Indexed OCR Text

Pages 581-600

فإن قلت: هذه الصفات مختصة بالله تعالى.
فالجواب: إن من انتقل إلى عالم البرزخ من المؤمنين يعلم أحوال
الأحياء غالباً، وقد وقع كثير من ذلك كما هو مسطور في مظنة ذلك من
الكتب(١).
وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب: ليس من يوم إلا
ويعرض على النبي ◌َّليّ أعمال أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم
وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم.
ويمثل الزائر وجهه الكريم وَلّ في ذهنه، ويحضر قلبه جلال
رتبته، وعلو منزلته، وعظيم حرمته، وإن أكابر الصحابة ما كانوا
يخاطبونه إلا كأخي السرار، تعظيماً لما عظم الله من شأنه.
وقد روى ابن النجار أن امرأة سألت عائشة رضي الله عنها: أن
اكشفي لي عن قبر رسول الله وَل ◌ِ فكشفته فبكت حتى ماتت.
وحكي عن أبي الفضائل الحموي، أحد خدام الحجرة المقدسة،
أنه شاهد شخصاً من الزوار الشيوخ، أتى باب مقصورة الحجرة
الشريفة، فطأطأ رأسه نحو العتبة، فحركوه فإذا هو ميت، وكان ممن
شهد جنازته .
[صيغة السلام عليه ◌َلِيو]
ثم يقول الزائر بحضور قلب، وغض بصر وصوت، وسكون
جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي
(١) هذا ليس جواباً للإشكال، وعالم البرزخ من المغيبات، ولا مجال فيه لغير
النصوص [م].
- ٥٨١ -

الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا خيرة الله(١)،
السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم
النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى
أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات
أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك
وعلى سائر الأنبياء وسائر عباد الله الصالحين، جزاك الله [عنا](٢) يا
رسول الله أفضل ما جازى نبياً ورسولاً عن أمته، وصلى الله عليك
كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، أشهد أن لا إله إلا
الله وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك
قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت في الله حق
جهاده .
ومن ضاق وقته عن ذلك، أو عن حفظه فليقل ما تيسر منه، أو
مما يحصل به الغرض.
وفي ((التحفة))(٣): أن ابن عمر وغيره من السلف كانوا
يقتصرون ويوجزون في هذا جداً. فعن مالك بن أنس، إمام دار
الهجرة، وناهيك به خبرة بهذا الشأن من رواية ابن وهب عنه، يقول:
السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته .
وعن نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا قدم من سفر دخل
المسجد، ثم أتى القبر المقدس فقال: السلام عليك يا رسول الله،
السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
(١) في ط: يا خيرة خلق الله.
(٢) في الأصل.
(٣) كتاب ((تحفة الزائر)) لابن عساكر.
- ٥٨٢ -

وينبغي أن يدعو، ولا يتكلف السجع فإنه قد يؤدي إلى
الإخلال بالخشوع.
١/٤١٢
وقد حكى جماعة منهم الإمام أبو نصر بن الصباغ(١) في
((الشامل)) الحكاية المشهورة/ عن العتبي، واسمه: محمد بن عبيدالله
ابن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن
حرب، وتوفي في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وذكرها ابن النجار وابن
عساكر وابن الجوزي في مثير الغرام الساكن(٢) عن محمد بن حرب
الهلالي قال: أتيت قبر النبي وَّ فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي
فزاره ثم قال: يا خير الرسل، إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً، قال
فيه: ﴿ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم
الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ وقد جئتك مستغفراً من ذنبي
مستشفعاً بك إلى ربي وأنشأ يقول:
فطاب من طيبهن القاع والأكم
يا خير من دفنت بالقاع(٣) أعظمه
فيه العفاف وفيه الجود والكرم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه
ووقف أعرابي على قبره الشريف وقال: اللهم إنك أمرت بعتق
العبيد، وهذا حبيبك وأنا عبدك، فأعتقني من النار على قبر حبيبك،
فهتف به هاتف: يا هذا تسأل العتق لك وحدك، هلا سألت لجميع
الخلق. اذهب فقد أعتقناك من النار.
إن الملوك إذا شابت عبيدهم في رقهم أعتقوهم عتق أبرار (٤)
(١) في ط: أبو منصور الصباغ.
(٢) في ش: منبر الغرام الساكن، في الأصل: مثير العزم الساكن.
(٣) في الأصل: بالترب.
(٤) في (ط، ش): أحرار.
- ٥٨٣ -

