Indexed OCR Text

Pages 181-200

لعده من الإيمان كما عد الصوم والزكاة. انتهى(١).
وقد كان لعبد القيس وفدتان :
إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا له وَل : حال بيننا وبينك
كفار مضر، وكان ذلك قديماً، إما سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم
بالبحرين، وكان عدد الوفد الأول ثلاثة عشر رجلاً، وقيل كانوا أربعة
عشر راكباً، وفيها سألوه عن الإيمان، وعن الأشربة، وكان فيهم
الأشج، وكان كبيرهم، وقال له وَّله: (إن فيك خصلتين يحبهما الله،
الحلم والأناة) رواه مسلم من حديث أبي سعيد.
وأخرج البيهقي: بينما النبي ◌َّر يحدث أصحابه قال: سيطلع
عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق، فقام عمر نحوهم،
فلقي ثلاثة عشر راكباً، فبشرهم بقوله بم قر ثم مشى معهم حتى أتى
النبي ◌َّر، فرموا بأنفسهم عن ركائبهم، فأخذوا يده فقبلوها. الحديث
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد. فيمكن أن يكون أحد المذكورين
غير راكب أو مرتدفاً.
وثانيتهما: كانت في سنة الوفود وكان عددهم حينئذٍ أربعين
رجلاً، كما في حديث أبي خيرة الصباحي (٢) عند ابن منده.
ويؤيد التعدد: ما أخرجه من وجه آخر أنه وَّ قال لهم: مالي
أرى ألوانكم تغيرت؟ ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، وفي
قولهم: يا رسول الله، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا
في قولهم كفار مضر، وقولهم: الله ورسوله أعلم.
(١) زاد المعاد ٠٦٠٧/٣
(٢) كذا في النسخ وكذلك ضبطه الشارح ونسبه إلى الفتح، ولكني رأيته في
الفتح هكذا ((أبو حيوة الصناحي)) ٨٥/٨ [المحقق].
- ١٨١ -

ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضاً، ما في البخاري: إن أول
جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله وص له في مسجد عبد القيس
بجوائي من البحرين، وهي قرية لهم، وإنما جمّعوا بعد رجوع وفدهم
١٢٤/ ب إليهم، وقال في فتح / الباري: فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى
الإسلام .
وما جزم به ابن القيم من أن السبب في كونه لم يذكر الحج في
الحديث، لأنه لم يكن فرض، هو المعتمد. وقدمت الدليل على قدم
إسلامهم، لكن جزمه تبعا للواقدي بأن قدومهم كان في سنة تسع قبل
فتح مكة ليس بجيد، لأن فرض الحج كان سنة ست على الأصح(١)،
لكنه اختار - كغيره - أن فرض الحج في السنة العاشرة، حتى لا يرد
على مذهبه أنه على الفور شيء(٢).
وقد احتج الشافعي لكونه على التراخي بأن فرض الحج كان
بعد الهجرة، وأنه ◌َّ كان قادراً على الحج في سنة ثمان، وفي سنة
تسع، ولم يحج إلا في سنة عشر، وسيأتي في حجه وَ ل من مقصد
عباداته مزيد لذلك إن شاء الله تعالى.
فإن قلت كيف قال [8* آمركم بـ](٣) أربع، والمذكورات
خمس؟
[قلت](٤) أجاب القاضي عبد الوهاب(٥) تبعاً لابن بطال: بأن
(١) في ط: الأرجح .
(٢) لفظ شيء سقط من ط.
(٣) في ش.
(٤) في ش.
(٥) كذا في نسخ المصنف، والمذكور في الفتح: القاضي عياض. وهو الصواب.
الفتح ١٣٣/١ [المحقق].
- ١٨٢ -

