Indexed OCR Text

Pages 241-260

ذلك قول أبي سعيد: ((فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع
مروان)) ومقتضاه أو أول من اتخذه مروان.
ووقع في المدونة للإمام مالك: أن أول من خطب الناس في
المصلى على منبر عثمان بن عفان، كلمهم على منبر / من طين بناه كثير ٣٥٧/ب
ابن الصلت، لكنه معضل، وما في الصحيحين أصح، فقد رواه مسلم
من طريق داود بن قيس نحو رواية البخاري. ويحتمل أن يكون عثمان
فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان ولم يطلع على ذلك أبو
سعيد. قاله شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله تعالى.
[الفرع] السابع
في أكله رَليم يوم الفطر قبل خروجه إلى الصلاة
عن أنس: كان رسول الله وَ لقر لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل
تمرات. رواه البخاري وقال: مرجأ بن رجاء حدثني عبيد الله حدثني
أنس عن النبي وَلّ: ويأكلهن وتراً.
ورواه الحاكم من رواية عتبة بن حميد عنه بلفظ: ما خرج يوم
فطر حتى يأكل تمرات، ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أقل من ذلك أو أكثر
وتراً.
[الحكمة من الأكل]
قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة، أن لا يظن ظان
لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة.
وقال غيره: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب
تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره
- ٢٤١ -

على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، أشار
إلى ذلك ابن أبي جمرة.
وقيل: لأن الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد
صلاة العيد فاستحب تعجيل الفطر بداراً إلى السلامة من وسوسته.
والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي
يضعفه الصوم، ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به في المنام(١)،
ويرق القلب، ومن ثم استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو
مطلقاً كالعسل. رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين
وغيرهما .
وفي الترمذي والحاكم من حديث بريدة قال: كان رسول الله
مَّيّة لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى
يصلى، ونحوه عند البزار عن جابر بن سمرة. وروى الطبراني
والدارقطني من حديث ابن عباس قال: من السنة أن لا يخرج يوم
الفطر حتى يخرج الصدقة ويطعم شيئاً قبل أن يخرج. وفي كل من
الأسانيد الثلاثة مقال.
وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلت عليه. قال ابن المنير: وقع أكله
18 في كل من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة
بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة
الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة، وافترقا من أخرى.
[المشي إلى صلاة العيد]
وقال الشافعي في الأم: بلغنا عن الزهري قال: ما ركب رسول
(١) أي فمن رأى في منامه أنه يأكل الحلوى، عبرت بقوة إيمانه.
- ٢٤٢ -

الله ◌َليّ في عيد ولا جنازة قط. وفي الترمذي عن علي قال: من السنة
أن يخرج إلى العيد ماشياً، وفي ابن ماجه عن سعد القرظي (١) أنه وَيّ
كان يخرج إلى العيد ماشياً، وفيه عن أبي رافع نحوه، وأسانيد الثلاثة
ضعاف.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله وَيقول إذا خرج يوم العيد في
طريق رجع في غيره. رواه الترمذي.
وقد اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن
حجر: اجتمع لي منها أكثر من عشرين، وقد لخصتها وبينت الواهي
منها .
فمن ذلك: أنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل: سكانهما
من الجن والإنس، وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمرروه وفي
التبرك، أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها لأنه كان معروفاً
بذلك. وقيل: لأن طريقه إلى المصلى كانت على اليمين، فلو رجع منها
لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها. وهذا يحتاج إلى دليل.
وقيل؛ لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله،
وقيل: ليغيظ المنافقين أو اليهود، وقيل / حذراً من كيد الطائفتين أو ٣٥٨/أ
احداهما، وقيل ليعمهم بالسرور به أو التبرك بمروره والانتفاع به في
قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعليم والاقتداء، والاسترشاد
والسلام عليهم أو غير ذلك، وقيل ليزور أقاربه الأحياء والأموات،
وقيل: ليصل رحمه، وقيل ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا،
وقيل: كان يتصدق في ذهابه فإذا رجع لم يبق معه شيء فيرجع في
(١) في (ا، ش): القرظ.
- ٢٤٣ -

