Indexed OCR Text

Pages 401-420

الفصل الأول
في طبه وَّ لذوي الأمراض والعاهات
[عيادة المريض]
اعلم أنه قد ثبت أنه (وَلّ كان يعود من مرض من أصحابه،
حتى لقد عاد غلاماً كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو
مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهودياً، كما روى
البخاري وأبو داود من حديث أنس: أن غلاماً من اليهود كان يخدم
النبي ◌َّر / فمرض فعاده وَلّ فقعد عند رأسه، فقال: أسلم، فنظر
إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبي
وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار.
١/٢٨٩
وكان رَ لّ يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأل عن
حاله ويقول: كيف تجدك؟
وفي حديث جابر عند البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود،
قال: مرضت فأتاني رسول الله وَالر يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان،
فوجداني أغمي علي، فتوضأ النبي ◌َّرَ ثم صب وضوءه علي فأفقت،
فإذا النبي ◌َّه، وعند أبي داود: فنضح في وجهي فأفقت. وفيه: أنه
وَلَى قال: يا جابر لا أراك ميتاً من وجعك هذا.
- ٤٠١ -

وفي حديث أبي موسى عند البخاري مرفوعاً: (أطعموا الجائع،
وعودوا المريض(١)، وفكوا العاني)(٢).
وعنده من رواية البراء: أمرنا وَ له بسبع، وذكر منها عيادة
المريض.
وعند مسلم: خمس تجب للمسلم على المسلم، فذكرها منها.
[حكم عيادة المريض]
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، يعني
الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون للندب على
التواصل والألفة.
وعند الطبري: يتأكد في حق من ترجى بركته، ويسن فيمن
يراعى حاله(٣)، ويباح فيما عدا ذلك.
وهو فرض كفاية عند أبي حنيفة (٤)، كما قاله أبو الليث(٥)
[السمرقندي](٦) في ((مقدمته)).
(١) كذا في الأصل، وكذلك في البخاري (٣٠٤٦، ٥٦٤٩) وفي النسخ :
المرضى.
(٢) العاني: الأسير.
(٣) أي يتعهد المريض فيما يحتاج إليه كشراء دواء ..
(٤) في (أ، ش): عند الحنفية.
(٥) أبو الليث: أحمد بن عمر بن محمد النسفي الفقيه الواعظ، مات سنة ثلاث
وخمسين وخمسمائة .
(٦) زيادة في (ط، ب، د).
- ٤٠٢ -

واستدل بعموم قوله: ((عودوا المريض)) على مشروعية العيادة في
كل مرض، واستثنى بعضهم: الأرمد، وردّ: بأنه قد جاء في عيادة
الأرمد بخصوصها حديث زيد بن الأرقم، قال: عادني رسول الله وَله
من وجع كان بعيني، رواه أبو داود وصححه الحاكم.
وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعاً: ثلاثة ليس لهم عيادة،
الرمد والدمل والضرس، فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي
کثیر.
ويؤخذ من إطلاقه عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه.
وهو قول الجمهور، وجزم الغزالي في ((الإحياء)): بأنه لا يعاد إلا بعد
ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان ◌َله
لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاثة. وهذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن
علي، وهو متروك، وقال أبو حاتم هو حديث باطل.
[فضل عيادة المريض]
ولا نطيل بإيراد ما ورد في فضل العيادة، ويكفي حديث أبي
هريرة، مما حسنه الترمذي مرفوعاً: من عاد مريضاً ناداه مناد من
السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً، وهذا لفظ ابن
ماجه .
وفي سنن أبي داود عن أنس مرفوعاً: من توضأ فأحسن
الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسباً، بُوعِدَ من جهنم مسيرة سبعين
خريفاً.
وفي حديث أبي سعيد عند ابن حبان في صحيحه مرفوعاً: خمس
- ٤٠٣ -

