني (٤٩٠/٢).

٢٤٤
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
ليلةً واحدةً بطُولها، ولا اشتغلتُ في النّهار بغيره، وجمعتُ بين يَدَيَّ ظُهوراً، فكلُّ حُجّة أنظر
فيها، أُثبت مقدّماتٍ قياسيّةً، ورَتَّبتُها في تلك الظُّهُور، ثم نظرت عَساها تُنتج، وراعيتُ شُرُوطَ
مقدّماتِهِ، حتى تحقَّق لي حقيقة الحَقّ في تلك المسألة. وكُلّما كنت أتحيّر في مسألة، ولم أكن
أظفر بالحَدّ الأَوسط في قياس، تردَّدت إلى الجامع، وصَلّيت، وأبْتَهَلت إلى مُبْدِعِ الكُلّ، حتى
فُتِحَ لي المُنْغَلِقُ منه وتيسَّرَ المُتَعَسّر.
وكنت أشتغلُ بالنّهار وباللّيل، فمهما غَلَبَنِي النَّوم، أو شعرتُ بضعفٍ، عَدَلْتُ إلى شُرْب
قَدَح من الشَّراب، رَيْئَما تعودُ إليَّ قُوَّتِي، ثم أرجعُ إلى القراءة، ومهما أخذنِي أَذْنَى نَوْمِ، أحلُم
بتلك المسائل بأعيانها، حتى إنّ كثيراً من المسائل اتَّضح لي وُجُوهها في المنام، وكذلك حتّى
استحكم مَعِي جميعُ العلوم، ووقفتُ عليها بحسب الإمكان الإنسانيّ. وكلّ ما علمتُه ذلك الوقتَ
فهو كما هو عليه؛ لم أَزْدَد فيه إلى اليوم، حتى أحكمتُ عِلْمَ المنطق والطَّبِيعيّ والرّياضيّ، ثم
عدلتُ إلى الإِلهي، وقرأت كتاب: ((ما بعد الطبيعة))، فما كنت أفهمُ ما فيه، والتبس عَلَيَّ غَرَضُ
واضعه، حتى أعدتُ قراءته أربعين مرّة، وصار لي محفوظاً، وأنا مع ذلك لا أفهمه، ولا أَعْلَمُ ما
المقصودُ بِهِ، وأَيِسْتُ من نفسي، وقلت: هذا لا سبيلَ إلى فَهْمِهِ. وإذا أنا في يوم من الأيّام، قد
حضرتُ الوَرَّاقين وبيدِ دَلاَّلٍ مُجَلَّدٍ ينادِي عليه، فعرضَه عَلَيَّ، فرددتُه رَدَّ مُتَبَرّم به، معتقد أن لا
فائدة في هذا العِلْم، فقال لي: ((أَشْتَرِ منّي هذا فإنه رَخِيصٌ)) فاشتريته بثلاثة دراهم، فإذا هو كتابٌ
لأبي نَصْرِ الفارابِيّ في أغراض كتاب: ((ما بعد الطَّبِيعة))، فرجعتُ إلى بيتي وقرأتُه، فانْفَتَحَ عليَّ به
في ذلك الوقت أغراضُ ذلك الكتاب، بسبب أنّه قد كان لي على ظَهْر قلب، وفرحت بذلك،
وتصدّقت ثاني يوم بشيء كثيرٍ على الفقراء شُكْراً لله تعالى.
وكان سلطان بخارى في ذلك الوقت نُوحٍ بن منصور السَّامانِيّ، فاتّفق أنْ مَرِض مَرَضاً
تَكعُ(١) الأطباء فيه، وكان أَسْمِي أُشْتَهَرَ بينهم بالتوفُّر على العِلم والقراءة، فأجْرَوْا ذِكْرِي بین یدیه،
فأمر بإحضاري وشاركتُهم في مُداواتِهِ، وتَوَسَّمتُ بخدمته، فسألتُه يوماً دُخولي دارَ كُتُبِهم،
ومُطالعتها وقراءة ما فيها من كتب الطِّبِّ، فأَذِن لي، فدخلت داراً ذات بيوت، في كل بيت صناديقُ
كتب مُنَضَّدة، بعضُها على البَعْض؛ في بيتٍ: العربيّة والشِّعر، وفي آخر: الفقه، وكل بيت كتب
عِلْمٍ مُفْرد.
فطالعتُ فهرست كتب الأوائل، وطلبت ما احتجت إليه، ورأيت هناك من الكتب ما لم يَقَعْ
إليَّ أَسْمُهُ، فقرأت تلك الكتب وظَفِرْت بفوائدها. فلمّا بلغت ثمانيةَ عَشَر من عمري فرغتُ من هذه
العلوم، وكنت إذ ذاك للعلم أحفظ، ولكنّه اليومَ معي أنضج، وإلاّ فالعلمُ واحدٌ لم يَتَجَدَّد لي بعده
شيءٌ .
وكان في جِواري رجلٌ يقال له أبو الحَسن العَرُوضِيّ، فسألني أن أُصَنَّفَ له كتاباً جامعاً في
هذا العلم، فصنَّفتُه له وهو: كتاب ((المجموع))، وسمّيته به، وأتيت فيه على سائر العلوم سوى
(١) أي تعجز ولا تقدر. انظر: لسان العرب (كعع).

٢٤٥
الحُسين بن عبد الله بن سِينا البُخارِيّ
الرّياضي، ولي إذ ذاك إحدى وعشرون سنة. وكان في جواري أيضاً رجلٌ يقال له أبو بكر
الخُوَارِزميّ البَرْقَيّ، فَقِيهُ النفس، مُتوجّةٌ في التفسير، فصنّفت له كتاب: ((الحاصل والمحصول))،
في قريب من عشرين مجلّداً، وصنّفت له في الأخلاق كتاب: ((البِرّ والإثم))، وهذان الكتابان فلا
يُوجَدَان إلاَّ عنده.
ثم مات والدي، وتصرَّفتُ في الأعمال، وتقلَّدت شيئاً من أعمال السُّلطان، ودعتني
الضَّرُورة إلى الإخلال ببخارى، لمّا اضطربت أحوال الدَّولة السّامانيّة، والانتقال إلى كُرْكَانْجَ،
وقُدّمتُ إلى الأمير بِها؛ وهو ((عليّ بن المأمون))، وكنت على زيِّ الفقهاء بطيلَسانٍ وتَحْتَ الحَنَك.
وتنقّلت في البلاد إلى جُرجان. وكان قصدي الأمير ((قَابُوس))، فاتفق في أثناء هذا، أخْذُ قابُوس
وحَبْسُهُ في بعض القِلاعِ ومَوْتُه، فمضيت إلى ((دهستان)) ومرضت، وعدت إلى جُرْجان، فاتَّصل بي
أبو عُبَيْد الجُوزْ جانِيّ، وأنشدتُ في حالي قصيدةً فيها البيت القائل [الكامل]:
لما عَظُمْتُ فليس مِصْرٌ واسِعِي لَمَّا غلا ثَمَنِي عَدِمْت المُشْتَرِي
قال أبو عبيد: هذا ما حكاه لي. وأما ما شاهدتُه أنا من أحواله، فإنّه كان بجُرْجَانَ رجلٌ يقال
له أبو محمد الشّيرازِيّ يحب هذه العلوم، فاشتَرَى للشيخ داراً في جواره، وأنزله بها، وأنا أختلف
إليه في كلّ يوم أقرأ ((المجَسْطِيّ))، وأستملِي المنطق؛ فأملَى عليَّ: ((المختصر الأوسط))، وصنّف
لأبي محمّد كتاب: ((المبدأ والمَعَاد))، وكتاب (الأَرصاد الكُلِّيّة)). وصنّف هناك كتباً كثيرة؛ كـ ((أول
القانون)) و ((مختصر المجَسْطِيّ)) وكثيراً من الرَّسائل.
ثم صَنَّف في أرض الجَبَل بقيّة كُتبه، وذكر منها جملة. ثم انتقل إلى الرَّيّ، واتّصل بخدمة
السَّدة وابنها مَجْدُ الدَّولةِ، وعَرَفُوه بسبب كُتب وَصَلَتْ معه، تتضمَّن تعريفَ قَدْرِه. وكان بمجد
الدَّولة إذ ذاك عِلَّةُ السَّوْدَاء فاشتغل بمداواتِهِ، وصَنَّف هناك كتاب ((المَعَاد)). ثم أتَّفَقتْ له أسبابٌ
أوجبتْ خُرُوجه إلى قَزْوِينَ، ومنها إلى هَمَذَان، واتَّفقتْ له معرفةُ ((شمس الدَّوْلة))، وحضر مَجْلِسَه
بسبب قُولَنْج أصابه، وعالجه فشفاه الله، وفاز من ذلك المجلس بِخِلَع كثيرة وصار من نُدَمَائِهِ.
وسألوه تَقَلُّدَ الوزارة فتقلَّدَها، ثم أتّفق تشويش العَسْكَر عليه، وأشفقوا على أنْفُسِهِم منه،
فكَبَسُوا داره، وأخذوه إلى الحَبْس، وأغاروا على أسبابِهِ وجميع ما يملكُهُ، وسامُوا الأميرَ قَتْلَه،
فامتنع. وعَزَلَ نَفْسَه عن الدَّولة طَلَباً لِمَرْضاتِهِم، وتَوَارَى أربعين يوماً؛ فعاود شَمْسَ الدَّوْلة
القُولَنْج، فأحضره مَجْلِسَه، واعتذر الأميرُ شمسُ الدَّولة إليه بكل عُذْرٍ، واشتغل بمعالجته، وأقام
عنده مُكَرَّماً مبجَّلاً، وأعيد إلى الوزارة ثانياً، وسألته أن يشرحَ لي كتب أَرِسْطُو، فذكّر أنْ لا فراغ
له في ذلك الوقت، ولكن إن رَضِيتَ مِنّي بتصنيف كتابٍ أَورِدُ فيه ما صحّ عندي من هذه العلوم،
بلا مُناظرة مع المخالفينٍ، ولا الاشتغال بالرَّدّ عليهم، فعلتُ ذلك، فرضيتُ منه بذلك. فابتدأ
بالطَّبِيعيّات من كتاب سَمّاه: ((الشّفاء))، وكان قد صنف الأوّل من: ((القانون)) فكنّا نجتمعُ كُلَّ ليلة
في دار طَلَبَةِ العِلْم، وكنت أقرأ من ((الشّفاء)) نَوْبَةً، ويقرأ غَيْرِي من ((القانون)) نَوْبَةً، فإذا فرغنا حضر
المغَنُّون على اختلاف طبقاتهم، وعُبّىء مجلسُ الشَّراب بآلاته، وكنّا نشتغل به. وكان التدريسُ

