Indexed OCR Text

Pages 621-640

واختلف في المستثنى من هو على عشرة أقوال: فقيل الملائكة،
وقيل الأنبياء، وبه قال البيهقي في تأويل الحديث في تجويزه: أن يكون
موسى ممن استثنى الله، قال: ووجهه عندي أنهم أحياء كالشهداء، فإذا
نفخ في الصور [النفخة](١) الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتاً في
جميع معانيه إلا في ذهاب الاستشعار.
وقيل الشهداء: واختاره الحليمي قال: وهو مروي عن ابن
عباس، فإن الله تعالى يقول: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾(٢)، وضعف
غيره من الأقوال.
وقال أبو العباس القرطبي صاحب ((المفهم)): الصحيح أنه لم
يأت في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل.
وتعقبه تلميذه في ((التذكرة)) فقال: قد ورد في حديث أبي هريرة
بأنهم الشهداء وهو صحيح. وعن أبي هريرة أن رسول الله والتر سأل
جبريل عن هذه الآية: من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم
شهداء الله. وصححه الحاكم.
وقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت، ثم
يموتون، وآخرهم [موتا](٣) ملك الموت، وقيل هم الحور العين
والولدان في الجنة .
وتعقب: بأن حملة العرش ليسوا من سكان السماوات والأرض،
لأن العرش فوق السماوات كلها، وبأن جبريل وميكائيل وملك الموت
(١) في (ط، ش).
(٢) سورة آل عمران، الآية ١٦٩.
(٣) في ط .
- ٦٢١ -

من الصافين المسبحين، ولأن الحور العين والولدان في الجنة، وهي
فوق السماوات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء فلا
شك أنها بمعزل عما خلقه الله للفناء. ثم إنه وردت الأخبار بأن الله
تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يحييهم. وأما أهل
الجنة فلم يأت عنهم خبر، والأظهر أنها دار خلود، فالذي يدخلها لا
يموت فيها أبداً، مع كونه قابلاً للموت، فالذي خلق فيها أولى أن لا
يموت فيها أبداً.
فإن قلت: قوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ (١) يدل على أن
الجنة نفسها تفنى ثم تعاد ليوم الجزاء، ويموت الحور العين ثم يحيون.
أجيب: بأنه يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كل شيء هالك﴾ أي
٤١٩/ب أنه قابل / للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك، إلا هو سبحانه فإنه
قديم، والقديم لا يمكن أن يفني، انتهى ملخصاً من تذكرة القرطبي.
ويؤيد القول بعدم موت الحور قولهن: نحن الخالدات فلا
نموت، كما في الحديث.
ولا يقال: المراد من قولهن الخلود الكائن بعد القيامة، لأنه لا
خصوصية فيه، والأوصاف المشتركة لا يتباهى بها، والله أعلم.
وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حبان من طريق وهب بن منبه
من قوله(٢): قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء
الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق به، ثم قال: كن فكان
إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس
(١) سورة القصص، الآية ٨٨.
(٢) أي من كلامه الذي لم يروه عن غيره، وكأنه من الإسرائيليات.
- ٦٢٢ -

منفوسة، فذكر الحديث وفيه: ثم تجتمع الأرواح كلها في الصور، ثم
يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه فتدخل كل روح في جسدها. فعلى هذا
فالنفخ يقع في الصور أولاً ليصل النفخ بالروح إلى الصّوَر وهي
الأجساد، فإضافة النفح إلى الصور الذي هو القرن حقيقة، وإلى
الصور التي هي الأجساد مجاز.
وفي صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عمر، رفعه: ثم ينفخ
في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى لِيتا ورفع لِيتا، ثم يرسل الله
مطراً كأنه الطل فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم
قيام ينظرون.
و((الليت)) بكسر اللام وبالمثناة التحتية ثم الفوقية: صفحة
العنق، وهما ليتان.
و أصغى : أمال.
وأخرج البيهقي بسند قوي، عن ابن مسعود موقوفاً (١): ثم يقوم
ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه - والصور قرن - فلا يبقى
الله خلق في السماوات والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون
بين النفختين ما شاء الله أن يكون.
وأخرج ابن المبارك في الرقاق من مرسل الحسن: بين النفختين
أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيي الله بها كل
میت، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس، وهو ضعيف.
وعن أنس (٢) قال: قال رسول الله وَله : أنا أول الناس خروجاً
(١) في ط: مرفوعاً. قال الشارح: في نسخ مرفوعا وهو خطأ فقد صرح في
مجمع الزوائد بأنه موقوف.
(٢) في ط: ابن عباس.
- ٦٢٣ -

إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا
مستشفعهم(١) إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح
يومئذ بيدي، ولواء الحمد يومئذٍ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي،
يطوف علي ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور، رواه الدارمي،
وقال الترمذي: حديث غريب(٢).
ولم يقل: وأنا إمامهم، لأن دار الآخرة ليست دار تكليف.
وفي حديث رواه صاحب كتاب ((حادي الأرواح))(٣): أن رسول
الله وَلقر يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان.
وفي كتاب ((ذخائر العقبى)) للطبري، مما عزاه لتخريج الحافظ
السلفي من حديث أبي هريرة، أن رسول الله و الله قال: تبعث الأنبياء
على الدواب، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتيَّ
العضباء والقصواء، وأحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها،
ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنة.
وأخرجه الطبراني والحاكم بلفظ: يحشر الأنبياء على الدواب،
وأبعث على البراق، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة فينادي
بالأذان محضا وبالشهادة حقاً، حتى إذا قال أشهد أن محمداً رسول
الله، شهد له المؤمنون من الأولين والآخرين.
وعند ابن زنجويه في ((فضائل الأعمال)) عن كثير بن مرة
الحضرمي، قال قال رسول الله وعليه: تبعث ناقة ثمود لصالح فيركبها
(١) في (ط، ش): شفيعهم.
(٢) فيه الحسين بن يزيد الكوفي. قال أبو حاتم: لين.
(٣) هو الإمام ابن القيم.
- ٦٢٤ -

من عند قبره حتى / توافي به المحشر، وأنا على البراق اختصصت به ٤٢٠ /أ
من دون الأنبياء يومئذ، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادي
على ظهرها بالأذان حقاً، فإذا سمعت الأنبياء وأممها: أشهد أن محمداً
رسول الله قالوا: ونحن نشهد على ذلك.
وذكر الشيخ زين الدين المراغي، مما عزاه لابن النجار في تاريخ
المدينة عن كعب الأحبار، والقرطبي في ((التذكرة)) وابن أبي الدنيا عن
كعب: أنه دخل على عائشة رضي الله عنها، فذكروا رسول الله وَ له
فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفاً من الملائكة حتى
يحفون بالقبر، ويضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي وَلّر حتى إذا
أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم
ويصلون على النبي ◌َالر ، سبعون ألفاً بالليل وسبعون ألفاً بالنهار، حتى
إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفاً من الملائكة
يوقرونه صلى الله عليه وسلم (١) .
وفي ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي من حديث ابن عمر
قال: خرج رسول الله وَلّر ويمينه على أبي بكر وشماله على عمر، فقال:
هكذا نبعث يوم القيامة.
[أول من يكسى يوم القيامة]
وعن أبي هريرة عن النبي وَل قال: فأكسى حلة من حلل
الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك
المقام غيري. رواه الترمذي.
(١) لم ينقل عن غير كعب الأحبار اهـ. ونتساءل من أين له هذا؟ [م].
- ٦٢٥ -

