Indexed OCR Text

Pages 161-180

بكسر الميم وسكون المهملة وفتح التحتانية - مات بمكة سنة تسع
وخمسين، وقيل تأخر بعد ذلك.
وكان منهم من يرجع الأذان ويثني الإقامة، وبلال لا يرجع
ويفرد الإقامة، فأخذ الشافعي بإقامة بلال، وأهل مكة أخذوا بأذان
أبي محذورة وإقامة بلال. وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال
وإقامة أبي محذورة، وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته،
وخالفهم مالك في موضعين: إعادة التكبير وتثنية لفظ الإقامة.
وأما شعراؤه ◌َّ الذين يذبون عن الإسلام:
فكعب بن مالك.
وعبدالله بن رواحة الخزرجي الأنصاري.
وحسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري، دعا
له وَّ فقال: (اللهم أيده بروح القدس)(١) فيقال: أعانه جبريل
بسبعين بيتاً، وفي الحديث (إن جبريل مع حسان ما نافح عني)(٢) وهو
بالحاء المهملة أي دافع، والمراد هجاء المشركين ومجاوبتهم على
أشعارهم .
وعاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في
الإسلام، وكذا عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه حرام، كل
واحد منهم عاش مائة وعشرين سنة، وتوفي حسان سنة أربع وخمسين.
ولما جاءه ◌َّ بنو تميم، وشاعرهم الأقرع بن حابس، فنادوه يا
(١) متفق عليه.
(٢) في مسلم من حديث عائشة قالت: (سمعت النبي وَلَّ يقول لحسان: إن
روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله).
- ١٦١ -

محمد اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين. فلم
يزد السير على أن قال: ذاك الله إذا مدح زان وإذا ذم شان، إني لم
أبعث بالشعر، ولم أومر بالفخر، ولكن هاتوا، فأمر عليه السلام ثابت
ابن قيس أن يجيب خطيبهم فخطب فغلبهم. فقام الأقرع بن حابس
شاعرهم فقال :
أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
وأنا رؤوس الناس في كل معشر
فأمر وَلّ حساناً يجيبهم فقام فقال:
يعود وبالاً عند ذكر المكارم/
١/١٢١ بني دارم لا تفخروا إن فخركم
لنا خول ما بين قن وخادم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم
وكان أول من أسلم شاعرهم.
وكان أشد شعرائه بَّ ر على الكفار حسان وكعب.
ولما رجع ◌َلّر من تبوك وفد عليه وفد همدان، وعليهم مقطعات
الحبرات - الخز(١) - والعمائم العدنية، جعل ملك(٢) بن النمط (٣) يرتجز
بين يديه ولايت .
وكان خطيبه وَّ ثابت بن قيس بن شماس - بمعجمة وميم
مشددة وآخره مهملة - وهو خزرجي، شهد له النبي ◌ُّ بالجنة، وكان
خطيبه وخطيب الأنصار، واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة.
(١) في الأصل.
(٢) في (ط، ش) مالك.
(٣) كلمة (ابن) في ب وسقطت من النسخ، قال الشارح: الصواب: ابن
النمط بن قيس الهمداني الصحابي.
- ١٦٢ -

وكان يحدو بين يديه وَله في السفر عبدالله بن رواحة، وفي رواية
الترمذي في الشمائل عن أنس أنه مه له دخل مكة في عمرة القضية وابن
رواحة يمشي بين يديه ويقول:
اليوم نضربكم على تنزيله
خلوا بني الكفار عن سبيله
ويذهل الخليل عن خليله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله(١)
وقد تقدم مزيد لهذا في عمرة القضية والله أعلم.
وعامر بن الأكوع - بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الواو
وبالعين المهملة - وهو عم سلمة بن الأكوع، استشهد يوم خيبر،
ومرت قصته في غزوتها.
وأنجشة، العبد الأسود - وهو بفتح الهمزة وسكون النون وفتح
الجيم وبالشين المعجمة - وكان حسن الحداء. قال أنس(٢): كان البراء
ابن مالك يحدو بالرجال وأنجشة يحدو بالنساء. وقد كان يحدو وينشد
القريض والرجز. فقال له وسلّ - كما في رواية البراء بن مالك -:
عبد(٣) رويدك رفقاً بالقوارير. أي النساء.
فشبههن بالقوارير من الزجاج، لأنه يسرع إليها الكسر، فلم
يأمن وَّ أن يصيبهن أو يقع في قلوبهن حداؤه فأمره بالكف عن ذلك.
وفي المثل: الغناء رقية الزنا. وقيل أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء
أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك
لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة.
(١) أي محل نومه وقت القائلة.
(٢) في الصحيحين.
(٣) (عبد) لم ترد في الأصل، وهو منادى بحذف الأداة.
- ١٦٣ -

