Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيّد الناس
لاقتصاره به على النقل، وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يحبّه ويؤثره ويَركن إلى نقله،
أخبرني من لفظه القاضي عماد الدين إسماعيل بن القيسَراني قال: كان الشيخ تقي الدين إذا حضرنا
درسه وتكلم فإذا جاء ذكر أحد من الصحابة أو أحد من رجال الحديث قال أَيش ترجمة هذا يا أبا
الفتح فيأخذ فتح الدين في الكلام ويَسرد والناس كلهم سكوت والشيخ مصغ إلى ما يقوله انتهى،
قال لي لم يكن لي في العروض شيخ ونظرتُ فيه جمعةً فوضعت فيه مصنّقاً وقد رأيت هذا
المصنَّف، قلت ولو كان اشتغاله بقدر ذهنه كان قد بلغ الغاية القصوى ولكنه كان فيه لعب على أنه
ما خلّف مثله لأنه كان متناسب الفضائل وكان محظوظاً ما رآه أحد إلاّ أحبّه، كان الأمير علم
الدين الدواداري يحبّه ويلازمه كثيراً ويقضي أشغال الناس عنده ودخل به إلى السلطان الملك
المنصور حسام الدين لاجين وقد امتدحه بقصيدة وقال أحضرتُ لك هذا وهو كبير من أهل العلم
فلم يدعه السلطان يبوس الأرض وأجلسه معه على الطَّرّاحة وهل قام له أو لا أنا في شكّ من ذلك
فلما رأى خطّه وسمع كلامه قال هذا ينبغي أن يكون في ديوان الإنشاء فرُتّب في جملة الموقّعين
فرأى فتح الدين الملازمةَ ولُبْسَ الخفّ والمهماز صعباً عليه فسأل الإعفاء من ذلك فقال السلطان
إذا كان لا بدّ له من ذلك فيكون المعلوم له على سبيل الراتب فرُتّب له إلى أن مات، وكان
الكمالي ينام معه في قَرظية النوم، وكان كريم الدين الكبير يميل إليه ويودّه ويقضي الأشغال عنده
وهو الذي ساعده على عمل المحضر وإثباته بعداوة قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، وسمع
البخاري بقراءته على الحجار وتعصّب له الأمير سيف الدين أرغون الدوادار وخلص له مشيخة
الظاهرية في الحديث وما أعرف أحداً من الأمراء الكبار الأعيان في الدولة إلا وهو يميل إليه
ويجتمع به وكان الأمير سيف الدين الجائي الدوادار منحرفاً عنه والقاضي فخر الدين ناظر الجيش
شيئاً يسيراً وكان بيده مع مشيخة الظاهرية مدرسة أبي حُليقة على بركة الفيل ومسجد الرصد
وخطابة جامع الخندق وله رزق وله في صفد راتب وفي حلب فيما أظنّ، وكان عنده كتب كبار
أمّهات جيّدة وأصول غالبها حضر إليه من تونس كمصنف ابن أبي شيبة ومسنده والمحلّي وتاريخ
ابن أبي خيثمة وجامع عبد الرزاق والتمهيد والاستيعاب والاستذكار وتاريخ الخطيب والمعاجم
الثلاثة للطبراني وطبقات ابن سعد والتاريخ المظفّري وغير ذلك، وصنّف ((عيون الأثر في فنون
المغازي والشمائل والسِيّر)) سمعت بعضه من لفظه ومختصر ذلك سمّاه ((نور العيون)) وسمعته من
لفظه و((تحصيل الإصابة في تفضيل الصحابة)) وسمعته من لفظه و((النفح الشذيّ في شرح جامع
الترمذي)) ولم يكمل، جمع فأوعى وكان قد سمّاه ((العَرف الشذيِّ)) فقلت له سمِّهِ ((النفحَ الشذيِّ)»
ليقابل الشرح بالنفح فسمّاه كذلك و((كتاب بشرى اللبيب بذكرى الحبيب)) وقرأته عليه بلفظي
و((منح المِدَح)) وسمعته من لفظه إلى ترجمة عبد الله بن الزبعري و((المقامات العلية في كرامات
الصحابة [الجلية])) وشعره رقيق سهل التركيب منسجم الألفاظ عذب النظم وترسّله جيّد وكان
النظم عليه بلا كلفة يكاد لا يتكلم إلا بالوزن حتى قلت فيه أصفه [البسيط]:
(١) واسم سيرته: ((عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسِّيّر)) مطبوعة في مجلدين.

٢٢٢
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
كأنّما يختشي صدّي وهجراني
لي صاحبٌ يتمنّى ليَ الرضا أبداً
فما يكلّمني إلاّ بميزان
ويغلب النظمُ ألفاظاً یفوه بها
وكتب بالمغربيّ طبقةً كما كتب بالمشرقي وكانت بيني وبينه مكاتبات كثيرة نظماً ونثراً يضيق
عنها هذا المكان لكنْ أورد منها شيئاً وهو ما كتبه إليّ وأنا بصفد سنة أربع وثلاثين وسبعمائة
[الطويل]:
سُررتم فإنّي بعدكم غير مسرورٍ
ولا حسَّ إلاّ حسّ صائحة الصدى
فيا وحدة الداعي صداه جوابه
إذا قلتُ سيري قال سيري محاکیاً
وما سرّني بالقرب أنّي آستزرتها
فيا ويح قلبي كم يعلّله المُنَى
تُواصل وصل الطيف في سِنَّةِ الكَرَى
وتدنو دنوَّ الآل لا ينقَّعُ الصدَى
تنيل المُنَى مَنْ سالمته خديعةٌ
فدعها وثِقْ بالله فالله كافلٌ
وكن شاكراً يسراً وبالعسر راضياً
فكتبت إليه الجواب عن ذلك [الطويل]:
هل البرق قد وشّى مَطارف دَيجور
وهل نسمة الأسحار جرّت ذيولها
وهيهاتَ بل جاءت تحيّة جيرةٍ
أتته وما فيه لعائدِ سُقمه
فلمّا تهادت في حُليّ فصاحةٍ
أكبَّ على تقبيلها بعد ضمّها
وأجرى لها دَمْعَ المآقِي ولم يكن
فأَرشفَهُ كأسَ السُلاف خِطَائها
فكم حكمة فيها لها الحكم في النُّھی
يرى كل سطرٍ في محاسن وضعه
فلا أَلِفْ إلاّ حكت غصن بانةٍ
وكم لي على الإطلاق وقفة مهجورٍ
ولا أُنس إلا أنس عيسٍ ويعفورٍ
ويا وحشة الساعي إلى غير معمور
وإن قلتُ زوري قال مثلي لها زوري
ولا ساءني بالبعد قولي لها سيري
عُلالة دنيا استعبدَت كل مغرورٍ
ولستَ إذا استيقظتَ منه بمحبورٍ
وتخلبُ آمالاً بخُلّبها الزورِ
وتعقب مِنْ نَيْلِ المنى كلَّ محذورٍ
برزقك ما أبقاك وأرضَ بمقدورٍ
فأجرُ الرضَى والشكر أفضل مذخورٍ
أو الصبح قد غشّی دُجَى الأفق بالنورِ
على زهر روضٍ طيّبِ النشر ممطورٍ
إلى مُغرَم في قبضة البُعد مأسورٍ
سوى أنَّةٍ تنبتُ من قلب مصدورٍ
من النظم عن سحر البلاغة مأثورٍ
إلى خاطرٍ من لوعة البين مكسورِ
يقابل منظوماً سواه بمنثورٍ
وغازَلهُ مِنْ خِطها أعينُ الحورِ
وكم مثلٍ في غاية الحسن مشهورٍ
كمسك عذارٍ فوق وَجْنَةِ كافورٍ
وهمزتها من فوقها مثل شحرور