طريق آخر لئلا يرد من يسأله. وهذا ضعيف جداً مع احتياجه إلى
دلیل.
وقيل فعل ذلك لتخفيف الزحام، وهذا رجحه الشيخ أبو
حامد، وقيل كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من التي يرجع فيها،
فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطا في الذهاب، وأما في الرجوع فيسرع إلى
منزله، وهذا اختيار الرافعي. وتعقب بأنه يحتاج إلى دليل وبأن أجر
الخطا في الرجوع أيضاً، كما ثبت في حديث أبي بن كعب عند الترمذي
وغيره، وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات فأراد أن يشهد له فريقان
منهم .
وقال ابن أبي جمرة: هو في معنى قول يعقوب لبينه: لا تدخلوا
من باب واحد، فإشار إلى أنه فعل حذر إصابة العين. انتهى
[خروج النساء إلى صلاة العيد]
وكان وَلّ يخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور والحيض في
العيدين، فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين. قالت
إحداهن: يا رسول الله إحدانا لم يكن لها جلباب، قال: فلتعرها
أختها من جلابيبها. رواه البخارى ومسلم والترمذي واللفظ له.
ولا دلالة فيه على وجوب صلاة العيد، لأن من جملة من أمر
بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن القصد منه إظهار شعائر الإسلام
بالمبالغة في الاجتماع، ولتعم الجميع البركة.
وفيه: استحباب خروج النساء إلى شهود العيد، سواء كن
شواب أم لا، أو ذوات هيئات أم لا، لكن نص الشافعي في الأم
- ٢٤٤ -

يقتضي استثناء ذوات الهيئات. قال: وأحب شهود العجائز غير ذوات
الهيئات الصلاة. وأما شهودهن الأعياد فأشد استحباباً .
وادعى بعضهم النسخ فيه، وقال الطحاوي: وأمره مَّ بخروج
الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أول الإسلام،
والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهاباً للعدو. وأما اليوم
فلا يحتاج إلى ذلك.
وتعقب: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد صرح في حديث
أم عطية بعلة الحكم، وهي شهودهن الخير ودعوة المسلمين، ورجاء
بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد النبي وَّ بمدة،
ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك.
وأما قول عائشة: «لو رأى النبي ◌َّ ما أحدث النساء لمنعهن
المساجد))(١) فلا يعارض ذلك لندوره، إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها
أفتت بخلافه، مع أن الدلالة منه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست
صريحة .
وفي قول الطحاوي: ((إرهاباً للعدو)) نظر، لأن الاستنصار
بالنساء والتكثير بهن في الحرب دال على الضعف.
والأولى: أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب
على حضورها محظور، ولا تزاحم الرجال في الطرق ولا في المجامع.
قاله في فتح الباري.
وكان رَله يخرج العنزة(٢) يوم الفطر والأضحى يكرزها فيصلي
إليها. رواه النسائي وغيره.
(١) متفق عليه.
(٢) هي الحربة القصيرة.
- ٢٤٥ -

[أعياد المسلمين]
وإذا علمت هذا فاعلم أن للمؤمنين في هذه الدار ثلاثة أعياد،
عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة من غير تكرار
في السنة .
فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو
مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات [من الله تعالى](١) فشرع لهم فيه
عيداً.
وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل
٣٥٨/ب واحد / منهما في العام مرة واحدة:
فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مرتب على إكمال
صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا
أكمل المسلمون صيام شهر رمضان المفروض عليهم استوجبوا من الله
المغفرة والعتق من النار، فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من
الذنب، وآخره عتق من النار يعتق الله فيه من النار من استحقها
بذنوبه، فشرع الله تعالى لهم عقب صيامهم عيداً يجتمعون فيه على
شكر الله تعالى وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك
العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي فيه الصائمون أجر
صيامهم ويرجعون بالمغفرة .
والعيد الثاني عيد النحر: وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو
مرتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه،
فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة،
(١) كذا في النسخ وليست في الأصل.
- ٢٤٦ -