الفصل الثامن
في الآت حروبه ڼ
كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه
أما أسيافه وَّ فكان له تسعة أسياف:
• مأثور، وهو أول سيف ملكه وَليل وهو الذي يقال إنه قدم به
إلى المدينة في الهجرة.
• والعَضْب، أرسله إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر.
• وذو الفقار، لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، ويجوز في
((فائه)) الفتح والكسر، وصار إليه يوم بدر، وكان للعاصي بن منبه،
وكان هذا السيف لا يفارقه وم سلم يكون معه في كل حرب يشهدها،
وكانت قائمته(١) وقبيعته(٢) وحلقته وذؤابته(٣) وبكراته ونعله (٤) من
فضة .
· والقلعي، بضم القاف وفتح اللام، وهو الذي أصابه من
قلع، موضع بالبادية .
• والبتار، أي القاطع.
(١) أي مقبضه.
(٢) أي ما على طرف مقبضه.
(٣) أي علاقته.
(٤) حديدته التي في أسفل غمده.
- ١٦٤ -

• والحتف، وهو الموت.
· والمخدم، وهو القاطع .
• والرسوب، أي يمضي في الضريبة (١) ويغيب فيها، وهو فعول
من رسب يرسب إذا ذهب إلى أسفل وإذا ثبت.
أصابهما من الفلس - بضم الفاء وإسكان اللام - صنم كان لطيء.
والقضيب .
وأما أدراعه فسبعة :
· ذات الفضول، بالضاد المعجمة، لطولها، أرسل بها إليه سعد
ابن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت من حديد، وهي التي رهنها عند
أبي الشحم اليهودي على شعير، وكان ثلاثين صاعاً، وكان الدين الى
سنة .
• وذات الوشاح.
وذات الحواشي.
• والسعدية، ويقال بالغين المعجمة، وهي درع عكبر
القينقاعي، قيل وهي درع داود/ عليه السلام التي لبسها حين قتل ١٢١/بـ
جالوت .
• وفضة وكان قد أصابهما(٢) من بني قينقاع.
• والبتراء، لقصرها.
• والخرنق، باسم ولد الأرنب.
وكان عليه وَلّ يوم أحد درعان، ذات الفضول وفضة. وكان
عليه وَي يوم حنين درعان: ذات الفضول والسعدية .
(١) في ط: الضربة.
(٢) كذا في النسخ والمقصود: السعدية وفضة، وفي ط: أصابها.
- ١٦٥ -

وأما أقواسه وهّ فكانت ستة: الزوراء، وثلاث من سلاح بني
قينقاع، قوس تدعى الروحاء، وقوس تدعى الصفراء، وشوحط،
والكتوم كسرت يوم أحد فأخذها قتادة، والسداد.
وكانت له جعبة تدعى الكافور، وكانت له منطقة من أديم فيها
ثلاث حلق من فضة، والإبزيم من فضة، والطرف من فضة.
وأما أتراسه، فكان له وسلّ ترس اسمه: الزلوق، يزلق عنه
السلاح، وترس يقال له الفتق، وترس أهدي إليه، فيه صورة تمثال
عقاب أو كبش، فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك التمثال.
وأما أرماحه وََّ، فالمثوي: قال ابن الأثير سمي به لأنه يثبت
المطعون به، من الثوى وهو الإقامة. انتهى. والمثْنَى، ورمحان آخران.
وكانت له وَّ حربة كبيرة اسمها البيضاء، وكانت له عليه
السلام حربة أخرى صغيرة دون الرمح شبه العكاز، يقال لها العنزة،
وكانت تركز أمامه ويصلي إليها.
وكان له وَلّ مغفر من حديد يسمى السبوغ، أو ذا السبوغ،
وآخر يسمى الموشح.
تکمیل :
وكان له وَيّ فسطاط يسمى الكن.
وكان له محجن قدر ذراع أو أكثر يمشي ويركب به ويعلقه بين
يديه على بعيرة.
وكانت له مخصرة(١) تسمى العرجون، وقضيب من الشوحط(٢)
يسمى الممشوق.
(١) ما يختصره بيده فيمسكه من عصا أو عكازة.
(٢) من شجر الجبال.
- ١٦٦ -