٢٢٣
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيّد الناس
فأصبح لا يثني إلى الروض جيده
وقد كانت الأطماعُ نامت ليأسها
وزادت جفونَ العين سُهداً كأنّما
وكان الدجى كالعام فاحتقرت به
ولم ترض من نار الحشا باتّقادها
وما شكرت عيني على سفح عبرتي
وقالت أما تخبا الدموع لشدّة
ولو كنت ألقى في البُكى فرجاً لَمَا
أأحبابنا عذري على البعد واضح
فلو كنتُ أَلقَى الصبر هانت مُصيبتي
فإن تبعثوا لي من زكاة أصطباركم
سلوا الليل هل آنستُ فيه برقدةٍ
فكم ليَ فيه صعقةٌ موسويّة
تشفّعْتُ للبين المُشِتِّ بكم عسى
على أنّ جاه الحظّ أكرمُ شافع
وما هو إلاّ الحظّ يعترض المُنى
فكم في البرايا بين عانٍ ومطلقٍ
وليس سوى التسليم لله والرضَى
وحاشَ لعلام الخفيّات في الورى
فکتب إلي الجواب رحمه الله تعالى.
غراماً ولم يعدل بها ورده الجُوري
فلما أتت قال الغرامُ لها ثوري
حَبَتْها بكحلٍ منه في الجفن مذرورٍ
وقالت له ميعادك النفخُ في الصورِ
فقد قذفت في كل عضو بتنورٍ
على أنّ محصول البُكَى غيرُ محصورٍ
فدعها تَفِضْ من زاخر اللجّ مسجودٍ
مضى اليوم حتى كنتُ أوّلَ مسرور
وما كلُّ صبِّ في البعاد بمعذورٍ
ولكنّه للحظّ في غير مقدوري
فإنّي لما تهدونه جدُّ مضرورٍ
فما هو ممن راح يشهد بالزورِ
وللقلب من ذكراكم دكّة الطور
يعود هزيمُ القرب عودةَ منصورِ
ولولاه كان الدهر أطوعَ مأمورٍ
ولو صحّ لم يُحتج إلى بنت منظورٍ
وسالٍ ومحزونٍ ودانٍ ومهجورِ
بقلبٍ منيبٍ طائع غير مقهورٍ
على ما ابتلاني أن أُرى غير مأجورٍ
وردتِ المشرّفة الساميةُ بحُلاها، الزاهيةُ بعُلاها، المشتملةُ على الأبيات الأبيّات، الصادرة
عن السجيّات السخيّات، التي فاقت الكنديّين، وطوت ذكر الطائيين، ما شئت من بدائع إيداع،
وروائع إبداع، تقف الفصاحة عندها، وتَقْفُو البلاغة حدّها، فللَّه ذلك الفضل الوافي، بل ذلك
السحر الحلال الشافي، بل تلك القُوَى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المُنى في
المنافي، بل تلك المَعاني التي حيّرتِ المُعاني، وفعلتْ بالألباب ما لا تفعله المثالث والمثاني،
بل تلك الأوضاع التي حاكى الربيعُ وشيَّها، وامتثل القلم أمرها ونهيها، فهو يصرّفها كيف يشاء
مَرسوماً، ثقةً منه أنها لا تخالف له مرسوماً، لقد آل فضل الكتاب إليها، وآلَى فصل الخطاب لا
وقفَ إلاّ بين يديها، لقد صدرت عن رياض الأدب فجنتْ زهره اليانع، لقد أخذت بآفاق سماء
الشرف (فلها قمراها والنجوم الطوالع)(١)، لقد أفحمتْ قائلةً [الرمل]:

٢٢٤
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيات
من يساجلني يساجل ماجداً
[الطويل]:
لقد حسنتْ حتّى كأنّ محاسناً
هي الشمس تدنو وهي ناءٍ محلّها
تخطّتْ إلى الحُضر الجياد نباهةً
وحيّت فأحيث بالأماني متيَّماً
يذكّرني ذاك الجمال جمالُها
وما ليَ إلاَّ أَنَّةٌ بعد أنَّةٍ
حنيناً لعهدٍ غادرَ القلبُ رهنّه
وذكرَى خليلٍ لم يغب غير شخصه
ولولا حديث النفس عنه بِعَوْدِهِ
لما استعذب الماءّ الزلالَ لأنّه
يملأً من آدابه كل ذنوب
تقسّمها هذا الأنامُ عيوبُ
وما كل دانٍ للعيون قريبُ
وهيهات من ذاك الجناب جنيبُ
حبيبٌ إليه أن يُلَمْ حَبيبُ
فليلي كما شاء الغرام رحيبُ
وما ليّ إلا زفرةٌ ونحيبُ
وعلّم دمع العين كيف يصوبُ
وفي كل قلب من هواه نصيبُ
وأنّ المُنَى تدعو بهِ فيجيبُ
إذا مازج الماء الزلال يطيبُ
فبادرها المملوك لِنَبَيِهَا متعرَّفا، وبإرجها متعرّفاً، وبولائها متمسّكا، وبشائها متمسّكاً، شوقاً
إليها لا يبيد، ولو عُمّر عُمُرَ لبيد، واقفاً على آمال اللقاء وقوف غيلان بدار ميّة، عاكفاً على أرجاء
الرجاء عكوفَ توبة على ليلى الأخيلية، والله يتولاه في حالتيه ظاعناً ومقيماً، ويجعل السعد له
حيث حلّ خدينا والنجح خديماً، بمنه وكرمه.
فكتبتُ الجواب إليه رحمه الله تعالى [الطويل]:
ويحضر عندي عائدي فأغیبُ
تنوح حماماتُ الِلّوَى فأُجيبُ
عليه بجنبي إذ تهبّ جُنُوبُ
دموع السحاب الغُرّ كيف تصوبُ
النارك مخ هذا الخفوق لهيبُ
يفوتك مع ذا أَنَّةٌ ونحيبُ
فما لك قلبٌ بالغرام يذوبُ
فللَّهِ قلبٌ عادَ وهو قليبُ
وأيّ حياةٍ بالسُهاد تطيبُ
فيعروه من بعد القرار وجيبُ
لدهرّ إذا فكّرتُ فيه عجيبٌ
وقد ملّ فرش السقم طول تقلّقي
ولمّا بكت عيني نواك تعلّمتْ
أيا برقُ إِن حاكيت قلبي فلم يكن
ويا غيثُ إِن ساجْتَ دمعي فإنه
ويا غصنُ إِن هزّت مَعَاطِفَكَ الصَّبَا
إذا جفّ جفني ذاب قلبيَ أدمعاً
أبيتُ بجفٍ ليس يعرف ما الكرى
وقلبٍ إذا ما قرّ عادتْه لوعةٌ
ألا إنّ دهراً قد رماني بصرفه
(١) عجز بيت تقدَّم في الترجمة النبوية الشريفة.

٢٢٥
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيّد الناس
وصحبي لبعدي عن حماك غريبُ
ويكفي بأنّي بين أهلي ومعشري
ويُنهي ورود المثال الذي تصدّق به مُنعماً، وأهداه خميلةً فكم شفى زهرها المنعَّم من عمىّ، وبعثه
قلادةٌ فكم أزال دُرُّها المنظّمُ من ظَما، وأقامَهُ حجّةً على أنّ مرسله يكون في الإحسان والآداب
مالكاً ومتمّماً، فبللتُ برؤيته غلّة الظماء البرح، وعاينتُ ما شاده من بنيان البيان فقلت لبلقيس
عيني ﴿ادخلي الصرح﴾ [النحل: ٤٤]، وقمت من حقوقه الواجبة عليّ بما يطول فيه الشرح،
وتلقّيته بالضمّ إلى قلب لا يَجبُرُ منه الكسرَ غيرُ الفتح، وأسمت ناظري من طرسه في الروض
الأنف، وقسمتُ حُليّه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشُّنُف، ووردتُ منهله
الصافي، والتحفتُ بظله الضافي، واجتليت من وجهه بشراً قابله الشكر بالقلم الحافي، وعكفت
منه على كعبة الفضل فللَّه ما نشرَ في استلامي وطواً في طوافي، وكلّفتُ قلبي الطائر جواباً فلم
تَقْو القوادم وظهر الخوَى في الخوافي، وقلتُ هذا الفنّ الفذّ الذي ما له ضريب، وهذا وصل
الحبيب البعيد قد نلته برغم الرقيب القريب [الوافر]:
ويا نَومي قدمتَ على السلامة
فيا عينيَّ بِيتًا في اعتناق
وأُقسم أن البيان ما نكّب عما دبّجه مولانا ونكْت، ولا أجراه الله على لسانه إلاّ لما سكّت
البلغاء وبكّت، ولا آتاه هذه النقودّ المطبوعة إلاّ وقد خُلْصَتِ القلوبُ من رقّ غيره وفُكّت، ولا
وهبه الله هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوائل أحسّوا بطول رسائلهم فقطعوها من حيث رقّت
والصحيح ركْت فما كلّ كاتب يده فمّ ولسانه فيه قلم، ولا كل متكلّم حُسن بيانه تأتمّ الهداة به
كأنّه عَلَم، ولا كل بليغ إذا خاطب الوليَّ كلا وإذا كلم العدوَّ كَلَّمَ، لأنَّ مولانا حرسه الله تعالى لا
يتكلَّف إذا أنشأ، ولا يتخلّف إذا وشّى، والسجع عنده أهون من النَّفَس الذي يردده وأخفَّ، والدّ
الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدر الذي في قعر البحر وأشف، وإذا راض قلمَه روّض
الطروس من وقته، وإذا أفاض كلمه فوّض البيانُ إليها أمر مِقَته ومَقْته، وما كلمه إلاّ بحرٌ والقوافي
أمواج، وما قلمه إلاّ ملك البلاغة فإذا امتطى يدَه ركضت به من الطروس على حُلَل الديباج، فلهذا
أخملت رسائله الخمائلَ، وتعلّمتْ منه الصبا لُطْفَ الشمائل، وأخذت بآفاق البلاغة فلها أقمارها
الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل، وانتقت أعالي الفضائل وتركت للناس فضالات الأسافل
[الوافر]:
فدعني من بنيّات الطريق
وهذا الحقّ ليس به خفاءٌ
فأمّا درّه الذي خلطه الجناس وخرطه في ذلك السلك، فما أحقّه وأولاه بقول ابن سناء
الملك [الطويل]:
فذا السجع [ ... ] (١) ليس في النثر مثله وهذا جناس ليس يُحسنه الشعرُ
فلو رأى الميكالي نمطه العالي، وتنسّم شذا غاليته العزيز الغالي، لقال عطَّلتْ هذه
المحاسن حالي الحالي، وكنتُ من قبلها ما أظنّ اللآلئ إلاّ لي، ولو ظفر الحظيريّ بتلك الدرر
حلّى بها تصنيفه، وعلم أن أرباب الجناس لو أنفق أحدهم من الكلام ملءَ الأرض ذهباً ما بلغ مُدّ