فإن الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، ويوم عرفة هو يوم العتق من
النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل
الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيداً لجميع
المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهد،
لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وشرع للجميع التقرب إليه
تعالى بالنسك بإراقة دماء ضحاياهم، فيكون ذلك اليوم شكراً منهم
لهذه النعمة، والصلاة والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من
الصلاة والصدقة في عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله وَ ير أن يجعل
شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر.
وقد ضحى وَلّ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى
وكبر. رواه البخاري من حديث أنس، قال: ورأيته واضعاً قدميه على
صفاحهما، يقول: بسم الله والله أكبر.
وعن عائشة: أنه وَّل أمر بكبش يطأ في سواد، ويبرك في
سواد(١)، فأتي به ليضحي به، قال: يا عائشة، هلمي المدية، ثم
قال: اشحذيها بحجر ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم
ذبحه، قال: بسم الله اللهم تقبل عن محمد وآل محمد ومن أمة محمد،
ثم ضحی به. رواه مسلم.
وعن جابر: ذبح النبي ◌َّل يوم النحر كبشين أقرنين أملحين
موجوعين(٢)، فلما وجههما قال: إني وجهت وجهي للذي فطر
السماوات والأرض، على ملة إبراهيم حنيفاً، وما أنا من المشركين، إن
(١) يطأ في سواد: أي قوائمه سود، ويبرك في سواد: أي أن ملاقى محل بروكه
على الأرض من بدنه أسود.
(٢) أي مخصيين. ووجأ بمعنى قطع.
- ٢٤٧ -

صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك
أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم
الله والله أكبر، ثم ذبح. رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه
والدارمي .
وفي رواية لأحمد والترمذي: ذبح بيده وقال: بسم الله والله
أكبر، اللهم إن هذا عني وعمن لم يضح من أمتي.
فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلها عند إكمال طاعات مولاهم
الملك الوهاب، وحيازتهم لما وعدهم من جزيل الأجر والثواب، فليس
العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، وليس العيد لمن
تجمل باللباس والمركوب، وإنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة
العيد تفرق خلع العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شيء فهو له
عيد، وإلا فهو مطرود بعيد.
وأما أعياد المؤمنين في الجنة، فهي أيام زيارتهم ربهم عز وجل،
فيزورونه ويكرمهم غاية الإكرام، ويتجلى لهم فينظرون إليه، فما
أعطاهم شيئاً هو أحب إليهم من ذلك وهو الزيارة، فليس للمحب
عید سوی قرب محبوبه.
إن يوماً جامعاً شملي بهم
ذاك عيدي ليس لي عيد سواه
- ٢٤٨ -

الباب الثاني
في النوافل المقرونة بالأسباب
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول
في صلاته وآلية الكسوف
الكسوف لغة: التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمس: إذا
اسودت وذهب شعاعها .
[الكسوف وعلم الفلك]
عن قبيصة بن المخارق قال: كسفت / الشمس على عهد رسول ٣٥٩/أ
الله وَالر فخرج فزعاً يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين
فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت، ثم قال: إنما هذه الآية
يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتموها فصلوا. رواه أبو داود والنسائي.
وفي قوله: وَّ ((يخوف الله بها عباده)) رد على من يزعم من أهل
الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما
يقولون لم يكن في ذلك تخويف.
وقد رد عليهم ابن العربي وغيره، بما في حديث أبي موسى عند
البخاري، حيث قال فيه: ((فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة)) قالوا:
- ٢٤٩ -

فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن
للأمر بالعتق والصدقة والصلاة معنى، يعني كما في حديث أسماء عند
البخاري ((لقد أمر النبي ◌َلَّ بالعتاقة في كسوف الشمس)) وكما عنده
أيضاً من حديث عائشة مرفوعاً ((فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا
وصلوا وتصدقوا)) فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن
كلما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يندفع به ما يخشى من أثر ذلك
الكسوف .
ومما نقض به ابن العربي وغيره أنهم يزعمون: أن الشمس لا
تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند
اجتماعهما في العقدتين. فقال: ((هم يزعمون أن الشمس أضعاف
القمر في الجرم فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله؟ أم كيف يظلم
الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه؟ وكيف تحجب الأرض نور
الشمس .
وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر
غير ما يزعم أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه،
وصححه ابن خزيمة والحاكم، بلفظ: إن الشمس والقمر لا ينكسفان
لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن اللّه إذا تجلى
لشيء من خلقه خشع له.
وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال: أنها لم تثبت، فيجب
تكذيب ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور
قطعية لا تصادم أصلاً من أصول الشريعة.
وقال ابن بزيزة: وهذا عجب منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة
- ٢٥٠ -

ويزعم أنها لا تصادم الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كري(١)
الشكل، وظاهر الشرع يعطي خلاف ذلك والثابت من قواعد الشرع
أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين
الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقيف على سبب أو
ربط باقتران، والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل
العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضاً، لأن النورية والإضاءة من
عالم الجمال الحسي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته،
ويؤيده قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً﴾(٢)، انتهى.
ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس
وقد انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت، وقال: هي أخوف لله منا.
وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل
الحساب ينافي قوله: ((يخوف الله بهما عباده))، وليس بشيء، لأن الله تعالى
أفعالاً على حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة
على كل سبب، يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن
بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على
خرق العادة وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم
الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب
تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها.
وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقاً في نفس
الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله تعالى. قاله في فتح الباري.
(١) يقال كري وكروي نسبة إلى الكرة [م].
(٢) سورة الأعراف، الآية ١٤٣.
- ٢٥١ -

٣٥٩/ب
[من النصوص الواردة في الموضوع]
وعن ابن عباس / قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله
وَ لجار فقام قياماً طويلاً، نحواً من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعاً
طويلاً، ثم رفع فقام قياماً طويلاً، وهو دون القيام الأول، ثم ركع
ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم قام
قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون
الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فقال: إن
الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته،
فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله، فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً
في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟ قال: إني رأيت الجنة فتناولت
منها عنقوداً، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم
أر منظراً كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا
رسول الله؟ قال: بكفرهن، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير
ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك
شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط. رواه البخاري ومسلم.
وقوله: ((ورأيت الجنة والنار)) قال القاضي عياض: يحتمل أنه
رآهما رؤية عين، كشف الله له عنهما، وأزال الحجاب بينه وبينهما، كما
فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله وَله: ((في عرض
هذا الحائط)) - كما في رواية -: في جهته وناحيته، ويحتمل أن تكون
رؤية علم وعرض وحي بإطلاعه وتعريفه من أمورهما مفصلاً ما لم
يعرفه قبل ذلك اليوم. قال القاضي؛ والأول أولى وأشبه بألفاظ
الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله العنقود،
وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. انتهى.
- ٢٥٢ -

واستشكل قوله: ((ولو أصبته)) مع قوله: ((تناولت)).
وأجيب: بحمل ((التناول)) على تكلف الأخذ، لا حقيقة الأخذ،
وقيل: المراد تناولته لنفسي ولو أخذته لكم، حكاه الكرماني، قال
الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، وقيل: المراد بقوله تناولت: وضعت
يدي عليه، بحيث كنت قادراً على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه، ولو
أصبته، أي لو تمكنت من قطفه، ويدل عليه من قوله في حديث عقبة
ابن عامر عند ابن خزيمة ((أهوى بيده ليتناول شيئاً)) وفي حديث أسماء
عند البخاري ((حتى لو اجترأت عليه)) وكأنه لم يؤذن له في ذلك فلم
يجترىء عليه. قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود لأنه من طعام الجنة،
وهو لا يفنى والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. انتهى.
وفي حديث أسماء بنت أبي بكر، عند البخاري ومسلم ومالك
والنسائي قال: ما من شيء كنت لم أره إلا رأيته في مقامي هذا حتى
الجنة والنار، ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، مثل أو قريباً
- لا أدري أي ذلك قالت أسماء - من فتنة المسيح الدجال. يؤتى
أحدكم في قبره فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن
- لا أدري أي ذلك قالت أسماء - فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا
بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثاً، فيقال: نم صالحاً،
قد علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب - لا أدري أي ذلك
قالت أسماء - فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
وفي رواية: فرأى امرأة تخدشها هرة، ربطتها حتى ماتت جوعاً
وعطشاً.
وفي رواية: فرأى عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وكان أول
من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب.
- ٢٥٣ -

