Indexed OCR Text

Pages 41-60

وأتي بالسويق فأمر به فثري(١) فأكل منه، ثم قام إلى المغرب
فتمضمض. رواه البخاري ومالك والنسائي .
[من خصائصه {لتر]
وكان ◌َّ إذا قام من النوم ربما توضأ، وربما لم يتوضأ، لأن عينه
تنام ولا ينام قلبه كما في البخاري وغيره.
وفيه دليل على أن النوم ليس حدثا بل مظنة الحدث، فلو
أحدث لعلم بذلك فتكون الخصوصية شعوره بالوقوع بخلاف غيره.
قال الخطابي: وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.
(١) أي بلَّ بالماء ليبسه .
- ٤١ -

الفصل الرابع
في مسحه ◌َل على الخفين
[مشروعية المسح]
أعلم أنه قد صرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين
متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وقال ابن
عبد البر: لا أعلم أنه قد روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا
عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وقد أشار
الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف المستقر عندهم
الآن قولان: الجواز مطلقاً، وثانيهما: للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني
مقتضى ما في ((المدونة))، وبه جزم ابن الحاجب.
[الغسل أفضل أم المسح؟]
وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل، المسح على الخفين
أو نزعهما وغسل الرجلين؟ والذي أختاره: أن المسح أفضل لأجل من
طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض.
وقال النووي: مذهب أصحابنا أن الغسل أفضل لكونه الأصل،
لكن بشرط أن لا يترك المسح.
- ٤٢ -

[رأي المسح على الرجلين]
وقد تمسك من اكتفى بالمسح(١) بقوله تعالى: ﴿وأرجلكم﴾
عطفاً على ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾(٢). فذهب إلى ظاهرها جماعة من
الصحابة والتابعين، وحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة، والثابت
عنه خلافه .
وعن عكرمة والشعبي وقتادة: الواجب الغسل أو المسح.
وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما.
وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة من فعله وَلّ كما سيأتي
إن شاء الله تعالى، فإنه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبة:
منها: أنه قرىء (وأرجلكم) بالنصب عطفاً على أيديكم.
وقيل: إنه معطوف على محل (برؤوسكم)، كقوله تعالى: ﴿يا
جبال أوبي معه والطير﴾(٣) بالنصب.
وقيل: المسح في الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين،
فحملوا قراءة ((الجر)) على مسح الخفين، وقراءة ((النصب)) على غسل
الرجلين .
(١) أي بالمسح على الرجلين دون غسلهما، وهي قضية مرتبطة ببحث الوضوء،
وذكرها المصنف هنا استطراداً [م].
(٢) قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم
وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ سورة
المائدة، الآية ٦ ومقصود المصنف أن (أرجلكم) بالجر عطفاً على (بروؤسكم)
لا عطفاً على (وجوهكم)، وهي قراءة. [م].
(٣) سورة سبأ، الآية ١٠.
- ٤٣ -

وجعل البيضاوي ((الجر)» على الجوار، قال: ونظيره في القرآن
كقوله تعالى: ﴿عذاب يوم أليم﴾(١) ﴿وحور عين﴾(٢) بالجر في قراءة
حمزة والكسائي. وقولهم ((جحر ضب خرب)) والنحاة باب في ذلك.
وفائدته: التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليهما
ويغسلا غسلاً يقرب من المسح. انتهى
[أدلة المسح على الخفين]
وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله وَله غزوة تبوك،
فتبرز رسول الله قبل الغائط(٣) فحملت (٤) معه إداوة - قبل الفجر - فلما
رجع أخذت أهريق على يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه
جبة من صوف، ذهب يحسر عن ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده
من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه وغسل ذراعيه، ثم مسح
بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: دعهما فإني
أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما، ثم ركب وركبت. الحديث رواه
مسلم .
وعند الترمذي من حديث المغيرة أيضاً أنه وَالر مسح على الخفين
علی ظاهرهما.
(١) أي مؤلم، فـ ((أليم)) في الحقيقة صفة لعذاب لا ليوم فجرَّ للمجاورة.
(٢) سورة الواقعة، الآية ٢٢، قال تعالى: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون،
بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة
مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحورٌ عين .. ﴾ فمحل الشاهد في
قراءة حمزة أنه قرأها بالجر المجاورة لأكواب وأباريق، وإن كانت معطوفة
على ولدان [م].
(٣) أي المنخفض من الأرض.
(٤) في ط: فجعلت.
- ٤٤ -