وفي رواية جامع الأصول عنه(١): أنا أول من تنشق عنه الأرض
فأكسى، وفي رواية كعب: حلة خضراء.
وفي البخاري، من حديث ابن عباس، عنه وَالر: تحشرون
حفاة عراة غرلا(٢)، (كما بدأنا أول خلق نعيده) وإن أول الخلائق
یکسی يوم القيامة إبراهيم.
وأخرجه البيهقي، وزاد: وأول من يكسى من الجنة إبراهيم،
يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى
بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر. وفيه: أنه يجلس على
الكرسي عن يمين العرش.
ولا يلزم من تخصيص إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى
أن يكون أفضل من نبينا وَ له، على أنه يحتمل أن يكون نبينا وعليه
خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلة التي يكساها يومئذٍ حلة
الكرامة، بقرينة إجلاسه عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في
الكسوة بالنسبة لبقية الخلق.
وأجاب الحليمي: بأنه يكسى إبراهيم أولاً، ثم يكسى نبينا،
عليهما الصلاة والسلام، على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا أعلى
وأكمل (٣)، فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية.
وفي حديث أبي سعيد عند أبي داود وصححه ابن حبان، أنه لما
حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول اللّه اليوم
(١) أي الترمذي .
(٢) غير مختونین.
(٣) في ط: أكبر.
-٦٢٦ -

يقول: إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها.
وعند الحارث بن أبي أسامة وأحمد بن منيع: فإنهم يبعثون في
أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم (١).
ويجمع بينه وبين ما في البخاري (٢) بأن بعضهم يحشر عارياً
وبعضهم كاسياً، أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء، وأول من
يكسى إبراهيم عليه السلام، أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا
فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة ثم يكون أول
من یکسی إبراهيم.
وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء، فيكون أبو سعيد
سمعه في الشهداء فحمله على العموم.
[حديث موضوع]
وأما ما رواه الطبري في ((الرياض النضرة)) وعزاه للإمام أحمد في
المناقب عن محدوج بن زيد الهذلي أن النبي و ليّ قال لعلي: أما علمت
يا علي أنه أول من يدعى به يوم القيامة بي، فأقوم عن يمين العرش في
ظله، فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم
على أثر بعض، فيقومون سماطين عن يمين العرش ويكسون حللاً/ ٤٢٠/ب
خضراً من حلل الجنة، ألا وإن أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة،
ثم أَبْشِر، فأول من يدعى بك، فيدفع لك لوائي وهو لواء الحمد،
فتسير به بين السماطين، آدم وجميع خلق الله تعالى يستظلون بظل
(١) الحديث عن جابر رفعه: إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه فإنهم .. ، قال
الحافظ إسناده صالح.
(٢) (إنكم تحشرون حفاة عراة).
- ٦٢٧ -

لوائي يوم القيامة، وطوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة، وسنانه ياقوتة
حمراء، قبضته فضة بيضاء، زجه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من
نور، ذؤابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، والثالثة في وسط الدنيا،
مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، الثاني:
الحمد لله رب العالمين، الثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول
كل سطر ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن
عن يمينك، والحسين عن يسارك، حتى تقف بيني وبين إبراهيم عليه
السلام في ظل العرش، ثم تكسى حلة من الجنة. والسماطان من
الناس والنخل: الجانبان.
ورواه ابن سبع في الخصائص بلفظ: قال سأل عبدالله بن سلام
رسول الله صلّ عن لواء الحمد ما صفته؟ قال: طوله مسيرة ...
الحديث.
فقال(١) الحافظ قطب الدين الحليمي: كما نقله عنه المحب بن
الهمام: إنه موضوع بين الوضع. قال: والله أعلم بحقيقة لواء الحمد.
[لواء الحمد]
وفي حديث أبي سعيد - عند الترمذي بسند حسن - قال: قال
رسول الله وسلم: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء
الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا تحت لوائي.
الحدیث.
واللواء: الراية، وفي عرفهم لا يمسكها إلا صاحب الجيش
ورئيسه، ويحتمل أن تكون بيد غيره بإذنه وتكون تابعة له ومتحركة
(١) هذا جواب قوله ((وأما)) في أول الفقرة [م].
- ٦٢٨ -