وأنت يا سيدي أولى بذا كرماً قد شبت في الرق فاعتقني من النار
وعن الحسن البصري قال: وقف حاتم الأصم على قبر النبي
وَلير فقال: يا رب، إنا زرنا قبر نبيك فلا تردنا خائبين، فنودي: يا
هذا ما أذنا لك في زيارة قبر حبيبنا إلا وقد قبلناك فارجع أنت ومن
معك من الزوار مغفوراً لكم.
وقال ابن أبي فديك: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه
من وقف عند قبر النبي ◌َّ فتلا هذه الآية: ﴿إن الله وملائكته
يصلون على النبي﴾(١) وقال: صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها
سبعين مرة ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له
حاجة (٢).
قال الشيخ زين الدين المراغي وغيره: الأولى أن ينادي يا رسول
الله وإن كانت الرواية يا محمد، انتهى.
وقد نبهت على ذلك مع مزيد بيان في كتاب «لوامع الأنوار في
الأدعية والأذكار)).
فإن أوصاه أحد بإبلاغ السلام إلى النبي ◌ُّ فليقل: السلام
عليك يا رسول الله من فلان.
ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلم على أبي بكر رضي الله
عنه، لأن رأسه بحذاء منكب رسول الله وَلّر ، على ما جزم به رزين
وغيره، وعليه الأكثر، فيقول: السلام عليك يا خليفة سيد المرسلين،
(١) سورة الأحزاب، الآية ٥٦.
(٢) الخبر من رواية البيهقي.
- ٥٨٤ -

السلام عليك يا من أيد الله به - يوم الردة - الدين، جزاك الله عن
الإسلام والمسلمين خيراً، اللهم ارض عنه، وارض عنا به.
ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلم على عمر بن الخطاب
رضي الله عنه فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا
من أيد الله به الدين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيراً، اللهم
ارض عنه، وارض عنا به.
ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه سيدنا رسول الله اص ليه بعد
السلام على سيدنا أبي بكر وعمر، فيحمد الله تعالى ويمجده، ويصلي
على النبي ◌َّه ، ويكثر من الدعاء والتضرع، ويجدد التوبة في حضرته
الكريمة، ويسأل الله بجاهه أن يجعلها توبة نصوحاً، ويكثر من الصلاة
والسلام على النبي ◌َّ بحضرته الشريفة حيث يسمعه ويرد عليه.
[رده وَ ر السلام]
وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنه بَّه قال: ما من
مسلم يسلم عليَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد عليه السلام(١).
وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعاً: من صلى علي
عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائياً بلغته.
/وعن سليمان بن سحيم، مما ذكره القاضي عياض في ((الشفاء)) ٤١٢/ب
قال: رأيت النبي وَّله في النوم، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين.
يأتونك فيسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأرد عليهم.
ولا شك أن حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ثابتة معلومة
(١) إسناده صحيح .
- ٥٨٥ -

