Indexed OCR Text

Pages 501-520

هذا يجب اختصاصه به. وقد يسمون الكرامات آيات لكونها تدل على
نبوة من اتبعه ذلك الولي، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته
بدون ثبوت المدلول، فلذلك كان آية وبرهاناً، انتهى.
[دلائل النبوة]
وإذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل نبوة نبينا وَلقر كثيرة، والأخبار
بظهور معجزاته شهيرة.
فمن دلائل نبوته: ما وجد في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله
المنزلة من ذكره ونعته، وخروجه بأرض العرب، وما خرج بين يدي
أيام مولده ومبعثه من الأمور العجيبة الغريبة القادحة في سلطان الكفر،
الموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب المنوهة لذكرهم، كقصة الفيل،
وما أحل الله تعالى بأصحابه من العقوبات والنكال، وخمود نار فارس
وسقوط شرفات(١) إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوة، ورؤيا
الموبذان (٢)، وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس
(١) في (ب، ط): شرافات.
(٢) اسم لحاكم المجوس: كقاضي القضاة للمسلمين. رأى ليلة مولده ويلل إيلاً
صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها.
قال الشيخ عبد الفتاح أبو غدة تعليقاً على قول ابن كثير عن حديث الغزالة
((من نسبه إلى النبي (وَ ﴿ فقد كذب)) قال: ومثله .. أن ليلة مولد النبي اوَل
ارتجس إيوان كسرى وسقطت منه أربع عشرة شرفة وخمدت نار فارس ..
وغاضت بحيرة ساوه .. ورأى المؤبذان رؤيا وفسرها له كاهن العرب
سطيح .. فهذا الحديث ليس بصحيح ولا يجوز قوله .. ولا يغرنك ذكر
بعض العلماء له في كتب السيرة أو التاريخ. [عن كتاب المصنوع في معرفة
الحديث الموضوع للقاري تحقيق أبو غدة ص ١٨] [المحقق].
- ٥٠١ -

الأصنام المعبودة وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها، إلى
سائر ما روي وما نقل في الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في
ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعثه الله نبياً.
ولم يكن له وَّر ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه، ولا
قوة فيقهر بها الرجال، ولا أعوان على الرأي الذي أظهره، والدين
الذي دعا إليه، وكانوا يجتمعون على عبادة الأصنام، وتعظيم الأزلام،
مقيمين على عادة الجاهلية في العصبة والحمية، والتعادي والتباغي
وسفك الدماء، وشن الغارة ولا تجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم عن
سوء أفعالهم نظر في عاقبة، ولا خوف عقوبة ولائمة، فألف وَلّ بين
قلوبهم وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء وتناصرت القلوب، وترادفت
الأيدي، فصاروا إلباً(١) واحداً في نصرته، وعنقاً(٢) واحداً إلى طلعته،
وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا
مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز
كلمته، بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا عوض في
العاجل أطمعهم في نيله يرجونه(٣)، أو ملك أو شرف في الدنيا
يحوزونه، بل كان من شأنه ◌ّ ر أن يجعل الغني فقيراً(٤)، والشريف
أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور، أو يتفق مجموعها لأحد
هذا سبيله، من قبيل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي بعثه
١/١٨٢ بالحق، وسخر له / هذه الأمور، ما يرتاب عاقل في شيء من ذلك،
(١) أي جمعا.
(٢) أي جمعا.
(٣) في (أ، ش، د) يحوونه.
(٤) أي يحمله على صرف أمواله في الجهاد ونحوه من أنواع القرب، كأبي بكر،
أو بأن يصيره كالفقير في تهذيب النفس وعدم الفخر.
- ٥٠٢ -

وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سماوي، ناقض للعادات، يعجز عن
بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله
رب العالمين.
[من الدلائل: أميته ◌ِالقر]
ومن دلائل نبوته ليل أنه كان أمياً، لا يخط كتاباً بيده ولا
يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم
يعرف أخبار الماضين، ولم يخرج في سفر ضارباً إلى عالم فيعكف عليه،
فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم
تلك الكتب، ودرست وحرفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين
بها وأهل المعرفة بصحيحها وسقيمها إلا القليل، ثم حاجَّ كل فريق
من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد له حذاق المتكلمين وجهابذة
النقاد المتفننين لم يتهيأ لهم(١) نقض ذلك. وهذا أدلُّ شيء على أنه أمر
جاءه من عند الله تعالى.
[من الدلائل: القرآن]
ومن ذلك، القرآن العظيم، فقد تحدى بما فيه من الإعجاز،
ودعاهم إلى معارضته والإتيان بسورة من مثله، فنكلوا عنه وعجزوا
عن الإتيان بشيء منه.
قال بعض العلماء: إن الذي أورده وَ لير على العرب من الكلام
أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة من
(١) كذا في د، وفي النسخ: له.
- ٥٠٣ -

إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب
الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين في اللسن بكلام مفهوم(١) المعنى
عندهم، فكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند
إحياء الموتى، لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا إبراء الأكمه والأبرص
ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة
والخطابة، فدل على أن العجز عنه إنما كان ليصير علماً على رسالته،
وصحة نبوته، وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح.
وقال أبو سليمان الخطابي: وقد كان ◌َّ من عقلاء الرجال عند
أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق. وقد قطع القول فيما
أخبر به عن ربه تعالى بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال: ﴿فإن لم
تفعلوا ولن تفعلوا﴾ (٢) فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علام
الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن
يقطع القول في شيء، بأنه لا يكون وهو يكون. انتهى.
وهذا أحسن ما يقال في هذا المجال وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه
نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة، وبالتقصير عن بلوغ الغرض في
المناقضة، صارخاً بهم على رؤوس الأشهاد، فلم يستطع أحد منهم
الإلمام به مع توفر الدواعي وتظاهر الاجتهاد، فقال - وكان بما ألقى
إليهم من الأخبار علياً خبيراً -: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على
أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض
(١) كذا في ش، وفي النسخ: مفهم.
(٢) سورة البقرة، الآية ٢٤.
- ٥٠٤ -

ظهيرا﴾ (١) فرضيت هممهم السرية(٢) وأنفسهم الشريفة الأبية بسفك
الدماء وهتك الحرم(٣).
وقد ورد من الأخبار في قراءة النبي بَلّ بعض ما نزل عليه على
المشركين الذين كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، واقرارهم بإعجازه
جمل كثيرة: فمنها ما روي عن محمد بن كعب قال: حدثت أن عتبة
ابن ربيعة قال ذات يوم - وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ولاينه
جالس وحده في المسجد - يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأعرض
عليه أموراً لعله يقبل منا بعضها ويكف عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد،
فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله (صل18- فذكر الحديث - فيما قاله عتبة
وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك - فلما فرغ قال رسول الله وعليه :
أفرغت يا أبا الوليد؟/ قال: نعم، قال: فاسمع مني، قال: أفعل،
فقال رسول الله وَلفر: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل من الرحمن
الرحيم﴾ (٤) حتى بلغ: ﴿قرآناً عربياً﴾ فمضى رسول الله وَّر يقرؤها
عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى بيديه خلف ظهره
معتمداً عليهما يسمع منه، حتى انتهى رسول الله وصل إلى السجدة
فسجد فيها ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟ قال: سمعت [قال](٥)،
فأنت وذاك، فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف
بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم
١٨٢/ ر
(١) سورة الإسراء، الآية ٨٨.
(٢)
أي الشريفة .
(٣) كذا في ش، وفي النسخ: الحريم. أي فعلوا ذلك عناداً، وعجزاً عن
الإتيان بمثله.
(٤) أول سورة فصلت.
(٥) في ش.
- ٥٠٥ -

قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله إني قد سمعت قولاً ما
سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا
معشر قريش، أطيعوني، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله
ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ. قال: فأجابني بشيء والله ما هو بسحر
ولا بشعر ولا كهانة. قرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل من
الرحمن الرحيم﴾ حتى بلغ ﴿فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد
وثمود﴾(١) فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن
محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب فخفت أن ينزل بكم العذاب. رواه
البيهقي وغيره.
وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيساً فقال: والله ما
سمعت بأشعر من أخي أنيس، وقد ناقض اثني عشر شاعراً في
الجاهلية أنا أحدهم، وأنه انطلق وجاء إلى أبي ذر بخبر النبي وقلّر،
قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر، لقد
سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء(٢) الشعر
فلم يلتئم، ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق
وإنهم لكاذبون. رواه مسلم والبيهقي.
وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش في
الفصاحة: أنه قال للنبي وَّ: اقرأ علي، فقرأ عليه: ﴿إن الله يأمر
بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى﴾(٣) إلى آخر الآية. قال: أعد،
فأعاد وَّه، فقال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة (٤) وإن أعلاه
(١) سورة فصلت، الآية ١٣.
(٢) أي أنواعه وأنحاءه.
(٣) سورة النحل، الآية ٩٠.
(٤) أي: حسناً وبهجة.
- ٥٠٦ -

لمثمر وإن أسفله لمغدق(١) وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما
فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بأشعار الجن،
والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله إن لقوله الذي يقول
لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا
يعلى(٢).
وفي خبره الآخر: حين جمع قريشاً عند حضورهم الموسم وقال:
إن وفود العرب تردنا(٣)، فأجمعوا فيه رأياً، لا يكذب بعضكم بعضاً،
فقالوا: نقول هو كاهن، قال: والله ما هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا:
مجنون. قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: فنقول
شاعر، قال: ما هو بشاعر. قد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه
وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر،
قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول؟ قال: ما
أنتم قائلون من هذا شيئاً إلا وأنا أعرف أنه باطل، رواه ابن إسحاق
والبيهقي .
وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق، حدثني إسحاق بن
يسار عن رجل من بني سلمة قال: لما أسلم فتيان بني سلمة قال عمرو
ابن الجموح لابنه: أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل، فقرأ عليه
﴿الحمد للهرب العالمين) إلى قوله ﴿الصراط المستقيم) فقال: ما أحسن
هذا وأجمله، أو كل كلامه مثل هذا قال: يا أبت وأحسن من هذا.
وقال بعض العلماء: إن هذا القرآن لو وجد مكتوباً في مصحف
(١) الغدق: هو كثرة الماء، أراد بأسفله ما تضمنه من المعاني.
(٢) رواه البيهقي مرسلاً.
(٣) كذا في أ وفي النسخ: ترد.
- ٥٠٧ -

في فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول
١/١٨٣ السليمة / أنه منزل من عند الله، وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف
مثل ذلك، فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم
وقال: إنه كلام الله، وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله
فعجزوا، فكيف يبقى مع هذا شك. انتهى.
[وجوه إعجاز القرآن]
واعلم أن وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر، لكن قال بعضهم:
قد اختلف العلماء في إعجازه على ستة أوجه:
● أحدها: أن وجه إعجازه(١) هو الإيجاز والبلاغة، مثل قوله:
﴿ولكم في القصاص حياة﴾(٢) فجمع في كلمتين عدد حروفهما عشرة
أحرف معاني كلام كثير.
وحكى أبو عبيد: أن أعرابياً سمع رجلاً يقرأ: ﴿فاصدع بما
تؤمر﴾(٣) فسجد وقال: سجدت الفصاحة هذا الكلام. وسمع آخر
رجلاً يقرأ: ﴿فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً﴾(٤) قال: أشهد أن مخلوقاً
لا يقدر على مثل هذا الكلام.
وحكى الأصمعي: أنه رأى جارية خماسية أو سداسية(٥) وهي
(١) في (ب، ط): إعجاز القرآن.
(٢) سورة البقرة، الآية ٠١٧٩
(٣) سورة الحجر، الآية ٩٤.
(٤) سورة يوسف، الآية ٨٠.
(٥) أي بلغت خمساً أو ستاً.
- ٥٠٨ -