٢٤٦
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
باللَّيل؛ لعدم الفَرَاغ بالنهار خِدْمَةً للأمير، فقضينا على ذلك زَمَناً. ثم توجَّه شمسُ الدَّولة لحرب
أمير الطَّرْم(١)، وعاوده القُولَنْج، وانضاف إلى ذلك أمراضٌ أخرى جَلَبَها سُوءُ تدبيرِهِ، وعدمُ قَبُول
إشارات الشيخ، فخاف العَسْكَرُ وَفَاتَه؛ فرجعوا به وتُوُفّي في الطريق. وبُويعَ ابنُ شمس الدَّولة،
وطلبوا وزارةَ الشيخ؛ فأبَى عليهم، وكاتب عَلَاءِ الدّولة أبا جعفر بن كَاكُوَيْهِ سِرّاً، يطلب خِدْمَتَه
والمَسِيرَ إليه، وأقام في دار أبي غالب العَطَّار متولّي المهذب، فطلبت منه إتمام كتاب ((الشّفاء))،
فطلب الكاغِدَ والمِحْبَرَة، وكتب في قريب من عشرين جُزْءاً رؤوسَ المسائل، فكتبها كلَّها بلا كتاب
يَخْضُره ولا أصلٍ يرجعُ إليه، وفرغَ منها في يومين. ثم ترك تلك الأجزاءَ بين يديه وأخذ الكاغِدَ،
فكان ينظر في كلِّ مسألة ويكتُب شَرْحَها، فكان يكتب كلَّ يوم خمسين ورقةً، حتى أتى على جميع
طَبِيعيّات الشّفاء والإِلهيّات ما خلا كتاب: ((الحيوان)). وابتدأ بالمنطق، وكتب منه جُزْءاً. ثم اتهمه
تاج المُلْك بمكاتبة علاء الدَّولة، فحثَّ في طلبه، فدلَّ عليه بعضُ أعدائه ووَدّوه إلى قَلْعَةٍ يقال لها
((فَرْدَجان))، وأنشد هناك قصيدةً منها [الوافر]:
دُخولِي باليقينٍ كما تَرَاهُ وكلُّ الشَّكِّ في أمرِ الخُروجِ
وبَقِي فيها أربعةً أشهر، ثم قَصد علاءُ الدَّولة هَمَذَان وأخذها، وانهزم تاجُ المُلْك، ثم رجع
عَلاءُ الدّولة عن هَمَذَان، وعاد تاجُ المُلْك وابنُ شَمس الدّولة إلى هَمَذَان، وحملوا الشيخ مَعَهم
إلى هَمَذان. ونزل في دار العَلَوِيّ، واشتغل بتصنيف المنطق من كتاب: ((الشفاء))، وكان قد صَنَّف
بالقلعة كتاب: ((الهدايات))، ورسالة: ((حَيّ بن يَقْظَان))، وكتاب: ((القُولَنْج)). وأما الأَدْوِيَةِ القَلْبِيَّة
فإنّما صنّفها أَوَّلَ وُروده إلى هَمَذَان، وتَقَضَّى على هذا زمانٌ وتاجُ المُلْك يُمنِّه بمواعيدَ جميلةٍ.
ثم عَنَّ له التوجُّه إلى إِصبهان فخرج مُتَنَكِراً، وأنا وأخِوه وغُلامان معه في زيّ الصُّوفِيَّة،
فقاسينا شدائدَ إلى أن قَرُبْنَا من إصبهان، فخرج أصدقاؤه ونُدَمَاءُ عَلَاءِ الدَّوْلة وخَوَاصُّه، وحملوا
إليه المَراكِبَ الخاصّة والثيابَ الفاخِرَة، وأُنْزِل في مكان فيه من الآلات جميعُ ما يحتاجُ إليه،
ورُسِمَ له في ليالي الجُمَع بمجالس النَّظَرِ بين يديه، ويحضُره العلماءُ على اختلاف طبقاتهم، فما
كان يُطَاقُ في شيءٍ من العُلوم.
وتَمَّمَ بإصبهان كتاب: ((الشّفاء»، ففرغ من ((المنطق والمجسطي)). وكان قد اختصر:
((أقليدس))، و((الأَرثماطيقي))، و((الموسيقَى))، وأورد في كُلّ كتاب من الرّياضيّات زياداتٍ، رأى أنّ
الحاجة إليها داعيةٌ. أما في ((المجسطي))؛ فأورد فيه عشرةَ أشكال في اختلاف المنظر، وأورد في
آخر ((المجسطي)) في الهيئة إيراداتٍ لم يُسْبَقْ إليها. وأَوْرَدَ في ((أقليدس)) شُبَهاً وفي ((الأَرثماطيقي))
حسنة. وفي ((الموسيقى)) مسائل غَفَلَ عنها الأوّلون، وتمّ الكتاب المعروف ((بالشّفاء))، ما خلا
كتاب: ((النبات))، وكتاب: ((الحيوان)) فإنهما صُنّفا في السنة التي تَوَجّه فيها عَلاءُ الدَّولة إلى
((سَابُور)) في الطريق، وصنّف في الطريق أيضاً كتاب: ((النّجاة)).
(١) الطرم: ناحية كبيرة بالجبال المشرفة على قزوين في بلاد الديلم. انظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (طرم).

٢٤٧
الحُسين بن عبد الله بن سِينا البُخارِيّ
واخْتَصَّ بعلاء الدَّولة، ونادمه إلى أن عَزم عَلاء الدَّولة على قَصْد هَمَذَان، وخرج الشيخُ
صُحْبَتَه، فجرى لَيْلَةً بين يَدَيْ عَلاء الدَّولة ذِكْرُ الخَلَلِ الحاصلِ فِي التَّقاوِيمِ المَعْمُولة بحَسَبٍ
الأَرصاد القَدِيمة، فَأَمَرَ الشيخَ بالاشتغال بِرَصْد هذه الكواكب، وأَطْلَق له من الأموال ما يَحْتَاجُ
إليه. وولاني اتخاذَ آلاتها، واستخدامَ صُنَّاعِها، حتى ظهر كثيرٌ من المسائل، وكان يقع الخَلَلُ في
الرَّصْد لكثرة الأسفار وعَوَائِقها، وصنّف: ((الكتاب العَلَائي)).
وكان الشيخُ يوماً جالساً بين يديّ الأمير عَلَاءِ الدَّوْلة وأبو مَنْصُور حاضرٌ، فجَرَى في اللُّغة
مسألةٌ، فتكلّم فيها الشيخُ بما حَضَرَه، فالتفتَ أبو مَنْصُور إلى الشَّيخ، وقال: ((نقول إنّك حكيمٌ
وفيلسوفٌ، ولكن لم تقرأ من اللّغة ما يُرْضِي كلامَك فيها»، فاستنكف الشّيخُ من هذا الكلام،
وتَوَفَّر على درس كتب اللُّغة ثلاثَ سنين، واستهدى كتابَ: ((تهذيب اللغة))(١) من خُراسانَ، وبلغ
في اللّغة طبقةً قَلَّما يتَّفِقُ مثلُها، ونظم ثلاثَ قصائِدَ وضَمَّنها ألفاظاً غريبةً، وكتب بها ثلاثة كتب؛
أحدها: على طريقة الصَّابِي، والأخرى: على طريقة الصَّاحِب، والأخرى: على طريقة ابن
العَمِيد، وجَلَّدها وأخلق جِلْدَهَا وَوَرَقها، ثم أَوْعَزَ الأمير عَلاء الدَّوْلة، فَعَرَض تلك المجلَّدات على
أبي مَنْصُور، وقال: ((ظَفِرْنَا بها في الصَّيد في الصَّحراء، فتقول لنا ما فِيها». فنظر فيها أبو مَنْصُور،
وأشكَلَ عليه كثيرٌ ممّا فيها. فقال له الشيخُ: ((إنّ ما تجهلُه من هذا فهو مذكُورٌ في الموضع الفُلَانِيّ
من كتاب فُلانٍ، وذكَرَ له كُتُباً كثيرة من اللُّغة المعروفة، فَفَطِنَ أبو مَنْصُور أنّ تلك من وضع
الشّيخ، وأنّ الذي حَمَلَه؛ ما جَبَهُه به ذلك اليومَ فَتَصَّلَ، واعتذر إليه)).
ثم صَنَّف الشيخُ كتاباً سمَّاه: ((لسان العرب))، لم يُصَنَّف في اللُّغة مثلُه، ولم يَنْقُلْه إلى
البياض، حتى تُوفّي، ولم يَهْتَدِ أحدٌ إلی ترتيبه.
وكان قد حصل له تجاربُ كثيرة فيما باشرها من المُعالَجَات، وعَزَم على تدوينها في كتاب:
((القانون))، وكان قد عَلَّقَها في أَجْزَاءِ، فضاعت قبل تمامِهِ كتابَ ((القانون))؛ من ذلك أنه صُدِّع
يوماً، فتصوَّرَ أَنَّ مادَةً تريدُ التُّزُول إلى حِجَابٍ رأسه، وأنه لا يَأْمَنُ وَرَماً يحصلُ فيه، فأمر بإحضار
ثَلْج كثير، ودَقْه ولَفْه في خِرْقَةٍ، وتَغْطِيَةِ رأسِهِ بها، ففعل ذلك حتى قَوِيَ الموضعُ، وامتنع من
قَبُول مادَّته، وعُوفي.
ومن ذلك امرأةٌ مَسْلُولة بخُوَارِزم، أمرها أن لا تتناول شيئاً من الأَذْوِيَة سوى الجلنجبين
السُّكَّرِيّ، حتى تناولت على الأيام مقدارَ مائة مَنِّ وشُفِيت المرأة.
وكان قد صَنَّف بجُرجان ((المختصر الأوسط)) في المنطق، وهو الذي وَضَعه بعد ذلك أول:
((النَّجاة)) ووقعتْ نسخةٌ إلى شِيرَازَ، فنظر فيها جماعةٌ من أهل العِلْم هناك، فوقعتْ لهم شُبَةٌ في
مسائلَ منها، فكتبُوها في جُزء، وكان قاضي شِيرَازَ من جُملة القوم، فأنفذ الجزء إلى أبي القاسم
الكَرْمَانِيّ صاحب إبراهيم بن بابا الدَّيْلَمِيّ، المشتغل بعلم المناظر، وأنفذها على يَدَيْ ركابيّ
(١) وهو لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري المتوفي سنة (٣٧٠هـ)، انظر: ((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٩/١).