٢٢٦
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
مولانا ولا نصيفه، ولو بلغ العماد الكاتب هذه النكت رفعها على عرشه وعوّذها بآية الكرسي،
ودخل دار صمته وأغلق باب الفتح القدسي، فعينُ الله على هذه الكلم التي نَفَّئت في العُقَد،
وأيقظت جَدّ هذا الفنّ الذي كان قد رقد، فقد أصاب الناسُ بالسهام وأصبت أنت بالقرطاس،
وجاؤوا في كلامهم بالذاوي الذابل وجئت أنت بالغَضّ اليانع الغِراس، وأبعْدتَ في مرمى هذا الفنّ
وقاربوا ولكن أين الناس من هذا الجناس، وسبَقْتَ إلى الغاية ولو وقفتَ ما في وقوفك ساعةً من
بأس، وقد قيل: بُدِئ الشعر بأمير وختم بأمير يريدون امرأ القيس وأبا فراس، وكذا أقول بُدىء
الجناس بالبُستي وختم بمولانا وكلاكما أبو الفتح فصحّ القياس، وقد أثنيتُ على تلك الروضة ولو
وُفّقتُ لانثنيتُ وما أثنيت، ووقفت عند قدري فما أجبت ولكن اتّقحت وما استحييت، على أنّي
لو وجدت لساناً قائلاً لقلت فإنّي وجدت أول البيت، وقد شغل وصفُ مثال مولانا عن شكوى
حالي الشاقّة، وأرجو أنّني أوحيها شفاهاً إِمّا في الدنيا وإما يوم الحاقة [الخفيف]:
◌َغَل مَن مات عن جميع الأنام
إِن نَعِشْ نلتقي وإلاّ فما أشـ
قلت لم نلتق وحالت منيته بينه وبين الجواب وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت حادي عشر
شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وكانت جنازته حفلةً إلى الغاية شيّعها القضاة والأمراء والجند
والفقهاء والعوامّ وتأسّف الناس عليه ولما بلغتني وفاته قلت أرثيه [البسيط]:
ولا سرورٌ من الدنيا أُقضّيه
ما بعد فقدك لي أنسٌ أرجيه
فحقُّ فضلك عندي مَنْ يوفّيه؟
إن مُتُّ بعدك من وجدٍ ومن حزنٍ
ومن یعلّم فیك الورق إن جهلت
أمّا لطافة أنفاس الرياض فقد
وإن ترشّفتُ عذب الماءِ أَذكّرني
يا راحلاً فوق أعناق الرجال وأجـ
وذاهباً سار لا يلوي على أحدٍ
وماضياً غفر الله الكريم له
وبات بالحور والرضوان مشتغلاً
حتى غدا في جنان الخلد مبتهجاً
لهفي على ذلك الشخص الكريم وقد
وحيرتي فيه لا تقضي عليَّ ولا
أجرى الأسى عَبَراتي كالعقيق وقد
يا وحشة الدهر في عين الأنام فقد
نّواحها أو تَناسَته فتُمليه
نسيتها غير لطفٍ كنت تُبديه
زلالُه خُلُقاً قد كنت تحويه
فانُ الملائك تحت العرش تبكيه
والذكر ينشره واللحد يطويه
باللطف حاضره منه وباديه
إذ أقبلَت تتهادى في تلقّيه
والقلب بالحزن يفنى في تلّيه
دعاه نحو البلى في الترب داعيه
تُقضَى لواعجها حتى أوافيه
أصمّ سمعي وأصمى القلبَ ناعيه
خلت وجوه الليالي من معانيه
(١) إن وزن البيت غير مستقيم.

٢٢٧
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيّد الناس
ووحشة الدهر إن تُنشر ملاءته
يا حافظاً ضاع نشر العلم منه إلى
صان الروايةً بالإسناد فامتنعت
واستضعفت بارقاتُ الجوّ أنفُسها
حفظتَ سُنّة خير المرسلين فما
لله سعيك من حبر تَبحّر في
وهل يخيبُ - معاذَالله - سَعْيُ فتىّ
يكفيه ما خطّه في الصحف من مِدَح التـ
عَزّ البخاريَّ فيما قد أصيب به
كأنّه ما تحلّى سمعُ حاضره
رواية زانها منه بمعرفة
يا رحمتاه لشرح الترمذيّ فمن
لو كان أمهله داعي المَنون إلى
نكان أهداه روضاً كله زهرٌ
من للقريض فلم أعرف له أحداً
ما كان ذاك الذي تلقاه ينظمه
يهزّ سامعه حتّى يخيّل لي
ومن يُمرُّ على القرطاس راحته
ما كلّ من خطّ في طرس وسوّده
ولا تَخَلْ كلّ من في كفّه قلمٌ
هیهات ما کان فتح الدین حین مضی
كم حاز فضلاً يقول القائلون له
لا تسأل الناس سَلْني عن خلائقه
ماذا أقول وما للناس من صفةٍ
کالشمس کلُّ الوری يدري محاسنها
سقى الغمامُ ضريحاً قد تضمّنه
وباكرَتْهُ تحيّاتٌ نوافحها
وكتبت إليه عند قدومي دمشق من القاهرة [الخفيف]:
ولم تطرّز حواشيها أماليه
أن كاد يعرفه من لا يسمّيه
ثغورها حين حاطتها عواليه
في فهم مشكلة عن أن تجاريه
أُراك تمسي مُضاعاً عند باريه
علم الحديث فما خابت مساعيه
في سُنّة المصطفى أفنى لياليه(١)
ـنَي يكفيه هذا القدر يكفيه
مات الذي كان بين الناس يدريه
بلفظه عند ما يروي لآليهِ
ما كلّ من قام بين الناس يرويه
يضُمّ غربته فينا ويُؤويه
أن تنتهي في أماليه أمانيه
أنامل الفكر في معناه تجنيه
سواه رقّت به فينا حواشيه
شعراً ولكنه سحرٌ يعانيه
كأس الحُميّا أدارتها قوافيه
فيُنبت الزهرَ غضّاً في نواحيه
بالحبر تغدوبه بيضاً لياليه
إذا دعاه إلى معنًى يلبْيه
والله إلاّ فريداً في معاليه
لو حازك الليل لابيضّت دَياجيه
لتأخذ الماء عنّي من مجاريه
محمودةٍ قطُ إلاّ رُكّبتْ فيه
والكاف زائدةٌ لا كاف تشبيه
صوباً إذا انهلّ لا ترقى غواديه
من الجنان تُحَيِّيه فتُخبِيهِ

٢٢٨
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
ين يجني الآداب وهي شهيَّةُ
کان سمعي في مصر بالشیخ فتح الد
أعوزتني الفواكه الفتحيَّة
يالها غربةً بأرض دمشق
وكتبت إليه [السريع]:
من جنّة في بطن قرطاس
قد ضاع من حفظك للناسِي
يا من أرجيه والتقصير يُرجيني
نجا بإدراكه الناجون من دوني
فإنّ لي حسن ظنّ فيك يكفيني
لمستمنح العُتَبِى فأقصَدَ مَنْ قَصَدْ
تبدّى ليَ المعشوق قابله الرصد
وأنشدني إجازةً ومن خطه نقلت [مجزوء الوافر]:
صرفت الناس عن بالٍ
وحبلُ الله معتصمي
ومن يسلُ الورى طرّاً
فلا وجهي لذي جاهٍ
وأنشدني من لفظه لنفسه [الخفيف]:
يا بديع الجمال شكر جمالك
لِنت عطفاً لهم وقلبُك قاسٍ
غير أنّ الكمال أولى بذا الحُسْـ
قابلَت وجهَك السماءُ فشكل البـ
مثلَثه لكنْ رسوم صداها
وأنشدني من لفظه لنفسه مُلْغِزاً [السريع]:
ظبي من الترك هضيم الحشا
للطرف من تذكاره عبرة
فحبلُ ودادهم بـالــي
به علّقتُ آمالي
فإني عنهم سالِ
ولا ميلي لذي مالٍ
أن توافي عشّاقَه بوصالك
فهمُ يأخذون من ذا لذلك
ـنِ ومَن للبدور مثل كمالك
ـدرِ ما في مرآتها من خيالِكْ
كلّفْتْه فقصَّرَتْ عن مثالِكْ
مهفهف القد رشيق القوام
والقلب شوقٌ أرّق المستهام
(١) الصحيح والصواب (أفنى ليالِيَهُ)، لكن القافية اضطرته إلى ذلك.
يا حافظاً كم لرواياته
وكم شذّى من سُنَّة المصطفى
وأنشدني رحمه الله من لفظه لنفسه [البسيط]:
فقري لمعروفك المعروف يُغنيني
إن أوبقتني المطايا عن مدى شرفٍ
أو غضّ من أَمَلي ما ساء من عملي
وأنشدني من لفظه لنفسه [الطويل]:
عَذيريّ من دهرٍ تصدّى معاتباً
رجوتُ به وَضْلَ الحبیبِ فعندما