الأربع، ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان
وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد،
لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لأنها
مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: ولذلك لم
يذكر الحج لأنه لم يكن فرض.
وقال غيره: وقوله ((وأن تعطوا)) معطوف على قوله ((بأربع)) أي:
آمركم بأربع وأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع
والإتيان: بأن والفعل، مع توجيه الخطاب إليهم.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يحتمل أن يقال: إنه وَلّ عد
الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها في كتاب الله، وتكون الرابعة أداء
الخمس، أو أنه لم يعد الخمس لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة،
والجامع بينهما: أنه إخراج مال معين.
وقال البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان،
وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخرى حذفها الراوي
اختصاراً أو نسياناً.
وتعقب بأنه وقع في صحيح البخاري أيضاً في رواية: ((آمركم
بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد واحدة)) (١) فدل على أن
الشهادة إحدى الأربع.
وقال القرطبي: قيل إن أول الأربع المأمور بها: إقام الصلاة،
وإنما ذكر الشهادتين تبركاً، وإلى هذا نحا الطيبي، فقال عادة
البلغاء أن الكلام إذا كان منصوباً لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما
(١) رقمه في صحيح البخاري ٤٣٦٩.
- ١٨٣ -

عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا
مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون الإيمان مقصور
عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام. قال: ولهذا لم يعد الشهادتين
في الأوامر، انتهى ملخصاً من فتح الباري(١).
[وفد بني حنيفة]
وقدم عليه بَّ وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة الكذاب، فكان
منزلهم في دار امرأة من الأنصار، من بني النجار، فأتوا بمسيلمة إلى
رسول الله وَالر وهم يسترونه(٢) بالثياب، ورسول الله بَّر جالس مع
أصحابه، في يده عسيب من سعف النخل، فلما انتهى إلى رسول الله
0 45 * - وهم يسترونه بالثياب - كلمه وسأله، فقال له رسول الله وعليه :
لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك.
وذكر حديثه ابن إسحاق على غير ذلك(٣) فقال: حدثني شيخ من
أهل اليمامة من بني حنيفة: أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله وَالتي
وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا
رسول الله، إنا قد خلفنا صاحباً لنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر
١/١٢٥ له رسول الله وم له بما أمر به للقوم، وقال لهم/: إنه ليس بشركم
مكانا، يعني لحفظه ضيعة أصحابه، ثم انصرفوا، فلما قدموا اليمامة
ارتد - عدو الله - وتنبأ وقال: إني أشركت في الأمر معه، ثم جعل
يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن:
(١) فتح الباري ١٣٢/١ - ١٣٤ و٠٨٥/٨
(٢) في (ش، د): يُستَر، دون ذكر: وهم.
(٣) قال في فتح الباري ٨٩/٨: هذا الحديث مع شذوذه ضعيف السند
لانقطاعه .
- ١٨٤ -

لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى من بين
صفاق وحشی.
وسجع اللعين على سورة ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ فقال: إنا
أعطيناك الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر. وفي
رواية: إنا أعطيناك الجماهر فخذ لنفسك وبادر، واحذر أن تحرص أو
تكاثر، وفي رواية: إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وبادر في الليالي
الغوادر.
ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتي في أوائل
مقصد معجزاته و من تسجيع مسيلمة الركيك مزيد لذلك على ما
ذكرته هنا إن شاء الله تعالى.
وقيل: إنه أدخل البيضة في القارورة وادعى أنها معجزة له،
فافتضح بنحو ما ذكر: أن النوشادر إذا ضرب في خل الخمر ضرباً
جيداً، وجعلت فيه بيضة بنت يومها يوماً وليلة فإنها تمتد كالخيط،
فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء البارد فإنها تجمد.
ولما سمع اللعين أن النبي ◌َّ [مسح رأس صبي كان ألمّ به داء
فشفي و](١) مج في بئر فكثر ماؤها، وتفل في عين علي - وكان أرمد -
فبرئ. فتفل اللعين في بئر فغار ماؤها، وفي عين بصير فعمي، ومسح
بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها. ويبس ضرعها، ولله در
الشقراطيسي حيث يقول يخاطب النبي ◌َالطيار:
أعجزت بالوحي أرباب البلاغة في عصر البيان فضلَّت أوجه الحيل
فتلَّهم عنه حين العجز حين تلي
سألتهم سورة في مثل حكمته
(١) زيادة في ش. وقال: كذا في نسخ، وفي غالبها إسقاطها.
- ١٨٥ -

