Indexed OCR Text

Pages 181-200

فقوله: ((نبياً من إخوتهم))، وموسى وقومه من بني إسحاق،
وإخوتهم بنو إسماعيل، ولو كان هذا النبي الموعود به من بني إسحاق
لكان من أنفسهم لا من إخوتهم.
وأما قوله: ((نبياً مثلك)) وقد قال في التوراة: لا يقوم في بني
إسرائيل أحد مثل موسى، وفي ترجمة أخرى: مثل موسى لا يقوم في
بني إسرائيل أبداً. فذهبت اليهود إلى أن هذا النبي الموعود به هو
يوشع بن نون، وذلك باطل، لأن يوشع لم يكن كفؤاً لموسى عليهما
السلام، بل كان خادماً له في حياته، ومؤكداً لدعوته بعد وفاته، فتعين
أن يكون المراد به محمداً والتر فإنه كفؤ موسى لأنه مماثله في نصب
الدعوة، والتحدي بالمعجزة، وشرع الأحكام، وإجراء النسخ على
الشرائع السالفة.
وقوله / تعالى: ((اجعل كلامي في فمه)) فإنه واضح في أن المقصود ٢٥٣ /بـ
به محمد * لأن معناه أوحي إليه بكلامي، فينطق به على نحو ما
سمعه، ولا أنزل صحفاً ولا ألواحاً لأنه أمي، لا يحسن أن يقرأ
المكتوب .
وفي الإنجيل ــ مما ذكره ابن طغر بك في ((الدر المنظم)) قال يوحنا
في إنجيله عن المسيح أنه قال: أنا أطلب من الأب أن يعطيكم ((فار
قليط)) آخر يثبت معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن
يقتلوه .
وهو عند ابن ظفر بلفظ: إن أحببتموني فاحفظوا وصيتي، وأنا
أطلب إلى أبي فيعطيكم ((فار قليط)) آخر یکون معكم الدهر كله.
قال: فهذا صريح بأن الله تعالى سيبعث إليهم من يقوم مقامه،
- ١٨١ -

فينوب عنه في تبليغ رسالة ربه وسياسة خلقه منابه، وتكون شريعته
باقية مخلدة أبداً، فهل هذا إلا محمد بَير؟ انتهى.
ولم يذكر فصول ((الفارقليط)) - كما أفاده ابن طغر بك - سوى
يوحنا، دون غيره من نقلة الأناجيل.
وقد اختلف النصارى في تفسير ((الفارقليط)).
فقيل هو: الحامد، وقيل: المخلص.
فإن وافقناهم على أنه المخلص أفضى بنا الأمر إلى أن المخلص
رسول يأتي لخلاص العالم، وذلك من غرضنا، لأن كل نبي مخلص
لأمته من الكفر، ويشهد له قول المسيح في الإنجيل: إني قد جئت
لخلاص العالم، فإذا ثبت أن المسيح هو الذي وصف نفسه بأنه مخلص
العالم، وهو الذي سأل الأب أن يعطيهم ((فارقليط)» آخر، ففي مقتضى
اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول حتى يأتي آخر.
وإن تنزلنا معهم على القول بأنه: الحامد، فأي لفظ أقرب إلى
أحمد ومحمد من هذا؟
قال ابن ظفر: وفي الإنجيل - مما ترجموه - ما يدل على أن
الفارقليط: الرسول، فإنه قال: إن هذا الكلام الذي تسمعونه ليس هو
لي، بل الأب الذي أرسلني بهذا الكلام لكم، وأما ((الفارقليط)) روح
القدس الذي يرسله أبي باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم
كلما قلته لكم.
فهل بعد هذا بيان؟ أليس هذا صريحاً في أن ((الفارقليط)) رسول
يرسله الله، وهو روح القدس، وهو يصدق بالمسيح، ويظهر اسمه أنه
رسول حق من الله، وليس بإلّه، وهو يعلم الخلق كل شيء،
- ١٨٢ -