مستمرة، ونبينا وَ * أفضلهم، وإذا كان كذلك فينبغي أن تكون حياته
* أكمل وأتم من حياة سائرهم.
فإن قال سقيم الطبع رديء الفهم، لو كانت حياته وَل مستمرة
ثابتة لما كان لرد روحه معنى كما قال: ((إلا رد الله علي روحي)).
یجاب على ذلك من وجوه:
أحدها: أن هذا إعلام بثبوت وصف الحياة دائماً لثبوت رد
السلام دائماً، فوصف الحياة لازم لرد السلام اللازم، واللازم يجب
وجوده عند ملزومه أو ملزوم ملزومه، فوصف الحياة ثابت دائماً لأن
ملزوم ملزومه ثابت دائماً، وهذا من نفاثات سحر البيان في إثبات
المقصود بأكمل أنواع البلاغة، وأجمل فنون البراعة التي هي قطرة من
بحار بلاغته العظمى.
ومنها: أن ذلك عبارة عن إقبال خاص، والتفات روحاني يحصل
من الحضرة النبوية إلى عالم الدنيا، وقوالب الأجساد الترابية، وتنزل
إلى دائرة البشرية، حتى يحصل عند ذلك رد السلام، وهذا الإقبال
يكون عاماً شاملاً، حتى لو كان المسلمون في كل لمحة أكثر من ألف
ألف ألف لوسعهم ذلك الإقبال النبوي والالتفات الروحاني، ولقد
رأيت من ذلك ما لا أستطيع أن أعبر عنه، ولقد أحسن من سئل:
كيف يرد النبي وَلير على من يسلم عليه من مشارق الأرض ومغاربها في
آن واحد فأنشد قول أبي الطيب:
كالشمس في وسط السماء ونورها يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
ولا ريب أن حاله وَله في البرزخ أفضل وأكمل من حال
الملائكة، هذا سيدنا عزرائيل عليه السلام يقبض مائة ألف روح في
- ٥٨٦ -

وقت واحد ولا يشغله قبض عن قبض، وهو مع ذلك مشغول بعبادة
الله تعالى، مقبل على التسبيح والتقديس، فنبينا ◌َّر حي يصلي ويعبد
ربه ويشاهده، لا يزال في حضرة اقترابه، متلذذاً بسماع خطابه، وقد
تقدم الجواب عن قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ في أواخر
الخصائص من المقصد الرابع.
وقد روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام
الحرة، لم يؤذن في مسجد النبي بَّر، ولم يبرح سعيد بن المسيب من
المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر
النبي ◌َ ور، وذكر ابن النجار وابن زبالة بلفظ قال سعيد - يعني ابن
المسيب -: فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر، فصليت
ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان
والإقامة في القبر المقدس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعني
ليالي أيام الحرة.
وقد روى البيهقي وغيره: من حديث أنس أن رسول الله وَله
قال: الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون. وفي رواية: أن الأنبياء لا
یترکون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى
ينفخ في الصور.
وله شواهد في صحيح مسلم منها: قوله مثل : مررت بموسى
وهو قائم يصلي في قبره. وفي حديث أبي ذر(١) في قصة المعراج: أنه
لقي الأنبياء في السماوات، وكلموه وكلمهم. وقد ذكرت مزيد بيان
لذلك في حجة الوداع من مقصد عباداته، وفي ذكر الخصائص الكريمة
في مقصد معجزاته، وفي مقصد الإسراء والمعراج.
(١) في الصحيحين.
- ٥٨٧ -

وهذه الصلوات والحج الصادر من الأنبياء ليس على سبيل
٤١٣/أ التكليف، إنما هو على سبيل التلذذ، ويحتمل / أن يكونوا في البرزخ
ينسحب عليهم حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور
من غير خطاب بتكليف، وبالله التوفيق.
وإذا ثبت بشهادة قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل
الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾(١) حياة الشهيد، ثبت للنبي
وَالر بطريق الأولى، والذي عليه جمهور العلماء: أن الشهداء أحياء
حقيقة، وهل ذلك للروح فقط أو للجسد معها؟ بمعنى عدم البلى،
قولان .
وقد صح عن جابر(٢): أن أباه وعمرو بن الجموح وكانا ممن
استشهد بأحد ودفنا في قبر واحد، حتى حفر السيل قبرهما، فوجدا لم
يتغيرا، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو
كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت. وكان
بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة.
وروي عنه وَلّ أنه قال في شهداء أحد: والذي نفسي بيده لا
يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه. رواه البيهقي عن أبي
هريرة .
وقد قال ابن شهاب: بلغنا أن رسول الله وَّلّه قال: أكثروا من
الصلاة عليَّ في الليلة الزهراء(٣) واليوم الأزهر (٤)، فإنهما يؤديان عنكم،
وإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء رواه أبو داود وابن ماجه.
(١) سورة آل عمران، الآية ١٦٩.
(٢) عند ابن سعد، وهو في الموطأ من وجه آخر.
(٣) في (ط، د): الغراء.
(٤) يعني ليلة الجمعة ويومها.
- ٥٨٨ -