بعي غي فلم يحسن ولم يطل
فرام رجس كذوب أن يعارضه
ملجلج بزري الزور والخطل
مثبج بركيك الإفك ملتبس
يمج أول حرف سمع سامعه
لبس من الخبل أو مس من الخبل
ويعتريه كلال العجز والملل
كأنه منطق الورهاء شذَّ به
فيها وأعمى بصير العين بالتفل
أمرت البئر واغورت لمجته
من بعد إرسال رسل منه منهمل
وأيبس الضرع منه شؤم راحته
فشبه هذا الكلام الذي عارض به مسيلمة، بكلام امرأة ورهاء،
وهي الحمقاء التي تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهي تهذي بكلام
مشذب - أي مختلط - لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بعضاً
ككلام من به خبل - بسكون الموحدة - أي فساد، أو مس من الخبَل -
بفتحها - أي جنون.
ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا،
وهو مع ذلك يشهد لرسول اللّه وَل أنه نبي.
وقد كان كتب لرسول الله وَله: من مسيلمة رسول الله إلى
محمد رسول الله، أما بعد: فإني قد أشركت معك في الأمر، وإن له
نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر(١).
فقدم على رسول الله وَل رسوله بهذا الكتاب، فكتب إليه
رسول الله وَله: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى
مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله
يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
(١) الذي في سيرة ابن هشام: الأرض، في الجملتين ٦٠٠/٢ وهو الأنسب
بدليل كتابه ونَ﴾ [م].
- ١٨٦ -

وفي الصحيحين من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال:
قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله وَ لهر فجعل يقول: إن جعل لي
محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، / فأقبل
النبي وَلّر ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي وَلّ قطعة
جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: لو سألتني هذه
القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك
الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس
يجيبك عني، ثم انصرف(١).
١١٢٥
قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي وَلّ: إنك الذي أريت
فيه ما رأيت(٢) فأخبرني أبو هريرة أن النبي بَّ قال: بينا أنا نائم
رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحى الله إلى في المنام
أن أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدي،
فهذان هما: أحدهما العنسي صاحب صنعاء والآخر مسيلمة (٣).
فإن قلت: كيف يلتئم خير ابن إسحاق مع الحديث الصحيح
أن النبي ◌َّ اجتمع به وخاطبه، وصرح بحضرة قومه أنه لو سأله
القطعة من الجريدة ما أعطاه.
فالجواب: إن المصير إلى ما في الصحيح أولى (٤).
(١) الحديث في البخاري برقم ٤٣٧٣.
(٢) في ش؛ ما أريت، وهو نص البخاري، وفي ب الذي رأيت فيه ما رأيت.
(٣) رقمه في البخاري ٤٣٧٤ و٤٣٧٥.
(٤) هذا ما ذهب إليه في فتح الباري حيث قال: وهذا - حديث ابن إسحاق -
مع شذوذه ضعيف السند لانقطاعه، وأمر مسيلمة كان عند قومه أكثر من
ذلك. فقد كان يقال له رحمان اليمامة لعظم قدره فيهم، وكيف يلتئم هذا
الخبر الضعيف مع قوله في الصحيح إن النبي ◌َّر اجتمع به وخاطبه؟! فتح
الباري ٨٩/٨ [المحقق].
- ١٨٧ -

ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى كان تابعاً وكان
رئيس بني حنيفة غيره، ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرة متبوعاً،
وفيها خاطبه النبي وَّر .
أو القصة واحدة، وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه
واستكباراً أن يحضر مجلس النبي وَّر، وعامله وَّر معاملة الكرم على
عادته في الاستئلاف فقال لقومه: إنه ليس بشركم أي مكاناً، لكونه
كان يحفظ رحالهم، وأراد استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم
يفد في مسليمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار.
والعلم عند الله تعالى (١).
[وفد طيء]
وقدم عليه وَلّ وفد طيء، وفيهم زيد الخيل وهو سيدهم،
فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال ◌َليّة: ما ذكر
لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا
زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه، ثم سماه زيد الخير.
فخرج راجعاً إلى قومه، فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد أصابته
الحمى بها فمات.
قال ابن عبد البر: وقيل مات في آخر خلافة عمر،
وله ابنان: مكنف وحريث، أسلما وصحبا رسول الله وَالية ،
وشهدا قتال أهل الردة مع خالد.
(١) عن فتح الباري ٨٩/٨ - ٩٠.
- ١٨٨ -