ويذكرهم كل ما قاله المسيح عليه السلام لهم، وكل ما أمرهم به من
توحيد الله .
وأما قوله ((أبي)) فهذه اللفظة مبدلة محرفة، وليست منكرة
الاستعمال عند أهل الكتابين، إشارة إلى الرب سبحانه، لأنها عندهم
لفظة تعظيم، يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد منه العلم. ومن
المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية، ولم تزل بنو
إسرائيل وبنو عيصو يقولون نحن أبناء الله بسوء فهمهم عن الله
تعالى .
وأما قوله ((يرسله أبي باسمي)) فهو إشارة إلى شهادة المصطفى
وَ ل* له بالصدق والرسالة، وما تضمنه القرآن من مدحه عما افتريّ في
أمره .
وفي ترجمة أخرى للإنجيل، أنه قال: ((الفارقليط)) إذا جاء وبخ
العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ما يسمع يكلمهم به،
ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث.
وهو عند ابن طغر بك بلفظ: فإذا جاء روح الحق، ليس ينطق
من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، وهو
يمجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم.
فقوله ((ليس ينطق من عنده)) وفي الرواية الأخرى: ((ولا يقول
من تلقاء نفسه بل يتكلم بكل ما يسمع)) أي: من الله الذي أرسله،
وهذا كما قال تعالى في حقه رَلّ: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا
وحي يوحى﴾(١).
(١) سورة النجم، الآية ٣.
- ١٨٣ -

وقوله: ((وهو يمجدني)) فلم يمجده حق تمجيده إلا محمد وعليه، لأنه
وصفه بأنه رسول الله، وبرأه وبرأ أمه - عليهما السلام - مما نسب
إليهما، وأمر أمته بذلك.
قال ابن ظفر: فمن ذا الذي وبخ العلماء على كتمان الحق،
١/٢٥٤ وتحريف / الكلم عن مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس، ومن ذا
الذي أنذر بالحوادث وأخبر بالغيوب إلا محمد وَّيهِ، ولله در أبي محمد
عبدالله الشقراطسي حيث قال في قصيدته المشهورة:
توراة موسى أتت عنه قصدفها إنجيل عيسى بحق غير مفتعل
عما رأوا ورووا في الأعصر الأول
أخبار أحبار أهل الکتب قد وردت
ويعجبني قول العارف الرباني(١) أبي عبدالله بن النعمان.
هذا النبي محمد جاءت به توراة موسى للأنام تبشر
وكذاك إنجيل المسيح موافق ذكراً لأحمد معرب ومذكر
ويرحم الله ابن جابر حيث قال:
لمبعثه في كل جيل علامة على ما جلته الكتب من أمره الجلي
فجاء به إنجيل عيسى بآخر كما قد مضت توراة موسى بأول
وفي الدلائل للبيهقي عن الحاكم - بسند لا بأس به - عن أبي
أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر
إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فذكر الحديث، وأنه
أرسل إليهم ليلاً، قال: فدخلنا عليه، فدعا بشيء كهيئة الربعة
العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح واستخرج حريرة
(١) كلمة (الرباني) لم تذكر في (ب، ط).
- ١٨٤ -

سوداء، فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، فإذا رجل ضخم العينين عظيم
الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله
تعالى، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم عليه السلام،
ثم فتح باباً آخر فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء،
فإذا رجل أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية، فقال: أتعرفون
هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح عليه السلام، قال: ثم فتح باباً آخر
وأخرج حريرة فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا فيها - والله - رسول الله
وَ ل﴿، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله ونبيينا، قال:
والله إنه لهو، ثم قام قائماً ثم جلس وقال: إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو
كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما والله إنه لآخر
البيوت، ولكني عجلته لكم لأنظر ما عندكم. الحديث، وفيه ذكر
الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى وسليمان وغيرهم. قال: فقلنا له: من
أين لك هذه الصور؟ فقال: إن آدم عليه السلام سأل ربه أن يريه
الأنبياء من ولده فأنزل الله عليه صورهم، فكان في خزانة آدم عليه
السلام عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب
الشمس فدفعها إلى دانیال.
وفي زبور داود عليه السلام، من مزمور أربعة وأربعين: فاضت
النعمة من شفيتك، من أجل هذا باركك الله إلى الأبد، تقلد أيها
الجبار بالسيف، فإن شرائعك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك
مسنونة، وجميع الأمم يخرون تحتك.
فهذا المزمور ينوه بنبوة محمد وَلقر، فالنعمة التي فاضت من
شفتيه هي القول الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل عليه والسنة
التي سنها.
- ١٨٥ -