بحركته، تميل معه حيث مال، لا أنه يمسكها بيده، إذ هذه الحالة
أشرف.
وفي استعمال العرب عند الحروب، إنما يمسكها صاحبها، ولا
يمنعه ذلك من القتال بها، بل يقاتل بها ممسكاً لها أشد القتال، ولذا لا
يليق بإمساكها كل أحد، بل مثل علي رضي الله عنه، [كما قال](١)
((لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)).
وإنما أضاف ((اللواء)) إلى ((الحمد)) الذي هو الثناء على الله بما هو
أهله، لأن ذلك هو منصبه في ذلك الموقف دون غيره من الأنبياء.
[صفة الحشر]
وقد اختلف في هيئة حشر الناس.
ففي البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وله
(يحشر الناس على ثلاث(٢) طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير،
وثلاثة على بعير وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتَهم
النار، تَقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح
معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا) رواه الشيخان (٣).
وقد مال الحليمي إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من
القبور، وجزم به الغزالي، وقيل: إنهم يخرجون من القبور بالوصف
المذكور في حديث ابن عباس عند الشيخين: أن رسول الله وَالخير قال:
(١) في ش.
(٢) كذا في البخاري والنسخ، وفي (ط، ب): ثلاثة، وهو لفظ مسلم.
(٣) قدم في بدء الحديث أنه من رواية البخاري، وقال هنا: رواه الشيخان،
والمقصود أن اللفظ للبخاري، وقد رواه برقم ٦٥٢٢ [م].
- ٦٢٩ -

(إنكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثم قرأ ((كما بدأنا أول خلق نعيده
وعداً علينا إنا كنا فاعلين))) ثم يفترق حالهم من ثم إلى الموقف، كما
في حديث أبي هريرة: (ويحشر الكافر على وجهه، قال رجل: يا رسول
الله، كيف يحشر على وجهه؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في
الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة) أخرجه الشيخان.
وفي حديث أبي ذر عند النسائي مرفوعاً: إن الناس يحشرون
[على](١) ثلاثة أفواج. فوجاً(٢) راكبين طاعمين كاسين، وفوجاً
تسحبهم الملائكة على وجوههم، وفوجاً يمشون ويسعون(٣).
وفي حديث سهل بن سعد مرفوعاً: (يحشر الناس يوم القيامة
على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقى (٤) ليس فيها علم لأحد) رواه
الشيخان
١/٤٢١
وفي حديث عقبة بن عامر - عند الحاكم - رفعه: تدنو الشمس
من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ نصف ساقه،
ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم / من يبلغ
خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ فاه وأشار بيده
ألجمها فاه، ومنهم من يغطيه عرقه، وضرب بيده على رأسه.
وله شاهد عند مسلم، من حديث المقداد بن الأسود، وليس
(١) في (ط، ش).
(٢) كذا في النسخ بالصب بتقدير: أعني، وفي شرحه للبخاري بالخفض بدل
من ثلاثة المجرورة بـ (على) وهي ثابتة في الحديث وفي أصل نسخ
المواهب.
(٣) ورواه أحمد والحاكم والبيهقي .
(٤) أي كخبز الدقيق النقي.
- ٦٣٠ -