[وفد كنده]
وقدم عليه وَّ وفد كنده في ثمانين أو ستين راكباً من كنده،
فدخلوا عليه مسجده، قد رجَّلوا جممهم وتسلحوا، ولبسوا جباب
الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا قال ◌َّلية: أولم تسلموا؟ قالوا:
بلى، قال: فما هذا الحرير في أعناقكم فشقوه فنزعوه وألقوه .
[وفد الأشعريين وأهل اليمن]
وقدم عليه - زاده الله شرفاً لديه - الأشعريون وأهل اليمن.
قيل هو من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ أبو الفضل
شيخ الإسلام ابن حجر: المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد
حمير. قال: ووجدت في كتاب الصحابة لابن شاهين من طريق إياس
ابن عمرو الحميري: أنه قدم وافداً على رسول الله وَّ في نفر من حمير
فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين الحديث.
والحاصل: أن الترجمة تشتمل على طائفتين، وليس المراد
اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى في سنة
سبع عند فتح خيبر، وقدوم حمير كان في سنة تسع، وهي سنة الوفود،
ولهذا اجتمعوا مع بني تميم(١).
وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله وعليه
قال: يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوباً. فقدم الأشعريون فجعلوا
یرتجزون :
١/١٢٦
محمداً وحزبه(٢)/
غداً نلقى الأحبه
(١) فتح الباري ٩٧/٨.
(٢) رواه أحمد وغيره. ولا يلزم من ذلك تفضيلهم على المخاطبين لأنها مزية.
- ١٨٩ -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وجلاله
يقول: جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوباً، الإيمان يمان،
والحكمة يمانية والسكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في
الفدادين(١) أهل الوبر قبل مطلع الشمس. رواه مسلم(٢).
وفي البخاري: إن نفراً من بني تميم جاؤوا إلى رسول الله
فقال: أبشروا يا بني تميم، فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغير وجه رسول
الله وَلجه. وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها
بنو تميم، قالوا: قد قبلنا، ثم قالوا: يا رسول الله جئنا لنتفقه في
الدين ونسألك عن هذا الأمر، فقال: كان الله ولم يكن شيء غيره
وكان عرشه على الماء. وكتب في الذكر كل شيء(٣).
وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي
موسی .
[وفد صرد الأزدي]
وقدم عليه وَلو صرد بن عبدالله الأزدي، فأسلم وحسن
إسلامه، في وفد من الأزد، فأمَّره ◌َِّ على من أسلم من قومه، وأمره
أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك من قبائل اليمن.
فخرج صرد يسير بأمر رسول الله وَ ليل حتى نزل بجرش (٤)، وبها
قبائل من قبائل العرب، فحاصروهم فيها قريباً من شهر، وامتنعوا
فيها، فرجع عنهم قافلاً، حتى إذا كان في جبل لهم وظنوا أنه إنما ولى
(١) جمع فداد: وهو من يعلو صوته في إبله وخيله. والفديد: الصوت الشديد
(٢) وكذا رواه البخاري بنحوه برقم ٤٣٨٨ وهو عند مسلم برقم ٥٢.
(٣) البخاري برقم ٣١٩١.
(٤) جرش مخلاف من مخاليف اليمن.
- ١٩٠ -