تقول: استغفر الله من ذنوبي كلها، فقلت لها: مم تستغفرين ولم يجر
عليك قلم؟ فقالت:
استغفر الله لذنبي كله قتلت إنساناً بغير حله
انتصف الليل ولم أصله(١)
مثل غزال ناعم في دله
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك، فقالت: أو تعد هذا فصاحة
بعد قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه
فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من
المرسلين﴾(٢) فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخيرين
وبشارتین.
وحكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يوماً نائماً في
المسجد، فإذا هو برجل قائم على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه
أنه من بطارقة الروم، ممن يحسن كلام العرب وغيرها، وأنه سمع
رجلاً من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع الله
فيها ما أنزل(٣) على عيسى بن مريم من أحوال الدنيا والآخرة. وهي
قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه﴾(٤) الآية.
وقد رام قوم من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفاً من البلاغة،
وحظاً من البيان، أن يضعوا شيئاً يلبسون به، فلما وجدوه مكان النجم
من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر
(١) في ط: أصل له. قال الشارح: إخبار عن ذنب آخر، أي لم أتهجد فيه.
(٢) سورة القصص، الآية ٧.
(٣) هذه عبارة الأصل وفي النسخ: قد جمع فيها ما أنزل الله.
(٤) سورة النور، الآية ٥٢.
- ٥٠٩ -

وأشباههما، لوقوع الشبهة على الجهال فيما قل عدد حروفه، لأن العجز
إنما يقع في التأليف والاتصال.
وممن رام ذلك من العرب في التشبث(١) بالسور القصار،
مسيلمة الكذاب فقال: يا ضفدع نقي كم تنقين، أعلاك في الماء
وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين. فلما سمع
أبو بكر رضي الله عن هذا قال: إنه كلام لم يخرج من إل.
قال ابن الأثير: أي من ربوبية، و((الإل)) بالكسر هو الله تعالى.
وقيل: الإل الأصل الجيد، أي لم يجئ من الأصل الذي جاء منه
القرآن .
ولما سمع مسيلمة الكذاب - لعنه الله - ((والنازعات)) قال:
والزارعات زرعاً والحاصدات حصداً والذرايات قمحاً، والطاحنات
طحناً، والحافرات حفراً، والثاردات ثرداً، واللاقمات لقماً، لقد فضلتم
على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر. إلى غير ذلك من الهذيان، مما
ذكرت في الوفود من المقصد الثاني بعضه والله أعلم.
وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة
تسعى، من بين شراسيف(٢) وأحشى(٣).
وقال آخر: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب
وثيل(٤)، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل.
(١) في (ب، د): التشبيه، والتشبث معناه: التعلق.
(٢) جمع شرسوف: غضروف معلق بكل ضلع.
(٣) هذا القول سقط من (ب، د).
(٤) أي طويل يشبه الحبل في امتداده.
- ٥١٠ -

ففي هذا الكلام مع قلة حروفه من السخافة ما لا خفاء به على من
لا يعلم، فضلاً عمن يعلم.
• والثاني: أن إعجازه هو الوصف / الذي صار به خارجاً عن ١٨٣/ب
جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع،
فلا يدخل في شيء منها ولا يختلط بها مع كون ألفاظه وحروفه من
جنس كلامهم، ومستعملة في نظمهم ونثرهم، ولذلك تحيرت عقولهم،
وتدلهت(١) أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في حسن كلامهم(٢)، فلا
ريب أنه في فصاحته قد قرع القلوب ببديع نظمه، وفي بلاغته قد
أصاب المعاني بصائب سهمه، فإنه حجة الله الواضحة، ومحجته
اللائحة، ودليله القاهر، وبرهانه الباهر، ما رام معارضته شقي إلا
تهافت تهافت الفراش في الشهاب، وذل ذل النقد (٣) حول الليوث
الغضاب.
وقد حكي عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة
كفَّته عن ذلك، كما حكي عن يحيى بن حكيم الغزال (٤) - بتخفيف
الزاي وقد تشدد - وكان بليغ الأندلس في زمانه أنه قد رام شيئاً من
هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها، وينسج بزعمه على
منوالها، فاعترته خشية ورقة، حملته على التوبة والإنابة .
وحكي أيضاً أن ابن المقفع(٥) - وكان أفصح أهل وقته - طلب
(١) أي دهشت وتحيرت.
(٢) في ط: كلامه.
(٣) في ب: الصيد، والنقد: نوع من الغنم قبيح الشكل.
(٤) شاعر أندلسي بديع القول مات سنة خمس وخمسين ومائتين.
(٥) عبدالله بن المقفع فصيح بليغ، من أصل فارسي، ولد سنة ١٠٦ هـ ونشأ =
- ٥١١ -

