Indexed OCR Text
Pages 261-280
الفصل الثاني
في صلاته وَ صلاة الاستسقاء
اعلم أن الاستسقاء طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة
إليها، كما تقول: استعطى: أي طلب العطاء.
[صلاة الاستسقاء سنة]
ولم يخالف أحد من العلماء في سنية الصلاة في الاستسقاء إلا أبو
حنيفة محتجاً بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة.
واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما: أنه
وقال( صلى الاستسقاء ركعتين. وأما الأحاديث التي ليس فيها الصلاة،
فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة،
وتعقبه صلاة الجمعة فاكتفي بها، ولو لم تصل أصلاً كان بياناً لجواز
الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث
المثبتة للصلاة مقدمة لأن فيها زيادة علم، ولا معارضة بينهما.
والاستسقاء أنواع :
[الاستسقاء بالصلاة والخطبة]
الأول: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين، ويتأهب قبله
- ٢٦١ -
بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير ومجانية الشر ونحو ذلك من
طاعة الله تعالى.
قال ابن عباس: خرج رسول الله وَلّ متبذلاً(١) متواضعاً
متخشعاً متضرعاً حتى أتي المصلى، فرقى المنبر، فلم يخطب خطبتكم
هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما
يصلي في العيد. رواه الترمذي وغيره.
وفي حديث عبد الله بن زيد المازني، قال: خرج رسول الله وَلاقه
إلى هذا المصلى ليستسقي، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه، ثم صلى.
رواه البخاري ومسلم
وفي رواية: خرج بالناس إلى المصلى ليستسقي فصلى بهم ركعتين
جهر فيهما بالقراءة واستقبل يدعو، ورفع يديه وحول رداءه حين
استقبل القبلة .
وفي رواية؛ قال: وحول رداءه وجعل عطافه (٢) الأيسر على
عاتقه الأيمن ثم دعا الله .
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد
الله بن زيد على سبب ذلك ولا على صفته و الر حال الذهاب إلى
المصلى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي
داود وابن حبان قالت: شكا الناس إلى رسول الله وَالل قحط المطر،
فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوماً يخرجون فيه، فخرج
حين بدا حاجب / الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد الله، ثم قال:
٣٦١/ب
(١) أي لابسأ ثوب البذلة، وهو الثوب الخلق.
(٢) أي جانبه، والعطف الرداء سمي بذلك لوقوعه على عطفي الرجل وهما
ناحيتا عنقه .
-٢٦٢ -
إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم،
وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال:
﴿الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين إياك نعبد
وإياك نستعين﴾، الذي لا إله إلا هو، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله
الذي لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم أنزل علينا الغيث،
واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين، ثم رفع يديه حتى بدا
بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب - أو حول - رداءه وهو
رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله
سحاباً، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده
حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن(١) ضحك حتى بدت
نواجذه، فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله.
وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت
لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص
بيوم معين، وهل تصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه وَ لخير جهر
بالقراءة فيها بالنهار، أنها نهارية كالعيد، وإلا فلو كانت تصلى بالليل
لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل كمطلق النوافل.
ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة.
وأفاد ابن حبان أن خروجه وص له إلى المصلى للاستسقاء كان في
شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
وذكر الواقدي: أن طول ردائه بمَّله كان ستة أذرع في ثلاثة
أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما
في الجمعة والعيدين.
(١) كل ما وقى الحر والبرد من المساكن.
- ٢٦٣ -
وقد روى أبو داود عن عباد: استسقى رسول الله وَالله وعليه
خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه
قلبها على عاتقه .
وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما همَّ به ◌َّ من تنكيس
الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبي تبعاً لغيره أن الشافعي
اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في الأم ما ذكرته.
والجمهور على استحباب التحويل فقط. ولا ريب أن الذي
استحبه الشافعي أحوط. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب
شيء من ذلك.
واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما
رواه أحمد من طريق أخرى عن عباد في هذا الحديث بلفظ: ((وحول
الناس معه)).
وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. واستثنى ابن
الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن.
واختلف في حكمة هذا التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل
بتحويل الحال عما هي عليه. وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل
أن لا يقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له
حول رداءك ليتحول حالك. وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى
نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات، أخرجه الدارقطني
والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر. ورجح
الدارقطني إرساله. وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن.