٢٤٨
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
قاصدٍ، فعرض الجُزء على الشَّيخ عند اصفرار الشَّمسِ في يوم صائِفٍ، فتركَ الجُزء بين يديه،
ونَظَرَ فيه والنّاسُ يتحدَّقُون(١)، ثم خرج أبو القاسم فَأَمَرَنِي بإحضار البَيَاضِ، وقَطَع أجزاءً منها،
فشددتُ خمسة أجزاء، كل واحد عشرة أوراق بالرُّبْع الفِرْعَوْنِيّ، وصلَّيْنَا العِشاء، وقُدّم الشمع،
وأَمَرَ بإحضار الشَّراب، وأجلسني وأخاه، وأمَرَنَا بمناولة الشَّراب، وابتدأ هو بجواب تلك المسائل،
وكان يكتبُ ويشربُ إلى نصف اللَّيل، حتى غَلَبَنِي وأخاه النَّومُ فَأَمَرَنَا بالانصراف، وعند الصَّباح،
قُرِعَ البابُ، فإذا رسولُ الشيخ يستحضِرُني، فحَضَرْتُه وهو على المُصَلَّى، وبين يديه الأجزاء
الخمسة، فقال: خُذها، وصِرْ بها إلى الشيخ أبي القاسم الكَرْمَانِيّ، وقل له: استعجلتُ في الإجابة
عنها لِئَلاَّ يتعوق الرّكابيّ))، فصار هذا الحديث تاريخاً بينهم.
ووضع في حال الرَّصْد آلات ما سُبِقَ إليها، وصنّف فيها رسالة، وبقيت أنا ثماني سنين في
خدمة الرَّصد، وكان غَرَضِي تَبيَّن ما يحكيه (بَطْلَيْمُوس)) عن نصبه في الأرصاد، وصَنَّف الشيخُ
کتاب: «الإنصاف)).
وكان أبو عليّ قويَّ المِزاج، يغلبُ عليه حبُّ النّكاح حتى أَنهكه مُلازمَةُ ذلك، وأَضْعَفه،
ولم يكن يُدارِي مزاجه، وعرض له قُولَنْجِ، فَحَقَن نفسَهُ في يوم واحد ثَمانِيَ مَرَّاتٍ، فَقَرَّح بعضَ
أمعائه، وظهر به سَحجٌ، واتّفق سَفَرُه مع عَلاء الدَّولة، فحدَث له الصَّرَع الحادث عَقِيب القُولَنْجِ،
فأمر باتخاذ دانِقَين من كَرَفْس، في جملة ما يُحْقَن به، وخَلَطه بها طلباً لكسر الرّياح، فَقَصَدَ بعضُ
الأطباء الذي كان يتقدّم هو إليه بمعالجته، وطرح من بزر الكَرَفْس خمسةَ دراهم، لست أدري فَعَلَهُ
عمداً أو خطأً؛ لأنّني لم أكن مَعَه، فازداد السّحجُ به من حِدَّة ذلك البزر، وكان يتناول المثرود
يطوس لأجل الصرع، فقام بعضُ غِلمانه وطرحَ فيه شيئاً كثيراً من الأَفْيُّون، وناوَلَه فأَكَلَه، وكان
سببُ ذلك خيانَتَهُمْ له في مالٍ كثيرٍ من خزانته، فتمنَّوْا إهلاكَه؛ ليأمَنُوا عاقبةَ أعمالهم.
ونُقِل الشيخُ إلى إصبهان، فاشتغل بتدبير نفسه، وكان من الضَّعف بحيثُ لا يقدر على
القيام، ولم يزل يعالجُ نفسَه حتى قَدر على المشي، وحضر مجلسَ عَلاء الدَّولةِ، ولكنّه مع ذلك
لا يتحفّظ، ويكثر التَّخْلِيط في أمر المُجَامَعَة، ولم يَبْرَأْ كُلَّ البُرء، وكان ينتكس كلَّ وقتٍ ويَبرأ.
ثم قصد علاءُ الدَّولة هَمَذَان، فسار معه الشيخُ، فعاودته تلك العِلَّة في الطريق إلى أن وَصَلَ
هَمَذَان، وعلم أنّ قُوَّتَه قد سَقَطت، وأنها لا تَفِي بدفع المرض؛ فأهمل مُدَاواةَ نفسه، وقال:
((المُدَبِّرُ الذي كان يُدَبِّر بَدَنِي، قد عَجَز عن التَّدبير، فلا تَنْفَعِ المُعَالَجة)).
ثم اغتسل وتاب، وتصدّق بما معه على الفقراء، وَرَدّ المَظالِمَ على من عَرَفَه وأعتق مماليكَه،
وجعل يخْتِمُ في كل ثلاثة أيام خَتْمَةً .
ثم انتقل إلى جوار رَبِّهِ عَزّ وجلَّ يوم الجمعة في شهر رمضان، سنة ثمان وعشرين
وأربعمائة، وعمره ثمانية وخمسون سنة، وكان مولده في صفر سنة سبعين وثلاثمائة)). انتهى.
(١) في الأصل: يتحدثون، والأصح: يتحدقون.