بتمامه، وفيه: تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم
كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق.
وهذا ظاهر في أنهم يستوون في وصول العرق إليهم ويتفاوتون
في حصوله فیھم.
فإن قلت: الشمس محلها السماء، وقد قال الله تعالى: ﴿يوم
نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾(١) والألف واللام في ((السماء))
للجنس، بدليل ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾(٢) فما طريق الجمع؟
فالجواب: يجوز أن تقام بنفسها دانية من الناس(٣) في المحشر
ليقوى هوله وكربه، عافانا الله من كل مكروه.
وقال ابن أبي جمرة: ظاهر الحديث يقتضي تعميم الناس بذلك،
ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر،
ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم الكفار، ثم
أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم.
وأخرج أبو يعلى، وصححه ابن حبان عن أبي هريرة عن النبي
وَ* قال: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ (٤) قال: مقداره نصف يوم
من خمسين ألف سنة، فيهون على المؤمنين كتدلي الشمس إلى أن
تغرب. وأخرج أحمد وابن حبان نحوه من حديث أبي سعيد.
(١) سورة الأنبياء، الآية ١٠٤ .
(٢) سورة الزمر، الآية ٦٧ .
(٣) في ط: الرؤوس.
(٤) سورة المطففين، الآية ٦.
- ٦٣١ -

وللبيهقي (١) في البعث عن أبي هريرة: يحشر الناس قياماً أربعين
سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء، فيلجمهم العرق من شدة الكرب.
وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عنه والده
(يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعاً،
ويلجمهم العرق حتى يبلغ آذانهم).
وعند البيهقي من حديث ابن مسعود، إذا حشر الناس قاموا
أربعين عاماً شاخصة أبصارهم إلى السماء، لا يكلمهم(٢)، والشمس
على رؤوسهم حتى يلجم العرق كل بر منهم وفاجر.
وفي حديث أبي سعيد، عند أحمد، أنه يخفف الوقوف عن المؤمن
حتی یکون كصلاة [فريضة](٣) مكتوبة، وسنده حسن.
وللطبراني من حديث ابن عمر: ويكون ذلك اليوم أقصر على
المؤمن من ساعة من نهار.
وجاء عن عبدالله بن عمرو بن العاصي: أن الذي يلجمه العرق
الكافر، أخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عنه قال (٤): يشتد
کرب الناس ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق، قيل له: فأين
المؤمنون؟ قال: على كراسي من ذهب ويظلل عليهم الغمام.
(١) كذا في ش، وفي النسخ: والبيهقي.
(٢) قال الشارح: بمعنى لا يتركون الشخوص هذه المدة، وفي هامش د: لا
یکلمھم ربهم .
(٣) في (ب، ط).
(٤) ذكر اللفظ بعد أن ساق المعنى.
- ٦٣٢ -

وبسند قوي(١) عن أبي موسى قال: الشمس فوق رؤوس الناس
يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم.
وأخرج ابن المبارك في ((الزهد)) وابن أبي شيبة في ((المصنف))
واللفظ له، بسند جيد عن سلمان قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر
عشر سنين، ثم تدنو من جماجم الرأس حتى تكون قاب قوسين،
فيعرقون حتى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يغرغر
الرجل. زاد ابن المبارك في روايته: ولا يضر حرها يومئذ مؤمناً ولا
مؤمنة .
قال القرطبي: المراد من يكون كامل الإيمان لما(٢) يدل عليه
حديث المقداد وغيره: أنهم يتفاوتون في ذلك بحسب أعمالهم.
وفي رواية عند أبي يعلى، وصححها ابن حبان: إن الرجل
ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول: يا رب، أرحني ولو إلى النار.
وهو كالصريح في أن ذلك كله في الموقف.
[وصف شدة الموقف]
ومن تأمل الحالة المذكورة، عرف عظيم الهول فيها، وذلك أن
النار تحف بأرض الموقف، وتدنو(٣) الشمس من الرؤوس قدر ميل،
فكيف تكون حرارة تلك الأرض، وماذا يرونه من العرق مع أن كل
(١) عند البيهقي .
(٢) كذا في (ا، ب) وفي الباقي: كما.
(٣) في (ا، ب): تدنى.
- ٦٣٣ -