٢٢٩
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيّد الناس
الاسم قراقوش، وأنشدني لنفسه إجازةً ومن خطه نقلت [السريع]:
ومستنير بسنا رأيه
يرجو وما قدّم من صالح
والله بالعصر على خُسره
وأنشدني من لفظه لنفسه [الطويل]:
سلي عن غرامي مدمعي فهو صادق
ونومي يا وسنى سليه فإنني
تُمَنِّينِيَ الأيامُ منك بخلسةٍ
متى وعدَتْ بالوصل فالوعد كاذب
حكى حُسْنَ مَنْ أحببتُها الشمسُ أشرقتْ
بكل فؤادٍ مِنْ هواها مَغارِبٌ
تثنّت فمن أعطافها الغصنُ مائِسٌ
يلوم عليها لا عَدَتْهُ مسلامةٌ
وما العذل مقبول إذا صدق الهوى
وأنشدني من لفظه لنفسه [الكامل]:
عهدي به والبين ليس يروعه
لا تطلبوا في الحبّ ثأر متيّم
عن ساكن الوادي سقته مدامعي
أفدي الذي عنتِ البدور لوجهه
البذر من كّلَفٍ به كَلِفٌ به
- معـسول المراشف واللمى
دارت رحيق لحاظه فلنا بها
يجني فأُضمِرُ عتبَه فإذا بدا
وأنشدني إجازةً ومن خطه نقلت له [البسيط]:
إن غضّ من فقرنا قوم غنى منحوا
إن هم أضاعوا لحفظ المال دينَهمُ
وأنشدني من لفظه لنفسه [البسيط]:
قضى ولم يقضِ من أحبابه أَرَباً
وقلبه من حُوبه مُظلم
ربحاً وهل ربحٌ له يقسم
ما لم يقدَّم صالحاً يُقسم
وساكن قلبي فهو للبَيْنِ خافقُ
لما ضاع منه في جفونكَ رائقُ
فكم عندها عمّا تمنّي عوائقُ
وإن وعدتْ بالهجر فالوعد صادقٌ
فلا زالَ ذاك الحُسْنُ ما ذرّ شارقُ
وفي كلّ حُسْنٍ مِنْ حُلاها مشارقُ
ومن لينها غصن الخميلة سارقُ
عدوٌ مُنافٍ أو صديقٌ منافقُ
ولا اللوم عن طرق الصبابة عائقُ
صبّ براه نحوله ودموعُهُ
فالموتُ من شرع الغرام شروعُهُ
حدِّثْ حديثاً طاب لي مسموعُهُ
إذ حلّ معنى الحسن فيه جميعُهُ
والغصن من عطف عليه خضوعه
حلو الحديث ظريفه مطبوعه
سكرٌ يجلّ عن المدام صنيعه
فجماله ممّا جناه شفيعه
فكلّ حزب بما أوتوه قد فرحوا(١)
فإنّ ما خسروا أضعافُ ما ربحوا
صبُّ إذا مرّ خفّاق النسيم صبا

٢٣٠
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
راضٍ بما صنعتْ أيدي الغرام به
لا تحسبن قتيلَ الحبّ مات ففي
في جنّة من معاني حسن قاتله
ما مات من مات في أحبابه گَلِفاً
فالسحب تبكيه بل تسقيه هامیةً
وطوّقت جيبها الورقاء واختضبت
ومالت الدوحة الغنّاء راقصةً
والغصن نشوان يثنيه الغرام به
والروض حملٍ أنفاس النسيم شذا
فراقَهُ الوَردُ فاستغنى به وثنی
ففارقت روضَها الأزهارُ واتخذت
وحين وافته نادت عند رؤيته
تهلّلت وجنات الوَرد من فرح
سقته واستوسقت من عَرفه أرجاً
وأمّلتْ لمْحةً من حسن قاتله
فحسبه الحبّ ما أعطى وما سلبا
شرع الهوى عاش للأحباب منتسبا
لا يشتكي نصّباً فیھا ولا وَصبا
وما قضى بل قضى الحقّ الذي وجبا
وكيف تبكي محبّاً نال ما طلبا
به وغنّت على أعوادها طربا
تصبو وتنثر من أوراقها ذهبا
كأنّه من حميّا وجده شربا
أزهاره راجياً من قربه سببا
عِطْفاً إليه ومن رجعٍ الجواب أبى
نحوَ الرسول سبيلاً وابتغت سَرَبًا
لمثل هذا حِباءً فَلَيُحَلَّ حُبا
وأعين النرجس آخضلّت له نُغَبا
أذكى وأعطر أنفاساً إذا انتسبا
فأجفلَتْ هَرباً إذ لم تَطق رَهبا
ورأيته بعد وفاته في النوم رحمه الله تعالى في سنة أربع وأربعين وسبعمائة وهو على عادة
اجتماعي به وهو يقول في أثناء كلامه رأيت الترجمة التي عملتها وما كنت تحتاج إلى تَيْنِكَ
اللفظتين أوْمًا هذا معناه ففطنت في النوم لما قال وكشطتهما لأنهما لم يكونا من كلامي في حقّه.
وكتبت له استدعاء إجازته لي بما صورته بعد الحمدلة والصلاة: المسؤول من إحسان سيدنا
الشيخ الإمام العالم العلامة المتقن الحافظ، رحلة المحدّثين، قبلة المتأذبين، جامع أشتات
الفضائل، حاوي محاسن الأواخر والأوائل [الرمل]:
حافظ السنّة حفظاً لا ترى
معه أن تُعْمِلَ الناسُ الأَسِنَّةُ
فإلى ما قد حَوَى تُثْنَى إلاعِنَّةُ
مركز الدائر من أهل النُّهى
بديع زمانه، نادرة أوانه، ضابط الأنساب على اختلافها فهو السيل المتحدّر لابن نقطة، ناقل
العلم الشريف عن سلفه الذي وافق على المراد شرطه، ساحب ذيل الفخر الذي لو بلغ السمعاني
جعله في الحلية قُرْطَهُ، صاحب النقل الذي إذا أتى رأيت البحر بأمواجه منه يلتطم، والعبارة تستبق
في مضمار لهواته فتزداد وتزدحم، الذي إن ترسّل نقصتْ عنده ألفاظ الفاضل، وعجز عن
(١) اقتباس من قوله تعالى: ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [المؤمنون: ٥٣]، و[الروم: ٣٢].

٢٣١
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيّد الناس
مفاوضته ومعارضته كل مناظر ومناضل، أو نظم ثبت الجوهر الفردُ خلافاً للنظّام فيما زعم،
وتخطَّ بما يُبديه فرق الفرقدين وترضَى النجومُ بما حكم، أو أورد مما قد سمع واقعةً مات
التاريخ في جلده، ووقف سيف كلّ حاٍ عند حدّه، أو استمدّ قلماً كفّ بصره عنه ابن مُقلة،
ووقف ابن البوّاب بخدمته يطلب من فضله فَضلَةْ، فهو الذي تطير أقلامه إلى اقتناص شوارد
المعاني فتكون من أنامله ﴿أولي أجنحة مثنى وثلاث﴾ [فاطر: ١]، وتنبعث فكرته في خدمة السُنّة
النبوية وما يكره الله هذا الانبعاث، وتبرز مُخبآتُ المعاني بنظمه ومن السحر إظهار الخبايا، ويعقد
الألسنة عن معارضته وعقد اللسان لا يكون بغير السحر فى البرايا، ويستنزل كواكب الفصاحة من
سمائها بغير رصد، ويأتي بألفاظه العذبة ونورها للشمس وفحولتها للأسد، ويُحلّ من شرف سيادته
بيتاً عموده الصبح وطنبه المجرّة، ويتوقّل هضبات المنابر ويستجنّ حشا المحاريب ويطأ بطون
الأسرة، فتح الدين أبو الفتح محمد بن سيّد الناس [السريع]:
أنفاسُه طيّبة النفحق
لا زال روض العلم من فضله
أبدى سحاباً دائم السحّق
وكلما نَظْمات إلى نظمه
في العلم لا ينفك ذا ننجتحق
وكيف ما حاوله طالبٌ
في الناس نادوتا يا أبا الفتحق
وإن غدا باب النُّهِىَ مُقفَلاً
إجازة كاتب هذه الأحرف جميع ما رواه من أنواع العلوم وما حمله من تفسيرٍ لكتاب الله
تعالى أو سنةٍ عن رسول الله وَّر أو أثرٍ عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى
عصرنا هذا بسماع من شيوخه أو بقراءة من لفظه أو سماع بقراءة غيره أو بطريق الإجازة خاصّةً
كانت أو عامّة أوَ بإذنٍ أو مناولةث أو وصيّقت كيف ما تأدى ذلك إليه إلى غير ذلك من كتب
الأدب وغيرها وإجازة ما له من مقولٍ نظماً ونثراً وتأليفاً وجمعاً في سائر العلوم وإثبات ذلك
بأجمعه إلى هذا التاريخ بخطّه إجازة خاصّة وإجازة ما لعلّه يتفق له من بعد ذلك من هذه الأنواع
فإنّ الرياض لا ينقطع زهرها والبحار لا ينفد دررها إجازةً عامّةً على أحد الرأيين عند من يجوّزه
وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
فكتب الجواب رحمه الله بما صورته بعد حمد الله المجيب من دعاه، القريب ممن نادى
نداه، الذي ابتعث محمداً بأنواره الساطعة وهُداه، وأيّده بصحبه الذين حموا حماه، ونصروه على
من عَداهِ، وحزبه الذين رووا سُنّته وروّوا أسنّتهم من عِداه، وشَفَوْا بإيراد مناهله مَنْ كان يشكو
صَداه، وأجابوه لما دعاهم لما يحييهم إليه إجابةَ الصارخ صداه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
صلاةً تبلّغهم من الشرف الرفيع غاية مداه، وسلّم عليه وعليهم تسليماً يسوّغهم مشرَع الرضوان
عذباً رِيُّهُ سهلاً مُنتداه، فلمّا كتبتَ أيها الصدر الذي يشرح الصدور شفاءً، والبدر الذي يَيهِرُ البدورَ
سناً وسناءً، والحبر الذي غدا في التماسٍ أزهار الأدب راغباً، ولاقتباس أنوار العلم طالباً، فحصل
على اقتناء فرائدها، واقتناص شواردها، وأُلِفي عقله عِقال أوابدها، ومجال مصائدها، ومطار
مطاردها، بما أودعت الألمعيّةُ من المعاني المبتدعة ذهنه، واستعادته على لسان قلمه، وقد ألبسته