ذلك ورامه، ونظم كلاماً وجعله مفصلاً، وسماه سوراً، فاجتاز يوماً
بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء
أقلعي وغيض الماء وقضى الأمر .. ﴾(١) الآية، فرجع ومحى ما عمل
وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبداً، وما هو من كلام البشر.
醬
ولله در العارف سيدي محمد وفا حيث قال، يعني النبي
والقرآن المعظم:
جوامع آيات بها اتضح الرشد
له آية الفرقان في عين جمعه
قدیم صفات الذات ليس له ضد
حديث نزيه عن حدوث منزه
له معجزات لا يعد لهاعد
بلاغ بليغ للبلاغة معجز
عقود اعتقاد لا يحل لها عقد
تحلت بروح الوحي حلة نسجه
لديه وإن كانوا هم الألسن اللد
وغاية أرباب البلاغة عجزهم
تصدى وللأسماع عن غيه صد
فأفاكهم بالإفك أعياه غيه
هواناً بها الورهاء والبهم البلد(٢)
قلى الله أقوالاً يهاجر هجرها
وعن ريبها الألباب نزهها الزهد
تلاها فتلَّ الفحش في القبح وجهها
بجمع رسول الله واستعلن الرشد
لقد فرق الفرقان شمل فريقه
ولم يلُهُ بالأهواء إذ جاءه الجد
أتى بالهدى صلى عليه إلهه
• والثالث: أن وجه إعجازه هو أن قارئه لا يمله، وسامعه لا
يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة
= بالبصرة وفيها تلقى العلم والأدب، جمع بين الثقافتين العربية والفارسية، له
((الأدب الكبير)) و((الأدب الصغير)). [المحقق].
(١) سورة هود، الآية ٤٤.
(٢) الورهاء: الحمقاء، والبهم: أولاد الضأن والبقر، البلد: جمع بليد.
- ٥١٢ -

وطلاوة، لا يزال غضاً طرياً، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن
والبلاغة ما بلغ يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به
في الخلوات، ويؤنس بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد
فيها ذلك، حتى أحدث أصحابها لها لحوناً وطرقاً، يستجلبون بتلك
اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف وَلّم القرآن بأنه لا يخلق(١)
على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس
بالهزل، لا تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به
الألسنة، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآناً
عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به(٢). أشار إليه القاضي عياض(٣).
• والرابع: أن وجه إعجازه هو ما فيه من الإخبار بما كان، مما
علموه وما لم يعلموه، فإذا سألوا عنه عرفوا صحته وتحققوا صدقه / ١/١٨٤
كالذي حكاه من قصة أهل الكهف وشأن موسى والخضر عليهما
الصلاة والسلام، وحال ذي القرنين، وقصص الأنبياء مع أمها،
والقرون الماضية في دهرها.
• والخامس: أن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب،
والإخبار بما يكون، فيوجد على صدقه وصحته، مثل قوله تعالى
لليهود: ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون
الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ ثم قال: ﴿ولن يتمنوه أبداً بما
قدمت أيديهم﴾ (٤) فما تمناه أحد منهم.
(١) أي لا يبلى.
(٢) الحديث رواه الترمذي، واقتصر المصنف على بعضه وقدم وأخر.
(٣) من قوله: هو أن قارئه ..
(٤) سورة البقرة، ٩٤ - ٩٥.
- ٥١٣ -