ونقل ابن زبالة عن الحسن أن رسول الله وَ الر قال: من كلمه
روح القدس لم يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه.
وقد ثبت أن نبينا وَالير مات شهيداً لأكله يوم خيبر من شاة
مسمومة سماً قاتلاً من ساعته حتى مات منه بشر بن البراء، وصار بقاؤه
وَ﴿ معجزة، فكان ألم السم يتعاهده إلى أن مات به، ولذا قال في
مرض موته - كما مر -: ما زالت أكلة خيبر تعادّني حتى كان الآن
قطعت أبهري .
والأبهران: عرقان يخرجان من القلب تتشعب منهما الشرايين، كما
ذكره في الصحاح.
قال العلماء: فجمع الله له بذلك بين النبوة والشهادة. انتهى.
[مكان الوقوف للدعاء بعد الزيارة]
وقد اختلف في محل الوقوف للدعاء. فعند الشافعية أنه قبالة
وجهه كما ذكرته، وقال ابن فرحون من المالكية: اختلف أصحابنا في
محل الوقوف للدعاء، ففي الشفاء قال مالك - في رواية ابن وهب ـ:
إذا سلم على النبي ◌َّلم يقف للدعاء ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى
القبلة، وقد سأل الخليفة المنصور مالكاً فقال: يا أبا عبدالله، أأستقبل
القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله وَلخير؟ فقال مالك: ولم تصرف
وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم
القيامة. وقال مالك في ((المبسوط)) (١)، لا أرى أن يقف عند القبر
يدعو، ولكن يسلم ويمضي. قال ابن فرحون: ولعل ذلك [ليس](٢)
(١) اسم كتاب لإسماعيل القاضي.
(٢) في (ط، ش). قال الشارح: هكذا في النسخ الصحيحة.
- ٥٨٩ -

اختلاف قول، وإنما أمر المنصور بذلك لأنه يعلم ما يدعو، ويعلم
آداب الدعاء بين يديه وَ لقر، فأمن عليه من سوء الأدب فأفتاه بذلك،
وأفنى العامة أن يسلموا وينصرفوا، لئلا يدعوا تلقاء وجهه الكريم
ويتوسلوا به في حضرته إلى الله العظيم فيما لا ينبغي الدعاء به، أو فيما
يكره أو يحرم، فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة، وأكثرهم لا يقوم
بآداب الدعاء ولا يعرفها، فلذلك أمرهم مالك بالسلام والانصراف.
انتھی .
ورأيت مما نسب للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: ولا
يدعو هناك مستقبل الحجرة، ولا يصلي إليها ولا يقبلها، فإن هذا كله
منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك،
والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء،
كذب على مالك، وكذا قال(١)، والله أعلم، انتهى.
[طيب تربة المدينة]
وأما قول الأبوصيري في بردة المديح :
٤١٣/ب / لا طيب يعدل تربأ ضم أعظمه طوبى لمنتشق منه وملتثم
فقال شارحها العلامة ابن مرزوق وغيره: كأنه إشارة إلى النوعين
المستعملين في الطيب، لأنه إما أن يستعمل بالشم، وإليه أشار بقوله
(لمنتشق)) وإما بالتضمخ وإليها أشار بـ((ملتثم))، قال: وأقل ذلك بتعفير
جبهته وأنفه بتربته حال السجود في مسجده وَلّر، فليس المراد به
تقبيل القبر الشريف فإنه مكروه.
(١) سبق التعليق على ذلك.
- ٥٩٠ -