٢٣٢
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
الفصاحة ما ألبسته من حسن تلك الفطنة [الرمل]:
حَسَن الإبداع ما أبدع حُسنةْ
زَهَرُ الآدابِ منه يُجْتنَى
قال قال الناس ما أبرع فتة
بارع في كلّ فنَّ فمتى
غامض الأفكار منه المُرجحِنَّه
ومتى ما فاه فاض السحر عن
فالآداب حرسه الله تعالى رياضٌ هو مُجتني غروسها، وسماءٌ هو مجتلي أقمارها وشموسها،
وبحرّ استقرّت لديه جواهره، وسحرٌ حلالٌ لم تنفث في عصره إلاّ عن قلمه سواحره، فله في فنّي
النظم والنثر حمل الرايتين، وسبق الغايتين، وحَوز البراعتين، وسرّ الصناعتين، وهو مجمع
البحرين فما طَلُّ الغمامة، وله النظر الثاقب في دقائقهما فَمن زرقاء اليمامة، إن سام نظماً فمَنْ
شاعر تُهامة، وإن شاء إنشاءً فله التقدم على قُدامة، وإن وشَّى طرساً فما ابن هلال إلاّ كالقُلامة،
أن أجيزَ لك ما عندي، فكأنما ألزمتني أن أتجاوز حدّي، لولا الإقرار بأن الرواية عن الأقران نهج
مُهيَّع، والاعتراف بأن للكبير من بحر الصغير الاغتراف وإن لم يكن مشرعه ذاك المشرع، فنعم قد
أجزت لك ما رويتُه من أنواع العلوم، وما حملتُه على الشرط المعروف والعرف المعلوم، وما
تضمّنه الاستدعاء الرقيم، بخطّك الكريم، مما أقتدحه زَنْدِي الشحّاح، وجادت لي به السجايا
الشِحاح، من فنون الأدب التي باعُك فيها من باعي أمدّ، وسهمك في مراميها من سهمي أسدّ،
وأذنت لك في إصلاح ما تعثر عليه من الزلل والوهم، والخلل الصادر عن غفلةٍ اعترتِ النقلَ أو
وهلةٍ اعترضتِ الفهم، فيما صدر عن قريحتي القريحة من النثر والنظم، وفيما تراه من استبدال
لفظ بغيره مما لعلّه أنجى من المرهوب، أو أنجع في نيل المطلوب، أو أجرى في سنن الفصاحة
على الأسلوب، وقد أجزت لك إجازةً خاصّةً يَرَى جوازَها بعضُ من لا يرى جواز الإجازة العامّة
أن ترويَ عني ما لِيَ من تصنيف أبقيته، في أيّ معنى انتقيته، فمن ذلك - وذكر رحمه الله تعالى ما
له من التصانيف وقد ذكرتُها أنا آنفاً - قد أجزتُ لك أيّدك الله جميع ذلك، بشرط التحرّي فيما
هنالك، تبرّكاً بالدخول في هذه الحلبة، وتمسّكاً باقتفاء السلف في ارتقاء هذه الرتبة، وإقبالاً من
نشر السنَّة على ما هو أمنيّة المتمنّي، وامتثالاً لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام (بلّغوا عنّي)، فقد
أخبرنا أبو العزّ عبد العزيز بن عبد المنعم بن عليّ الحرّاني رحمه الله تعالى بقراءة والدي رحمة الله
عليه وأنا أسمع سنة ست وسبعين وستمائة قال أخبرنا أبو علي ابن أبي القاسم البغدادي قراءةً عليه
وأنا أسمع سنة ستمائة وقبل ذلك سنة تسع وتسعين وخمسمائة وأنا مُحضّرٌ في الخامسة قال أنا
القاضي أبو بكر الأنصاري قاضي المارستان سماعاً عليه سنة أربع وعشرين وخمسمائة قال أنا
الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب(١) في سنة ست وأربعين وأربعمائة قال أنا
أبو محمد الحسن بن علي بن أحمد بن بشار السابوري بالبصرة حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن
محمويه العسكري حدثنا محمد بن إبراهيم بن كثير الصوري حدثنا الفريابي عن ابن ثوبان عن
حسان بن عطية عن أبي كبشة السلولي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله وَلّى:
((بلّغوا عنّي ولو آيةً وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوأ مقعده من

٢٣٣
محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيّد الناس
النار))(١)، أبو كبشة السلولي تابعيٍّ ثقة والصحيح أنه لا يُعْرَفُ اسمه، ومولدي في رابع عشر ذي
القعدة سنة إحدى وسبعين وستمائة بالقاهرة وفي هذه السنة أجاز لي الشيخ المسند نجيب الدين
أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني وكان أبي رحمه الله يخبرني أنه كناني وأجلسني في
حجره وكان يسأله عني بعد ذلك، وأجاز لي بعده جماعة ثم في سنة خمس وسبعين حضرت
مجلس سماع الحديث عند جماعة من الأعيان منهم الحبر الإمام شيخ الإسلام شمس الدين
أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي ابن أخي الحافظ عبد الغني المقدسي
وأثبتَ اسمي في الطباق حاضراً في الرابعة ثم في سنة خمس وثمانين كتبتُ الحديثَ عن شيخنا
الإمام قطب الدين أبي بكر محمد بن أحمد بن القسطلاني رحمه الله بخطّي وقرأت عليه بلفظي
وعلى الشيوخ من أصحاب المسند أبي حفص ابن طبرزذ والعلامة أبي اليُمن الكندي والقاضي أبي
القاسم الحرَستاني والصوفي أبي عبد الله ابن البنَّاء وأبي الحسن بن البنَّاء وغيرهم بمصر
والإسكندرية والشام والحجاز وغير ذلك، وأجاز لي جماعة من الرواة بالحجاز والعراق والشام
وإفريقية والأندلس وغيرها يطول ذكرهم وحبّذا - أيَّدك الله - اختيارُك من طلب الحديث الدرجة
العالية، وإيثارك أن تكون مع الفرقة الناجية لا الفرقة التاوية، فقد أخبرنا الشيخان أبو محمد عبد
اللطيف وعبد العزيز ابنا الشيخ أبي محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصيقل
الحرّاني الأولُ إجازةً والثاني سماعاً قالا أنا ضياء بن الخُرَيف أنا محمد بن عبد الباقي أنا أبو بكر
الخطيب أنا أبو نعيم الحافظ أنا أبو القاسم الطبراني سليمان بن أحمد بن أيوب بن مُطَّيْرِ اللخمي
حدثنا أحمد بن محمد بن هاشم البعلبكي حدثنا عبد الملك بن الأصبغ البعلبكي ثنا الوليد بن
مسلم حدثنا الأوزاعي حدثني قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَّر: ((إن بني إسرائيل
افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمّتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا
واحدة وهي الجماعة))(٢)، وبالإسناد إلى الخطيب قال ثنا عبد الله بن أحمد بن علي السوذرجاني
بأصبهان قال: سمعت عبد الله بن القاسم يقول سمعت أحمد بن محمد بن رُوَه يقول ثنا إبراهيم
بن محمد بن الحسن قال حُدّثتُ عن أحمد بن حنبل وذكر حديث النبي وَّر: ((تفترق الأمّة على
نيف وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة)) فقال إن لم يكونوا أصحابَ الحديث فلا أدري مَنْ هُم،
وبه إلى أبي بكر الخطيب قال حدثني محمد بن أبي الحسن قال أخبرني أبو القاسم بن سَختُويَه
قال سمعت أبا العباس أحمد بن منصور الحافظ بصُور يقول سمعت أبا الحسن محمد بن عبد الله
بن بشر بفسا يقول رأيت النبي ◌ّ﴿ في المنام فقلت يا رسول الله مِنَ الفرقةُ الناجية من ثلاث
وسبعين فرقة؟ قال: أنتم يا أصحاب الحديث))، وبه إلى الخطيب قال: ((أخبرني محمد بن علي
الأصبهاني ثنا الحسين بن محمد بن الوليد التستري بها ثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف
(١) هو الخطيب البغدادي العَلَم المشهور صاحب ((تاريخ بغداد)) وغيره من الكتب النافعة في علوم الحديث
الشريف.
(٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٤٩٦/٦)، (٦٠) - كتاب أحاديث الأنبياء، (٥٠) - باب ما ذكر عن بني
إسرائيل، الحديث رقم (٣٤٦١)، وأحمد في «مسنده» (١٥٩/٢ - ٢٠٢ - ٢١٤).