ومثل قوله تعالى لقريش: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾(١) فقطع
بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا.
وتعقب: بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرآن وقع بعضها في
زمنه الَّة، كقوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾(٢) وبعضها بعد
مدة كقوله تعالى: ﴿ألم غلبت الروم﴾(٣) فلو كان كما قالوا لنازعوا وقع
المتوقع، وبأن الإخبار عن الغيب جاء (٤) في بعض سور القرآن
واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان كذلك لعارضوه بقدر
أقصر سورة لا غيب فيها.
• السادس: أن وجه إعجازه هو كونه جامعاً لعلوم كثيرة، لم
تتعاط العرب فيها الكلام، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد منهم،
ولا يشتمل عليها كتاب، بين الله فيه خبر الأولين والآخرين وحكم
المتخلفين وثواب المطيعين وعقاب العاصين.
فهذه ستة أوجه(٥)، يصح أن يكون كل واحد منها إعجازاً،
(١) سورة البقرة، الآية ٢٤.
(٢) سورة الفتح، الآية ١.
(٣) سورة الروم، الآية ١.
(٤) في ط: وقع.
(٥) تكلم العلماء في إعجاز القرآن كثيراً، وأفرده المؤلفون بكتب خاصة به،
وتحدثوا عن وجوهه، وقد قال في الشفاء بعدما ذكر الموضوع: وإذا عرفت
ما ذكر من وجوه إعجاز القرآن عرفت أنه لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا
ألفين ... وما يزال مرور الزمن يظهر من المعجزات لهذا القرآن العظيم ما
لم يكن معروفاً في الماضي، ومع تقدم العلم المادي في نهاية القرن الرابع
عشر الهجري ظهرت أشياء كثيرة من معجزات القرآن عرفت بالإعجاز
العلمي تناولت الإنسان والكون .. يضاف إلى ذلك الإعجاز البياني في =
- ٥١٤ -

فإذا جمعها القرآن فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزاً بأولى من
غيره، فيكون الإعجاز بجميعها. وقد قال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت
الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله﴾(١) فلم
يقدر أحد أن يأتي بمثل [هذا](٢) القرآن في زمن رسول الله وَ ال ولا
بعده على نظمه وتأليفه وعذوبة منطقه وصحة معانيه، وما فيه من
الأمثال والأشياء التي دلت على البعث وآياته، والإنباء بما كان و[بما](٣)
يكون، وبما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والامتناع من
إراقة الدماء، وصلة الأرحام، إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك
أحد وقد عجزت عنه العرب الفصحاء والخطباء البلغاء، والشعراء
الفهماء، من قريش وغيرها، وهو ◌َّ في مدة ما عرفوه قبل نبوته وأداء
رسالته أربعين سنة لا يحسن نظم كتاب، ولا عقد حساب، ولا يتعلم
سحراً، ولا ينشد شعراً، ولا يحفظ خبراً، ولا يروي أثراً، حتى أكرمه
الله بالوحي المنزل، والكتاب المفصل، فدعاهم إليه وحاجهم به، قال
الله تعالى: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به، فقد لبثت
فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون﴾(٤)، وشهد له في كتابه بذلك فقال
تعالى: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً
لارتاب المبطلون﴾(٥).
= صورته الجديدة التي تكلم عنها سيد قطب - رحمه الله - تحت عنوان التصوير
الفني في القرآن [المحقق].
(١) سورة الإسراء، الآية ٨٨.
(٢) في ط.
(٣) في (ب، ط).
(٤) سورة يونس، الآية ١٦.
(٥) سورة العنكبوت، الآية ٤٨.
- ٥١٥ -