وكان له قدح يسمى الريان، وآخر يسمى مغيثاً، وآخر مضبب
بسلسلة من فضة في ثلاث(١) مواضع، وآخر من عيدان، وآخر من
زجاج.
وتور(٢) من حجارة يسمى المخضب، وركوة تسمى الصادرة،
ومخضب من نحاس، ومغتسل من صفر، ومدهن وربعة(٣) اسكندرانية
يجعل فيها المرآة، ومشط(٤) من عاج - وهو الذبل(٥) -، والمكحلة
يكتحل منها عند النوم ثلاثاً في كل عين، وكان له في الربعة أيضاً
المقراض والسواك. وهذه الربعة أهداها له المقوقس صاحب
الاسكندرية مع مارية أم إبراهيم عليه السلام.
وكانت له قصعة تسمى الغراء، بأربع حلق، وصاع، ومد.
وقطيفة وسرير قوائمه من ساج، وفراش من أدم حشوه ليف.
وخاتم من حديد، ملوي بفضة، وخاتم فضة، فصه منه، يجعله
في يمينه، وقيل: كان أولاً في يمينه ثم حوله إلى يساره، منقوش عليه:
محمد رسول الله .
وأهدى له النجاشي خفين ساذجين فلبسهما.
وكان له ثلاث جباب يلبسهن في الحرب، جبة سندس أخضر،
وجبة طيالسة. وعمامة يقال لها السحاب، وأخرى سوداء، ورداء،
صلوات الله وسلامه عليه .
(١) كذا في النسخ: والأصح: ثلاثة.
(٢) أي: إناء.
(٣) وهي جلد يجعل فيه العطار الطيب.
(٤) في ش، مشطا .
(٥) قال في المصباح: شيء كالعاج.
- ١٦٧ -

الفصل التاسع
في ذكر خيله رَّةٍ ولقاحه ودوابه
أما خيله وَلّر: فالسكب، يقال: فرس سكب أي: كثير الجري
كأنما يصب جريه صباً، وأصله من سكب الماء يسكب، وهو أول
فرس ملكه، اشتراه عليه السلام بعشرة أواق، وكان أغر محجلاً(١)،
طلق اليمين (٢)، كميتاً(٣)، وقال ابن الأثير: كان أدهم(٤).
والمرتجز - بضم الميم وسكون الراء وفتح التاء وكسر الجيم بعدها
زاي - سمي به لحسن صهيله، مأخوذ من الرجز الذي هو ضرب من
١/١٢٢ الشعر، وكان أبيض، وهو الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت/،
فجعل شهادته بشهادة رجلين(٥).
(١) الأغر: الذي في وجهه بياض، والمحجل: أبيض القوائم وجاوز بياضه
الأرساغ .
(٢) أي سمحا.
(٣) ذو لون بين السواد والحمرة، لم يخلص له واحد منهما.
(٤) أي أسود.
(٥) أخرج أبو يعلى وغيره: أن النبي ◌َّ اشترى فرساً من سواء بن الحارث،
فجحده، فشهد له خزيمة، فقال له ما حملك على الشهادة ولم تكن معه
حاضراً؟ فقال: صدقتك بما جئت به وعلمت أنك لا تقول إلا حقاً. فقال
وَّر؛ من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه. ورواه أبو داود والنسائي
بدون تسمية البائع.
- ١٦٨ -