أحد لا يجد إلا قدر موضع قدميه(١)، فكيف يكون حال هؤلاء في
عرقهم مع تنوعهم(٢) فيه.
إن هذا لما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي
٤٢١/ب الإيمان / بأمور الآخرة، وأن ليس للعقل فيه مجال، ولا يُعترض على
ذلك بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول.
فتأمل - رحمك الله - شدة هذا الازدحام والانضمام والاتساق
والالتصاق، واجتماع الإنس والجان، ومن يجمع معهم من سائر
أصناف الحيوان، وانضغاطهم وتدافعهم واختلاطهم، وقرب الشمس
منهم، وما يزاد في حرها، ويضاعف في وهجها، ولا ظل إلا ظل
عرش ربك بما قدمتَه، مع ما انضاف إلى ذلك من حر البأس، لتزاحم
الناس واحتراق القلوب، لما غشيها من الكروب.
[الحوض الشريف]
ولا ريب أن هذا موجب لحصول العطش في ذلك اليوم، وكثرة
الالتهاب، والماء ثم أعز موجود، وأعظم مفقود، فلا منهل مورود إلا
حوض صاحب المقام المحمود وَل﴿ وزاده فضلاً وشرفاً لديه، ولا
مشرب لأمته سواه، ولا تبرد أكبادهم إلا به، فالشربة منه كما ورد
تروي الظمأ، وتشفي من الصدى، وتذهب بكل داء فلا يظمأ شاربها
ولا يسقم بعدها أبداً.
وفي حديث أنس عند البزار: من شرب منه - أي من الحوض -
(١) من قوله قبل سطر ((فكيف .. )) سقط من ب.
(٢) في (أ): تبوعهم.
- ٦٣٤ -

شربة لم يظمأ أبداً، ومن لم يشرب منه لم يرو أبداً، وزاد في حديث أبي
أمامة عند أحمد وابن حبان: ولم يسود وجهه أبداً.
وفي حديث ثوبان عند الترمذي وصححه الحاكم: أكثر الناس
عليه وروداً فقراء المهاجرين.
وفي حديث عبدالله بن عمرو بن العاصي، عند الشيخين
(حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، ورائحته أطيب من
المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ أبداً).
قال القرطبي في (التذكرة)): ذهب صاحب ((القوت)) وغيره إلى
أن الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس،
والصحيح أن للنبي ◌ّ حوضين، أحدهما في الموقف قبل الصراط،
والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثراً.
وتعقبه شيخ الحفاظ ابن حجر: بأن الكوثر نهر داخل الجنة،
وماؤه يصب في الحوض، ويطلق على الحوض كوثر لكونه يمد منه.
فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبي أن الحوض يكون قبل الصراط لأن
الناس يردون الموقف عطاشاً، فيرد المؤمنون الحوض، وتتساقط الكفار
في النار بعد أن يقولوا ربنا عطشنا، فترفع لهم جهنم كأنها سراب
فيقال ألا تردون، فيظنونها ماء فيتساقطون فيها.
وفي حديث أبي ذر مما رواه مسلم: (أن الحوض يشخب فيه
ميزابان من الجنة) وهو حجة على القرطبي لا له، لأن الصراط جسر
جهنم، وهو بين الموقف والجنة، والمؤمنون يمرون عليه لدخول الجنة،
فلو كان الحوض دونه لحالت النار بينه وبين الماء الذي يصب من
الكوثر في الحوض، وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة ليصب
فيه الماء من النهر الذي داخلها.
- ٦٣٥ -