٢٤٩
الحُسين بن عبد الله بن سِينا البُخارِيّ
قلت: ولم يأت في الإسلام بعد أبي نصر الفارابِيّ، مَنْ قام بعُلوم الفلسفة مثل الشيخ الرئيس
أبي عَلِيّ، إلاّ أن عبارَتَه أفصحُ وأعذبُ وأَحْلَى وأَجْلَى. وما كان كلامُ الأطبّاء قبله إلاّ كلامَ
عجائز، حتى جاء الرئيس. وأتى ((بالقانون))، فكأنّه خُطَبٌ لبلاغة معانيه وفَصاحة ألفاظه.
وكان الإمام فخر الدِّين لا يُطْلِقُ لفظَ الشَّيخ إلاّ عليه، وكان يحفظ ((الإشارات)» التي له،
بالفاء والواو، ويكتبها من حفظه وحكايته مع القُطب المصري فيما يدل على تعظيم الرئيس. مَرّت
في ترجمة قطب الدّين إبراهيم بن عليّ المصري.
ولما اختصر الإمام فخر الدين ((الإشارات)) التي للرئيس، جاء إلى: ((مقامات العارفين))،
وأورده بلفظه؛ لأنه لم يقدر على الإتيان بأحلى من تلك العبارة، وقال: ((هذا الباب لا يقبلُ
الانتخاب لأنه في غاية الحُسن، وما مَحَاسِنُ شيء كُلُّهُ حَسَنٌ؟)).
وجاء في كلام الرئيس في النَّمطَ التّاسع أن قال: ((جَلَّ جَنَابُ الحقِّ أن يكون شريعةً لكلِّ
وارد، أو يطَّلعُ عليه إلاّ واحدٌ بعد واحد؛ ولذلك فإن ما يشتمل عليه هذا الفَنّ؛ ضُحْكَةٌ للمُغَفَّل،
عِبْرَة للمحصّل، فمن سمعه فاشمأزَّ عنه، فَلْيَتَّهِمْ نفسَه، فلعلّه لا يناسبه وكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له)).
انتھی .
قلت: وقد رأيت القاضي الفاضِلَ رحمه الله، قال في بعض فصوله: ((وقال ابن سينا - قلقل
الله أنيابه بكلَالِيب جهنّم: جلّ جَنَابِ الحَقِّ، أن يكون شِرعَةً لكلّ وارد، أو يطلع عليه إلاّ واحدٌ
بعد واحد)). وأخذ يُعاكِسُه، ويظن أجسادَ ألفاظه، تكون لهذه الأرواح هياكل، أو أنّ كلماتِهِ
المُزَوَّقة تكون لِلْبَاب هذه المعاني قُشُوراً، فَتَشَدَّقَ وتَفَيْهَقَ، وتَمَطَّى وتَمَطَّق [البسيط]:
من أينَ أنت وهذا الشأن تذكُرُه أراك تَقْرَعُ باباً عنكَ مَسْدُودَا
إلاّ أن الرئيس أبا عَلِيّ كان من فلاسفة الإسلام، وعَدَّهُ العلماءُ في الحُكْمَاءِ.
قال تاجُ الدِّين محمد بن عبد الكريم الشَّهْرِسْتَانِيّ في كتاب ((المِلَل والنّحَل))(١):
((المتأخّرون من فلاسفة الإسلام مثل: يعقوب بن إسحاق الكِنْدِيّ، وحُنَيْن بن إسحاق،
ويحيى النَّحوي، وأبي الفَرَح المفسّر، وأبي سُليمان السِّجْزِيّ، وأبي سُليمان محمد بن مِسْعَر
المَقْدِسِيّ، وأبي بكر ثابت بن قُرَّة الحَرَّانيّ، وأبي تمّام يوسف بن محمد النَّيسابوري، وأبي زيد
أحمد بن سَهل البَلْخِيّ، وأبي مُحارب الحُسين بن سَهل بن مُحارب القُمّي، وأحمد بن الطَّيّب
السَّرَخْسِيّ، وطلحة بن محمّد النَّسَفِيّ، وأبي حامد أحمد بن محمد الإِسفراييني، وعيسى بن عليّ
ابن عيسى الوزير، وأبي علي أحمد بن محمد بن مِسْكَوَيْهِ، وأبي زكريا يحيى بن عليّ الصَّيْمَرِيّ،
وأبي الحسن العامِرِيّ، وأبي نصر محمد بن محمد بن طَرْخَان الفارابي وغيرهم. وإنما عَلَأَّمَةُ
القوم: أبو عليٍّ الحُسين بن عبد الله بن سِينا؛ كُلُّهم قد سلِكُوا طريقةَ أَرِسْطَالِيس في جميع ما ذهب
إليه، وانفرد به، سوى كلماتٍ يسيرةٍ ربما رأوا فيها رأي أَفْلاطُون، والمتقدمين. ولما كانت طريقةُ
(١) انظر: ((الملل والنحل)) (٣/٣ -٤٦).

٢٥٠
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
ابن سينا أَدَقَّ ونظرُه في الحقائق أَغْوَصَ، أخترت نقلَ طريقته من كتبه على إيجاز واختصار، فإنها
عُيون كلامه ومُتون مَرامه، وأعرضتُ عن نقل طُرُق الباقين. وكُلُّ الصَّيْد في جَوْف الفَرَا)).
وقال القاضي شهاب الدّين إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعِم المعروف بابن أبي الدَّم في
كتاب: ((الفِرقَ الإِسلاميّة)): ((إلا أنه لم يَقُم أحدٌ من هؤلاء بعلم أَرِسْطَالِيس مثلُ مَقام أبي نَصْرٍ
الفارابيّ، وأبي عليّ بن سيناء، ولا صَنَّف أحدٌ منهم مثلَ تصانيفهما، وكان الرئيس أبو عليّ بن
سينا أقومَ الرَّجُلين بذلك وأعلمهما به)).
ثم قال فيما بعد: ((واتّفق العلماءُ على أنّ ابن سينا، كان يقول بِقِدمَ العَالَم، ونَفى المَعَاد
الجُسْمانِيّ، وأثبتَ المَعَادَ النَّفسانيّ، ونُقِل عنه أنه قال: إن الله تعالى لا يعلم الجُزئيّات بعلم
جُزْئيّ، وإنما يعلَمُهَا بعلم كُلّيّ. وقَطَع عُلماء زمانه، ومَنْ بعده الأئمة المُعْتَبرة أقوالُهم أصولاً
وفروعاً من الحَقّ، بِكُفْرِهِ وَبَكُفْرِ أبي نَصْرِ الفَارَابِيّ بهذه المسائل الثلاث، واعتقادِهِ فيها بما يُخالف
اعتقاد المسلمين)).
قلت: وكان رأيه في الفروع رأي الإمام أبي حنيفة.
ذكر تصانيفه: كتاب: ((الشّفاء)) جمع فيه العُلوم الأربعة، وصنّف ((طَبِيعيّاته)) و((إلاهيّاته))، في
مدّة عشرين يوماً بهَمَذَان، ولا مزيدً لأحد على ما فيه من المنطق، كتاب: ((اللواحق)) يُذكر أنّه
شرحٌ للشّفاء، كتاب: ((الحاصل والمحصول))، صنّفه أوّل عُمره في قريب من عشرين مجلّدة،
كتاب: ((البِرّ والإثم))، مجلدان، كتاب: ((الإِنصَاف))، جمع فيه كُتُب أَرِسْطُو جميعَها، وأنصف فيه
بين المشرقيّين والمغربيّين، ضاع في نّهب السُّلطان مسعود، وهو في عشرين مجَلَّداً، كتاب:
((المجموع))، ويعرف بالحكمة العروضية، صنّفه لأبي حَسَن العَرُوضي، وعمره إحدى وعشرين
سنة، كتاب: ((القانون))، صنّف بعضه بجُرجان وتمّمه بالرَّي، وعَوَّل على أن يعمل له شَرْحاً.
قلت: وكان ينبغي أن يُسمى هذا القانون: ((كتاب الشفاء)) لكونه في الطّبِّ وعلاج الأمراض.
وأن يسمى: ((كتاب الشفاء)): ((كتاب القانون))؛ لأن ((الشّفاء)) فيه العلومُ الأربع، التي هي:
الحكمة. والقانون هو الأمر الكُلِّيُّ الذي ينطبق على جميع جُزئيات ذلك الشيء.
كتاب: ((الأوسط الجرجاني)) في المنطق، كتاب: ((المبدأ والمَعاد)) في النفس، كتاب:
((الأرصاد الكليّة))، كتاب ((المَعَادِ))، كتاب: ((لسان العرب)) في اللغة، عشر مجلّدات لم ينقله من
البَيَاض، كتاب: ((الإشارات والتنبيهات))، وهو آخر ما صَنَّفَ وَأَجْوَدُه.
وقد سُقْتُ في ترجمة ((محمد بن محمد الشرواني)) (١) سنداً بهذا الكتاب، كتاب: ((الهداية))
في الحكمة، صنّفه وهو محبوس بقلعة مَرْدُوخَان لأخيه علي، كتاب: ((القُولَنْج))، صنّفه بهذه
القلعة، كتاب: ((الأدوية القلبية))، رِسَالَة: ((حيّ بن يقظان))، صنّفها بهذه القلعة. وقد عَارَضَها
جماعة؛ منهم: ابن رُشْد المغربي وغيره، مقالة في ((النَّبْض))، بالفارسيّة، مقالة في ((مخارج
(١) لم نعثر على هذه الترجمة فيما طبع من الوافي بالوفيات.
٠٠