وعند أبي داود من حديثه أيضاً: ومسح عليه الصلاة والسلام
على الجوربين والنعلين.
وعنه قال: مسح رسول الله وَ لل على الخفين، فقلت يا رسول
الله: نسيت، فقال: بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي عز وجل. رواه
أبو داود وأحمد.
وعن عمرو بن أمية الضمري قال: رأيته وَلّ يمسح على عمامته
وخفيه. رواه البخاري وأحمد.
[مدة المسح]
وقال علي بن أبي طالب: جعل ◌َلتر / المسح على الخفين ثلاثة ٣٢٥/ب
أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم. رواه مسلم.
- ٤٥ -

الفصل الخامس
في تیممہ آلڑ
اعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من
خصائص هذه الأمة.
وأجمعوا على أن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء
كان عن حدث أكبر، أو عن حدث أصغر، وسواء تيمم عن الأعضاء
كلها أو بعضها.
واختلفوا في كيفيته: فمذهبنا ومذهب الأكثرين، أنه لا بد من
ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.
وعن حذيفة قال: قال رسول الله وَله: (فضلنا على الناس
بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها
مسجداً، وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) رواه مسلم.
وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: (جعلت الأرض كلها لي
ولأمتي مسجداً وطهوراً).
وهذا عام، وحديث حذيقة خاص، فينبغي أن يحمل العام
عليه، فتختص الطهورية بالتراب.
ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ ((التربة)) على خصوصية التيمم
بالتراب، بأن قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
- ٤٦ -

وأجيب: بأنه ورد في الحديث بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة
وغيره. وفي حديث علي (وجعل لي التراب طهوراً) أخرجه أحمد
والبيهقي بإسناد حسن.
وعن عمار: قال رجل لعمر بن الخطاب: إني أجنبت فلم أصب
الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر، أنا وأنت، فأما أنت
فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي وَله فقال:
إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النبي به الر بكفيه الأرض ونفخ فيهما
ثم مسح بهما وجهه وكفيه. رواه البخاري ومسلم.
واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب، وسقوط
استحباب التكرار في التيمم لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف.
وعن أبي الجهيم(١) بن الحارث بن الصمة قال: مررت على
النبي ◌َّير وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد علي، حتى قام إلى جدار
فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه
وذراعيه، ثم رد علي، رواه البغوي في شرح السنة وقال: حديث
حسن .
وهذا محمول(٢) على أن الجدار كان مباحاً، أو مملوكاً لإنسان كان
يعرف رضاه.
(١) كذا في (ش ط) مصغرا كما قال الشارح، وفي (ب د): الجهم، وفي (١):
الهجیم .
(٢) أي حت الجدار.
- ٤٧ -

الفصل السادس
في غسله دليل
[الغسل في اللغة والحقيقة]
والغُسل - بضم الغين - اسم للاغتسال
وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه
الضم والفتح، حكاه ابن سيدة وغيره.
وقيل: المصدر بالفتح، والاغتسال بالضم(١).
وقيل: الغَسل - بالفتح -: فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذي
يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء كالإشنان.
وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء
وحقيقة الاغتسال: غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما
للعادة بالنية .
[دليل وجوب الغسل]
ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: ﴿وإن كنتم
(١) صب الماء على البدن: غَسل، بالفتح، والأثر الحاصل منه للبدن غُسل -
بالضم -، ويقال فيه: اغتسال.
- ٤٨ -

جنباً فاطهروا﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى
حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾(٢).
ففي الآية الأولى إجمال، وهو قوله تعالى: ﴿فاطهروا﴾ بينه قوله
في الآية الثانية ﴿حتى تغتسلوا﴾. ويؤيده قوله تعالى في الحائض: ﴿ولا
تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن﴾ (٣) المفسر بـ ((اغتسلن)) اتفاقاً.
وقد كان رسول الله وَل يطوف على نسائه بغسل واحد. رواه
مسلم من حديث أنس.
وعن أبي رافع: طاف ◌َّر ذات يوم على نسائه يغتسل عند
هذه، وعند هذه، قال: قلت له يا رسول الله، ألا تجعله غسلاً واحداً
آخراً، قال: هذا أزكى وأطيب وأطهر. رواه أحمد وأبو داود
والنسائي .
٣٢٦ / أ
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين / وأما
الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف إنه لا يستحب، وأوجبه
ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث (إذا أتى أحدكم أهله
ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءاً) رواه مسلم. وحمله بعضهم على
الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج، انتهى
[كيفية الغسل]
وقالت عائشة: كان چو إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه،
ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها
(١) سورة المائدة، الآية ٦.
(٢) سورة النساء، الآية ٤٣ .
(٣) سورة البقرة، الآية ٢٢٢.
- ٤٩ -

أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض
الماء على جسده كله. رواه البخاري.
ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو
الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينه في
هذا الحديث عن هشام ((قبل أن يدخلهما في الإناء)) رواه الشافعي
والترمذي وزاد أيضاً: ((ثم يغسل فرجه)) وكذا لمسلم وأبي داود.
وهي زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه
في أثناء الغسل.
ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة،
بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي
بغسلها(١) في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل
الجنابة في أول عضو.
وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفاً لها، ولتحصل له صورة
الطهارتين الصغرى والكبرى.
ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل.
وهو مردود، فقد ذهب جماعة منهم أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن
الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث(٢).
وقوله: ((فيخلل بها أصول الشعر)) أي شعر رأسه، ويدل عليه
رواية حماد بن سلمة عن هشام - عند البيهقي -: يخلل بها شق رأسه
(١) في (ط، ب، د): غسلهما.
(٢) في ط للحدث.
- ٥٠ -

الأيمن فيتبع بها أصول الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك.
وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية
في الغسل. إما لعموم قوله: ((أصول الشعر)) وإما بالقياس على شعر
الرأس.
وفائدة التخليل، أيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر
باليد ليحصل تعميمه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقاً، إلا إن
كان الشعر متلبداً بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله.
[حكم دلك الأعضاء]
واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر.
ونقل عن مالك والمزني: وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع
على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك
في الغسل قياساً لعدم الفرق بينهما.
وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في
الماء للمتوضىء من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.
[تثليث الغَسل]
وفي قوله في هذا الحديث: ((ثلاث غرفات)) استحباب التثليث في
الغسل .
قال النووي: ولا نعلم فيه خلافاً إلا ما انفرد به الماوردي، فإنه
قال: لا يستحب التكرار في الغسل.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري - ومنه لخصت ما
- ٥١ -

ذكرته(١) - قلت: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي(٢) وكذا قال
القرطبي .
وقالت ميمونة: وضعت له وسلّ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين
أو ثلاثاً، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض،
ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم
تحول عن مكانه فغسل قدميه. رواه البخاري.
ولم يقيد في هذه الرواية بعدد، فيحمل على أقل مسمى الغسل،
وهو مرة واحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها.
وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، لقوله:
((ثم مضمض واستنشق)) وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما.
وتعقب: بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان
بياناً لمجمل تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك.
[تأخير غسل الرجلين]
وعنها (توضأ ◌َ لل وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما
٣٢٦/ب أصابه من الأذى، ثم أفاض / عليه الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما.
رواه البخاري .
وفيه التصريح بتأخير الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو
مخالف لظاهر رواية عائشة.
ويمكن الجمع بينهما، إما بحمل رواية عائشة على المجاز، وإما
(١) فتح الباري ٣٦٠/١.
(٢) كذا في النسخ وفي الفتح، وفي ط: السبخي.
- ٥٢ -

بحمله على حالة أخرى. وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر
العلماء. فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين. وعن
مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقدیم،
وعند الشافعية: في الأفضل قولان، قال النووي: أصحهما وإشهرهما
ومختارهما أنه يكمل وضوءه.
[لا يمسح الرأس في وضوء الغسل]
قال: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على
مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن الوضوء
للغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفي عنه بغسلها(١).
وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله وَله: (أما أنا فأفيض
على رأسي ثلاثاً، وأشار بيديه كلتيهما) رواه البخاري.
وفيه(٢) عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف
قياماً، فخرج إلينا رسول الله وسچور، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب،
فقال لنا: مكانكم، ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر
فصلينا معه .
وقوله: ((ذكر)) أي تذكر، لا أنه قال ذلك لفظاً، وعلم الراوي
ذلك من قرائن، أو بإعلامه له بعد ذلك.
وظاهر قوله: ((فكبر)) الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز
التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة.
(١) أي الرأس. أنثه وهو مذكر باعتبار أنه قطعة من البدن.
(٢) أي في البخاري، وكذا مسلم وأبو داود والنسائي.
- ٥٣ -