عنهم منهزماً خرجوا في طلبه، حتى إذا أدركوه عطف عليهم فقتلهم قتلاً
شديداً .
وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله وَلهو رجلين منهم، فبينما
هما عنده وَّ عشية فقال لهما عليه السلام: إن بدن الله لتنحر عند
شكر، أي المكان الذي وقع به قتل قومهم، قال: فجلس الرجلان إلى
أبي بكر وعثمان فقالا لهما إن رسول الله وَلقر ينعي لكما قومكما. فخرجا
إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا في اليوم الذي قال فيه رسول الله وعليه
ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر.
فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه وَّر فأسلموا وحمى لهم حمى
حول قريتهم.
[وفد بني الحارث]
وفد بني الحارث بن كعب. قال ابن إسحاق: بعث اَلّ خالد
ابن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني
الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن
يقاتلهم ثلاثاً، فإن استجابوا فأقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم.
فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل
وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا،
فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه.
فأقام خالد يعلمهم الإسلام وكتب إلى رسول الله وَليل بذلك.
ثم أقبل على رسول الله وحمّية ومعه وفدهم، منهم: قيس بن الحصين،
ويزيد(١) بن المحجل، وشداد بن عبدالله. وقال لهم ◌َّ: بم كنتم
(١) في ط: زید.
- ١٩١ -

تغلبون من قاتلكم؟ قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحداً
بظلم، قال: صدقتم.
وأمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية من
شوال أو من ذي القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
[وفد همدان]
وقدم عليه رَّر وفد همدان، فيهم: مالك بن النمط، وضمام بن
مالك، وعمرو بن مالك، فلقوا رسول الله وَل مرجعه من تبوك،
وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، على الرواحل المهرية
والأرحبية(١)، ومالك بن النمط يرتجز بين يديه وَّل .. وذكروا له كلاماً
كثيراً حسناً فصيحاً.
فكتب لهم ◌َّ كتاباً أقطعهم فيه ما سألوه، وأمر عليهم مالك
ابن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف.
١٢٦/ب وكان لا يخرج / لهم سرح إلا أغار عليه.
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن البراء أن النبي وَّ بعث
خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء:
فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى
الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبي ◌َّ بعث علي بن أبي طالب فأمره
أن يقفل خالداً إلا رجلاً ممن كان مع خالد(٢) أن يعقب مع علي.
(١) المهرية: نسبة إلى مهرة قبيلة من قضاعة، والأرحبية: نسبة إلى أرحب بطن
من همدان.
(٢) سقط من لفظ البيهقي: أراد.
- ١٩٢ -

فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفنا صفاً
واحداً، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله وعليه ،
فأسلمت همدان جميعاً، فكتب علي إلى رسول الله وَلة بإسلامهم. فلما
قرأ رسول الله وسلّ الكتاب خر ساجداً ثم رفع رأسه فقال: السلام
على همدان، السلام على همدان. وأصل الحديث في صحيح
البخاري(١).
وهذا أصح مما تقدم، ولم تكن همدان تقاتل ثقيفاً ولا تغير على
سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيف بالطائف. قاله ابن القيم في
الهدي النبوي(٢).
[وفد مزينة]
روى البيهقي عن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله
* أربعمائة رجل من مزينة، فلما أردنا أن ننصرف قال: يا عمر، زود
القوم، قال: ما عندي إلا شيء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعاً.
قال: انطلق فزودهم. قال: فانطلق بهم عمر فأدخلهم منزله ثم
أصعدهم إلى علية، فلما دخلنا فإذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق،
فأخذ القوم منه حاجتهم. قال النعمان: وكنت في آخر من خرج،
فنظرت: وما أفقد موضع تمرة من مكانها(٣).
[وفد دوس]
وفد دوس: وكان قدومهم عليه مَّ بخيبر. قال ابن إسحاق:
كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله
(١) برقم ٤٣٤٩.
(٢) زاد المعاد ٦٢٣/٣.
(٣) ورواه أحمد أيضاً ٥ /٤٤٥
- ١٩٣ -

وَل* بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفاً
شاعراً لبيباً، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين
أظهرنا فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرق بين المرء
وابنه وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى
قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً، ولا
أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفاً، فرقاً من
أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله بكلر قائم يصلي عند
الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله:
فسمعت كلاماً حسناً، فقلت: واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب
شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا
الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسناً قبلت، وإن كان قبيحاً
تركت .
قال: فمكثت حتى أتى رَله إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته
فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا
يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف أن لا أسمع قولك، ثم أبى
الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض علي أمرك.
فعرض علي رسول الله صل الإسلام، وتلا علي القرآن، فلا
والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت
وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي
وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية .
قال: فخرجت إلى قومي / حتى إذا كنت بثنية تطلعني على
١/١٢٧
- ١٩٤ -

الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح، قال قلت: اللهم في غير
وجهي، إني أخشى أن يقولوا إنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم،
قال: فتحول فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم
من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي - وكان
شيخاً كبيراً - فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني ولست منك،
قال: ولم يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني
فديني دينك، قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعال
أعلمك ما علمت، قال فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت
عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتني صاحبتي فقلت: إليك عني فلست منك ولست مني،
قالت: لم؟ قلت: فرق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمداً
اَلر ، قالت: فديني دینك فأسلمت.
ثم دعوت دوساً إلى الإسلام، فأبطؤوا علي فجئت رسول الله
وَيّر فقلت: يا نبي الله إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم،
فقال: اللهم اهد دوساً، ثم قال ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله
وارفق بهم، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم
قدمت على رسول الله وَ له بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً
من دوس. ثم لحقنا برسول الله وص له بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين.
وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قدم
مع أبي هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية.
[وفد نصارى نجران]
وقدم عليه وَ لَ وفد نصارى نجران، فلما دخلوا المسجد النبوي
- ١٩٥ -

بعد العصر حانت صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم
فقال ◌َلر دعوهم، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وكانوا ستين راكباً، منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم،
والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم؛ العاقب، أمير
القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم واسمه عبد المسيح. والسيد:
صاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه الأيهم - بتحتانية ساكنة - ويقال
شرحبيل. وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، قد شرف فيهم
ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه
ومولوه، وكان يعرف أمر النبي وَلّر وشأنه وصفته مما علمه من الكتب
المتقدمة. ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية، لما يرى من
تعظيمه ووجاهته عند أهلها.
فدعاهم النبي ◌َلل إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا،
فقال: إن أنكرتم ما أقول فهلم أبا هلكم.
وفي البخاري من حديث حذيفة؛ (جاء السيد والعاقب صاحبا
نجران إلى رسول الله ( 18 يريدان أن يلاعناه - يعني يباهلاه - فقال
أحدهما لا تفعل) .
وعند أبي نعيم: أن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل
الذي قال ذلك هو العاقب، لأنه صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس
ابن بكير في المغازي أن الذي قال ذلك هو شرحبيل.
(فوالله لئن كان نبياً فلاعناه - يعني: باهلناه - لا نفلح نحن ولا
عقبنا من بعدنا - زاد في رواية ابن مسعود: أبداً - ثم قالا: إنا نعطيك
ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا إلا أميناً، فقال:
لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله
- ١٩٦ -

وَ الر فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله وعليه :
هذا أمين هذه الأمة)(١).
وفي رواية يونس بن بكير/: أنه صالحهم على ألفي حلة، ألف ١٢٧ /بـ
في رجب وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وساق الكتاب الذي
بينهم مطولاً .
وذكر ابن سعد: أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك وأسلما.
وفي ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة.
ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفاً وخلفاً، ومما عرف بالتجربة أن من
باهل وكان مبطلاً لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة(٢).
[قدوم رسول فروة بن عمرو الجذامي]
وقدم عليه وَّ رسول فروة بن عمرو الجذامي ملك الروم(٣) -
وكان منزله معان - بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، ولما بلغ الروم
ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه ثم صلبوه على ماء
بفلسطين، وضربوا عنقه على ذلك الماء (٤).
[وفد بني سعد بن بكر]
وقدم عليه بَّ ضمام بن ثعلبة، بعثه بنو سعد بن بكر.
روى البخاري من حديث أنس بن مالك قال: (بينما نحن
(١) رواه البخاري برقم (٤٣٨٠).
(٢) عن فتح الباري ٩٥/٨.
(٣) فيه تجوز، فقد كان عاملاً للروم على من يليه من العرب.
(٤) سيرة ابن هشام ٥٩٢/٢.
- ١٩٧ -