٢٥١
الحُسين بن عبد الله بن سِينا البُخارِيّ
الحروف))، مقالة في ((القوى الطبيعية))، رسالة: ((الطير))، مرموزة ((فيما يُوَصِّلُ إلى علم الحق))،
كتاب: ((الحدود))، كتاب ((عُيون الحكمة))، يجمع العلوم الثلاث، مقالة في: ((عكوس ذوات
الجهة))، ((الخطبة التوحيديّة)) في الإلهيات، و((الموجز الكبير)) في المنطق؛ وأما ((الموجز
الصغير))، فإنه منطق النجاة، ((القصيدة المزدوجة)) في المنطق، مقالة في تحصيل السعادة تُعرَف بـ
((بالحُجَجِ العشر))، مقالة في ((القضاء والقدر))، مقالة في ((الهندباء))، مقالة في ((الإشارة إلى علم
المنطق))، مقالة في ((تقاسيم العلوم والحكمة))، رسالة في ((السكنجبين))، مقالة في أن لا نهاية،
تعاليق علَّقها عنه بعضُ الأفاضل، مقالة في ((خواص خط الاستواء))، ((المباحثات))، ((سؤال بهمنيار
تلميذَه وجوابه له))، ((عشر مسائل أجاب عنها لأبي الرَّيْحَان الْبَيْرُوني))، ((جواب ستَّ عشرةَ مسألة
لأبي الرَّيْحَان))، مقالة في ((هيئة الأرض وكونها في الوسط))، كتاب: ((الحكمة المشرقيّة))، ولم
يتمّ، مقالة في ((تعقّب المواضع الجدليّة))، ((المدخل إلى صناعة الموسيقى))، وهو غير الذي في
((النجاة))، مقالة في ((الأجرام السماويّة))، مقالة في ((الخطأ الواقع في التّدبير الطبّي))، مقالة في
((كيفية الرصد ومطابقته مع العِلْم الطَّبيعِيّ))، مقالة في ((الأخلاق))، رسالة في ((الكيمياء))، مقالة في
آلةٍ رَصديّة، صنّفها عند عمل الرصد لعَلاء الدَّوْلة، مقالة في ((غرض قَاطِيغُوزْيَاس))، ((الرّسالة
الأصحوية)) في المَعَاد، ((معتصم الشعراء)) في العروض، مقالة في ((حدّ الجسم))، («الحكمة
العرشية))، وهو كلام متفرٌّ في الإلهيّات، ((عهدٌ له مع الله)) عاهد به نفسه، مقالة في أن ((علم زَيْد
غير علم عَمْرو))، كتاب: ((تدبير الجُند والمَمَالِك والعَساكِر وأرزاقهم وخَراج الممالك))،
(مناظرات)) جرت له مع أبي علي النيسابوري في النفس، ((خُطَبٌ وتحميدَاتٌ وأَسْجَاعٌ))، ((جواب
يتضمّن الاعتذارَ عما نُسِبَ إليه في الخُطب))، ((مختصر أوقليدس))، مقالة (الأرثماطيقي))، ((عشر
قصائد وأشعار في الزهد ووصف أحواله))، ((رسالة بالفارسيّ والعربيّ))، ((مخاطبات ومكاتبات
وهزليات))، («تعاليق مسائل حُنين في الطِّبّ))، ((قوانين ومعالجات طبية))، ((عشرون مسألة سألها أهلُ
العصر))، ((مسائل عِدَّة طِبِيَّة))، مسائل ترجمها ((بالتذكير))، جواب مسائل كثيرة، ((رسالة إلى علماء
بغداد)) يسألهم الإنصاف بينه وبين رجل ادَّعَى الحِكْمة، ((رسالة إلى صديق له)) يسأله الإنصاف بينه
وبين الهَمَذَانِيّ الذي يَدَّعِي الحِكمة، كلام له في ((تبيين ماهيّة الحُروف))، ((شرح كتاب النفس
لأَرسطو))؛ يقال إنّه من الإنصاف، مقالة في النفس تعرف بـ ((الفصول))، مقالة في ((إبطال عِلم
النُّجوم))، كتاب: ((الملح)) في النحو، فصول إلهية في ((إثبات الأوّل))، فصول في ((النفس
وطبيعيّات))، رسالة إلى أبي سعد بن أبي الخير في ((الزهد))، مقالة في أنه ((لا يجوز أن يكون
الشيء جَوْهَراً وعَرَضياً»، مسائل جرت بينه وبين بعض الفضلاء في فُنون العلوم، تعليقات استفادها
أبو الفَرَج الطبيب الهَمَذَاني من مجلسه وجوابات، مقالة في ((الممالك وبقاع الأرض))، مختصر في
أن ((الزاوية التي من المحيط والمماس لا كميّة لها))، كتاب ((تعبير الرؤيا)).
قال ابن أبي الدّم: ورُوِي أنْه رُؤي بعد موته، فقيل له: ما الخبر؟ فأنشد [السريع]:
٥

٢٥٢
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
أعومُ في بَخرِكَ كيما أَرَى له على طُول المَدَى قَعْرًا
فلا أَرَى فيه سِوَى لُجَّةٍ تُسْلِمُنِي منها إلى أُخْرَى
وقال ابن خلكان: ((كان الشيخ كمال الدّين بن يونس رحمه الله يقول: إنَّ مَخْدُومَه سَخِط
عليه واعتقله، ومات في السجن، وكان ينشد [المتقارب]:
رأيت ابن سينا يُعادِي الرِّجالَ وبالحَبْسِ ماتِ أَخَسَّ المَمَات
فلم يُشْفَ ما نابه بالشِّفَا ولم يَنْجُ من موته بالنَّجَاةِ))
يريد بالحبس: انحباس البطن الذي أصابه.
ومن شعر الرئيس أبي عليّ بن سِينا [الطويل]:
أقام رجالاً في معارِفه مَلْكَي وأَقْعَدَ قوماً في غَوايتهم هَلْكَى
نعوذُ بك اللَّهُمَّ من شَرّ فِتنةٍ تُطَوِّقُ من حَلَّت به عيشةٌ ضَنْكًا
وقَلْبْ قُلوباً طال إعراضُها عَنْكًا
رَجَعنا إليك الآن فاقبلْ رُجوعَنَا
فإن أنتَ لم تُبْرِىءُ شَكايا عُقولنا وتَصْرِفْ عَمَايَاهَا إِذَا فَلِمَنْ يُشْكَى
فقد آثَرتْ نفسِي رِضاك وَقَطَّعَتْ عليك جُفوني من جَواهرها سِلْكًا
ومن شعره يصف ((الَّنفس)»، ولم يكن لغيره مثلُها [الكامل]:
هَبَطَتْ إليك من المَحَلِ الأَرْفع وَزْقاءُ ذاتُ تَعَزُّزٍ وتَمَنُّعِ
كَرِهَتْ فراقَكَ فَهْيَ ذاتٌ تَفَجِّعٍ
وَصَلَتْ على كُرة إليك ورُبَّما
محجُوبَةٌ عن كلِّ مُقْلةِ عارِفٍ
أنِفَتْ وما أَلِفَتْ فلمّا واصلتْ
وأظنُّها نَسِيَتْ عهوداً بالحِمَى
حتى إذا اتَّصَلَت بِهَاءِ هُبُوطها
عَلِقَتْ بها ثاءُ الثَّقيل فأصبحت
تبكي وقد نَسِيَتْ عُهوداً بالحِمَى
حتى إذا قَرُبَ المَسيرُ إلى الحِمَى
وغَدت تُغَرّد فوق ذِرْوَة شاهِقٍ
إن كان أَهْبَطَهَا الإله لحكمةٍ
فَهُبُوطُها لا شَكَّ ضَرْبَةُ لازپِ
وَتَعُودَ عالمةً بكلِّ خفيَّةٍ
فلأَيِّ شيء أُهْبِطت من شَاهِقٍ
وهي التي سَفَرَتْ ولم تَتَبَرْفَعِ
أَلِفَتْ مُجاورةَ الخَرابِ البَلْقَحِ
ومنازلاً بفراقها لم تَقْنَعٍ
من مِيم مَرْكّزِها بذاتِ الأَجْرَعِ
بين المعالم والطّلول الخُضَّعِ
بمدامعٍ تَهْمِي وَلَمَّا تُقْلِعِ
ودنا الرَّحِيلُ إلى الفضاء الأَوْسَعِ
والعِلمُ يَرفع كُلَّ من لم يُرْفَعِ
طُوِيَّتْ عن الفَطِنِ اللَّبِيبِ الأَزْوَعِ
لتكونَ سامعةً بما لم تَسْمَعِ
في العالمين فخَرْقُها لم يُرفَعِ
سَامٍ إلى قَعر الحَضِيضِ الأَوْضَعِ

٢٥٣
الحُسين بن عبد الله بن سِينا البُخارِيّ
إذْ عاقها الشَّرَكُ الكَثِيفُ فَصَدَّها قَفَصٌ عن الأَوْجِ الفَسِيحِ الأَرْفَعِ
فكأنّها برقُ تأَلَّقَ بالحِمَى ثم انطوى فكأنّه لم يَلْمَعِ
وقد خَمّسها جماعة، ونظم في معناها جماعة. وتقدم في ترجمة شهاب الدين السَّهْرَوَزْدِيّ
محمّد بن حَبش، أبياتٌ قافِيَّة في هذه المادة.
ويُنسب إليه البيتان اللذان أوردهما الشَّهْرَسْتَانِيّ في أول ((نهاية الإقدام))، وهما [الطويل]:
لقد طُفْتُ في تلك المَعاهد كُلِّها وسيَّرتُ طرفي بين تلك المَعَالِمِ
فلم أَرَ إلاّ واضِعاً كَفَّ حائِرٍ على ذَقَنٍ أو قارعاً سِنَّ نَادِمِ
ونسب إليه أيضاً [الكامل]:
خيرُ النّفوس العارفاتِ ذَوَاتِهَا
وبِمَ الَّذي حَلَّتِ ومِمَّ تَكَوَّنَتْ
نَفْسُ الثَّبات ونَفْسُ حِسِّ رُكِّبَا
يا للرّجال لِعُظْمِ رُزْءٍ لم تَزَلْ
ونسب إليه أيضاً [الخفيف]:
وحقيقَ كَمِّيَّات ماهِيَّاتِهَا
أعضاءُ بِنْيتها على هَيْآَتِهَا
هَلاّ كذاك سِمَاتُه كَسِمَاتِهَا
منه النفوسُ تَخُبّ في ظُلُمَاتِهَا
هَذِّبِ النَّفْسَ بالعُلُومِ لِتَرْقَى وَذَرِ الكُلَّ فَهْيَ للكُلّ بيتُ
إنّما النفسُ كالزُّجاجة والعِلْ مُ سِراجٌ وحكمةُ اللَّه زِيتُ
ونُسب إليه أيضاً [الطويل]:
شربنا على الصّوت القديم قديمةً لكلِّ قديم أوّلّ هـي أَوَّلُ
ولو لم تكنْ في حَيِّزٍ قلتُ إنّها هي العِلّة الأُولى التي لا تُعَلَّلُ
ونسب إليه أيضاً [الرمل]:
نزلَ اللَاهُوتُ في ناسُوتها كنُزول الشمس في أبراج يُوحٍ
قال فيها بعضُ مَن هام بها
مثلَ ما قال النَّصارى في المسيحِ
هي والكأسُ ومَا مَازَجَهَا كأب متَّحدٍ وابن ورُوحٍ
ونسب إليه أيضاً [الكامل]:
هاتِ أسْقِنِي كأسَ الطِّلا كدَم الطُّلَى يا صاحبَ الكأس المَلاَّ بين المَلَا
خمراً تظلُّ لها النَّصارى سُجَّداً
ولها بنو عِمْرَان أخلصتِ الوَلاَ
لَوْ أنّها قالتْ وقد مالتْ بهم سُكْراً ألستُ بِرَبّكُمْ قالوا بَلَى
ونُسِبَ إليه أيضاً [مجزوء الرمل]:
صَبَّها في الكأسِ صِرْفاً غلبت ضوءَ السراج