وفي قوله: ((تقلد سيفك أيها الجبار)) دلالة على أنه النبي العربي،
إذ ليس يتقلد السيوف أمة من الأمم سوى العرب، فكلهم يتقلدونها
على عواتقهم.
وفي قوله ((فإن شرائعك وسنتك)) نص صريح على أنه صاحب
شريعة وسنة، وأنها تقوم بسيفه.
و(الجبار)) الذي يجبر الخلق بالسيف على الحق ويصرفهم عن
الكفر جبراً.
٢٥٤/ب
وعن وهب بن منبه قال: قرأت في بعض الكتب القديمة، قال/
الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي، لأنزلنَّ على جبال العرب نوراً يملأ
ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجن من ولد إسماعيل نبياً أمياً يؤمن به
عدد نجوم السماء ونبات الأرض، كلهم يؤمن بي رباً، وبه رسولاً،
ويكفرون بملل آبائهم ويفرون منها، قال موسى: سبحانك وتقدست
أسماؤك، لقد كرمت هذا النبي الكريم وشرفته، قال الله: يا موسى،
إني أنتقم من عدوه في الدنيا والآخرة، وأظهر دعوته على كل دعوة،
وأذل من خالف شريعته، بالعدل زينته (١)، وللقسط(٢) أخرجته،
وعزتي لأستنقذن به أمماً من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم وأختمها
بمحمد، فمن أدركه ولم يؤمن به ولم يدخل في شريعته فهو من الله
بريء. ذكره ابن ظفر وغيره.
(١) في (ب): ربيته وفي (ط): دينته.
(٢) في (ط): وبالقسط.
- ١٨٦ -

النوع الخامس
في آيات تتضمن أقسامه تعالى على تحقيق رسالته
وثبوت ما أوحى إليه من آياته
وعلو رتبته الشريفة ومكانته
وهذا النوع - أعزك الله - لخصت أكثره من كتاب أقسام القرآن
للعلامة ابن القيم، مع زيادات من فرائد الفوائد.
فاعلم أنه تعالى أقسم بأمور على أمور، وإنما أقسم بنفسه
الموصوفة بصفاته، وآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وأقسامه ببعض
مخلوقاته دليل على أنه من عظيم آياته.
ثم إنه تعالى تارة يذكر جواب القسم وهو الغالب.
وتارة یحذفه.
وتارة يقسم على أن القرآن حق.
وتارة على أن الرسول حق.
وتارة على أن الجزاء والوعد والوعيد حق.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو
تعلمون عظيم، إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون، لا يمسه إلا
المطهرون﴾(١).
(١) سورة الواقعة، الآيات من ٧٥ - ٧٩.
- ١٨٧ -

والثاني: كقوله تعالى: ﴿يَس والقرآن الحكيم إنك لمن
المرسلين﴾(١).
والثالث: كقوله: ﴿والذاريات ذروا﴾(٢) إلى قوله: ﴿وإن الدين
لواقع﴾
وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، فمتى ثبت أن الرسول حق، ثبت
أن القرآن حق، وثبت المعاد، ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق
الرسول الذي جاء به، ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق
الرسول الذي جاء به.
وفي هذا النوع خمسة فصول.
(١) سورة يس. الآيات ١ - ٣.
(٢) سورة الذاريات ١٠.
- ١٨٨ -