[معجزات أخرى]
وأما ما عدا القرآن من معجزاته بلير، كنبع الماء من بين
أصابعه، وتكثير الطعام ببركته، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما
وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالاً على صدقه من غير سبق تحد،
ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده وَلّ من خوارق العادات
شيء كثير - كما يقطع بجود حاتم، وشجاعة علي - وإن كانت أفراد ذلك
ظنية وردت موارد الآحاد، مع أن كثيراً من المعجزات النبوية قد
اشتهر ورواه العدد الكثير، والجم الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند
أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم
إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم بذلك.
فلو ادعى مدع أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظري لما
كان مستبعداً، وذلك أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد
حدثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من أصحابه مخالفة
١٨٤/ب الراوي فيما حكاه من ذلك. / ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون
الساكت منهم كالناطق، لأن مجموعهم محفوظ عن الإغضاء على
الباطل، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من
روى شيئاً من ذلك فإنما هو من جهة توقف في صدق الراوي أو تهمته
بكذب، أو توقف في ضبطه أو نسبته إلى سوء الحفظ، أو جواز
الغلط، ولا يوجد أحد منهم طعن في المروي، كما وجد منهم في غير
هذا الفن(١) من الأحكام وحروف القرآن(٢) ونحو ذلك والله أعلم.
(١) أي كالذي وجد منهم من الخلاف في أحكام الفقه نفسها، ولم يكن الخلاف
قاصراً على السند ورجاله [م] قال الشارح: كما وقع بين عمر وابن عباس
في إنكاره عليه نكاح المتعة.
(٢) في ط: القراءات.
- ٥١٦ -

[شمول معجزاته الج وتنوعها]
وأنت إذا تأملت معجزاته وباهر آياته وكراماته ويلهل وجدتها
شاملة العلوي والسفلي، والصامت والناطق، والساكن والمتحرك،
والمائع والجامد، والسابق واللاحق، والغائب والحاضر، والباطن
والظاهر، والعاجل والآجل، إلى غير ذلك، مما لو عد لطال، كالرمي
بالشهب الثواقب، ومنع الشياطين من استراق السمع في الغياهب(١)،
وتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتها له بالرسالة بين يديه،
ومخاطبتها له بالسيادة، وحنين الجذع، ونبع الماء من كفه في الميضأة
والتور والمزادة، وانشقاق القمر، ورد العين من العور، ونطق البعير
والذئب والجمل، وكالنور المتوارث من آدم إلى جبهة أبيه من الأزل،
وما سوى ذلك من المعجزات التي تداولتها الحملة، ونقلتها عن
الألسنة الأول النقلة، مما لو أعملنا أنفسنا في حصرها لفني المداد في
ذكرها. ولو بالغ الأولون والآخرون في إحصاء مناقبه لعجزوا عن
استقصاء ما حباه الكريم به من مواهبه، ولكان الملم بساحل بحرها
مقصراً عن حصر بعض فخرها، ولقد صح لـ[بعض](٢) محبيه أن
ینشدوا فيه(٣):
وعلى تفنن واصفيه لنعته يفنى الزمان وفيه ما لم (٤) يوصف
وأنه لخليق بمن ينشد(٥)
(١) جمع غيهب، وهو الظلمة.
(٢) في (أ، ط).
(٣) هو من قول ابن الفارض.
(٤) في ط: مالا.
(٥) هو من قول الخنساء.
- ٥١٧ -

من المجد إلا والذي نال أطول
فما بلغت كف امرئ متناولاً
ولو حذقوا إلا الذي فيه أفضل
ولا بلغ المهدون في القول مدحه
ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفا فلقد كفى وشفى بقوله :
ما شئت قل فيه فأنت مصدق فالحب يقضي والمحاسن تشهد
ولقد أبدع الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيري حيث قال:
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
دع ما ادعته النصاري في نبيهم
وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
حد فيعرب عنه ناطق بفم
فإن فضل رسول الله ليس له
يعني أن المداح وإن انتهوا إلى أقصى الغايات والنهايات لا
يصلون إلى شأوه، إذ لا حدَّ له، ويحكى أنه رؤي الشيخ عمر بن
الفارض السعدي في النوم فقيل له: لم لا مدحت النبي وَله فقال:
وإن بالغ المثني عليه وأكثرا
أرى كل مدح في النبي مقصراً
عليه فما مقدار ما يمدح الورى
إذا الله أثنى بالذي هو أهله
قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء
المتقدمين - كأبي تمام والبحتري وابن الرومي - مدحه وَل ، وكان مدحه
عندهم من أصعب ما يحاولونه، فإن المعاني دون مرتبته، والأوصاف
دون وصفه، وكل غلو في حقه تقصير، فيضيق على البليغ بحال
النظم، وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلو بالنسبة
إلى من قرضت له وجدتها صادقة في حق النبي بَ لّر، حتى كأن
الشعراء على صفاته كانوا يعتمدون وإلى أمداحه كانوا يقصدون، وقد
- ٥١٨ -