٢٥٤
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
ظنّها في الكأسَّ ناراً فَطَّفاها بالمِزَاجِ
قلت: لا يقال: ((طَفَاهُ)) ولكن ((أَطْفَأَهُ)) والرئيس يُحاشَى من ذلك.
ويُنسب إليه الأبياتُ، التي يقولها بعضُ الناس عند رؤية ((عُطَارد)) عند وقت شَرَفه، ويُعتقد
أنّها تُفيد عِلْماً وخَيْراً، وهي [الطويل]:
عُطارِدُ قد واللَّه طال تَرَدُّدِي مساءً وصُبْحاً كي أراك فَأَغْنَمَا
وأَحْوِي العُلومَ الغامضاتِ تَكَرُّمَا
وها أنت فامدُدْنِي بما أُذْرِكُ المُنَى
بأمر مليكِ خالق الأرض والسَّمَا
ووَقْنِيَ المَخْذُورَ والشَّرَّ كُلَّه
وينسب إليه القصيدة الرائيّة، وهي [الكامل]:
إِحْذَر بُنَيَّ من القِرَانِ العاشِرِ
لا تشغلنَّكَ لَذَّةٌ تلهُو بها
واسكنْ بلاداً بالحجاز وقُم بها
لا تركنَنَّ إلى البلاد فإنّها
من فِتْيَةٍ فُطْسِ الأُنْوف كأنَّهُمْ
خُزْرُ العيون تراهُمُ في ذِلَّةٍ
ما قَصْدُهُمْ إِلاّ الدماءُ كأنَّهُمْ
وخرابُ ما شاد الوَرَى حتى يُرَى
منها بعد ذکر خراب البلاد:
وانْفِرْ بنفسك قبل نَفْرِ النّافِرِ
فالموتُ أولى بالظَّلُوم الفَاجِرِ
واصبر على جَوْرِ الزّمان الجائِرِ
سيعمُّها حَدُّ الحُسامِ البائِرِ
سَيْلٌ طَمَا أو كالجَرَادِ النّاشِرِ
كم قد أبادُوا من مليكِ قاهِرٍ
ثأرٌ لهم مِن كلِّ ناهِ آمِرٍ
قَفْراً عمارتُهُم برغم العامِرِ
ويَفِرُّ سُفَّاك الدّمَا منهمْ كما فَرّ الحَمامُ من العُقابِ الكَاسِرِ
في نصف شهرٍ من ربيع الآخرِ
من مُلْكِهِ في لُجِّ بحر زاخِرٍ
فهو الخَوَارِزْمِيُّ یکسِر جيشَها
ويموت من كَمَدٍ على ما ناله
منها، وقد ذکر وَلَدہ:
يسري إليه وماله من سائِرِ
ويكون آخرُ عمره فى أمدٍ
ويعود عظم جيوشه مرتدَّةً
وديار بكر سوف يقتل بعضهم
والويلُ ما تَلْقَى النَّصارى مِنْهُمُ
والويلُ إن حَلُّوا ديارَ ربيعةٍ
وَيَخْرِبُون ديارَ بابل كُلَّها
عنه إلى الخَصْم الأَلَدّ الفاجِرِ
بالسيف بين أَصاغِرٍ وأَكابِرٍ
بالذُّلّ بين أصاغرٍ وأكابرٍ
ما بين دِجلتها وبين الجَازِرِ
من شَهْرَ زُورَ إلى بلاد السَّامِرِي
وخلاطُ ترجع بعد بَهْجَةٍ منظرٍ قَفْراً تُدَاسُ على اختلاف الحافِرِ

٢٥٥
حُسين بن عبد الله بن أبي بكر بن عليّ
هذا وتُغْلَقُ إربِلٌّ من دونهم
ولَرُبَّما ظهرتْ عَساكِرُ مَوْصِلٍ
وتَرَى إلى الثرثار نَهْباً واقعاً
ولربّما ظهرت عليهم فِتْيَةٌ
تلقاهُمُ حَلَبٌ بجيشٍ لو سَرَى
وإذا مَضَى حَدُّ القِران رأيتهم
يُفنيهُمُ الملك المظفِّر مثلَما
ويُبِيدُهُمْ نَجْلُ الإمام محمّد
ولربَّما أبقى الزّمانُ عِصابةً
في أرض كنعان تظلُّ جُومُهُمْ
وكذا الخليفةُ جَعْفَرٌ سَيَظَلُّ في
وكذا العراقُ قصورُها وربوعها
والرومُ تكسِرُهم وتُكْسَرُ بعدهُمْ
تُمْحَى خلافَتُه وَيُنْسَى ذِكْرُه
فَتَرَى الحُصون الشّامخاتِ مُهَدَّةً
وتَرَى قُراها والبلادَ تبدَّلَتْ
تِسْعاً وتُفْتَحُ في النّهارِ العاشِرِ
تبغي الأمانَ من الخَؤُون الكافِرِ
ودِمَا تسيلُ وهَتْك سِتْر السَّاتِرِ
من آل صعصعةٍ كرامٍ عشائِرٍ
في البحر أظلم كالعَجَاجِ الثَّائِرِ
يَرِدُون جِلْقَ وهي ذاتُ عَسَاكِرٍ
فَنِيَتْ ثَمُودٌّ في الزَّمانِ الغابِرِ
بحُسامه الماضي الغرار الباتِرِ
منهم فيهلكُهُمْ حسامُ النَّاصِرِ
مَرْعَى الذّئاب وكلّ نَسْرِ طائِرٍ
أرضٍ وليس لسُبْلِهَا من خاطِرٍ
تلك النواحي بالمشيد العامِرٍ
عاماً وليس لكسرها من جابرٍ
بين الوَرَى من صُنع رَبّ قادرٍ
لم يبق فيها ملجأٌ لِمُسَافِرٍ
بعد الأنيس بكلّ وخشٍ نافِرٍ
قلت: يريد ((بالقِرَان العاشر)) على ما زعمه المُنَجْمون: قِران المشترِي بزُحَل في بُرْج
الجَذي، وهو أنحس البروج؛ لكونه برج زُحَل، وزُحَلِ نَحْسٌ أكبر.
وقد طَنْطَنَ ابنُ أبي أُصيبعة وأُعْجِبَ بصحّة ما حكم فيها. والذي أراه، أنّ الذي نَظَم القصيدة
العينية في النَّفْس، ما ينظم مثلَ هذه القصيدة السّاقطة الرَّكِيكة السَّمجة التركيب، وأنها نَظْمُ بعض
العَوَامٌ، أراد أن يَحْكِيَ ما جَرَى، ولم تُنْظَم هذه القصيدةِ - والله أعلم - إلا بعد خَرَاب بغداد، ولم
يقل ابنُ سِينا منها كلمةً واحدةً، ولا عَرَف هذه الوقائعَ قبل حدوثها بمائتين وثلاثين سنة تقريباً.
سَلَّمْنَا أَنّه عَلِمَ كُلِيَاتِها من حساب النُّجوم، ولا نُسَلِمُ أنّ هذا كلامَه ولا نَظْمَه ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى
لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، ولم أُورِذها إلاّ لأنَّ بعضَ النَّاس يُطْنِبُ في أمرها.
٣٦١٧ - (ظَهِير الدِّين الغُورِيّ)) حُسين بن عبد الله بن أبي بكر بن عليّ، ظَهِير الدِّين الغُورِيّ
- بضم الغين - الصُّوفي الحنفي. من كبار الصُّوفية بخانقاه السُّمَيْسَاطِيّ. له معرفة بالفِقه والعَربيّة،
٣٦١٧ - (بغية الوعاة)) للسيوطي (٥٣٣/١).