وقال القاضي عياض: ظاهر قوله وَله: ((من شرب منه لم يظمأ
بعدها أبداً)) يدل على أن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من
النار، لأن ظاهر حال من لا يظمأ أن لا يعذب بالنار، ولكن يحتمل
أن من قدر عليه التعذيب منهم أن لا يعذب فيها بالظمأ بل بغيره.
وعن أنس قال: سألت رسول الله وَّ ر أن يشفع لي يوم القيامة،
فقال: أنا فاعل إن شاء الله، قلت: فأين أطلبك؟ قال: أول ما
تطلبني على الصراط، قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: فاطلبني
عند الميزان، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: فاطلبني عند
الحوض، فإني لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن. رواه الترمذي وقال:
حسن غريب.
وفي حديث ابن مسعود عند أحمد: ثم أوتى بكسوتي فألبسها
فأقوم عن يمين العرش مقاماً لا يقومه أحد، فيغبطني به الأولون
والآخرون. قال: ويفتح لهم من الكوثر إلى الحوض. الحديث.
وقد بين في حديث ابن عمرو بن العاصي، عند البخاري، أن
الحوض مسيرة شهر، وزاد في رواية مسلم من هذا الوجه: وزواياه سواء
٤٢٢/أ [طوله كعرضه](١). وهذه الزيادة - كما قاله/ في فتح الباري - تدفع
تأويل من جمع بين مختلف الأحاديث في تقدير مسافة الحوض على
اختلاف العرض والطول.
وفي حديث أبي سعيد عند ابن ماجه رفعه: إن لي حوضاً ما بين
الكعبة وبيت المقدس.
(١) في ط،
- ٦٣٦ -

وفي حديث أبي برزة عند الطبراني وابن حبان في صحيحه: ما
بين ناحيتي حوضي كما بين أيلة وصنعاء، مسيرة شهر عرضه كطوله.
وفي حديث أنس - عند الشيخين - كما بين صنعاء والمدينة.
وفي حديث عتبة بن عبد السلمي عند ابن حبان في صحيحه كما
بين صنعاء إلى بصرى.
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني: ما بين عدن وعُمان - بضم
المهملة وتخفيف الميم - وقال ابن الأثير في النهاية في حديث الحوض:
عرضه من مقامي إلى عمَّان - هي بفتح العين وتشديد الميم - مدينة
قديمة بالشام من أرض البلقاء، فأما بالضم والتخفيف فهو صقع عند
البحرين. انتهى.
وهذه المسافات كلها متقاربة، وظن بعضهم أنه وقع اضطراب
في ذلك، ولیس کذلك.
وأجاب النووي عن ذلك: بأنه ليس في ذكر المسافة القليلة ما
يدفع المسافة الكثيرة، فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة.
وحاصله يشير إلى أنه أخبر أولاً بالمسافة اليسيرة ثم أعلم بالمسافة
الطويلة فأخبر بما كان الله تفضل عليه باتساعه شيئاً بعد شيء، فيكون
الاعتماد على أطولها مسافة.
فإن قلت: هل لكل نبي من الأنبياء غير نبينا وَلّ حوض هناك
يقوم عليه کنبينا؟
فالجواب: أنه اشتهر اختصاص نبينا وَّلة بالحوض. قال القرطبي
في ((المفهم)) مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به، أنه تعالى
- ٦٣٧ -

قد خص نبيه محمداً وَل بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في
الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، إذ
روى ذلك عنه وَلّ من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم في
الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفي غيرهما بقية ذلك، كما صح
نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين
أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم وهلم جراً، واجتمع على
إثباته السلف وأهل السنة من الخلف. انتهى.
لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه: ((إن لكل نبي
حوضاً) وأشار إلى أنه اختلف في وصله وإرساله، وأن المرسل أصح،
والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال
رسول الله صل18: إن لكل نبي حوضاً، وهو قائم على حوضه بيده
عصا يدعو من عرف من أمته، ألا وإنهم يتباهون أيهم أكثر تبعاً، وإني
لأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً .
وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن سمرة موصولاً مرفوعاً مثله،
وفي سنده لین.
وأخرج ابن أبي الدنيا أيضاً من حديث أبي سعيد رفعه: وكل
نبي يدعو أمته، ولكل نبي حوض، فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من
يأتيه العصبة، ومنهم من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم
من لا يأتيه أحد، وإني لأكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة، وفي إسناده لين.
فإن ثبت، فالمختص بنبينا وَّ ر الكوثر الذي يصب من مائه في
حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به في سورة
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ انتهى ملخصاً من فتح الباري(١).
(١) في شرح الحديث ٦٥٧٥ وما بعده.
- ٦٣٨ -