والظرب - بالظاء المعجمة - واحد الظراب(١)، سمي به لكبره
وسمنه، وقيل لقوته وصلابة حافره، أهداها له فروة بن عمرو
الجذامي .
واللحيف - بالمهملة - أهداها له ربيعة بن البراء، سمي به
لسمنه وكبره، كأنه يلحف الأرض أي يغطيها بذنبه لطوله، فعيل بمعنى
فاعل، يقال لحفت الرجل باللحاف: طرحته عليه، ويروى بالجيم
وبالخاء المعجمة، رواه البخاري ولم يتحققه(٢)، والمعروف بالحاء
المهملة، قاله في النهاية .
واللزاز، سمي به لشدة تلززه، أو لاجتماع خلقه. ولزبه الشيء
أي لزق به، كأنه يلتزق بالمطلوب لسرعته، وهذه أهداها له المقوقس.
والورد، قال ابن سعد: أهداها له تميم الداري، فأعطاه عمر،
فحمل عليه في سبيل الله، ثم وجده يباع برخص فقال: لا تشتره(٣).
وسبحة، بالموحدة، من قولهم: فرس سابح إذا كان حسن مد
اليدين في الجري. قال ابن بنين (٤): هي فرس شقراء اشتراها من
أعرابي من جهينة بعشر من الإبل(٥).
(١) الظرب: هو الجبل الصغير.
(٢) أي لم يتحققه هل هو بالحاء أم بالخاء، حيث قال: وقال بعضهم:
اللخيف .
(٣) متفق عليه من حديث عمر.
(٤) في (ش) ابن سيرين.
(٥) هذا القول في (ا، ش)، من قوله: قال ابن.
- ١٦٩ -

فهذه سبعة متفق عليها :
وذكر ابن بنين(١) فيما حكاه الحافظ الدمياطي: البحر، في خيله
وَ له، قال: وكان اشتراه من تجار قدموا من اليمن، فسبق عليه
مرات، فجثا وَلّ على ركبتيه ومسح وجهه وقال: ما أنت إلا بحر،
فسمي بحراً. قال ابن الأثير: وكان كميتاً وكان سرجه دفتان من
ليف .
والسجل، بكسر السين وسكون الجيم، ذكره على بن محمد بن
الحسين(٢) بن عبدوس الكوفي، ولعله مأخوذ من قولك سجلت الماء
فانسجل، أي صببته فانصب.
وذو اللمة - بكسر اللام وتشديد الميم - ذكره ابن حبيب(٣).
وذو العقال بضم العين المهملة وتشديد القاف، وحكى بعضهم
تخفيفها .
والسرحان - بكسر المهملة وسكون الراء - ذكره ابن خالويه.
والطرف - بكسر الطاء المهملة وسكون الراء بعدها فاء - ذكره
ابن قتيبة في المعارف، وذكر في رواية أنه الذي اشتراه من الأعرابي
وشهد له به خزيمة بن ثابت.
(١) عبد الغني بن سليمان بن بنين، محدث مشهور مات سنة إحدى وستين
وستمائة .
(٢) كذا في النسخ، وفي ش: حنين، ولم يترجم له.
(٣) أبو جعفر، محمد بن حبيب، الأخباري النسابة.
- ١٧٠ -

والمرتجل - بكسر الجيم - ذكره ابن خالويه، من قولهم ارتجل
الفرس ارتجالاً، إذا خلط العنق(١) بشيء من الهملجة(٢).
والمرواح، - بكسر الميم - من أبنية المبالغة - كالمطعام - مشتق من
الريح، أو من الرواح لتوسعه في الجري، أهداها له قوم من مذحج،
ذكره ابن سعد .
وملاوح، - بضم الميم وکسر الواو- ذكره ابن خالويه.
والمندوب، ذكره بعضهم في خيله ولن .
والنجيب، ذكره ابن قتيبة، وأن في رواية: أنه الذي اشتراه من
الأعرابي وشهد له به خزيمة.
واليعبوب واليعسوب ذكرهما قاسم بن ثابت في كتاب الدلائل،
وكان سرجه دفتان من ليف.
وكان له وَلخير من البغال:
دلدل: بدالين مهملتين، وكانت شهباء أهداها له المقوقس.
وفضة: أهداها له فروة بن عمرو الجذامي .
وأخرى: أهداها له ابن العلماء، صاحب أيلة. وأخرى من
دومة الجندل، وأخرى من عند النجاشي.
قيل: وأهدى له كسرى بغلة أخرى، وفي ذلك نظر، لأن
كسرى مزق كتابه وَليم .
وكان له وَلّ من الحمير: عفير، أهداه له المقوقس، ويعفور،
أهداه له فروة بن عمرو، ويقال: هما واحد، وذكر أن سعد بن عبادة
أعطى للنبي وَلّ / حماراً فركبه.
١٢٢/ب
(١) نوع من السير، يباعد بين خطاه ويتوسع في جريه.
(٢) وهي مقاربة الخطا مع الإسراع.
- ١٧١ -