الفصل الاول
في قسمه تعالى على ما خصه به
من الخلق العظيم وحباه من الفضل العميم
قال الله تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون. ما أنت بنعمة ربك
بمجنون. وإن لك لأجراً غير ممنون. وإنك لعلى خلق عظيم﴾(١).
ن﴾ من أسماء الحروف ک﴿الم﴾ و﴿المص﴾ و﴿ق﴾(٢).
واختلف فيها، فقيل هي أسماء للقرآن، وقيل: أسماء للسور.
وقيل: أسماء الله، ويدل عليه أن علياً رضي الله عنه كان يقول:
يا ﴿كهيعص﴾(٣)، يا ﴿حم عسق﴾ (٤) كما قيل، ولعله أراد يا منزلهما.
وقيل: إنه سر استأثر الله بعلمه، وقد روي عن الخلفاء الأربعة
وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله
ورسوله، لم يقصد بها إفهام غيره، إذ يبعد الخطاب بما لا يفيد.
(١) سورة القلم، الآيات ١ - ٤.
(٢) هي أوائل سور: البقرة، الأعراف، ق.
(٣) أول سورة مريم.
(٤) الآيتان الأولى والثانية من سورة الشورى، وقد وردت في النسخ موصولة
(حمعسق). وقد أخرجه ابن ماجه في تفسيره عن فاطمة بنت علي بن أبي
طالب.
- ١٨٩ -

وهل المراد بقوله تعالى هنا: ((ن)) اسم الحوت، وهل المراد به
الجنس أو البهموت(١) وهو الذي عليه الأرض؟
وقيل: المراد به الدواة وهو مروي عن ابن عباس، ويكون هذا
قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن
التفاهم تارة يحصل بالنطق وتارة بالكتابة.
وقيل: إن ((ن)) لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يأمرهم به
الله. رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
والحق أنه اسم للسورة، وأقسم الله تعالى بالكتاب وآلته وهو
القلم الذي هو إحدى آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره
وشرعه، وكتب به الوحي، وقيد به الدين، وأثبتت به الشريعة،
وحفظت به العلوم، وقامت به مصالح العباد في المعاش والمعاد، وقام
في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظاً تشفي
مواعظه القلوب من السقم، وطبيباً يبرئ بإذن بارئه من أنواع الألم على
تنزيه نبيه ورسوله محمد المحمود في كل أفعاله وأقواله مما غمصته
١/٢٥٥ أعداؤه الكفرة به، وتكذيبهم له بقوله / تعالى: ﴿ما أنت بنعمة ربك
بمجنون﴾.
وكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء قاطبة عن
معارضته، وكلَّت عن مماثلته، وعرفّهم من الحق ما لا تهتدي إليه
عقولهم، بحيث أذعنت له عقول العقلاء، وخضعت له ألباب الألباء،
وتلاشت في جنب ما جاء به، بحيث لم يسعها إلا التسليم له،
والانقياد والإذعان طائعة مختارة، فهو الذي كمل عقولها كما يكمل
الطفل برضاع الثدي.
(١) في ش: اليهموت. وهذا القول ضرب من الخيال [م].
- ١٩٠ -

ثم أخبر تعالى عن كمال حالتي نبيه # ## في دنياه وآخرته فقال:
﴿وإنك لك لأجراً غير ممنون﴾ أي: ثواباً غير منقطع، بل هو دائم
مستمر، ونكر الأجر للتعظيم، أي أجراً عظيماً لا يدركه الوصف ولا
يناله التعبير.
ثم أثنى عليه بما منحه فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وهذه
من أعظم آيات نبوته ورسالته، ولقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن
خلقه وَالر فقالت: ((كان خلقه القرآن)) (١) ومن ثم قال ابن عباس
وغيره: أي على دين عظيم، وسمى الدين خلقاً لأن الخلق هيئة مركبة
من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل
والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك الأقوال والأعمال
عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقاً هي أزكى
الأخلاق وأشرفها وأفضلها. وهذه كانت أخلاقه وَير المقتبسة من
القرآن، فكان كلامه مطابقاً للقرآن تفصيلاً وتبييناً، وعلومه علوم
القرآن، وإراداته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه
لما منع منه القرآن، ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه،
وكراهته لما كرهه، ومحبته لما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره، فترجمت أم
المؤمنين - لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن تعبيرها - عن هذا
كله بقولها: ((كان خلقه القرآن))، وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى
به واشتفی .
ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم قال: ﴿فستبصر ويبصرون،
بأيكم المفتون﴾ أي فسترى يا محمد وسيرى المشركون كيف عاقبة
(١) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
- ١٩١ -