[حكم التنشيف]
وعنده أيضاً(١) من حديث ميمونة: وضعت للنبي وَّل غسلاً
وسترته بثوب، وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله
فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض
واستنشق، وغسل وجهه وذارعيه، ثم صب على رأسه، وأفاض على
جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوباً فلم يأخذه، فانطلق وهو
ينفض يديه .
وقد استدل بعضهم بقولها: ((فناولته ثوباً فلم يأخذه)) على كراهة
التنشيف بعد الغسل.
ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز
أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف، بل لأمر
يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال المهلب(٢): يحتمل تركه الثوب لإبقاء
بركة بلل الماء(٣)، وللتواضع، أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو
سخ.
وقد وقع عند أحمد في هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت
ذلك لإبراهيم النخعي فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن
يصير عادة.
وقال التيمي في شرحه: في هذا الحديث دليل على أنه كان
(١) أي عند البخاري.
(٢) المهلب بن أحمد بن أبي صفرة التميمي الأندلسي ولي قضاء مالقة وأحيا
صحيح البخاري بالأندلس وشرحه، مات سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة.
وليس هو المهلب بن أبي صفرة التابعي.
(٣) في (ط، ش): بركة الماء.
- ٥٤ -

ينشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل.
وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في
التنشيف لأن كلاً منهما إزالة.
وقال النووي: اختلف أصحابنا فيه على خمسة أوجه، أشهرها:
أن المستحب تركه، وقيل مكروه، وقيل مباح، وقيل مستحب، وقيل
مكروه في الصيف مباح في الشتاء.
وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء
الوضوء، ولكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: لا
تنفضوا أيديكم في الوضوء فإنها مراوح الشيطان، قال ابن الصلاح: لم
أجده، وتبعه النووي.
[الوضوء من الجنابة قبل النوم]
وقالت عائشة: كان رسول الله وّليل إذا أراد أن ينام وهو جنب
غسل فرجه وتوضأ للصلاة. رواه البخاري .
وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف.
وقوله: ((وتوضأ للصلاة)) أي وضوءاً كما للصلاة، أي وضوءاً
شرعياً لا لغوياً، وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة.
والحكمة فيه أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز
تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة
على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن
شداد بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد
أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة .
- ٥٥ -

وقيل: الحكمة فيه أنه أحد الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم
٣٢٧/أ مقامه، وقد روى / البيهقي بإسناد حسن عن عائشة أنه ﴿ #- كان إذا
أجنب وأراد أن ينام توضأ أو تيمم.
ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل غير
ذلك. انتى ملخصاً من فتح الباري .
- ٥٦ -

الشَّوَعِ الثَّاني
في ذکر صلاته صلى الله عليه وسلم

[ تمهيد عام ]
اعلم أن بالصلاة يحصل تحقيق العبودية، وأداء حق الربوبية،
وسائر العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة.
وقد جمع الله تعالى للمصلين في كل ركعة ما فرق على أهل
السموات، فلله ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون
من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود والقيام والقعود.
واجتمع فيها أيضاً من العبوديات(١) ما لم يجتمع في غيرها،
منها: الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة
والقيام والركوع والسجود، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود،
إلى غير ذلك.
فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة، والقراءة
بمجردها عبادة، وكذا كل فرد فرد.
وقد أمر الله تعالى نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: ﴿اتل ما أوحي
إليك من الكتاب وأقم الصلاة﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿وأمر أهلك
بالصلاة واصطبر عليها﴾(٣).
(١) في (ط، ش) العبادات.
(٢) سورة العنكبوت، الآية ٤٥ .
(٣) سورة طه، الآية ١٣٢.
- ٥٩ -

وفي ذلك - كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير(١): أمدنا الله
بمدده - إشارة إلى أن في الصلاة تكليفاً للنفوس شاقاً عليها، لأنها تأتي
في أوقات ملاذً العباد وأشغالهم، فيطالبون بالخروج عن ذلك كله إلى
القيام بين يديه، والفراغ مما سوى الله تعالى، فلذلك قال تعالى:
واصطبر عليها﴾.
قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن
القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية، قوله تعالى: ﴿واستعينوا
بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾(٢). فجعل الصبر
والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر، صبر على
ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها، وصبر يمنع
القلوب فيها عن غفلاتها، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿وإنها
لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر، إذ لو
كان كذلك لقال: وإنه لكبير، فذلك يدل على ما قلنا، أو لأن الصبر
والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال
تعالى في الآية الأخرى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾(٣). انتهى
ملخصاً.
ثم أن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام:
(١) كتاب ((التنوير في إسقاط التدبير)) لابن عطاء الله.
(٢) سورة البقرة، الآية ٤٥.
(٣) سورة التوبة، الآية ٦٢.
- ٦٠ -