وكان له وَلّ من اللقاح: القصواء وهي التي هاجر عليها،
والعضباء والجدعاء، ولم يكن بهما عضب ولا جدع، وإنما سميتا
بذلك، وقيل كان بأذنها عضب، وقيل: العضباء والجدعاء واحدة،
والعضباء هي التي كانت لا تسبق فجاء أعرابي على قعود له فسبقها
فشق ذلك على المسلمين فقال ◌َله : إن حقاً على الله أن لا يرفع من
الدنيا شيئاً إلا وضعه.
وغنم ◌َّ يوم بدر جملاً لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فأهداه
يوم الحديبية ليغيظ بذلك المشركين.
وكانت له خمسة وأربعون(١) لقحة (٢) أرسل بها إليه سعد بن
عبادة :
منها: (٣) أطلال، وأطراف، وبردة، وبركة، والبغوم، والحناء،
ورمزه (٤)، والرياء، والسعدية، وسقيا، والسمراء، والشقراء، وعجرة،
والعريس، وغوثة، وقيل: غيثة، وقمر، ومروة، ومهرة، وورشة،
والعسيرة (٥).
وكانت له مائة شاة، وكانت له ستة أعنز منائح ترعاهن أم
أيمن.
(١) كذا في النسخ، وينبغي أن يقول: خمس وأربعون.
(٢) قال الشارح: الذي في الهدي: كانت له خمسة وأربعون لقحة مهرة أرسل
بها سعد، أي منها اللقحة المسماة مهرة أرسل بها سعد، فسقط من المصنف
لفظ مهرة فأوهم.
(٣) هذه الفقرة لم تذكر في ط قال الشارح: من قوله ((منها)) ساقط من بعض
النسخ، ولعله الصواب، فإن كثيراً منها إنما ذكره العراقي اسماً للمنيحة .
(٤) في (ب، ش) زمزم .
(٥) في ش اليسيرة.
- ١٧٢ -

الفصل العاشر
في ذکر من وفد علیهچلآدم
وزاده فضلاً وشرفاً لديه
قال النووي: الوفد: الجماعة المختارة للتقدم في لقاء العظماء،
واحدهم: وافد، انتهى.
وقد كان ابتداء الوفود عليه بعد رجوعه وَّله من الجعرانة في آخر
سنة ثمان وما بعدها، وقال ابن إسحاق: بعد غزوة تبوك، وقال ابن
هشام: كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود.
وقد سرد محمد بن سعد في الطبقات الوفود، وتبعه الدمياطي في
السيرة له، وابن سيد الناس، ومغلطاي، والحافظ زين الدين
العراقي. ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين.
[وفد هوازن]
فقدم عليه وَّر وفد هوازن، كما ذكره البخاري وغيره، وذكر
موسى بن عقبة في المغازي: أن رسول الله لما انصرف من الطائف في
شوال إلى الجعرانة وفيها السبي - يعني سبي هوازن - قدمت عليه وفود
هوازن مسلمين، فيهم تسعة نفر من أشرافهم فأسلموا وبايعوا، ثم
كلموه فقالوا: يا رسول الله، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات
- ١٧٣ -