ونقل الزركشي عن السيرافي: أن ((طوبى)) الطيب، قال ابن
مرزوق: طوبى فعلى من أنواع الطيب.
وهذا مبني على أن المراد أن تربته أفضل أنواع الطيب باعتبار
الحقيقة الحسية، وذلك إما لأنه كذلك في نفس الأمر، أدركه من أدركه
أم لا، وإما باعتبار اعتقاد المؤمن في ذلك فإن المؤمن لا يعدل بشم
رائحة تربته وم شيئاً من الطيب.
فإن قلت: لو كان المراد الحقيقة الحسية لأدرك ذلك كل أحد.
فالجواب: لا يلزم من قيام المعنى بمحلٍ إدراكه لكل أحد، بل
حتى توجد الشرائط(١) وتنتفي الموانع، وعدم الإدراك لا يدل على عدم
المدرك، وانتفاء الدليل لا يدل على انتفاء المدلول، فالمزكوم لا يدرك
رائحة المسك، مع أن الرائحة قائمة بالمسك لم تنتف [عنه](٢).
ولما كانت أحوال القبر من الأمور الأخروية، لا جرم لا يدركها
من الأحياء إلا من كشف له الغطاء من الأولياء المقربين، لأن متاع
الآخرة باق، ومن في الدنيا فان، والفاني لا يتمتع بالباقي للتضاد، ولا
ريب عند من له أدنى تعلق بشريعة الإسلام أن قبره وَ لل روضة من
رياض الجنة، بل أفضلها، وإذا كان القبر كما ذكرناه وقد حوى جسمه
الشريف عليه الصلاة والسلام الذي هو أطيب الطيب، فلا مرية أنه لا
طيب يعدل تراب قبره المقدس. ويرحم الله أحمد بن محمد العريف
حيث يقول في قصيدته التي أولها:
(١) في (ط، ش): شروط.
(٢) في (ط، ش).
- ٥٩١ -

إذا ما حدا الحادي بأحمال يثرب فليت المطايا فوق خدي تُعَبِّق(١)
ثم قال بعد أبيات:
فما عبق الريحان إلا وتربها أجلّ من الريحان طيباً وأعبق
وله أيضاً:
طيباً فيا طيب ذاك الوفد أشباحا
راحت ركائبهم تبدي روائحها
نسيم قبر النبي المصطفى لهم روض إذا نشروا من ذكره فاحا
ولله در القائل:
فاح الصعيد بجسمه فكأنه روض ينمُّ بعرفه المتأرج(٢)
ما جسمه مما يغيره الثرى والروح منه كالصباح الأبلج
وقال ابن بطال في قوله وَلَّ: ((المدينة يَنْصَع طيِّبُها))(٣) هو مثل
ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها، الصابر على لأوائها مع فراق
الأهل والتزام المخافة من العدو، فلما باع نفسه والتزم هذا الأمر بان
صدقه ونصع إيمانه وقوي لاغتباطه بسكن المدينة ولقربه من رسوله،
كما ينصح ريح الطيب فيها ويزيد عبقاً على سائر البلاد، خصوصية
خص الله بها بلدة رسوله ولفر الذي اختار تربتها المباشرة جسده الطيب
المطهر، وقد جاء في الحديث ((أن المؤمن يقبر في التربة التي خلق منها))
فكانت بهذا تربة المدينة أفضل الترب، كما أنه هو ولي أفضل البشر،
(١) أي تظهر الإبل رائحة التراب المتعلق بخفافها بأن تمشي على خدي فيصل
التراب إليهما.
(٢) المتوهج ريحه.
(٣) الحديث ((المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها)). والنصوع هو الخلوص
الظاهر البين.
- ٥٩٢ -

فلهذا والله أعلم يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلدان.
انتھی .
[بحث في التوسل]
وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرع والاستغاثة والتشفع
والتوسل به ◌َّلة، فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه.
واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من
المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ :
الاستغاثة أو التوسل أو التشفع أو التجوّه أو التوجه، لأنهما من الجاه
والوجاهة / ومعناه: علو القدر والمنزلة.
٤١٤ /١
وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه، ثم إن كلاً من
الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه بالنبي وَّة - كما ذكره في ((تحقيق
النصرة)) و((مصباح الظلام)) - واقع في كل حال، قبل خلقه وبعد
خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث
في عرصات القيامة.
فأما الحالة الأولى فحسبك ما قدمته في المقصد الأول من
استشفاع آدم عليه السلام به لما أخرج من الجنة، وقول الله تعالى له:
يا آدم لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك(١).
وفي حديث عمر بن الخطاب عند الحاكم والبيهقي وغيرهما: وإن
سألتني بحقه فقد غفرت لك(٢). ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
(١) رواه ابن عساكر عن كعب الأحبار، قاله الشارح ٦٢/١.
(٢) قال البيهقي: غريب مع ضعف راويه. قاله الشارح ٦٣/١.
- ٥٩٣ -