أمرك، فإنك تصير معظماً في القلوب، ويصيرون أذلاء مغلوبين،
وتستولي عليهم بالقتل والنهب(١).
(١) النهب في اللغة: الغنيمة. والواقع أن الرسول وَله في سيرته ضرب المثل
الأعلى في التسامح حين السيطرة على عدوه، وما فتح مكة عن الأذهان
ببعيد [المحقق].
- ١٩٢ -

الفصل الثاني
في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه
وأظهره من قدره العلي لديه
قال الله تعالى: ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك
وما قلى﴾ السورة(١).
أقسم تعالى على إنعامه على رسوله وير وإكرامه له وإعطائه ما
يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى
جزائه في الآخرة، فهو قسم على النبوة والمعاد.
وأقسم تعالى بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته
ووحدانيته، وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، وفسر بعضهم - كما
حكاه الإمام فخر الدين - الضحى بوجهه وَير والليل بشعره، قال:
ولا استبعاد فيه.
وتأمل مطابقة هذا القسم، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد
ظلام الليل، للمقسم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه
عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمداً ربُّه، فأقسم بضوء النهار بعد
ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة احتباسه واحتجابه.
(١) سورة الضحى الآيات ١ - ٣.
- ١٩٣ -

وأيضاً فإن الذي اقتضت رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل
سرمداً بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم ومعايشهم لا يتركهم في
ظلمة الجهل والغي بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم
وآخرتهم، فتأمل حسن ارتباط المقسم به بالمقسم عليه.
وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ، والجلالة
التي على معانيها.
ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه، والتوديع: الترك،
والقلى: البغض، أي: ما تركك منذ اعتنى بك، ولا أبغضك منذ
أحبك، وحذف ((الكاف)) من (قلا)) اكتفاء بکاف ودعك، ولأن رؤوس
٢٥٥/ ب الآيات / بالياء فأوجب اتفاق الفواصل حذفها.
وهذا يعم كل أحواله، وإن كل حالة يرقيه إليها هي خير له مما
قبلها، كما أن الدار الآخرة خير له مما قبلها، ثم وعده بما تقربه عينه
وتفرح به نفسه، وينشرح به صدره، وهو أن يعطيه فيرضى. وهذا
يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر والظفر بأعدائه يوم بدر وفتح
مكة، ودخول الناس في الدين أفواجاً، والغلبة على بني قريظة
والنضير، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه
الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وقذف في قلوب أعدائه من
الرعب، ونشر الدعوة، ورفع ذكره وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد
مماته، وما يعطيه في موقف القيامة من الشفاعة والمقام المحمود، وما
يعطيه في الجنة من الوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر.
وقال ابن عباس: يعطيه ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابها
المسك وفيها ما يليق بها.
- ١٩٤ -

وبالجملة: فقد دلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه ومير كل ما
يرضيه .
وأما ما يغتر به الجهال من أنه لا يرضى وأحد من أمته في النار،
أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور الشيطان لهم
ولعبه بهم، فإنه صلوات الله وسلامه عليه يرضى بما يرضى به ربه
تبارك وتعالى، وهو سبحانه يدخل النار من يستحقها من الكفار
والعصاة، ثم يحد لرسول الله وم طر حداً يشفع فيهم - كما سيأتي في
المقصد الأخير إن شاء الله تعالى - ورسوله ويسير أعرف به وبحقه من أن
يقول: لا أرضى أن تدخل أحداً من أمتي النار أو تدعه فيها، بل ربه
تبارك وتعالى يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه، ولا يشفع
في غیر من أذن له ورضیه.
ثم ذكره سبحانه نعمه عليه من إيوائه بعد يتمه، فقال:
يجدك يتيماً فآوى﴾ وذهب بعضهم إلى أن معنى اليتيم من قولهم: درة
يتيمة، أي: ألم يجدك واحداً في قريش عديم النظير فآواك إليه وأغناك
بعد الفقر.
ثم أمره سبحانه أن يقابل هذه النعم الثلاث بما يليق بها من
الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم، وأن ينهر السائل، وأن يكتم النعمة، بل
يحدث بها، فإن من شكر النعمة الحديث بها. وقيل المراد بالنعمة
النبوة، والتحدث بها: تبليغها.
- ١٩٥ -