من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضاً، وشهد
جنازة وصام يوماً، وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة.
وعند أحمد، عن كعب مرفوعاً: من عاد مريضاً، خاض في
الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها. زاد الطبراني: وإذا قام من عنده
فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج.
[العيادة في كل وقت]
ولم يكن ◌ّ يخص يوما من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتاً من
الأوقات، فترك العيادة يوم السبت مخالف للسنة، ابتدعه يهودي طبيب
لملك قد مرض وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضي لسبته
فمنعه، فخاف على استحلال سبته، ومن سفك دمه، فقال: إن
المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه الملك، ثم أشيع ذلك،
وصار كثير من الناس يعتمده.
ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوي: أن العيادة
تستحب في الشتاء ليلاً، وفي الصيف نهاراً، ولعل الحكمة في ذلك أن
المريض يتضرر بطول الليل / في الشتاء، وبطول النهار في الصيف،
فتحصل له بالعيادة استراحة.
٢٨/ب
[التطبب عند أهل الذمة]
وينبغي اجتناب التطبب بأعداء الدين، من يهودي أو نحوه،
فإنه مقطوع بغشه سيما إن كان المريض كبيراً في دينه أو علمه،
خصوصاً إن كان هذا العدو يهودياً، لأن قاعدة دينهم: أن من نصح
منهم مسلماً فقد خرج عن دينه، وأن من استحل السبت فهو مهدر
- ٤٠٤ -

الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، ولا ريب أن من خاطر بنفسه
يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشيء.
وقد كثر الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم، والله تعالى يرحم القائل:
لعن النصارى واليهود فإنهم بلغوا بمكرهم بنا الآمالا
يتقسموا الأرواح والأموالا
خرجوا أطباء وحساباً لكي
[الطب النفسي]
ومما كان يفعله وَله ويأمر به تطييب نفوس المرضى وتقوية
قلوبهم، ففي حديث أبي سعيد الخدري، قال رَّ: (إذا دخلتم على
المريض فنفسوا له في أجله(١)، فإن ذلك يطبب نفسه)(٢)، مثل أن
يقول له: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، ووجهك الآن أحسن،
وما أشبه ذلك.
وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه في مرضه،
وأن المرض كفارة، فربما أصلح ذلك قلبه، وأمن من خوف ذلك(٣)
ونحوه .
وقال بعضهم (٤): في هذا الحديث نوع شريف جداً من أنواع
(١) أي وسعوا له وأطمعوه في طول الحياة.
(٢) رواه الترمذي وابن ماجه بإسناد ضعيف بلفظ: فإن ذلك لا يرد شيئاً وهو
يطبب نفس المريض.
(٣) في (ط، ش): زلل.
(٤) هو ابن القيم.
- ٤٠٥ -

العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي
تقوى به الطبيعة، وتنتعش به القوة، وينبعث به الحار الغريزي،
ويساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطبيب. وفي
تفريج نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال السرور عليه تأثير عجيب
في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد
الطبيعة على دفع المؤذي. وقد شاهد الناس كثيراً من المرضى تنتعش
قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له، ولطفهم بهم،
ومكالمتهم إياهم.
[كيفية عيادة المريض]
قال في الهدي: وكان ◌َّ يسأل المريض عن شكواه، وكيف
يجد، وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئاً وعلم أنه لا يضره أمر له به،
ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له
ما ينفعه في علته، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، كما في
حديث جابر المتقدم، وربما كان يقول للمريض: لا بأس عليك،
طهور إن شاء الله، وربما كان يقول: كفارة وطهور.
وقالت عائشة: كان ◌َله إذا عاد مريضاً يضع يده على المكان
الذي يألم ثم يقول: بسم الله. رواه أبو يعلى بسند حسن(١).
وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة - بسند لين - رفعه: تمام
عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته فيسأله كيف هو، وعند
ابن السني بلفظ: كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟
(١) في ش: صحيح.
- ٤٠٦ -

[طب القلوب وطب الأجساد]
وإذا علمت هذا، فاعلم أن المرض نوعان: مرض القلوب
ومرض الأبدان.
فأما طب القلوب ومعالجتها فخاص بما جاء به الرسول الكريم
وَله عن ربه تعالى، لا سبيل إلى حصوله إلا من جهته، فإن صلاح
القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله
وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه، متجنبة لمناهيه ومساخطه،
ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقي ذلك إلا
عَلىالله
من جهة سيدنا محمد
وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه وَ ل ، ومنه ما
جاء عن غيره، لأنه وَّ إنما بعث هادياً وداعياً إلى الله وإلى جنته،
ومعرفاً بالله، ومبيناً للأمة مواقع رضاه وآمراً لهم بها، ومواقع سخطه
وناهياً لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أمهم،
وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس
وسعادتها وأسباب ذلك.
١/٢٩٠
وأما طب / الأجساد فجاء من تكميل شريعته، ومقصوداً لغيره،
بحيث إنما يستعمل للحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف
الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها، ودفع أسقامها وحميتها مما
يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد، وإصلاح الجسد بدون إصلاح
القلب لا ينفع، وفساد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جداً،
وهي مضرة زائلة، تعقبها المنفعة الدائمة التامة.
- ٤٠٧ -