٢٣٤
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
بن مسعدة إملاءً قال سمعت عبد الله بن سَلام يقول: أنشدني عبدَةُ بن زياد الأصبهاني من قوله
[الكامل]:
نعم المطيّة للفتى الآثارُ
دين النبيّ محمّد أخبارُ
فالرأي ليلٌ والحديث نهارُ
لا تُخْدَعنَّ عن الحديث وأهله
والشمس بازغة لها أنوارُ
ولربما غلط الفتى سُبُل الهُدَى
أنشدني والدي أبو عمرو محمد قال أنشدني والدي أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن
محمد بن يحيى بن سيّد الناس رحمهما الله تعالى قال أنشدني الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد
بن مُفرَّج النباتي قال أنشدني أبو الوليد سعد السعود بن أحمد بن هشام قال أنشدني الحافظ
أبو العبّاس أحمد بن عبد الملك أنشدنا أبو أسامة يعقوب قال أنشدني والدي الفقيه الحافظ
أبو محمد ابن حزمٍ لنفسه [الرمل]:
ثم ظنّوا أنّهم أهل النظر
مَن عَذيرَي من أُناسٍ جهلوا
في ظلام تاهَ فيه مَنْ غَبَزْ
ركبوا الرأيّ عِناداً فسَرَوْا
مثل ما أبصرتَ في الأفق القمر
وطريق الرشد نهجْ مَهْيَعْ
ليس إلاّ في كتابٍ أو أَثَزْ
وهُو الإجماع والنصّ الذي
والله المسئول أن يلهمنا رشداً يدلّنا عليه، ودلالةٌ تَهدينا إلى ما يُزلفنا لديه، وهداية يسعى
نورها بين أيدينا إذا وقفنا يوم العَرْضٍ بين يديه، بمنّه وكرمه.
٢٠١ - ((جمال الدين محمد بن نباته)) محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن أبي الحسن بن
صالح بن علي بن يحيى بن طاهر بن محمد بن الخطيب. أبي يحيى عبد الرحيم بن نباته الفارقي
الأصل المصري المولد الحذاقي الشافعي جمال الدين أبو بكر الأديب الناظم الناثر، تفرّد بلطف النظم
وعذوبة اللفظ وجودة المعنى وغرابة المقصد وجزالة الكلام وانسجام التركيب، وأمّا نثره فإنه الغاية
في الفصاحة سلك منهج الفاضل رحمه الله وحذا حذوه وأطفأ نور ابن عبد الظاهر فلم يدع له في
القلوب حظوة، وأما خطّه فأغلى قيمةً من الدرّ لَو رُزِقَ حَظًّا وأغزرُ ديمةً من الغيث إلا أن الزمان
أصبح قلبُه عليه فظّاً لو أنصفه الدهر كان للكُتَّاب إماماً، ولو رقّاه رُتَباً يستحقّها لغرد سجعه حماماً،
وانسجم لفظه غَماماً، وطلع بدر فضله تماماً [الكامل]:
فيها لأبناء الذكاء نصيبُ
وغضارة الأيّام تأبى أن يُرَى
جَدّاً وفهماً فاته المطلوبُ
ولذاك من صحب الليالي طالباً
وُلد بمصر في زقاق القناديل سنة ست وثمانين وستمائة ونشأ بالديار المصرية وبها تأدّب
واشتغل بفنّي النظم والنثر وسمع ممن أمكنه السماعُ منه وكان له بالقاضي علاء الدين بن عبد
(١) رواه الديلمي عن أبي الدرداء وأبي أمامة وأنس وواثلة معاً. انظر ((مختصر كنز العمال)) (٣٩٦/١).

٢٣٥
محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن أبي الحسن بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر
الظاهر اجتماع وله منه نصيب وورد إلى الشام سنة خمس عشرة تقريباً ومدح أكابرها وأجازوه
ومدح الملك المؤيّد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة فأجازه وجعل ذلك عادةً له في كل سنة
فمدحه بمدائح حسنةٍ ثم لما مات رحمه الله استمرّ بذلك الراتب له ولده الملك الأفضل ناصر
الدين محمد وكان يرتحل إلى حلب وطرابلس ثم إنه اقتصر آخرَ أمره على الإقامة بدمشق
والانجماع عن الناس وقرّره الصاحب أمين الدين أمين الملك رحمه الله أن يكون في كل سنة ناظر
القمامة بالقُدس الشريف أيام زيارة النصارى لها فيتوجه يباشر ذلك ويعود، وأضيف له إلى نكد
الزمان أنه لم يعش له ولد فَدَفَنَ فيما أظنُّ قريباً من ستة عشر ولداً كلهم إذا ترعرع وبلغ خمساً أو
ستاً أو سبعاً يتوفّاه الله تعالى فيجد لذلك الآلام المبرحة ويرثيهم بالأشعار الرائقة الرقيقة، كتبتُ
إليه من الديار المصرية في سنة تسع وعشرين وسبعمائة استدعاءً لإجازته لي صورته:
الحمد لله على نعمائه، والصلاة والسلام على خير أنبيائه، محمد وآله وصحبه وأصفيائه،
المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة رحلة الأدب، قبلة ذوي التحصين له في
التحصيل والدَأَّبُ، الذي تبيتُ شوارد المعاني صرعَى تخوُلهِ للطاقة تخيّله، وتُمسي الألفاظ العذبة
طَوَعَ تحَوُّلِهِ في التركيب وتحيّله، فأمسى وله النسيب الذي يضحك من العبّاس من رقّته، ويقيم
صريع الغواني إلى مَقته بعد مِقَته، والغزل الذي يشيب له فَوْدُ الوليد، ويسترقّ الحُرَّ من كلام
عَبيد، والتشبيه الذي لو علمه ابن المعتزّ لما نصب الهلال فَخّاً لصيد النجوم، ولو تعاطاه حفيدُ
جريج لقيل له ألم تسمع ﴿ألمٍ غُلِيَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١]، والمديح الذي لو بلغ زهيراً لقال ما أنا
من هذه الحدائق، أو اتصل نبأه بالمتنبيّ لاشتغل عن ذكر العُذيب وبارق، والرثاء الذي نقص عنده
أبو تمام بعد أن رُفع له لواء الشرف والفخر، وقال هذه عذوبة الزلال لا ما تفجّر من الخنساء على
صخر، والترسّل الذي سقى الفاضلَ كأسغ الحتوف لما شبّه الغمود بالكمائم والسيوف بالأزهار،
وأذهله حتى صحّت له قسمة التجنيس في الخيل والخيال بين المراقب والمراقد وأخطأت معه في
المرابع والمساجد بين الأنواء والأنوار، والكتابة التي تغدو الطروس بها وكأنّها برودٌ محبّرة، أو
سماءٌ بالنجوم زاهرة، إن لم ترض أن تكون في الأرض رياضاً مُزهرة [الكامل]:
وله ابن بسّام بكى ألوانا
أدبٌ على الحُصريّ يعلو تاجه
منه وأعطى الفاضلَ النقصانا
وترسّلٌ سبحان من قد زاده
ليس ابن مقلة عندها إنسانا
وكتابةٌ لعلوّها في وضعها
أوراق لابن نباتةٍ بستانا
فلكم أخي فضل رأت عيناه في الـ
جمال الدين أبي بكر محمد ابن الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن نباتة جمع الله
٢٠١ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٢١٦/٤ - ٢٢٤)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٩٥/١١ - ٩٧)، و((حسن
المحاضرة)) للسيوطي (٣٢٩/١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٣ - ٤٨٠ - ٧١٤ - ٦٠٣)، و((البدر الطالع))
للشوكاني (٢٥٢/٢ - ٢٥٤)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (١٦٤/٢)، و ((الأعلام)) للزركلي (٢٦٨/٧).