واستدل بقوله في حديث عائشة: ((ثم صلى ركعتين)) بعد قوله:
- ٢٦٤ -
((فقعد على المنبر)) على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وهي
مقتضى حديث ابن عباس، لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن
زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة
عند ابن ماجه، حيث قال: فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة،
والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني.
ولم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة
المذكورة ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس
أنه يكبر فيهما سبعاً وخمساً كالعيد، وأنه يقرأ فيها بـ ((سبح)) و((هل
أتاك)). وفي إسناده مقال. لكن أصله في السنن بلفظ: ثم صلى
ركعتين كما يصلي في العيدين. فأخذ بظاهره الشافعي فقال يكبر فيهما.
[الاستسقاء في خطبة الجمعة]
١/٣٦٢
/ الثاني: استسقاؤه وّله في خطبة الجمة.
عن أنس: أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو
دار القضاء (١) ورسول الله ور قائم يخطب، فاستقبل رسول الله اليه
قائماً، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل،
فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله وَل يديه ثم قال: اللهم
أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء
من سحاب ولا قزعة، وما بيينا وبين ((سلع)) من بيت ولا دار، قال:
فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم
أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، قال: ثم دخل رجل
من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله وَالر قائم يخطب،
(١) هي دار عمر بن الخطاب، سميت بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه .
- ٢٦٥ -
فاستقبله قائماً، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل،
فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله وَل يديه ثم قال: اللهم
حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت
الشجر، قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس. قال شريك:
فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. رواه
مسلم .
وفي رواية قال: فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت، حتى رأيت
المدينة مثل الجوبة، وسال وادي قناة شهراً. ولم يجىء أحد من ناحية
إلا أخبر بجود.
وقوله: ((يغيثنا)) بفتح أوله، يقال: غاث الله البلاد يغيثها، إذا
أرسل عليها المطر.
وقوله: ((من باب كان نحو دار القضاء)) هي دار عمر بن
الخطاب وسميت بذلك لأنها بيعت في قضاء دينه.
وقوله: ((هلكت الأموال))، وفي رواية كريمة وأبي ذر عند
الكشميهني: هلكت المواشي، وهي المراد بالأموال هنا. وفي رواية
البخاري: هلك الكراع - بضم الكاف - وهو يطلق على الخيل
وغيرها، وفي البخاري أيضاً: هلكت الماشية، هلك العيال، هلك
الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص. والمراد بهلاكهم: عدم وجود
ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. وانقطعت السبل:
لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها
من الكلأ ما يقيم أودها.
و((الآكام)) بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد: جمع ((أكمة))
- ٢٦٦ -
- بفتحات -: التراب المجتمع، وقيل: الجبل الصغير، وقيل؛ ما ارتفع
من الأرض.
و((الظراب)) بكسر المعجمة، جمع ((ظرب)) - بكسر الراء -: الجبل
المنبسط العالي.
وقوله: ((مثل الجوبة)) بفتح الجيم، وسكون الواو، وفتح الموحدة،
هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا: الفرجة في السحاب.
و((الجود)): المطر الغزير.
وقوله: ((قناة شهراً)): أي جرى فيه المطر من الماء شهراً.
وفي هذا دليل على عظم معجزته بَّر، وهو أن سخرت
السحاب له كلما أشار إليها امتثلت أمره بالإشارة دون كلام، لأن
كلامه وَ الّر مناجاة للحق تعالى، وأما السحاب فبالإشارة، فلولا الأمر
لها بالطاعة له وَلّ لما كان ذلك، لأنها أيضاً - كما جاء - مأمورة حيث
تسير، وقدر ما تقيم، وأين تقيم. ورحم الله الشقراطيسي فلقد أحسن
حيث قال:
أفديك بالخلق من داع ومبتهل
دعوت للخلق عام المحل مبتهلاً
صوبت إلا بصوب الواكف(١) الهطل
صعَّدت كفيك إذ كفَّ الغمام فما
فحل بالروض نسجاً رائق الحلل
زهراً من النَّور صافي النبت مكتمل
وكل نور نضيد مونق(٢) خضل (٣)
أراق بالأرض ثجا صوب ريقه
زهر من النور حلت روض أرضهم
من کل غصن نضیر مورق خضر
(١) أي القاطر.