[ضرر الذنوب وآثارها]
وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب في القلوب كضرر
السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا
والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي، فللمعاصي من الآثار
القبيحة المذمومة والمضرة بالقلب والبدن والدنيا والآخرة ما لا يعلمه
إلا الله .
فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب،
والمعصية تطفئ ذلك النور، وللإمام الشافعي رضي الله عنه:
شكوت إلى وكيع سوء حفظى فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال اعلم بأن العلم نور ونور الله لا يؤتاه عاصي
ومنها: حرمان الرزق، ففي المسند(١): وإن العبد ليحرم الرزق
بالذنب يصيبه .
ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه، بينه وبين الله، لا يوازيها
ولا يقاربها لذة.
ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقاً دونه،
أو متعسراً عليه.
ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة
الليل البهيم إذا ادلهم، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في
(١) الظاهر أن المراد بالحديث المسند: أي: المرفوع، لقول مغلطاي: إذا كان
الحديث في أحد الستة لا يجوز لحديثي نقله عن غيره. انتهى، وهذا
الحديث أخرجه النسائي وابن ماجه وأحمد .. مرفوعاً (إن الدعاء يرد
القضاء وإن البر يزيد في العمر ...
- ٤٠٨ -

البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، ثم تقوى هذه الظلمة
حتى تعلو الوجه وتصير سواداً فيه، يراها كل أحد.
ومنها: أنها توهن القلب والبدن.
ومنها: حرمان الطاعة، وتقصير العمر، ومحق البركة، ولا يمتنع
زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب(١)، وقيل: تأثير المعاصي في
محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب، فليس عمر المرء
إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعات
تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها.
وبالجملة: فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه
أيام حياته الحقيقية.
ومنها: أن المعصية تورث الذل.
ومنها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نوراً، والمعصية تطفئ نور
العقل.
ومنها: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة
إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما
كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾(٢) وقد أحسن القائل:
فإن الذنوب تزيل النعم
إذا كنت في نعمة فارعها
قرب العباد سريع النقم
وحطها بطاعة رب العباد
(١) باعتبار ما في صحف الملائكة، أما باعتبار علم الله فلا يزيد ولا ينقص.
(٢) سورة الشورى، الآية ٣٠.
- ٤٠٩ -

ومن عقوباتها أنها تستجلب مواد(١) هلاك العبد في دنياه
وآخرته، فإن الذنوب هي أمراض متى استحكمت قتلت ولا بد، وكما
أن البدن لا يكون صحيحاً إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ
المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية
يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب، لا تتم
حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفراغ
بالتوبة النضوح يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة [التي متى
غلبت عليه أفسدته](٢)، وحمية توجب له حفظ الصحة، وتجنب ما
يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، والتقوى اسم
متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما فات منها فات من التقوى بقدره.
وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها
تستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع
الاستفراغ بالتوبة النصوح. فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه
الأخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون
٢٩٠/ ب صحته وبقاؤه، وقد أحسن / القائل:
جسمك بالحمية حصنته مخافة من ألم طاري
وكان أولى بك أن تحتمي من المعاصي خشية النار
فمن حفظ القوة بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب
النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطلباً، ولا
(١) في (أ): مراد، قال الشارح: أي أسباب هلاكه، ومادة الشيء ما يكون
الشيء حاصلاً معه بالقوة، فيتسبب حصوله منها.
(٢) زيادة في ط.
- ٤١٠ -