٢٣٦
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
به شتات الأدب في دوحة هذه الدولة، ولمّ به شعث أبنائه الذين لا صَون لهم ولا صَولة، وأقام به
عماد أبيات الشعر التي لولاه لما عُرفت دارُ مَيّة من أطلال خولة، بمنّه وكرمه، إجازة كاتب هذه
الأحرف ما له فسح الله في مدّته من رواية المصنفات في الأحاديث النبوية والتأليفات الأدبية على
اختلاف أوضاعها وتباين أجناسها وأنواعها بحسب ما تأدى ذلك إليه واتصل به من قراءة أو سماع
أو إجازة أو وصية أو جادة من مشايخ العلم الذين أخذ عنهم وإجازة ما له أحسن الله إليه من مقولٍ
نظماً أو نثراً تأليفاً أو وضعاً إجازةً خاصّةً وإثبات ما له من التصانيف إلى هذا التاريخ بخطّه الكريم
وإجازة ما لعله يقع له بعد ذلك إجازة عامّة على أحد القولين في المسألة فإن الرياض لا ينقطع
زهرها، والبحار لا تنفد دررها، وإثبات ما يحسن إيراده في هذه الإجازة من المقاطيع الرائقة،
والأبيات اللائقة، وذکر نسبه ومولده ومكانه.
فأجاب بما صورته: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد حَمْدا لله الذي إذا توجّه ذو السؤال
إليه فاز، وإذا دعى كرمه ذوو الطلب أجاب وأجاز، والصلاة على سيدنا محمد كعبة القصد التي
ليس بينها وبين النجح حجاز، وعلى آله وصحبه حقائق الفضل والفصل ومَن بعدهم مجاز، فلو
لزم في كل الأحوال تناسبُ المخاطبة، وكان جواب السؤال بحسب ما بينهما من شرف المناسبة،
لما رُضي سجعُ الحمائم لمطارحته نوعاً من الأطيار، ولا قَبل فصحاء الأُول مراجعةَ الصَدّى من
الديار، ولا قنع غمزُ حواجب الأحبّة بَرد القلوب الهائمة في أودية الأفكار، ولكن تقول الأكابرُ؛
والأتباعُ تبذل من الأجوبة جهدها، وتنفق مما عندها، وتُجرّد الأماثل سيوف النطق ولا تتعدَّى
الأولياء من الطاعة حدَّها، ولمّا كنتَ أيها الراقمُ بُرودَ هذا السؤال ببيانه، والمنشىء روضَ هذا
الاستدعاء بآثار السحب من بنانه، والسائل الذي هزّت المعاطفَ فضائله، وسحرت أربابَ العقول
عقائلُه، وأقام المسؤول مقاماً ليس هو من أهله، ((فليتق الله سائله))(١)، فريد فنّ الأدب الذي لا
يُبَارَى، وبحره الذي لا يُهدي غائصَ قلمه الدرّ إلاّ كبارا، وذا اليد البيضاء فيه الذي طالما آنس من
جانب ذهنه الشريف ناراً، وخليله الذي اطلّع على أسراره الدقيقة، ورئيسه الذي لو جارَى ابنَ
المعتزّ وتمّت ولايته لكان خليلَ أمير المؤمنين على الحقيقة، وناظمه الذي يسري الطائيّان تحت
عَلَمه المنشور، وكاتبه الذي يتبحح العبدان بالدخول تحت رقّة المأثور، طالما شافه منه العلم
وجهاً جميلاً وقدراً جليلاً، ولاقى من لا يندم على صحبته فيقول: ﴿ليتني لم أتَّخِذُ فلاناً خليلاً﴾
[الفرقان: ٢٨]، فهو الغَرس الذي يقصر عن أمالي وصفه الشجريُّ، ويفخر الدين والعلم بشخصه
ولفظه فهذا يقول غرسي، وهذا يقول ثمري، كم أغنى بمفرد شخصه عن فضلاء جيل، وكم بدا
للسمع والبصر من بنات فكره بثينةً ومن وجهه جميل، وكم تنزهت الأفكار من لفظه وخطّه بين
ريحان ووردٍ لا بين إذخرٍ وجليلٍ، وكم دام عهده وودّه حتى كاد يبطل قول الأول «دليل على أن
لا يدوم خليل))، تودّ الشهب لّو كانت حصباء غدير طرسه، وتغار الأفق إذا طرّز يراع درجة
بالظلماء أردية شمسه، ويتحاسد النظم والنثر على ما تنتج مقدّمات منطقه من النتائج، وينشده كل
منهما إذا حاول القول خليل الصفا هل أنت بالدار عائج، إن كتب أغضى ابنَ مقلة من الحسد على
قذاة، وحمل ابن البوّاب لحجبته عصا القلم قائلاً ما ظلم من أشبه أباه، وإن نحا النحو لبّاه عشراً،

٢٣٧
محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن أبي الحسن بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر
ولانت أعطاف الحروف قسراً، وتشاجرت الأمثلة على لفظه فلا غرو إن ضرب زيد عمراً، يترجّل
كلام الفارسيّ بين يديه، ويطير لفظ ابن عصفور حذراً من البازي المطلّ عليه، وإن شعر
هامت الشعراء بذكره في كل واد، وحَمل ذكرها في كل ناد، ونصبت بيوته على يفاع الشرف
كما تنصب بيوت الأجواد، طالما بلّد لبيداً، وولّى شعرُ ابن مُقبل منه شريداً، وقالت الآداب
البحتري لفظه ﴿ألم نربّك فينا وليداً﴾ [الشعراء: ١٨]، وإن نثر فما الدّر اليتيم إلا تحت حَجْره،
ولا الزهر النضير إلا ما ارتضع من أخلاف قطره، ولا المترسّلون إلا مَن تصرّف في ولاية البلاغة
تحت نهيه وأمره، وإن تكلم على فنون الأدب روّى الظِما، وجلا معاني الألفاظ كالدُمَى، وقال
العروض له ولابن أحمد «خليليّ هُبّا بارك الله فيكما))، هذا وكم أثنى قدَمُ علوم الأوائل على فكره
الحكيم، وشهدت روايةُ الأحاديث النبوية بفضله وما أعلى من شهد بفضله الحديثُ والقديم
[البسيط]:
دقائقٌ من معاني لفظه البَهِجِ
علت به درجاتُ الفضل واتّضحتْ
فكيف حين يُضيء الشيب بالسُرَجِ
هذا ولَيلُ الشباب الجون منسدلٌ
بين الدقائق من عُلياه والدَرَجِ
يا حبّذا أَعْيُ الأوصافِ ساهرةً
بدأتني أعزّك الله من الوصف بما قلّ عنه مكاني، واضمحلّ عياني، وكاد من الخجل
﴿يضيق صدري ولا ينطلق لساني﴾ [الشعراء: ١٣]، وحمّغلتَ كاهلي من المنّ ما لم يستطع،
وضربت لذكري في الآفاق نوبةً خليليةً لا تنقطع، وسألتني مع ما عندك من المحاسن التي لها
طرب من نفسِها، وثمر من غرسها، أن أجيبك وأجيزك، وأوازن بمثقال كلمي الحديد إبریزك،
وأقابل لَسَنك المطلق بلساني المحصور، وأثبت استدعاءك الجليلي على بيت مال نطقي
المكسور، فتحيّرتُ بين أغمرين أَمَرَّين، ووقع ذهني السقيم بين دائين مُضِرّين، إن فعلتُ ما أَمْرتَ
فما أنا من أرباب هذا القدر العالي، والصدر الحالي، ومَن أنا من أبناء مصر حتى أتقدّم لهذا
الملك العزيز، وكيفِ أُطالَبُ مع إِقتار علمي وفهمي بأن أُجيبَ وأُجيزَ وأين لمقيّد خطوي هذه
الوثبات، وأنّى يماثل قوة هذا الغرس ضَعْفُ هذا النبات، وإن منعتُ فقد أسأت الأدبَ والمطلوبُ
حسن الأدب منّي، وأهملتُ الطاعة التي أقرع بعدها برمح القلم سِنّي، وفاتني شرف الذكر الذي
امتلأ به حوض الرجال وقال قَطْني، ثم ترجّح عندي أن أجيبَ السؤالَ، وأقابل بالامتثال،
وأتحامل على ظلع الأقوال، صابراً على تهكّم سائلي، مُعْظِماً قدري كما قيل بتغافلي منقاداً إلى
جنّة استدعائك من السطور بسلاسلي، وأجزت لك أن تروي عني ما تجوز لي روايته من مسموع
(١) عجز بيت وتمامه:
ولو لم يكن في كفه غير نفسه
لجاء بها فلينق الله سائله
وأوَّل هذه الأبيات:
هذا البحر من أي النواحي أتيته
فلُجَّتُهُ المعروف والجودُ ساحله

٢٣٨
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
ومأثور، ومنظوم ومنثورٍ، وإجازةٍ ومناولةٍ ومطارحةٍ ومراسلةٍ ونقلٍ وتصنيفٍ، وتنضيدٍ وتفویفٍ،
وماضٍ ومتردد، وآتٍ على رأي بعض الرواة ومتجدّد، وجميع ما تضمّنه استدعاؤك فأجمعُ ما
يكون لفظه المتفرّد كاتباً لك بذلك خطّ مشترطاً عليك الشرط المعتبر فليكن قبولك يا عربيٍّ
البيان جواب شرطي ذاكراً من لُمع خبري ما أبطأتُ بذكره وأرجو أن أبطىء ولا أخطىء فأمّا
مولدي فبمصر المحروسة في ربيع الأول سنة ست وثمانين وستمائة بزقاق القناديل وأما شيوخ
الحديث الذين رويت عنهم سماعاً وحضوراً فمن أقدمهم الشيخ شهاب الدين أبو الهيجاء غازي بن
أبي الفضل بن عبد الوهاب نزيل قطيا المعروف بابن الرّاف سمعت عليه بعضَ الغيلانيات وهو
الجزء الثاني والثالث من تجزئة أحد عشر جزءاً والشيخ عزّ الدين أبو نصر عبد العزيز بن أبي الفرج
الحصري البغدادي سمعت عليه جزءاً من أحاديث خرّجها له والدي، والشيخ العالم شهاب الدين
أحمد بن أبي محمد إسحاق بن محمد الهمذاني الأبرقوهي سمعت عليه السيرة النبويةَ بقراءة
الشيخ فتح الدين بن سيّد الناس، وأما مَنْ أجازني منهم بمصر وغيرها من الأمصار فكثير أخبرنا
الشيخ المسند عز الدين أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحرّاني رحمه الله إجازةً أنا
الشيخ أبو الفتوح يوسف بن المبارك بن كامل قراءةً عليه وأنا حاضر ببغداد أنا الشيخ أبو منصور
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز قراءة عليه وأنا أسمع أنا الشيخ أبو الغنائم عبد الصمد
بن علي بن محمد قراءةً عليه وأنا حاضر قيل له أخبركم أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد
الدار قطني ثنا محمد بن علي بن إسماعيل الأيلي ثنا أحمد بن المعلّى بن يزيد ثنا حماد بن المبارك
ثنا محمد بن شعيب ثنا مَروان بن جناح عن هشام بن عروة أنه أخبره عن عروة بن الزبير عن
عائشة زوج النبي و ﴿ أن رسول الله وَ ر قال: ((إن من الشعر حكمة))، وأما الفضلاء والأدباء الذين
رويت عنهم ورأيت منهم فمنهم القاضي الفاضل محيي الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ رشيد
الدين عبد الظاهر الكاتب المصري والشيخ الإمام بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن
النحّاس النحوي الحلبي والأمير الفاضل شمس الدين أبو عبد الله محمد بن الصاحب المؤرّخ
شرف الدين إسماعيل التيتي الآمدي، اقترح عليّ ولم أبلغ الحُلم نظماً في زيادة النيل فقلت
[مرفل الكامل]:
وطَمَتْ فأكْمَدَتِ الأعادي
زادت أصابعُ نيلنا
ما ذي أصابعُ ذي أيادي
وأتت بكل جميلة
والشيخ العالم علم الدين قيس بن سلطان الضرير من أهل منية بني خصيب قرأت عليه كثيراً
من كتب الأدب المشهورة وكان كثيراً ما يستنشدني إلى أن أنشدته قولي [البسيط]:
بطيب لهوٍ ولا واللَّهِ لم يَطِبٍ
يا غائبين تعلَّلنا لغيبتهم
فالكأس في راحةٍ والقلب في تعبٍ
ذكرتُ والكأسُ في كفّي لیالیکم