به قد أجاب الله آدم إذ دعا ونُجِّي في بطن السفينة نوح
وما ضرت النار الخليل لنوره ومن أجله نال الغداء ذبيح
[وصح(١) أن رسول الله وسل وقال لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا
رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف
عرفت محمداً ولم أخلقه، قال: يا رب، إنك لما خلقتني بيدك ونفخت
في من روحك، رفعت رأسي فرأيت قوائم العرش مكتوباً عليها لا إله
إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لا تضيف إلى اسمك إلا أحب
الخلق إليك. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي،
وإذا سألتني بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك. ذكره
الطبري (٢)، وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك](٣).
وأما التوسل بعد خلقه في مدة حياته، فمن ذلك الاستغاثة به
ولو عند القحط وعدم الأمطار، وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو
ذلك مما ذكرته في مقصد المعجزات ومقصد العبادات في الاستسقاء،
ومن ذلك استغاثة ذوي العاهات به، وحسبك ما رواه النسائي
والترمذي عن عثمان بن حنيف، أن رجلاً ضرير أتاه وَلّ فقال: ادع
الله أن يعافيني، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوأه ويدعو بهذا
الدعاء: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا
محمد إني أتوجه بك إلى ربك في حاجتي لتقضى، اللهم شفعه في،
وصححه البيهقي، وزاد: فقام وقد أبصر.
وأما التوسل به ولو بعد موته في البرزخ فهو أكثر من أن يحصى
(١) تساهل المصنف في استعمال كلمة ((صح)) [م].
(٢) الذي في المقصد الأول: ذكره الطبراني. انظر الشرح ٦٣/١.
(٣) هذه الفقرة ذكرت في ط، د، وعلى هامش ب.
- ٥٩٤ -

أو يدرك باستقصاء وفي كتاب ((مصباح الظلام في المستغيثين بخير
الأنام)) للشيخ أبي عبدالله بن النعمان طرف من ذلك.
ولقد كان حصل لي داء أعيا دواؤه الأطباء، وأقمت به سنين،
فاستغثت به (١) وَل ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث
وتسعين وثمانمائة بمكة زادها الله شرفاً، ومنَّ عليَّ بالعود في عافية بلا
محنة، فبينا أنا نائم إذ جاء رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء
لداء أحمد بن القسطلاني من الحضرة الشريفة بعد الإذن الشريف
النبوي، ثم استيقظت فلم أجد بي - والله - شيئاً مما كنت أجده،
وحصل الشفاء ببركة النبي 14َ .
ووقع لي أيضاً في سنة خمس وثمانين وثمانمائة في طريق مكة، بعد
رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر، أن صرعت خادمتنا غزال
الحبشية، واستمر بها أياماً، فاستشفعت به وَّله في ذلك، فأتاني آت في
منامي، ومعه الجني الصارع لها فقال: لقد أرسله لك النبي وَل ،
فعاتبته وحلفته أن لا يعود إليها، ثم استيقظت وليس بها قلبة (٢) كأنما
نشطت من عقال، ولا زالت في عافية من ذلك حتى فارقتها مكة سنة
أربع وتسعين وثمانمائة، والحمد لله رب العالمين.
وأما التوسل به وَله في عرصات القيامة، فمما قام عليه الإجماع
وتواترت به الأخبار في حديث الشفاعة.
فعليك أيها الطالب إدراك السعادة الموصل لحسن الحال في
حضرة الغيب والشهادة، بالتعلق بأذيال عطفه وكرمه، والتطفل على
(١) لا يستغاث إلا بالله سبحانه وتعالى ومثل هذا القول وأمثاله، مردود على
قائله - الناشر -
(٢) أي: داء وتعب.
- ٥٩٥ -