للشر مهرباً، وفي حديث أنس: ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا
إن داءكم الذنوب، ودواءكم الاستغفار(١).
فقد ظهر لك أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا
من جهة الرسول وَله بواسطة الوحي.
[طب الأجساد]
وأما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة. ثم هو نوعان:
نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر الله على معرفته
الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب، وهذا لا
يحتاج فيه إلى معالجة طبيب.
ونوع يحتاج إلى الفكر والنظر، كدفع ما يحدث في البدن مما
يخرجه عن الاعتدال، وهو إما حرارة أو برودة، وكل منهما: إما إلى
رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم الواحد منها
بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن، وقد يقع من داخله وهو
أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقيق السبب والعلامة.
فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى في تفريق ما يضر بالبدن
جمعه، أو عکسه، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، ومدار
ذلك على ثلاثة أشياء:
حفظ الصحة.
والاحتماء عن المؤذي
واستفراغ المادة الفاسدة.
(١) رواه البيهقي.
- ٤١١ -

وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن:
فالأول: في قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر
فعدة من أيام أخر﴾ (١) وذلك أن السفر مظنة النصب، وهو من
مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر، وكذلك
القول في المرض.
والثاني: وهو الحمية، من قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾(٢)
فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، وقال
تعالى في آية الوضوء ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد
منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً
طيباً﴾ (٣) فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن
يصيب جسده ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذٍ له من
داخل أو خارج.
والثالث: من قوله تعالى: ﴿أو به أذى من رأسه فقدية﴾ (٤) فإنه
أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم، لاستفراغ
الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس تحت الشعر، لأنه إذا
حلق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها. فهذا الاستفراغ
يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه.
فقد أرشد تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده.
(١) سورة البقرة، الآية ١٨٤.
(٢) سورة النساء، الآية ٢٩.
(٣) سورة النساء، الآية ٤٣.
(٤) سورة البقرة، الآية ١٩٦.
- ٤١٢ -

[الحث على التداوي]
وفي الصحيحين من حديث عطاء عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَله: (ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء).
وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود
بلفظ: (إن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له شفاء (١) فتداووا).
وعند أحمد من حديث أنس: (إن الله حيث خلق الداء خلق
الدواء فتداووا).
وعند البخاري في ((الأدب المفرد))، وأحمد وأصحاب السنن،
وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن أسامة بن شريك، رفعه:
(تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء
واحداً وهو الهرم) وفي لفظ (إلا السام) - وهو بمهملة مخففة - الموت،
يعني إلا داء الموت، أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت فيه.
واستثنى الهرم في الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيهاً بالموت، والجامع
بينهما نقص الصحة، أو لقربه من الموت وإفضائه إليه، ويحتمل أن
يكون استثناء منقطعاً، والتقدير: لكن الهرم لا دواء له.
ولأبي داود، عن أبي الدرداء، رفعه: إن الله جعل لكل / داء ٢٩١ /
دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام.
وفي البخاري (٢): إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم
عليكم، فلا يجوز التداوي بالحرام.
(١) من قوله ((وأخرجه)) سقط من ش.
(٢) هو في البخاري عن ابن مسعود تعليقاً، وبين الحافظ أنه جاء من طرق
صحيحة إليه.
- ٤١٣ -

وروى مسلم عن جابر، مرفوعاً: لكل داء دواء، فإذا أُصيب
دواء الداء برئ بإذن الله تعالى.
فالشفاء متوقف على إصابة الدواء الداء بإذن الله تعالى. وذلك
أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجح،
بل ربما أحدث داء آخر.
وفي رواية علي عند الحميدي في كتابه المسمى بطب أهل البيت:
ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك بعث الله عز وجل ملكاً ومعه
ستر فجعله بين الداء والدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع
على الداء، فإذا أراد الله برءه أمر الملك فرفع الستر، ثم يشرب
المريض الدواء فينفعه الله تعالى به.
وفي حديث ابن مسعود رفعه: إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له
شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله، رواه أبو نعيم وغيره(١).
وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد.
وأما قوله ((لكل داء دواء)) فيجوز أن يكون على عمومه حتى
يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها، ويكون
الله قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل
لهم إليها سبيلاً، لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله. ولهذا علق
وَله الشفاء على مصادفة الدواء للداء، وقد يقع لبعض المرضى أنه
يتداوى من دائه بدواء فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء، والدواء(٢)
بعينه فلا ينجح، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء،
(١) وكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه.
(٢) في الأصل: ثم يعتريه بعد ذلك الداء بعينه.
- ٤١٤ -