(٢) أي معجب.
(٣) أي مبتل.
- ٢٦٧ -
بعد المضرة تروي السبل بالسبل
تحية أحيت الأحياء من مضر
لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل
دامت على الأرض سبعاً غير مقلعة
وقوله في الحديث ((سبتاً)): أي من السبت إلى السبت.
٣٦٢/ب
وقوله: ((ثم دخل رجل)) الظاهر أنه غير الأول، لأن النكرة / إذا
تكررت دلت على التعدد، وفي رواية ابن إسحاق: فقام الرجل أو
غيره، وفي رواية لمسلم: فتقشعت عن المدينة فجعلت تمطر حواليها وما
تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الاكليل - وهو
بكسر الهمزة وسكون الكاف: كل شيء دار من جوانبه، واشتهر لما
يوضع على الرأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك كالتاج -.
وفي رواية له أيضاً: فألف الله بين السحاب ومكثت حتى رأيت
الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله، وفي رواية له أيضاً: فرأيت
السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى.
والملاء: بضم الميم والقصر وقد تمد، جمع ملاءة وهي ثوب
معروف .
واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة
مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء ليس فيه صلاة. فأما الأول فقال به
الشافعي، وأما الثاني فقال به أبو حنيفة، وتعقب: بأن الذي وقع في
هذه القصة مجرد دعاء، لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد ثبت في
واقعة أخرى كما تقدم، والله أعلم.
[الاستسقاء بالدعاء على المنبر]
الثالث: استسقاؤه ◌َّليل على منبر المدينة.
- ٢٦٨ -
روى البيهقي في الدلائل من طريق يزيد بن عبيد السلمي قال:
لما قفل رسول اللّه وَلّر من غزوة تبوك أتاه وفد من بني فزارة، بضعة
عشر رجلاً، وفيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس، وهو
أصغرهم، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على
إيل عجاف مسنتون، فأتوا مقرين بالإسلام، فسألهم رسول الله وعليه
عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنتت بلادنا، وأجدب جنابنا،
وغرث عيالنا وهلكت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى
ربك، ويشفع ربك إليك، فقال ◌َ له: سبحان الله !! ويلك، أنا شفعت
إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم،
وسع كرسيه السموات والأرض، وهو يئط(١) من عظمته وجلاله كما
يئط الرحل الجديد. فقال النبي وَ الر: إن الله ليضحك من شفقكم (٢)
وقرب غياثكم، فقال أعرابي: أويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال:
نعم، فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيراً.
فضحك بصل من قوله، فقام بَّ فصعد المنبر وتكلم بكلمات ورفع
يديه، وكان رسول الله وَليل لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في
الاستسقاء، فرفع يديه حتى رؤى بياض ابطيه، وكان مما حفظ من
دعائه :
اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت،
اللهم اسقنا غيئاً مغيثاً مريئاً مربعاً طبقاً واسعاً، عاجلاً غير آجل نافعاً
غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا
محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء.
(١) أي الكرسي.
(٢) أي خوفكم.
- ٢٦٩ -
فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر في
المربد، فقال ◌َله: اللهم اسقنا، فقال أبو لبابة: إن التمر في المرابد،
ثلاث مرات، فقال ◌َسير: اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عرياناً يسد
ثعلب مربده بإزاره.
قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب، وما بين
المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل
الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، وهم ينظرون، ثم أمطرت،
فوالله ما رأوا الشمس سبتا، وقام أبو لبابة عرياناً يسد ثعلب مربده
بإزاره لئلا يخرج التمر منه.
فقال الرجل: يا رسول الله - يعني الذي سأله أن يستسقي له -:
هلكت الأموال، وانقطعت السبل. فصعد ◌ّ ر المنبر فدعا ورفع يديه
مداً، حتى رؤي بياض ابطيه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم
على الأكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر. فانجابت السحابة
عن المدينة كانجياب الثوب.
١/٣٦٣
و((الأطيط)) صوت الأقتاب /، يعني: أن الكرسي ليعجز عن
حمله وعظمته، إذ كان معلوماً أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة
ما فوقه، وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمته تعالى وجلاله، ولم
يكن أطيط وإنما هو كلام تقريب، أريد به تقرير عظمة الله تعالى.