و((الفئام)) كما في الصحاح، الجماعة من الناس، لا واحد له من
لفظه، والعامة تقول ((فيام)) بلا همز.
وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة رفعه، قال: (ترد عليَّ أمتي
الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل عن إبله، قالوا: يا رسول
الله، تعرفنا؟ قال: نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون علي غرا
محجلين من آثار الوضوء).
قالوا: والحكمة في الذود المذكور، أنه ێے یرید أن یرشد كل أحد
إلى حوض نبيه، كما تقدم ((إن / لكل نبي حوضاً))، فيكون هذا من جملة ٤٢٢/ب
إنصافه و * ورعاية إخوانه من النبيين، لا أنه يطردهم بخلاً عليهم بالماء،
ويحتمل أن يكون بطرد من لا يستحق الشرب من الحوض. والله أعلم.
وفي حديث أنس أنه وَ لّ قال: لحوضي أربعة أركان، الأول بيد أبي
بكر الصديق، والثاني بید عمر الفاروق، والثالث بید عثمان ذي النورین،
والرابع بيد علي بن أبي طالب. فمن كان محباً لأبي بكر مبغضاً لعمر لا
يسقيه أبو بكر، ومن كان محباً لعلي مبغضاً لعثمان لا يسقيه علي (١). رواه
أبو سعد في («شرف النبوة)) والغيلاني والله أعلم.
[الشفاعة والمقام المحمود]
وأما تفضيله وَ ر بالشفاعة والمقام المحمود، فقد قال تعالى:
(١) هذا الحديث يعارض ما ورد في البخاري من أن الورود على النبي ◌َّ .
ففي الحديث رقم ٦٥٩٣ (إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم
وسيؤخذ ناس دوني فأقول: يارب مني ومن أمتي فيقال: هل شعرت ما
عملوا بعدك؟ .. ) وإذا كان كذلك فهل الورود على أصحابه المذكورين قبل
أم بعد؟، ثم إذا كان ◌َ # لا يدري ما حدث بعده فكيف يعرف الصحابة
قضية الحب والكره من الناس؟ هذا وقد سكت الشارح عنه [المحقق].
- ٦٣٩ -

﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾(١). اتفق المفسرون على أن
كلمة ((عسى)) من الله واجب، قال أهل المعاني: لأن لفظة ((عسى)) تفيد
الإطماع، ومن أطمع إنساناً في شيء ثم أحرمه كان عاراً، والله تعالى
أكرم من أن يطمع أحداً في شيء ثم لا يعطيه ذلك.
وقد اختلف في تفسير المقام المحمود على أقوال:
أحدها: أنه الشفاعة. قال الواحدي: أجمع المفسرون على أنه
مقام الشفاعة كما قال ﴿ في هذه الآية: هو المقام الذي أشفع فيه
لأمتي.
وقال الإمام ابن الخطيب: اللفظ مشعر بذلك، لأن الإنسان إنما
يصير محموداً إذا حمده حامد، والحمد إنما يكون على الإنعام، فهذا
المقام المحمود يجب أن يكون مقاماً أنعم فيه رسول الله وَّر على قوم
فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ
الدين وتعليمهم الشرع لأن ذلك كان حاصلاً في الحال. وقوله: ﴿عسى
أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ يدل على أنه يحصل للنبي بَير في ذلك
المقام حمد بالغ عظيم كامل، ومن المعلوم أن حمد الإنسان على سعيه
في التخلص عن العقاب أعظم من سعيه في زيادة من الثواب لا حاجة
به إليها، لأن احتياج الإنسان في دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق
احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التي لا حاجة إلى تحصيلها.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: ﴿عسى أن يبعثك
ربك مقاماً محموداً﴾ هو الشفاعة في إسقاط العقاب(٢) على ما هو
مذهب أهل السنة.
(١) سورة الإسراء، الآية ٧٩.
(٢) في (ط، ش): العذاب.
- ٦٤٠ -