الفصل الثالث
في قسمه تعالى على تصديقه و الفر فيما أتى به
من وحيه وكتابه وتنزيهه عن الهوى في خطابه.
[القسم على تصديقه فيما أوحي إليه]
قال الله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما
غوى، وما ينطق عن الهوى﴾(١).
أقسم تعالى بالنجم على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه
من الضلال والغي.
واختلف المفسرون في المراد بالنجم بأقاويل معروفة .
منها: ((النجم)) على ظاهره، وتكون ((أل)) لتعريف العهد في
قول، ولتعريف الجنس في آخر، وهي النجوم التي يهتدى بها. فقيل:
الثريا إذا سقطت وغابت، وهو مروي عن ابن عباس في رواية علي بن
أبي طلحة(٢) وعطية. والعرب إذا أطلقت النجم تريد به الثريا. وعن
ابن عباس في رواية عكرمة: النجوم التي ترمى بها الشياطين إذا
سقطت في آثارها عند استراق السمع، وهذا قول الحسن، وعن
السدي الزهري، وعن الحسن أيضاً النجوم إذا سقطت يوم القيامة.
(١) سورة النجم، الآيات ١ - ٣.
(٢) في ط: علي بن طلحة.
- ١٩٦ -

وقيل المراد به النبت الذي لا ساق له، و((هوى)) أي سقط على
الأرض.
وقيل: القرآن، رواه الكلبي عن ابن عباس، لأنه نزل نجوماً
على رسول الله وَّر وهو قول مجاهد/ ومقاتل والضحاك.
١/٢٥٦
وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: هو محمد وَالر ((إذا
هوى)) أي نزل من السماء ليلة المعراج.
وأظهر الأقوال ــ كما قاله ابن القيم - أنها النجوم التي ترمى بها
الشياطين، ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي
نصبها الله تعالى آية وحفظاً للوحي من استراق الشياطين. على أن ما
أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد
حرس بالنجم إذا هوى رصداً بين يدي الوحي، وحرساً له، وعلى
هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور. وفي المقسم
به دليل على المقسم عليه.
وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله: بالنجم إذا هوى، ولا
تسمية نزوله هوياً، ولا عهد في القرآن بذلك، فيحمل هذا اللفظ
عليه .
وليس بالبين تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت.
وليس بالبين أيضاً القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة. بل
هذا مما يقسم الرب عليه، ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلاً
لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكرو البعث، فإنه سبحانه إنما
يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه، ثم إن بين المقسم به
والمقسم عليه من المناسبة ما لا يخفى.
- ١٩٧ -