وقوله: ((طبقاً) بفتح الطاء والموحدة، أي مالئاً للأرض مغطياً لها،
يقال: غيث طبق أي عام واسع.
و((المربد)): موضع يجفف فيه التمر.
و(«ثعلبه)) ثقبه الذي يسيل منه ماء المطر.
- ٢٧٠ -
وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى رسول الله وَله فقال:
يا رسول الله أتيناك وما لنا صبي يغط، ولا بعير يئط - أي مالنا بعير
أصلاً لأن البعير لا بد أن يئط - وأنشد:
وقد شغلت أم الصبي عن الطفل
أتيناك والعذراء یدمی لبانها
من الجوع ضعفاً ما يمر ولا يحلي
وألقى بكفيه الفتى لاستكانة
سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
وأين فرار الناس إلا إلى الرسل
وليس لنا إلا إليك فرارنا
فقام بَيّ يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ثم
قال: اللهم اسقنا غيئاً مغيثاً مربعاً غدقاً طبقاً نافعاً غير ضار، عاجلاً
غير رائث(١)، تملأ به الضرع وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد
موتها. قال؛ فما رد وَلّ يديه إلى نحره حتى ألقت(٢) السماء بأبراقها،
وجاء أهل البطانة (٣) يضجون: الغرق الغرق، فقال ◌َله: حوالينا ولا
علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالاكليل.
وضحك ◌َلّ حتى بدت نواجذه، ثم قال: لله در أبي طالب، لو كان
حياً لقرت عيناه. من ينشدنا قوله؟ فقال علي: يا رسول الله كأنك
تريد قوله :
ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
فهم عنده في نعمة وفواضل
تطيف به الهلاك من آل هاشم
ولما نطاعن حوله ونناضل
كذبتم وبيت الله نبزي محمداً
ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ونسلمه حتى نصرع حوله
(١) أي بطيء.
(٢) كذا في ب ، وفي (ا، د): التفت، وفي ش: التقت وفي ط: التفتت.
(٣) الساكنون خارج المدينة.
- ٢٧١ -
فقال: أجل، رواه البيهقي(١).
وقوله: ((يدمى لبانها(٢)) أي يدمى صدرها لامتهانها نفسها في
الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب وشدة الزمان،
وأصل اللبان من الفرس موضع اللبب ثم استعير للناس.
وقوله: ((ما يمر وما يحلي)) أي ما ينطق بخير ولا بشر من الجوع
والضعف .
وقوله: ((سوى الحنظل العامي)) نسبة إلى العام، لأنه يتخذ في عام
الجدب، كما قالوا للجدب: السنة.
((والعلهز)) بالكسر، طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في
سني المجاعة. قاله الجوهري.
و«الغسل)) الرذل،
قال السهيلي: فإن قلت: كيف قال أبو طالب ((وأبيض يستسقي
الغمام بوجهه)) ولم يره قط يستسقي، وإنما كان ذلك منه بعد الهجرة؟
وأجاب بما حاصله: أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد
المطلب، حيث استسقى لقريش والنبي ◌ّير معه وهو غلام. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه
بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد ذلك فيه. انتهى.
قلت: وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال:
(١) إسناده ضعيف.
(٢) كذا في المخطوطات وفي (ط، ش) لبابها. وهما بمعنى واحد، قال في
القاموس المحيط: اللبب: المنحر وموضع القلادة من الصدر. واللبان جمع
لُبانة وبالفتح. الصدر أو وسطه أو ما بين الثديين أو صدر ذي الحافر [م].
- ٢٧٢ -
قدمت مكة، وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط
الوادي وأجدب العيال وأنت فيهم أما تستسقي؟ فخرج أبو طالب
ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة،
فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ / الغلام بأصبعه وما في ٣٦٣/ب
السماء قزعة، فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا، وأغدق واغدودق
وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب
((وأبيض يستسقي الغمام بوجهه)) انتهى.
[الاستسقاء بالدعاء]
الرابع: استسقاؤه * بالدعاء من غير صلاة.