قوله: ((قصبه)) بضم القاف وسكون الصاد، أي أمعاءه.
وفي رواية عائشة: ثم قال: يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير
٣٦٠/أ من الله أن يزني عبده أو تزني / أمته، والله لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، ألا هل بلغت.
أي لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه
وأهوال القيامة ما أعلم، وما بعدها. كما علمت وترون النار كما رأيت
في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيراً، ولقلَّ ضحككم لتفكركم فيما
علمتوه .
وفي حديث عائشة عند البخاري: فخرج إلى المسجد، فصف
الناس وراءه، فكبرنا فاقترأ رسول الله وَل قراءة طويلة، ثم كبر فركع
ركوعاً طويلاً، ثم قال: سمع الله لمن حمده، فقام ولم يسجد، وقرأ
قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة الأولى، وزاد في رواية: ربنا ولك
الحمد .
واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول
القيام الثاني من الركعة الأولى.
واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا
قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة
على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه.
والجواب: إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا
مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه وَّ فعله فيها كان مشروعاً،
لأنها أصل برأسها. وبهذا المعنى رد الجمهور على من قاسها على صلاة
النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف أشبه شيء
- ٢٥٤ -

بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت
صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة
التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة،
فكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع
بين العملين بالنص والقياس، بخلاف من لم يعمل به.
وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد
على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة، وقد
وردت زيادة في ذلك من طرق أخر، فعند مسلم من وجه آخر عن
عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من
وجه آخر عن ابن عباس: أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي
داود من حديث أبي بن كعب، والبزار من حديث علي: أن في كل
ركعة خمس ركوعات ولا يخلو إسناد منها من علة.
ونقل ابن القيم في ((الهدي)) عن الشافعي وأحمد والبخاري:
أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطاً من
بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض،
ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم عليه السلام، وإذا
اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح.
وجمع بعضهم بين هذه الأحاديث بتعدد الواقعة، فإن
الكسوف وقع مراراً، فيكون كل من هذه الأوجه جائزاً.
وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من
الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك. وهو من
الاختلاف المباح، وقواه النووي في شرح مسلم.
وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان
بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع
- ٢٥٥ -

اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعاً، وحين زاد في الإبطاء
زاد ثالثاً، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك.
وتعقبه النووي وغيره: بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم في
أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد
الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه، منوي
من أول الحال. انتهى ملخصاً من فتح الباري.
[خطبة الكسوف]
وعند الإمام أحمد: أنه لما سلم حمد الله وأثنى عليه، وشهد أن
لا إله إلا الله، وشهد أنه عبد الله ورسوله، ثم قال: يا أيها الناس،
أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات
٣٦٠/ب ربي لما أخبرتموني ذلك / فقام رجل فقال: نشهد أنك قد بلغت
رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك، ثم قال: وأيم
الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون من أمر دنياكم
وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذاباً، آخرهم
الأعور الدجال، من تبعه لم ينفعه صالح من عمله.
وفي البخاري: وقالت عائشة وأسماء: خطب النبي ◌َّ .
وقد اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر
أهل الحديث.
وقال ابن قدامة لم يبلغنا عن أحمد ذلك.
وقال صاحب الهداية من الحنفية ليس في الكسوف خطبة لأنه لم
ينقل.
وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة.
- ٢٥٦ -

والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة لها، مع أن مالكاً روى
الحديث وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم: بأنه وَل لم يقصد بها
الخطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن
الكسوف لموت بعض الناس.
وتعقب: بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة،
وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته
الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل
مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل، انتهى.
[إبطال اعتقاد جاهلي]
وعن المغيرة بن شعبة عند البخاري: كسفت الشمس على عهد
رسول اللّه ◌َ﴾ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت
إبراهيم، فقال رسول اللّه وَله: إن الشمس والقمر آيتان من آيات
الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا
الله .
وإبراهيم هو ابن النبي وَّ، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه
مات في السنة العاشرة من الهجرة، فقيل في ربيع الأول، وقيل في
رمضان، وقيل في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر
الشهر، وقيل في رابعه وقيل في رابع عشره، ولا يصح شيء منها على
قول ذي الحجة، لأن النبي وهو كان إذ ذاك بمكة في الحج، وقد ثبت
أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف.
نعم قيل إنه مات سنة تسع، فإن ثبت فيصح، وجزم النووي
بأنها كانت سنة الحديبية فلعل ذلك كان في آخر ذي القعدة حين رجع
منها .
- ٢٥٧ -

وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير
الكواكب في الأرض. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن
الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض، من موت أو ضرر، فأعلم
النبي ◌َّ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله،
ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة للدفع عن أنفسهما.
[من أحكام صلاة الكسوف]
وعن عبد الله بن عمرو قال: لما كسفت الشمس على عهد
رسول الله وَّ نودي: أن الصلاة جامعة. رواه البخاري.
وقوله: ((أن)) بفتح الهمزة وتخفيف النون، وهي المفسرة.
وفي رواية له ولمسلم، من حديث عائشة: بعث النبي وَ لَه منادياً
فنادى: الصلاة جامعة.
قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك.
وقد أجمعوا على أنه لا يؤذن له ولا يقام.
وروى ابن حبان أنه ◌ّليّ صلى في كسوف الشمس والقمر
ركعتين مثل صلاتكم، وأخرجه الدارقطني أيضاً.
وفيه: رد على من أطلق - كابن رشيد - أنه وَل1 لم يصل في
كسوف القمر، ومنهم من أول قوله: ((صلى)) أي أمر بالصلاة، جمعاً بين
الروايتين .
وقال ابن القيم في ((الهدي)): لم ينقل أنه وَلّ صلى في كسوف
القمر في جماعة، لكن حكى ابن حبان في السيرة له: أن القمر خسف
في السنة الخامسة، فصلى النبي ◌َلتر بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت
- ٢٥٨ -

أول صلاة كسوف في الإسلام، وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور.
وقد جزم به مغلطاي في سيرته المختصرة، وتبعه الحافظ زين الدين / ٣٦١/أ
العراقي في نظمها.
وفي البخاري من حديث عائشة: جهر النبي ◌َّ في صلاة
الخسوف بقراءته. فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، فإذا فرغ من الركعة
قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة
الکسوف، أربع ركعات وأربع سجدات.
واستدل به على الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير ذلك
على كسوف القمر. قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، لأن
الاسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ كسفت
الشمس في عهد رسول الله وَالر، وفي مسند أبي داود الطيالسي أنه وكل
جهر بالقراءة في صلاة الكسوف. وقد ورد فيها عن علي مرفوعاً
وموقوفاً. أخرجه ابن خزيمة وغيره.
وقال به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر
وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية.
وقال الطبري: يخير بين الجهر والإسرار.
وقال الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر.
واحتج الشافعي بقول ابن عباس: ((قرأ نحواً من سورة البقرة))
لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير. وقد روى الشافعي تعليقاً عن ابن
عباس أنه صلى بجنب النبي ◌ّ في الكسوف فلم يسمع منه حرفاً،
ووصله البيهقي من ثلاثة طرق أسانيدها واهية. وعلى تقدير صحتها
فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى.
- ٢٥٩ -

قال ابن العربي: الجهر عندي أولى، لأنها صلاة جماعة ينادي لها
ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء. انتهى ملخصاً(١) والله أعلم.
(١) أي من فتح الباري.
- ٢٦٠ -