فإن قلنا إن المراد النجوم التي هي للاهتداء فالمناسبة ظاهرة،
وإن قلنا إن المراد الثريا فلأنه أظهر النجوم عند الرائي، لأنه لا يشتبه
بغيره في السماء، بل هو ظاهر لكل أحد، والنبي ◌َّ تميز عن الكل بما
منح من الآيات البينات، ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق حان
إدراك الثمار، وإذا ظهرت من المغرب قرب أواخر الخريف فتقل
الأمراض، والنبي ◌َّير لما ظهر قل الشرك والأمراض القلبية.
وإن قلنا إن المراد بها القرآن فهو استدلال بمعجزته رَّلهم على
صدقه وبراءته، وأنه ما ضل ولا غوى، وإن قلنا إن المراد النبات،
فالنبات به نبات القوى الجسمانية وصلاحها، والقوى العقلية أولى
بالصلاح، وذلك بالرسل وإيضاح السبل.
وتأمل كيف قال تعالى: ﴿ما ضل صاحبكم﴾ ولم يقل: ما ضل
محمد، تأكيداً لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، وهم أعلم الخلق به
وبحاله وأقواله وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال،
ولا ينقمون عليه أمراً واحداً قط، وقد نبه تعالى على هذا المعنى بقوله
عز وجل: ﴿أم لم يعرفوا رسولهم﴾(١)
ثم نزه نطق رسوله وَير أن يصدر عن هوى فقال تعالى: ﴿وما
ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ ولم يقل: وما ينطق بالهوى،
لأن نفي نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن
هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به، فيتضمن هو(٢)
الأمرين: نفي الهوى عن مصدر النطق، ونفيه عن النطق نفسه،
فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد، لا الغي والضلال.
(١) سورة المؤمنون، الآية ٦٩.
(٢) في (ب، د): نفي.
- ١٩٨ -

ثم قال تعالى: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾ فأعاد الضمير على
المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا
أحسن من جعل الضمير عائداً إلى القرآن، فإن نطقه بالقرآن والسنة،
وإن كليهما وحي، قال الله تعالى: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب
والحكمة﴾ (١) وهما القرآن والسنة. وذكر الأوزاعي(٢) عن حسان بن
عطية(٣) قال: كان جبريل ينزل على رسول الله وصوله بالسنة كما ينزل
عليه بالقرآن يعلمه إياها.
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي والقرآن بما يعلم أنه
مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال: ﴿علمه شديد
القوى﴾ وهو جبريل، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة، ولا
شك أن مدح المعلم مدح للمتعلم. فلو قال: علمه جبريل ولم يصفه
لم يحصل للنبي ◌ّلل به فضيلة ظاهرة. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ذي قوة
عند ذي العرش مكین﴾(٤) كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى/.
٢٥٦ / ب
ثم أخبر سبحانه وتعالى عن تصديق فؤاده(٥) لما رأته عيناه. وأن
القلب صدق العين، وليس كمن رأى شيئاً على خلاف ما هو به،
فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد، وعلم أنه
(١) سورة النساء، الآية ١١٣ .
(٢) الأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو، الفقيه الثقة الجليل، المتوفى سنة سبع
وخمسين ومائة .
(٣) حسان بن عطية المحاربي، مولاهم الدمشقي ثقة فقيه عابد مات بعد
العشرين ومائة .
(٤) سورة التكوير، الآية ٢٠ .
(٥) في ط: فؤاد بصره.
- ١٩٩ -

كذلك. وفي حديث قصة الإسراء مزيد لما ذكرته هنا، والله الموفق
والمعين .
[القسم على صدق الكتاب]
وقال تعالى: ﴿فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس﴾ إلى قوله: ﴿وما
هو بقول شيطان رجيم﴾(١) .
أي: لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم.
أو: أقسم، و((لا)) مزيدة للتأكيد، وهذا قول أكثر المفسرين
بدليل قوله تعالى: ﴿وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ .
قال الزمخشري: والوجه أن يقال هي للنفي، أي أنه لا يقسم
بالشيء إلا إعظاماً له، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي
بإقسامي كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك.
أقسم سبحانه وتعالى بالنجوم في أحوالها الثلاثة: في طلوعها
وجريانها وغروبها، وبانصرام الليل وإقبال النهار عقيبه من غير فصل،
فذكر سبحانه وتعالى حالة ضعف هذا وإدباره، وحالة قوة هذا وتنفسه
وإقباله، يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين
يديه، وذلك من آياته ودلائل ربوبيته أن القرآن قول رسول كريم،
وهو هنا جبريل، لأنه ذكر صفته قطعاً بعد ذلك بما يعينه به.
وأما ((الرسول الكريم)) في ((الحاقة)) فهو محمد بَليل. فأضافه إلى
الرسول الملكي تارة، وإلى البشري أخرى، وإضافته إليهما إضافة
(١) سورة التكوير، الآية ١٥.
- ٢٠٠ -