عن ابن مسعود أن قريشاً أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم
رسول الله ولم فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام،
فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك
هلكوا، فادع الله، فقرأ ﴿فارتقب يوم يأتي السماء بدخان مبين﴾(١)، ثم
عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة
الكبرى﴾(٢)، يوم بدر. زاد أسباط عن منصور: فدعا رسول الله اليه
فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعاً، وشكا الناس كثرة المطر فقال:
اللهم حوالينا ولا علينا، فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس
حولهم. رواه البخاري (٣).
وأفاد الدمياطي أن ابتداء الدعاء على قريش كان عقب طرحهم
على ظهره سلا الجزور، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة، وقد دعا النبي
(١) سورة الدخان، الآية ١٠ .
(٢) سورة الدخان، الآية ١٦.
(٣) رواه البخاري برقم (١٠٢٠).
- ٢٧٣ -
وَجر بذلك بالمدينة في القنوت كما في حديث أبي هريرة عند البخاري،
ولا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصص، إذ لا مانع أن يدعو عليهم
مراراً. والظاهر أن مجيء أبي سفيان كان قبل الهجرة لقول ابن
مسعود: ((ثم عادوا، فذلك قوله: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ يوم
بدر)) ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر. وعلى هذا فيحتمل
أن يكون أبو طالب كان حاضراً ذلك، فلذلك قال: ((وأبيض يستسقي
الغمام بوجهه)) لكن ورد ما يدل على أن القصة وقعت بالمدينة، فإن لم
يحمل على التعدد وإلا فهو مشكل.
وفي الدلائل للبيهقي عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب قال:
دعا رسول الله وَلقر على مضر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع الله لقومك
قد هلكوا. وقد رواه أحمد وابن ماجه عن كعب بن مرة، ولم يشك،
وأبهم أبا سفيان فقال: جاءه رجل فقال: استسق الله لمضر (١)، قال: يا
رسول الله استنصرت الله فنصرك ودعوت الله فأجابك، فرفع يديه
فقال: اللهم اسقنا غيئاً مغيئاً. الحديث فظهر أن هذا الرجل المبهم
المقول له: ((إنك لجرىء)) هو أبو سفيان.
لكن يظهر أن فاعل ((قال يا رسول الله استنصرت الله الخ)) هو
كعب بن مرة راوي هذا الحديث، فما أخرجه أحمد والحاكم عن كعب
ابن مرة المذكور قال: ((دعا رسول الله على مضر، فأتيته فقلت يا رسول
الله إن الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا)).
وعلى هذا: فكأن أبا سفيان وكعباً حضرا جميعاً، فكلمه أبو سفيان
بشيء، فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك
من قوله ((إنك لجرىء)) ومن قوله: ((اللهم حوالينا ولا علينا)). وسياق
(١) سقط هنا من قلم المصنف ((فقال: إنك لجرىء، ألمضر؟)) وهو موجود في
الأصل الذي هو فتح الباري ٥١٢/٢.
- ٢٧٤ -
كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع بالمدينة لقوله ((استنصرت الله
فنصرك)).
ولا يلزم من هذا اتحاد هذه القصة مع قصة أنس السابقة، فهي
واقعة أخرى، لأن في رواية أنس ((فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا)) وفي
هذه ((فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا))، والسائل في هذه القصة
غير السائل في تلك، فهما قصتان، وقع في كل منهما طلب الدعاء
بالاستسقاء، ثم طلب الدعاء بالاستصحاء. وإن ثبت أن كعب بن
مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله: ((استنصرت الله فنصرك)) على النصر
بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدم والله أعلم. انتهى ملخصاً
من فتح القاري(١).
[استسقاؤه {وَالر في بعض الأمكنة]
الخامس: استسقاءه وال﴿ل عند أحجار الزيت، قريباً من الزوراء،
وهي خارج باب المسجد الذي يدعى باب السلام نحو قذفة بحجر،
ينعطف على يمين الخارج من المسجد.
عن عمير، مولى آبي اللحم، أنه رأى النبي وَّ يستسقي رافعاً
یدیه قبل وجهه، لا يجاوزهما رأسه، رواه أبو داود والترمذي.