٢٥٦
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
ومشاركة في الحديث والتاريخ، ولم يَزَل حريصاً على العلم والتَّحصيل، وهو والد شمس الدِّين
محمّد الغُورِيّ، تقدّم ذكره في المحمّدين. وتوفي ظهير الدِّين سنة خمس وتسعين وستمائة.
٣٦١٨ - ((ابن رواحة الحمويّ)) الحُسَين بن عبد الله بن رَوَاحة، أبو عليّ الأنصاريّ الحَمَوِيّ
الفقيه الشافعيّ. الشاعر، ابن خطيب حَمَاة. ولد سنة خمس عشرة وخمسمائة، وتوفي سنة خمس
وثمانين وخمسمائة(١).
سمع بدمشق من أبي المظفَّر الفَلَكِيّ، وأبي الحسن عليّ بن سُلَيمان المُرَادِيّ، والصائن هِبَة
الله وجماعة .
ووقع في أَسْر الفرنج، وبقي عندهم مُدَّةً، ووُلِد له بجزائر البحر: عِزُّ الدّين عبدُ الله، وقدِم
به الإسكندرية. وسَمَّعَه الكثيرَ من السِّلَّفِيّ.
وكان قد سافر في البحر إلى الغرب، فأُسِر ثم خلَّصه الله تعالى، وحَصَلت له الشَّهادة على
عكا. ومن شعره [السريع]:
يا قَلْبُ دَعْ عنك الهَوَى قَسْرَا ما أنت منه حامداً أَمْرَا
أضعتُ دنيايَ بهِجْرَانِهِ إِن نلتَ وصلاً ضاعتِ الأُخْرَى
وعكسه فقال [مجزوء الكامل]:
لاَمُوا عليك وما دَرَوْا أَنَّ الهَوَى سَبَبُ السَّعادَهْ
إن كان وصلٌ فَالْمُنَى أو كان هَجْرٌ فالشَّهَادَهْ
ومن شعره [مخلع البسيط]:
إن كان يَخْلُو لديكَ قَتْلِي فِزِدْ من الهَجْر في عَذَابِي
عسى يُطِيلُ الوقوفَ بينِي وبينَك اللَّهُ في الحِسابِ
وذكرت هنا ما قلته في هذا المعنى [البسيط]:
زِدْني عذاباً ولا تترك لجارحةٍ منّي حَرَاكاً وخُذْ رُوحي وجُثْمَانِي
عساكَ في الحَشْرِ لَمَّا أَنْ يَطُولَ غداً حسابُنا تَتَمَلَّى منكَ أَجْفَانِي
ومن شعر ابن رواحة [الكامل]:
قُلْ لِلرَّوافِض إنكم في سَبّكُمْ أهلَ الهُدَى في حُبْكُمْ عَلَمَ الهُدَى
مثلُ النَّصَارَى لا نَسُبُّ لأجلِهِمْ عيسَى وقد سَبُّوا النَّبِيَّ مُحَمَّدًا
٣٦١٨ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٢٧٥/١)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (٤٦/١٠)، و((خريدة القصر))
للعماد (قسم شعراء الشام) (١ / ٤٨١)، و(تهذيب ((تاريخ ابن عساكر)) (٣٠٢/٤).
مات شهيداً في واقعة مرج عكا. انظر: ((معجم الأدباء)» لياقوت.
(١)

٢٥٧
@
الحُسَين بن عبد الله بن رَوَاحة
ومنه في مليح اسمه إبراهيم [الرمل]:
صدّني بعدَ اقترابٍ وجَفَانِي
لستُ أدعو بأسْمِهِ ضَنّاً بِهِ
ظَمَئِي فيه ظَمَا آخِره
ومنه في مليح، اسمه ((مبارك)) [الطويل]:
وأَغْيَدَ لا تَحْكِي الأَسِنَّهُ لَخظَهُ
تأَلَّفَنِي قُرْبُ السَّقام لبُعْدِهِ
صَباحِي إذا ما زَارَني فيه مِثْلُه
ومنه في مليح، اسمه ((إلياس)) [السريع]:
أتيتُ مَنْ أهواهُ عَكْسَ اسْمِهِ
وكُلَّمَا أَطْعَمَنِي ضِدّه
ومنه في هجو إنسان بمصر [الخفيف]:
أحكمتْ عِرسُه ضُرُوبَ الأَغاني
وتَمَنَّتْ عليه كلَّ الملاهِي
فَقَضِيباً لاسْمٍ ونَاياً لِشَكْلٍ
ومنه [الوافر]:
قَمَرٌ يخجَلُ منه القَمَرَانِ
غيرَ أَنّي بالّذي أُخْفِيهِ دَانٍ
لَيْتَنِي أَوَّلُه مِمَّا عَرَانِي
ولا يملكُ الخَطّيُّ لِيناً بِقَدّهِ
وخَالَفَنِي وَضْلُ الغَرامِ بِصَدِّهِ
وعَيْشي إذا ما صَدَّ عَنّي بِضِدّهِ
فلم أَنَلْ منه سِوَى الإِسْمِ
عَادَ بهِ التِّيهِ إلى الرَّسْمِ
من ثقيلٍ في رأسه وخَفِيفٍ
غَيْرَهُ وَحْدَهُ لمعنىّ لَطِيفٍ
ورَبّاباً للجَرِّ والتَّصْحِيفِ
وأجمعُ بين يَأْسِي والثَّمَنّي
أيحسنُ بعدَ ظَنِّكَ حُسْنُ ظَنّي
وما نَفْعِي بعَطْفِكَ بعد فَوْتٍ
أَأَطْمَعُ أَنْ أَكُونَ شهيدَ حُبُّ
ملكتَ عليَّ أجفاني وقلبِي
فكم أرعيتَ غَيْرَ اللَّوْمِ سَمْعِي
صددتَ وما سِوى إفراط وَجْدِي
لقد أبديْتَ لي في كلّ حُسْنٍ
فكمْ فَنَّ من البَلْوَى عَرَانِي
كأنّكَ رُمْتَ أن أسلُوكَ حتَّى
فألْبَسَ وجهُكَ الأَقمارَ تِمّاً
رَمَانِي في هَوَاك ◌ِماحُ طَرْفِي
كَرِقَّةِ شامتٍ من بعد دَفْنِ
فأصحبُ منكَ حُورِيّاً بعَدْنٍ
فأبعدتَ الكَرَى والعَذْلَ عَنِّي
وكم أرعيتَ غيرَ النَّومِ جَفْنِي
لكَ الدَّاعِي إلى فَرْطِ التَّجَنِّي
ضُرُوباً أبدعتْ لي كلَّ حُزْنٍ
لِعشق الوَصْف منكَ بِكُلٌ فَنْ
أقمت الشِّبْهَ في بَذْرٍ وغُضْنٍ
وعَلَّم قَدُّك الَّبَانَ الثَّثَنّي
إلى حُسْنٍ فأخلفَ فيه ظَنِّي
فكمْ دَمْعٍ حملتُ عليه عينِي وكم نَدَمِ قَرَعْتُ عليه سِنِّي

٢٥٨
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
غدرتَ وما رأيتَ سِوَى وَفَاءٍ فهلاً قَبْلَ يُغْلَقَ فيك رَهْنِي
أقمتَ الموتَ لي رَصَداً فأخشَى زيارَتَه وإن يكُ لم يَزُزْنِي
وخرج منها إلى مَدح السُّلطان الملك الناصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب؛ فقال يصف
الأساطيل والسَّبايًا [الوافر]:
يَمِذَّنَ بكلّ قَدّ مُرْجَحِنٌ
لقد جَلَبَ الجَوَارِي بِالجَوَارِي
فَمِزْنَانٌ يَنُوحُ على مُرِنٌ
يزيدُهُمُ اجتماعُ الشَّمْلِ بُؤْساً
ولا ليث فِدَا رَشَأٍ أَغَنّ
فما مِنْ ظبيةٍ تُفْدَى بَلَيْثٍ
قال أبو سالم ابن الزّاهِد الوَاعِظ الوَاسِطَيّ: كنت جَالِساً مَعَ ابن رَوَاحة بحَمَاة، وإذا قد مَرَّ
غُلَامٌ حَسن فدعاه، فقال: يا فلان، ما حَمَلَكَ على جَفاء فلان، وسمَّى شَخْصاً قَدْ مات، مع
معرفتك بحُبِّه لك؟ فقال الغلام: إنّي نَدِمْتُ بعد ذلك، فأنشدني ابن رواحة في الحال لنفسه
[الوافر]:
يَرِقّ لمن يموت به شَهِيداً ويهجُرُ دائماً أهلَ البَقَاءِ
لِتَعْلَم أنّهِ من حُورِ عَذْنِ مَثَالُ وِصالِهِ بعد الفَنّاءِ
ومن شعر ابن رواحة، في مليح يقرأ القرآن [الطويل]:
تَلاَ فَدَعَا قلبي إلى حُبّ وَصْلِهِ وعَهْدِي بما يتلُوه يَنْهَى عن الحُبّ
فكيفَ اصطبارِي عنه لو كان مُسْمِعِي غِنَاءَ الغَوانِي من مُقَبَّلِهِ العَذْبِ
٣٦١٩ - («عماد الدين خطيب فُؤَّه)) الحُسين بن عبد الله بن الحُسَين عِماد الدّين، أبو عبد الله
القُرَشِيّ الفُوِّي - بضم الفاء، وتشديد الواو - الشافعي خطيب فُؤَّه من بلاد مصر. ولد سنة أربع
وستين وخمسمائة، وتوفي سنة ستّ وثلاثين وستمائة. وَلِيَ القضاءَ ببعض الأعمال.
قال الشيخ شمس الدين: وأرسل وَلَدَهُ شَيْخَنَا إلى الإِسكندرية، فسمع ((الخلعيَّات)) من ابن
عمار.
وحدَّث عن الفقيه أبي القاسم عبد الرحمن بن سلامة. وروى عنه الحافظ زكيّ الدّين شيئاً
من شعره.
٣٦٢٠ - ((الحسين بن عبد الرحمن، أبو عبد الله الصَّيْرَفِيّ)» الحُسين بن عبد الرحمن بن
الحُسين بن محمّد بن الحُسين بن عبد الله الصَّيْرَفِيّ، أبو عبد الله الشّاعر المعروف بالنُّبَاتِيّ. صحب
أبا نصر بن نُبَاتَةَ الشاعر السَّعْدِيّ، ونَسب نفسه إليه، وَرَوى عنه، وعن الملك العزيز أبي منصور
بن بُوَيْه، والوزير أبي القاسم الحُسين بن عليّ المغرِبِيّ، وروى عنه أبو منصُور محمّد بن محمّد بن
عبد العزيز النَّدِيم العُكْبَرِيّ. توفي سنة إحدى وأربعين وأربعمائة.
ومن شعره:

٢٥٩
الحُسين بن عبد السَّلام
(١)
٣٦٢١ - ((أبو عبد الله الغَزِّي الشافعي)) الحُسين بن عبد الرَّحمن بن مَخْبُوب الأنصاريّ
الغَزِّيّ، أبو عبد الله الفقيه. أصله من غَزَّة (٢) هاشِم وولد ببغداد، ونشأ بها. وقرأ الفقه عَلَى مذهب
الشافعيّ مدّة طويلة، وسمع الحَديثَ الكثيرَ، من أبي غالب محمّد بن الحسن الباقِلاَّني، وأبي سعد
محمّد بن عبد الكريم بن خَشيش، وأبي الحسن عليّ بن محمّد بن عليّ بن العَلاّف، وغيرهم،
وكتب بخطه الكثير.
وكان يُوَرِّق للنّاس. وكان صَدُوقاً مَرْضِيّ الطريقة، محمود السّيرة، وَرِعاً زاهداً، صابراً على
الفقر، قانعاً باليسير. توفي سنة إحدى وستين وخمسمائة.
٣٦٢٢ - ((قاضي القضاة ابن شأس)) الحُسين بن عبد الرحمن بن شأس قاضي القضاة
المالكيّ، تَقِيّ الدِّين. كان عارفاً بالمذهب، جيّد النَّقل علاَّمة، لكنه كان مذمومَ الأحكام متسرّعاً،
سَمْحاً في التَّعدِيل. حدَّث عن ابن الجُمَّيْزِي وغيره، وهو قاضي الدِّيار المصرية. توفي سنة خمس
وثمانين وستّمائة .
٣٦٢٣ - ((الزَّلازِلِيّ)) الحُسين بن عبد الرَّحيم بن الوَلِيد بن عُثمان بن جَعفر الكِلابيّ، المعروف
بالزَّلاَزِلِيّ. الشاعر المعروف بأبي الزَّلاَزِل. توفي في شهر رمضان سنة أربع وسبعين وثلاثمائة.
أحد الأدباء الفضلاء، الشعراء المصنّفين. حدّث عن جماعة منهم: أبو بكر بن جعفر
الخَرائِطِيّ، وأبو يعقوب النَّجِيرَمِيّ.
وصنّف كتاب: ((الأسجاع)) وهو ما جاء من أخبار العرب مسجُوعاً، وجَوَّد فيه.
ومن شعره [الخفيف]:
عُيدُ يُمْنِ مُؤَكَّدٌ بِأَمَانِ من تصارِيفِ طَارِقِ الحَدَثَانِ
خَيْرَ عيدٍ يُجْرِيه خَيْرُ زَمانٍ
جَعَلَ اللَّه عيدَ عامِكَ هذا
ـٍ ومن طِيبٍ غَيْشِهِ في أَمَانِ
ثم لا زِلْتَ في زَمانك في يُسْـ
قلت: شعرٌ نازل.
٣٦٢٤ - ((الجمل)) الحُسين بن عبد السَّلام، أبو عبد الله المِصري المعروف بالجَمَل. توفّي
(١)
بياض في الأصل بمقدار أربعة أسطر.
مدينة في أقصى الشام من أعمال فلسطين من ناحية مصر، مات بها هاشم بن عبد مناف جدّ الرسول وَل9،
(٢)
انظر: ((معجم البلدان)) لياقوت.
٣٦٢٢ - ((رفع الإصر عن قضاة مصر)) لابن حجر (٢٠٥/١)، و((تاريخ ابن الفرات)) (٤١/٨).
٣٦٢٣ - (معجم الأدباء)) لياقوت (١١٨/١٠)، و(تهذيب ((تاريخ ابن عساكر)) لبدران (٣٠٦/٤).
٣٦٢٤ - ((يتيمة الدهر)) للثعالبي (٤٢٤/١)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٢١/١٠)، و((تهذيب ((تاريخ ابن عساكر))
لبدران (٣٠٦/٤).

٢٦٠
الجزء الثاني عشر من كتاب الوافي بالوفيات
بمصر سنة ثمان وخمسين ومائتين. كان مَدَحَ المأمون وبَنِي المُدَبِّر والطُّلونيّةَ، واكتسب منهم مالاً
جَمّاً، ولم يزل يقول الشِّعر من أيام الرَّشيد إلى أيّام المعتصم، وعلت سِنُّه. وكان نهايةً في
الخَلاعة، وتَشْتَهِر نوادرُه.
وكان ابن أبي دُؤَادُ (١) قد وَعَدَه أن يُدْخِلَه على المأمون، فلم يفعل، فقال [الوافر]:
سنفرُغ للتَّضاحُك من إيادٍ ولا نبكِي على حَلَقِ الرَّمادِ
ومن عَجَبٍ رَجائي منكَ خَيْراً ولم تُبْصِرْ نَذَالَتُكَ انتقادِي
وآمالي على فَقْعِ البَوادِي
عَدِمتُ مَطامعاً وَقَفَتْ رَجَائِي
وأَغْفَلْتُ الذي صَنَعَتْ بِعَادٍ
أَلَحْتُ سَحَابَةً فرجوتُ غَيْئاً
فمعذرةً إليكَ بأن تراني أعود إليكَ يا ابنَ أبي دُؤادِ
متى ساقَتْ إيادٌ يومَ خَيْرٍ ولا سِيَمَا قَبِيلُكَ من إيادٍ
٣٦٢٥ - ((الخَلاَّل الإصبهاني)» الحُسين بن عبد المَلِك بن الحُسين بِن محمّد بن عليّ، الشيخ
أبو عبد الله الإصبهاني الخَلاَّل. الأديب النَّحوي البارع، المحدِّث الأثريّ. سمع من جماعةٍ،
وروى عنه جماعةٌ. وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة.
٣٦٢٦ - (الشَّهْرَابَانِيّ)) الحُسين بن عبد الواحد الشَّهْرَابانيّ. المعلِّم المعروف بابن عجاجةً.
ذكره العماد الكاتب في: ((الخريدة))، وقال: أُنشِدتُ له في ابن رَزِين [الخفيف]:
قَبَّح اللَّهُ باخِلاً ليس فيه طَمَعْ واقعٌ لمن يَرْتَجِيهِ
-:
سفلَةٌ أن قصدَته يَتَلَقًّا كَ على فَرْسَخِ بكِبْرٍ وتِيهِ
أحمقٌ رأسُه إذا فَتَّشُوه وجدُوه بضدٌ إسم أَبِيهِ
٣٦٢٧ - ((الغَضَائِرِيّ)) الحُسين بن عُبَيد الله بن إبراهيم الغَضَائِرِيّ. كان من كِبار شُيوخ
الشّيعة. وكان ذا زُهْد ووَرَع وحِفْظ. وتوفي سنة إحدى عشرة وأربعمائة.
(١) هو أحمد بن أبي دؤاد أبو عبد الله الإيادي قاضي القضاة توفي سنة (٢٤٠هـ). انظر: ((العبر)) للذهبي (٤٣١/١).
٣٦٢٥ - ((بغية الوعاة)) للسيوطي (٥٣٦/١).
٣٦٢٦ - ((خريدة القصر)) للعماد (قسم شعراء العراق) (٣٢٥/٢).
٣٦٢٧ - ((معجم المؤلفين)) لعمر كحّالة (٢٥/٤)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٢٣٨/١٧) ترجمة (٢٠٠)، و ((ميزان
الاعتدال)) له (٥٤١/١) ترجمة (٢٠٢٣)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٣٥٨/٢)، و(«روضات الجنات))
للخوانساري (١٨٣)، و((منهج المقال)) للميرز أحمد (١١٤)، و((تنقيح المقال)) للمامقاني (٣٣١/١)،
و((معجم رجال الحديث)) للخوئي (١٩/٦) ترجمة (٣٤٨١) صفحة (٢٤) ترجمة (٣٤٨٦)، و((رجال
الطوسي)) (في من لم يرو عن الأئمة) صفحة (٤٧٠) ترجمة (٥٢)، و((رجال النجاشي)) بتحقيق النائيني (١/
١٩٠) ترجمة (١٦٤)، و((رجال الحلي)) صفحة (٥٠) ترجمة (١١)، و((أعيان الشيعة)) (٨٣/٦)، و((تاريخ
الإسلام)) للذهبي وفيات سنة (٤١١ هـ) الصفحة (٢٧٧) ترجمة (١٣)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (١/ =