أشار الأبوصيري بقوله: ((دع ما ادعته / النصارى في نبيهم)) إلى ما ١/١٨٥
أطرت النصارى به عيسى ابن مريم من اتخاذه إلها.
قال النيسابوري: إنهم صحفوا في الإنجيل ((عيسى نبي وأنا
ولدته)) فحرفوا الأول بتقديم الباء الموحدة وخففوا اللام في الثاني،
فلعنة الله على الكافرين(١).
فإن قلت: هل ادعى أحد في نبينا ويّ ما ادعي في عيسى؟
أجيب: بأنهم قد كادوا أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له دخلالنار:
أفلا نسجد لك؟ قال: لو كنت آمراً أحد أن يسجد لبشر لأمرت المرأة
أن تسجد لزوجها(٢). فنهاهم عما عساه يبلغ بهم من العبادة.
وقد جاء في صفته في حديث ابن أبي هالة: ولا يقبل الثناء إلا
من مكافئ، أي: مقارب في مدحه غير مفرط فيه. وقال ابن قتيبة
معناه؛ إلا أن يكون ممن له عليه منة، فيكافئه الآخر، وغلطه ابن
الأنباري: بأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله وَّر، لأن الله بعثه
رحمة للعالمين، فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتم الإسلام إلا به.
قال: وإنما المعنى: لا يقبل الثناء إلا من رجل عرف حقيقة إسلامه.
(١) هذا الكلام يصح لو كان الإنجيل باللغة العربية؟! ومن المعروف أن
الأناجيل الموجودة لا صلة لها بعيسى أصلاً، فليست القضية تحريف بعض
الكلمات .. انظر محاضرات في النصرانية للمرحوم ((محمد أبو زهرة))،
[المحقق].
(٢) روى ابن ماجه وابن حبان عن ابن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ بن جبل
من الشام سجد للنبي وَلَ فقال: ما هذا قال: يا رسول الله قدمت الشام
فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك قال: لا
تفعل فإني لو أمرت شيئاً أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد
لزوجها . .
- ٥١٩ -

[تقسيم المعجزات حسب زمنها]
ثم إن حاصل معجزاته وباهر آياته وكراماته وص له كما نبه عليه
القطب القسطلاني يرجع إلى ثلاثة أقسام:
ماض: وجد قبل كونه، فقضى بمجده.
ومستقبل: وقع بعد مواراته في لحده.
وكائن معه من حين حمله ووضعه إلى أن نقله الله إلى محل فضله
وموطن(١) جمعه.
فأما القسم الأول الماضي وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا
الوجود، فقد ذكرت منه جملة في المقصد الأول، كقصة الفيل وغير
ذلك، مما هو تأسيس لنبوته وإرهاص لرسالته، قال الإمام فخر الدين
الرازي: ومذهبنا: أنه يجوز تقديم المعجزة تأسيساً وإرهاصاً، قال:
ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، يعني في سفره قبل النبوة، خلافاً
للمعتزلة القائلين بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال. انتهى.
وقد تقدم أول هذا المقصد: أن الذي عليه جمهور أئمة الأصول
وغيرهم: أن هذا ونحوه مما هو متقدم على الدعوى لا يسمى معجزة،
بل تأسيساً للرسالة وكرامة للرسول وَله .
وأما القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته وَ لّ فكثير جداً، إذ في
كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على
تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى كالاستغاثة به وغير ذلك مما يأتي في
المقصد الأخير، في أثناء الكلام على زيارة قبره [الشريف](٢) المنير.
(١) في ط: موضع.
(٢) في ط.
- ٥٢٠ -