السادس: استسقاؤه و18َ في بعض غزواته، لما سبقه المشركون
إلى الماء، فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله وَ له، وقال
بعض المنافقين: / لو كان نبياً لاستسقى لقومه كما استسقى موسى ٣٦٤/أ
لقومه، فبلغ ذلك النبي ◌ّ فقال: أو قد قالوها، عسى ربكم أن
يسقيكم، ثم بسط يديه ودعا، فما رد يديه من دعائه حتى أظلم
(١) فتح الباري ٥١٠/٢ - ٥١٢.
- ٢٧٥ -
السحاب وأمطروا إلى أن سال الوادي، فشرب الناس وارتووا.
[من أدعية الاستسقاء]
فصل(١): عن سالم عن عبد الله عن أبيه مرفوعاً: أنه كان إذا
استسقى قال: اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن
بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا
نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرَّ لنا الضرع، واسقنا من
بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد
والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا
نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً. رواه
الشافعي .
[الاستسقاء بالعباس]
فصل(٢): روى أبو الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطاً
شديداً، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي وهيلر فاجعلوا منه
كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا
حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام
الفتق .
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان،
عن مالك الدار (٣) قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن
الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي وَلّ فقال: يا رسول الله، استسق
لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: أنت عمر.
(١) هو الفصل الثالث في هذا الباب.
(٢) هذا هو الفصل الرابع.
(٣) في (ط د ب) الداري.
- ٢٧٦ -
وفي رواية عبد الرزاق: أن عمراً استسقى بالمصلى، فقال
للعباس: قم فاستسق.
وذكر الزبير بن بكار أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس عام
الرمادة - بفتح الراء وتخفيف الميم - وسمي به لما حصل من شدة
الجدب، فأغبرت الأرض جداً لعدم المطر.
وذكر ابن عساكر في كتاب الاستسقاء أن العباس لما استسقى
ذلك اليوم قال: اللهم إن عندك سحاباً وعندك ماء، فانشر السحاب
ثم أنزل منه الماء ثم أنزله علينا، واشدد به الأصل وأطل به الفرع
وأدرَّ به الضرع. اللهم تشفعنا إليك بمن لا منطق له من بهائمنا
وأنعامنا، اللهم اسقنا سقياً وادعة بالغة طبقاً، اللهم لا نرغب إلا
إليك وحدك، لا شريك لك، اللهم نشكو إليك سغب كل ساغب،
وعدم كل عادم، وجوع كل جائع، وعري كل عارٍ، وخوف كل
خائف .
وفي رواية الزبير بن بكار: أن العباس لما استسقى به عمر قال:
اللهم أنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي
القوم إليك لمكاني من نبيك. وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا
إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الحبال، حتى
أخصبت الأرض وعاش الناس. وعنده أيضاً: قحط الناس فقال عمر
إن رسول الله وَ* كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا يا أيها
الناس برسول الله وَالر في عمه العباس، فاتخذوا وسيلة إلى الله. وفيه
فما برحوا حتى سقوا، وفي ذلك يقول العباس بن عتبة بن أبي لهب:
عشية يستسقي بشيبته عمر
بعمي سقى الله الحجاز وأهله
إليه فما إن رام حتى أتى المطر
توجه بالعباس في الجدب راغباً
فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر
ومنا رسول الله فينا تراثه
- ٢٧٧ -
القِسْمُ الثَّالِثِ
في ذكر صلاته وَطير في السفر
وفيه فصول:
الفصل الأول
في قصره وصل الصلاة فيه وأحكامه
وفيه فرعان :
[الفرع] الأول
في كم كان يدير يقصر الصلاة
تقدم هل القصر رخصة أو عزيمة، وما استدل به لكل من
القولين، في أوائل هذا المقصد.
وعن أنس بن مالك قال: صليت الظهر مع رسول الله اله
بالمدينة أربعاً، وخرج يريد مكة فصلى بذي الحليفة العصر ركعتين.
رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث مما احتج به أهل الظاهر / في جواز القصر في
طويل السفر وقصيره، فإن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، ويقال
سبعة .
٣٦٤/ب
وقال الجمهور: لا يجوز القصر إلا في سفر يبلغ مرحلتين، وقال
أبو حنيفة وطائفة شرطه ثلاث مراحل، واعتمدوا في ذلك آثاراً عن
الصحابة .
وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر، لأن المراد أنه وَله.
- ٢٨٠ -