موائد نعمه، والتوسل بجاهه الشريف والتشفع بقدره المنيف، فهو
الوسيلة إلى نيل المعالي واقتناص المرام، والمفزع يوم الجزع والهلع لكافة
الرسل الكرام، واجعله أمامك فيما نزل بك من النوازل، وإمامك فيما
تحاول من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد بأقصاه، وتدرك رضى
٤١/ب من أحاط بكل شيء علماً/ وأحصاه، واجتهد ما دمت بطيبة الطيبة
حسب طاقتك في تحصيل أنواع القربات، ولازم قرع أبواب السعادات
بأظافير الطلبات، وارق في مدارج العبادات، ولج (١) في سرادق
المرادات .
وحصل ما استطعت من ادخار
تمتع إن ظفرت بنيل قرب
وها قد صرت عندي في جواري
فها أنا قد أبحت لكم عطائي
ونل ما شئت من نعم غزار
فخذ ما شئت من كرم وجود
وقد قربت للزوار داري
فقد وسعت أبواب التداني
تجلى للقلوب بلا استتار
فمتع ناظريك فها جمالي
[بحث في الروضة الشريفة]
ولازم الصلوات مكتوبة ونافلة في مسجده المكرم، خصوصاً
بالروضة التي ثبت أنها روضة من رياض الجنة. كما رواه البخاري (٢).
قال ابن أبي جمرة معناه: تنقل تلك البقعة بعينها في الجنة،
فتكون روضة من رياض الجنة، ويحتمل أن يكون المراد: العمل فيها
يوجب لصاحبه روضة في الجنة، قال: والأظهر الجمع بين الوجهين
(١) فعل أمر من ولج بمعنى دخل.
(٢) الحديث رواه الشيخان وغيرهما، قال رحمهالله: (ما بين بيتي ومنبري روضة من
رياض الجنة، ومنبري على حوضي).
- ٥٩٦ -

معاً، يعني احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب
لصاحبه روضة في الجنة، قال: ولكل وجه منهما دليل يعضده ويقويه
من جهة النظر والقياس.
أما الدليل على أن العمل فيها يوجب روضة في الجنة، فلأنه إذا
كانت الصلاة في مسجده وَلّر بألف فيما سواه من المساجد، فلهذه
البقعة زيادة على باقي البقع كما كان للمسجد زيادة على غيره.
وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة، وكون المنبر أيضاً على
الحوض، كما أخبر ◌َلّ وأن الجذع في الجنة، والجذع في البقعة نفسها،
فالعلة(١) التي أوجبت للجذع الجنة هي (٢) في البقعة سواء، على ما
أذكره بعد إن شاء الله تعالى.
والذي أخبر بهذا أخبر بهذا، فينبغي الحمل على أكمل الوجوه،
وهو الجمع بينهما، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن البقعة المباركة،
ما فائدة بركتها لنا، والإخبار بها لنا إلا لتعميرها بالطاعات، فإن
الثواب فيها أكثر، وكذلك الأيام المباركة أيضاً، فعلى هذا يكون
الموضع روضة من رياض الجنة الآن، ويعود روضة كما كان في
موضعه، ويكون للعامل فيه روضة في الجنة، وهو الأظهر لوجهين:
أحدهما: لعلو منزلته وَله، ولما خص الخليل عليه السلام بالحجر من
الجنة، خص الحبيب والر بالروضة من الجنة(٣).
وهاهنا بحث: لم جعلت هذه البقعة من بين سائر البقع روضة
(١) جواب: وأما، وفي المخطوطات: فبالعلة.
(٢) أي موجودة.
(٣) وهذا هو الوجه الثاني.
- ٥٩٧ -