فرب مرضين تشابها، ويكون أحدهما مركباً، لا ينجح فيه ما ينجح في
الذي ليس مركباً، فيقع الخطأ من هناك، وقد يكون متحداً لكن يريد
الله أن لا ينجح، وهنا تخضع رقاب الأطباء.
[التداوي لا ينافي التوكل]
وفي مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب،
وأن ذلك لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل
والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار
وغير ذلك.
وقد سئل الحارث المحاسبي في كتاب ((القصد)) من تأليفه: هل
يتداوى المتوكل؟ قال: نعم، قيل له من أين ذلك؟ قال: من وجود
ذلك عن سيد المتوكلين، الذي لم يلحقه لاحق، ولا يسبقه في التوكل
سابق، محمد خير البرية معله. قيل له: ما تقول في خبر النبي وثيقة:
(من استرقى واكتوى برئ من التوكل)(١)؟ قال: برئ من توكل
المتوكلين الذين ذكرهم في حديث آخر فقال: (يدخل الجنة من أمتي
سبعون ألفاً بغير حساب)(٢)، وأما سواهم من المتوكلين فمباح لهم
الدواء والاسترقاء.
فجعل المحاسبي التوكل بعضه أفضل من بعض.
(١) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان
والحاكم عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً.
(٢) أخرجه الشيخان وغيرهما.
- ٤١٥ -

وقال في ((التمهيد))(١): إنما أراد بقوله: ((برىء من التوكل)) إذا
استرقى الرقى المكروهة في الشريعة، أو اكتوى وهو يعلق رغبته في
الشفاء بوجود الكي، وكذلك قوله ((لا يسترقون)) الرقى المخالفة
للشريعة، و((لا يكتوون)) وقلوبهم معلقة بنفع الكي ومعرضة عن فعل
الله تعالى وأن الشفاء من عنده. وأما إذا فعل ذلك على ما جاء في
الشريعة، وكان ناظراً إلى رب الدواء، وتوقع الشفاء من الله تعالى،
وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح لله تعالى، وإتعاب نفسه وكدها في
خدمة ربه، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئاً، استدلالاً
بفعل سيد المتوكلين إذ (٢) عمل بذلك في نفسه وفي غيره، انتهى.
فقد تبين أن التداوي لا ينافي التوكل، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا
بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً،
وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة.
وحكى ابن القيم: أنه ورد في خبر إسرائيلي، أن الخليل عليه
الصلاة والسلام قال: يا رب ممن الداء؟ قال: مني، قال: فممن الدواء؟
٢٩/ ب قال: مني / قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أرسل الدواء على يديه.
[(لكل داء دواء)) أمل للمريض وللطبيب]
قال(٣): وفي قوله وَ له ((لكل داء دواء)) تقوية لنفس المريض
والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء، والتفتيش عليه، فإن المريض
إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء، وبرد
(١) ((التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد)) كتاب لابن عبد البر
(٢) في (ا، ط): إذا.
(٣) أي ابن القيم في كتابه زاد المعاد.
-٤١٦ -

من حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت
حرارته الغريزية، وكان ذلك سبباً لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية
والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها،
فقهرت المرض ودفعته. انتھی(١).
فإن قلت: ما المراد بالإنزال في قوله في الأحاديث السابقة ((إلا
أنزل له دواء)) وفي الرواية الأخرى ((شفاء)) فالجواب: أنه يحتمل أن
يكون عبر بالإنزال عن التقدير، ويحتمل أن يكون المراد إنزال علم
ذلك على لسان الملك للنبي ومَلها.
[الطب النبوي]
وأين يقع طب حذاق الأطباء، الذي غايته أن يكون مأخوذاً من
قياس أو مقدمات(٢) وحدس وتجربة، من الوحي الذي يوحيه الله
تعالى إلى رسوله وَله بما ينفعه ويضره، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من
الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاء به وَ له .
بل ها هنا من الأدوية التي تشفي من الأمراض ما لم تهتد إليها عقول
أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجربتهم وأقيستهم من الأدوية
القلبية والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله تعالى والتوكل عليه
والانكسار بين يديه، والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار،
والإحسان إلى الخلق والتفريج عن المكروب.
فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها،
(١) قال بعد ذلك: وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه
والتفتيش عليه. [م] .
(٢) في (د): منامات، وفي (ا، ب، ش): مقامات.
- ٤١٧ -

فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء،
وقد جربت ذلك - والله - مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعله الأدوية
الحسية .
ولا ريب أن طب النبي وَسلّ متيقن البرء، لصدوره عن الوحي
ومشكاة النبوة، وطب غيره أكثره حدس وتجربة، وقد يتخلف الشفاء
عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل، من
ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول. وأظهر الأمثلة في ذلك
القرآن، الذي هو شفاء لما في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل
لبعض الناس شفاء صدره به لقصوره في الاعتقاد والتلقي بالقبول، بل
لا يزيد المنافق إلا رجساً إلى رجسه، ومرضاً إلى مرضه، فطب النبوة
لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، والقلوب الحية. فإعراض الناس عن
طب النبوة لإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الكريم الذي هو الشفاء
النافع .
[أنواع طبه وَلِّ ]
وكان علاجه وَيّ للمريض على ثلاثة أنواع:
أحدها: بالأدوية الإلهية الروحانية.
والثاني: بالأدوية الطبيعية.
والثالث: بالمركب من الأمرين.
- ٤١٨ -

النوع الأول
في طبه وَ له بالأدوية الإلهية
[الاستشفاء بالقرآن]
اعلم أن الله تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم - ولا أنفع
ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء - من القرآن، فهو للداء شفاء،
ولصدأ القلوب جلاء، كما قال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء
ورحمة للمؤمنين﴾(١).
ولفظة ((من)) - كما قال الإمام فخر الدين - ليست للتبعيض بل
للجنس، والمعنى: وننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن شفاء من
الأمراض الروحانية وشفاء أيضاً من الأمراض الجسمانية .
أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر، وذلك لأن المرض
الروحاني نوعان: الاعتقادات الباطلة، وأشدها فساداً الاعتقادات
الفاسدة في الإلهية والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، والقرآن مشتمل
على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة.
ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ في هذه المطالب، والقرآن
مشتمل على الدلائل الكاشفة في هذه المذاهب الباطلة من العيوب/،
لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني. وأما
١/٢٩٢
(١) سورة الإسراء، الآية ٨٢.
- ٤١٩ -

الأخلاق المذمومة (١) فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريفها وما فيها
من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة والأعمال المحمودة، فكان
القرآن شفاء من هذا النوع من المرض. فثبت أن القرآن شفاء من
جميع الأمراض الروحانية.
وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته
ينفع كثيراً من الأمراض. وإذا اعتبر الجمهور من الفلاسفة وأصحاب
الطلسمات بأن لقراءة الرقى المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء
آثاراً عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد، أفلا تكون قراءة القرآن
العظيم المشتمل على ذكر جلال الله تعالى وكبريائه، وتعظيم الملائكة
المقربين، وتحقير المردة والشياطين سبباً لحصول النفع في الدين والدنيا.
ويتأيد ما ذكرناه بما روي أن النبي وَّ قال: من لم يستشف
بالقرآن فلا شفاه الله(٢).
ونقل عن الشيخ أبي القاسم القشيري - رحمه الله - أن ولده
مرض مرضاً شديداً حتى أشرف على الموت، فاشتد عليه الأمر، قال:
فرأيت النبي وَ لّ في المنام فشكوت إليه ما بولدي فقال: أين أنت من
آيات الشفاء؟ فانتبهت فأفكرت فيها فإذا هي في ستة مواضع من
كتاب الله، وهي قوله تعالى:
﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾(٣).
(١) هذا هو النوع الثاني من المرض الروحاني، وكان الأول: الاعتقادات
الباطلة . [م].
(٢) إن صح الحديث فيكون المعنى: من لم يعتقد كونه شافياً، كما أشار إليه
الشارح.
(٣) سورة التوبة، الآية ١٤ .
- ٤٢٠ -