٢٣٩
محمد بن محمد بن محمد بن الحسن ابن أبي الحسن بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر
فقال أتعبَ - والله - جَدْعُكَ القُرَّحَ، والشيخ العالم بهاء الدين محمد بن محمد المعروف
بابن المفسّر أنشدني يوماً لنفسه [الرمل]:
ذهبَتْ لذّةُ عيشي بالكِبَزْ
لا أَرَى لي في حياتي راحةً
يا إلهي أنت أولى من ستّرْ
بقي الموت لمثلي سُترةً
فأنشدته لي [الخفيف]:
زمان الصِبَى الذي كنتُ أَملِكْ
بَقَلَت وجنة المليح وقد ولَّى
لست في ذا الزمان من خَلِّ بقلكْ
يا عذار المليح دعني فإنّي
والشيخ الأديب الفاضل سراج الدين عمر الورّاق المصري سمعته ينشد لنفسه [الكامل]:
وصحائفُ الأبرار في إِشراقٍ
يا خجلتي وصحائفي سودٌ غداً
أكذا تكون صحائف الورّاقٍ
وتوقّعي لموبّخٍ لي قائلٍ
والأديب الفاضل نصير الدين المناوي الحمامي أنشدني لنفسه [الطويل]:
غزالٌ تبدّى لي بكأسٍ رحيقٍ
أحَبُّ من الدنيا إليَّ وما حَوَت
أُحِبّ من الصهباء كلّ عتيقٍ
وقد شهدتْ لي سُنّة اللهو أنّني
فأنشدته لى [الكامل]:
عجّلتُ باللذات قطْعَ طريقهِ
إنّي إذا آنست هماً طارقاً
فنعمت بين حديثه وعتيقهِ
ودعوتُ ألفاظ المليح وكأسَه
وجماعةٌ يطول ذكرهم، ويعزّ عليّ أن لا يحضرني الآن إلاَّ شعرهم، وأمّا مصنّفاتي التي هي
كالياسمين لا تساوي جمعها ولولا جبر الخزائن الشريفة السلطانية الملكية المؤيدية لها ما
استجزتُ نصبها ولا رفعَها فهي ((كتاب مجمع الفرائد)) ((كتاب القطر النباتي)) ((كتاب شرح العيون
في شرح رسالة ابن زيدون))، ((كتاب منتخب الهدّية من المدائح المؤيّدية)) ((كتاب الفاصل من إنشاء
الفاضل)) ((كتاب زهر المنثور)) ((كتاب سجع المطوّق)) ((كتاب إبزار الأخبار)) ((كتاب شعائر البيت
التقويّ)) ولم يكمل إلى الآن، الأرجوزة المسمّاة ((فرائد السلوك في مصائد الملوك))، أجزتُ لك ـ
أعزك الله - روايتها عني وروايةَ ما أدوّنه وأجمعه بعدها حسبما اقتَرَحَهُ استدعاؤك ونمّقه ونسخه
وحقّقه وتضمّنه سؤالك الذي تصدّقتَ به عليّ فمنك السؤال ومنك الصدقة والله تعالى يشكر عهدك
الجميل، وكلماتك الجزلة وكرمك الجزيل، ويمتّع فنون الفضائل الملتجئة إلى ظلّ قلمك
الظليل، ولا يُعدم الأحباب الآداب من اسمك وسمتك خير صاحب وخليل، بمنّه وطَوله تمّت
الإجازة، ثم إنني سمعتُ من لفظه ((كتاب منتخب الهديّة)) و((القَطر النباتي)) وكنت قد كتبت عليه
وأنا بالقاهرة [الوافر]:
بحقّك لا تقل فيمن تقضى
وفاتَ لقد مضى بالطيّباتِ

٢٤٠
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
وراحَ وشعرِه حلوّ رقيقٌ فما يتكلّم القَطرُ النباتي
وسمعت من لفظه ((فرائد السلوك)» وسمعت من لفظه ((المنتخب المنصوري)) وسمعت من
لفظه ((النحلة الأنسية في الرحلة القدسيّة)) وغالب ما أنشأه من النظم والنثر سمعته وكنت قد كتبت
بالقاهرة على قطعة أهداها من شعره [الوافر]:
أيا آبن نُباتَةٍ أهديتَ شِعْراً
نصيبيَّ سُكّرٌ منه وسُكْرُ
فشعرك كيف ما حاولتّ قُطْرُ
يفوت الغيثَ عَدَّاً وهو حُلْوٌ
وقد اختار من دواوين الشعراء جملةً منها ديوان ابن الرُومي وديوان ابن سناء الملك وديوان
ابن قَلاقِس، وديوان ابن حجّاج وهو اختيارٌ جيّد سماه ((تلطيف المزاج من شعر ابن حجّاج»
وديوان شرف الدين شيخ الشيوخ، وبيني وبينه مكاتبات كثيرة، ومراجعات أثيرة، منها ما كتبه إليّ
وأنا بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة وهو [البسيط]:
رضیتُ بالكتب بعد القرب فانقطعتْ
حتى رضيتُ سلاماً في حواشيها
ويُنهي أنه كان كسيرَ الخاطر، حسيرَ الناظر، لانقطاع برّ مولانا الممتاز ولامتناع المملوك من
المكاتبة ظنّاً أن بينها وبين القصد حجاز، فلما وقف الآن على ذكره في حاشية مكاتبة جمالية
استأنف للخاطر سروراً، وأقام وزن البيت القلبيّ وكان مكسوراً، ووضع الطرسَ على وجه خطّه
الأعمى ﴿فارتدٌ بصيراً﴾ [يوسف: ٩٦]، وجمع بين ذلك الخاطر واللفظ والقلب وإنما جمع
﴿مسكيناً ويتيماً وأسيراً﴾ [الإنسان: ٨]، وسرَّهُ - أَشْهِدُ الله - أن يكون معدودَ الذكر في الحاشية،
واستوقف ألفاظ العتاب وقد كانت إلى درَج الأدراج ماشية [الطويل]:
بهجرٍ ومغفورٌ لليلَى ذنوبُها
حلالٌ لليلَى أن تَرُوعَ فؤادَهُ
[مرفل الكامل]:
لا تقرعَنَّ سَمَاع مَنْ
تهوى بتعدادِ الذنوب
مَنْ يعيشُ بلا حبيبْ
ما ناقش الأحبابَ إلاّ
وقد علم الله شوق المملوك إلى تلك الخلائق وربيعها، والألفاظ وبديعها، وشجوَهُ الذي
أخفى الجلد وأبانَه ووحشته التي أفردته سهماً واحداً في دمشق لا في كنانة [البسيط]:
لم يترك الدَهرُ لي خِلاَّ أُسَرُّ به
إلاّ اصطفاه بنأيٍ أو بهجران
والله تعالى يحرس مولانا حيث كان، ويُمدّه بمعونَتي المكان والإمكان، ويصون نفاسة نفسه
وإن تغيّرت على أحبابها، وأعرضت عن غلمانها، ويأبى ناموس الرتبة أن يقال عن أصحابها، ولا
يعدم الأولياء على القرب والبعد أن يجتنوا من نظمه ونثره ثمر البيان متشابهاً، المملوك يقبّل يد
الجناب الأخوي البرهاني شَكَر اللَّهُ إحسانَه، وأوضح في استحقاق رُتَب الفضل برهانه، وودّ
المملوك لو رآه عند القدوم من حلب فكان يوفّي بعض قروض فضله وفروض بذله، ولكن أَبَی
الحال المناسب إلاّ أن تبدأ هدية ذلك المولى تحيته فيقابلها المملوك ببُخله يا مولانا بلغ المملوك