من رياض الجنة؟ فإن قلنا: تعبد، فلا بحث، وإن قلنا: لحكمة
فحينئذ يحتاج إلى البحث.
والأظهر أنه لحكمة، وهي أنه قد سبق في العلم الرباني بما ظهر
أن الله عز وجل فضله على جميع خلقه، وأن كل ما كان منه بنسبة ما
من جميع المخلوقات يكون له تفضيل على جنسه كما استقرئ في كل
أموره، من بدء ظهوره ◌َلَّ إلى حين وفاته، في الجاهلية والإسلام.
فمنها ما كان في شأن أمه (١)، وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء،
حسب ما هو مذكور معلوم. ومثل ذلك حليمة السعدية،. وحتى
الأتان، وحتى البقعة التي تجعل الأتان يدها عليها تخضر من حينها،
وما هو من ذلك كله معلوم.
وكان مشيه وَلّ حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله،
وحيث وضع ◌َيؤ يده المباركة ظهر في ذلك كله من الخيرات والبركات
حساً ومعنى، كما هو منقول معروف.
ولما شاءت القدرة(٢) أنه وَّ لا بدَّ له من بيت، ولا بدَّ له من
منبر، وأنه بالضرورة يكثر تردده وَ لقول بين المنبر والبيت، فالحرمة التي
أعطي [غيرهما](٣) إذا كان [من مسَّة](٤) واحدة بمباشرته أو بواسطة
حيوان أو غيره تظهر البركة والخير، فكيف مع كثرة ترداده وَير في البقعة
الواحدة مراراً في اليوم الواحد طول عمره، من وقت هجرته إلى حين
٤١٥/أ وفاته. / فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه، وهو
(١) في ط: آمنة.
(٢) أي صاحب القدرة.
(٣) في (ش، ط).
(٤) كذا في (ا، ب) وفي الباقي: بمشية.
- ٥٩٨ -

أنها كانت من الجنة، وتعود إليها، وهي الآن منها، وللعامل فيها مثلها،
فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه في هذه الدار، لكان
لهذه أعلى مرتبة مما ذكرنا في جنسها.
فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغي أن يكون ذلك
للمدينة بكمالها، لأنه ومدير كان يطؤها بقدمه مراراً.
فالجواب: أنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها، من
ذلك أن ترابها شفاء كما أخبر ◌َّلة ، مع ما شاركت فيه البقعة المكرمة
من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام. وأنه # أول ما يشفع
لأهلها يوم القيامة، وأن ما كان لها من الوباء والحمى رفع عنها، وأنه
بورك في طعامها وشرابها وأشياء كثيرة، فكان التفضيل لها بنسبة ما
أشرنا إليه أولاً، بأن تردده ومَّ في المسجد نفسه أكثر مما في المدينة
نفسها، وتردده وَّله فيما بين المنبر والبيت أكثر مما سواه من سائر
المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض، لأنه جاءت البركة متناسبة لتكرار
تلك الخطوات المباركة، والقرب من تلك النسمة المرتفعة لا خفاء فيه
إلا على ملحد(١) أعمى البصيرة، فالمدينة أرفع المدن، والمسجد أرفع
المساجد، والبقعة أرفع البقع، قضية معلومة، وحجة ظاهرة موجودة.
انتھی(٢) .
وقال الخطابي: المراد من هذا الحديث الترغيب في سكنى المدينة،
وأن من لازم ذكر الله في مسجدها آل به إلى روضة [من رياض](٣)
(١) مائل عن الصواب.
(٢) أي كلام ابن أبي جمرة.
(٣) في ط.
- ٥٩٩ -

الجنة، وسقي يوم القيامة من الحوض انتهى. وتقدم في الخصائص من
مقصد المعجزات مزيد لذلك.
[أيهما أفضل مكة أم المدينة؟]
وعند مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله
وَ لّ قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا
المسجد الحرام (١).
وقد اختلف العلماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم
في مكة والمدينة أيهما أفضل؟
ومذهب سفيان بن عيينة والشافعي وأحمد - في أصح الروايتين
عنه - وابن وهب ومطرف وابن حبيب - الثلاثة من المالكية - وحكاه
الساجي عن عطاء بن أبي رباح، والمكيين والكوفيين. وحكاه ابن عبد
البر عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وجابر وابن الزبير وقتادة،
وجماهير العلماء، أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل
من مسجد المدينة، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها
مما تكون العبادة فيها مرجوحة.
وقد حكى ابن عبد البر أنه روي عن مالك ما يدل على أن مكة
أفضل الأرض كلها، قال: ولكن المشهور عن أصحابه في مذهبه
تفضيل المدينة. انتهى.
وقال مالك (٢): المدينة ومسجدها أفضل.
(١) وهو عند الشيخين من حديث أبي هريرة.
(٢) وكذا أكثر أهل المدينة وعمر بن الخطاب وجماعة.
- ٦٠٠ -