جلوس مع النبي ◌َّ في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في
المسجد ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي وَلّ متكئ بين
ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: أبن
عبد المطلب؟ فقال النبي وَلّ: قد أجبتك.
فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في
نفسك .
فقال: سل عما بدا لك.
فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس
كلهم؟
فقال: اللهم نعم.
فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في
اليوم والليلة؟
قال: اللهم نعم(١).
فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟
قال: اللهم نعم.
قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا
فتقسمها على فقرائنا.
فقال النبي ◌َّ : اللهم نعم.
فقال الرجل: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي
وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر)(٢).
وزاد ابن إسحاق في مغازيه :
(١) فقرة السؤال عن الصلاة سقطت من النسخ، وهي في (ش) كما هي في
البخاري .
(٢) رواه البخاري برقم ٦٣، وهو عند مسلم وغيره أيضاً.
- ١٩٨ -

فقال: آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئاً وأن نخلع هذه
الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟
فقال ◌َّ: اللهم نعم.
قال: وكان ضمام رجلاً جلداً أشقر ذا غديرتين، ثم أتى بعيره
وأطلق عقاله ثم خرج حتى أتى قومه فاجتمعوا إليه، وكان أول ما
تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى فقالوا: مه يا ضمام اتق
البرص والجنون والجذام، قال: ويلكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان.
إن الله قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتاباً استنقذكم به، وإني أشهد أن
لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإني قد جئتكم من عنده بما
أمركم به ونهاكم عنه، فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل
ولا امرأة إلا مسلماً.
قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن
ثعلبة (١).
[قدوم طارق بن عبدالله وقومه ]
وفد طارق بن عبدالله وقومه. روى البيهقي عن جامع بن شداد
قال: حدثني رجل يقال له طارق بن عبدالله قال: إني لقائم بسوق
ذي المجاز إذ أقبل رجل وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله
تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة يقول: يا أيها الناس إنه كذاب
فلا تصدقوه، فقلت من هذا؟ فقالوا: هذا غلام من بني هاشم يزعم
أنه رسول الله. قال قلت: من هذا الذي يفعل به هذا؟ قالوا: هذا
عمه عبد العزى.
قال: فلما أسلم الناس وهاجروا، خرجنا من الربذة نريد المدينة
نمتار من تمرها، فلما دنونا من حيطانها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثياباً غير
(١) سيرة ابن هشام ٥٧٣/٢ - ٥٧٥.
- ١٩٩ -

١/١٢٨ هذه، فإذا رجل/ في طمرين له فسلم وقال: من أين أقبل القوم؟
قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة، قال: ما
حاجتكم فيها؟ قلنا: متار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة لنا، ومعنا
جمل أحمر مخطوم، فقال: أتبيعون جملكم هذا؟ قالوا: نعم بكذا وكذا
صاعاً من تمر، فأخذ بخطام الجمل فانطلق، فلما توارى عنا بحيطان
المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا، والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا
له ثمناً. قال: تقول المرأة التي معنا: والله لقد رأيت رجلاً كأن وجهه
قطعة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم. وفي رواية ابن
إسحاق قالت الظعينة: فلا تلاوموا، لقد رأيت وجه رجل لا يغدر
بكم، ما رأيت شيئاً أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، إذ أقبل رجل
فقال: أنا رسول رسول الله إليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا
واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلما
دخلنا المسجد إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته
وهو يقول: تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد
السفلى .
[وفد تجيب]
وقدم عليه وَالر وفد تجيب، وهم من السكون(١)، ثلاثة عشر
رجلاً، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسر
عليه السلام بهم وأكرم منزلهم، وأمر بلالاً أن يحسن ضيافتهم، ثم
جاؤوا رسول الله وَلل يودعونه فأمر بلالاً فأجازهم بأرفع مما كان يجيز
به الوفود. قال: هل بقي منكم أحد؟ قالو: غلام خلفناه على رحالنا
وهو أحدثنا سناً، قال: أرسلوه إلينا، فلما أقبل الغلام على رسول الله
(١) هم: بطن من كندة.
- ٢٠٠ -