والعمات والخالات، فقال: سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم، فأي
الأمرين أحب إليكم، السبي أم المال؟ قالوا: يا رسول الله، خيرتنا
بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير،
فقال: أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين
فكلموهم وأظهروا إسلامكم.
فلما صلى رسول الله وَ ل# الهاجرة قاموا، فتكلم خطباؤهم فأبلغوا
ورغبوا إلى المسلمين في رد سبيهم، ثم قام رسول الله وَّ حين فرغ،
فشفع لهم وحض المسلمين عليه، وقال: قد رددت الذي لبني هاشم
عليهم، وفي رواية ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده: وأدركه وفد هوازن بالجعرانة، وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول
الله، إنا أهل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك. فامنن
علينا منَّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول
الله، إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك
اللاتي كن يكفلنك، وأنت خير مكفول ثم أنشد:
امنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وندخر
الأبيات المشهورة الآتية إن شاء الله تعالى.
وروينا في المعجم الصغير للطبراني من ثلاثياته، عن زهير بن
صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ( # يوم حنين - يوم هوازن -
١/١٢٣ وذهب يفرق السبي والشاء أتيته فأنشأت أقول هذا الشعر: /
فإنك المرء نرجوه وندخر
امنن علينا رسول الله في كرم
مشتت شملها في دهرها غير
امنن على بيضة قد عاقها قدر
على قلوبهم الغماء والغمر
أبقت لنا الدهر هتافاً على حزن
إن لم تداركهم نعماء تنشرها يا أرجح الناس حلماً حين تختبر
- ١٧٤ -

إذ فوك تملؤه من مخضها الدرر (١)
امنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها
لا تجعلنا كمن شالت نعامته
إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت
وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
واستبق منا فإنا معشر زهر
وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
من أمهاتك إن العفو مشتهر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه
عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
یا خیر من مرحت(٢) کمت(٣) الجیاد به
هادي البرية إذ تعفو وتنتصر
إنا نؤمل عفواً منك تلبسه
فاعفو(٤) عفا الله عما أنت راهبه(٥)
يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر
قال: فلما سمع النبي وَل هذا الشعر قال: ما كان لي ولعبد
المطلب فهو لكم، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت
الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله .
ومن بين الطبراني وزهير لا يعرف، لكن يقوى حديثه بالمتابعة
المذكورة، فهو حديث حسن، وقد وهم من زعم أنه منقطع. وقد زاد
الطبراني على ما أورده ابن إسحاق خمسة أبيات.
وذكر الواقدي: أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتاً، فيهم
أبو برقان السعدي، فقال: يا رسول الله، إن هذه لأمهاتك وخالاتك
وحواضنك ومرضعاتك فامنن علينا منَّ الله عليك، فقال: قد استأنيت
بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي .
(١) مخضها: أي لبنها الخالص، الدِرَر: كثرة اللبن وسيلانه جمع درة.
(٢) مرحت: أي نشطت ورعت.
(٣) جمع كميت.
(٤) بواو الإشباع.
(٥) أي: خائفة.
- ١٧٥ -

[وفد ثقيف]
وقدم عليه وَّ وفد ثقيف، بعد قدومه وَّل من تبوك، وكان من
أمرهم أنه و لير لما انصرف من الطائف قيل له: يا رسول الله ادع على
ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم.
ولما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل
أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فلما
أشرف على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه
بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله.
ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهراً، ثم ائتمروا بينهم ورأوا أنهم
لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا،
وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله وَله .
فبعثوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومعه اثنان من الأحلاف:
الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وشرحبيل بن غيلان،
وثلاثة من بني مالك: عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، وغير
ابن خرشة، فلما قدموا على رسول الله وَالر ضرب لهم قبة في ناحية
المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاصي هو الذي يمشي بينهم وبين
رسول الله وَ ل حتى أسلموا واكتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي
كتبه، وكان فيما سألوا رسول الله وسلّر أن يدع لهم الطاغية - وهي
اللات - لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم وَلّ إلا أن يبعث أبا
سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها .
وكانوا سألوه مع ذلك أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا
١٢٣/ب أوثانهم / إلا بأيديهم، فقال وَ لّ: كسروا أوثانكم بأيديكم(١) وأما
(١) الذي في سيرة ابن هشام: وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من =
- ١٧٦ -

الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه، فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب
أمَّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سناً، لكنه كان من
أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن.
فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن
شعبة لهدم الطاغية، فلما دخل المغيرة عليها علاها يضربها بالمعول،
وخرج نساء ثقيف حسراً يبكين عليها، وأخذ المغيرة بعد أن كسرها
مالها وحليها .
وكان كتاب رسول اللّه وَسطور الذي كتب لهم: بسم الله الرحمن
الرحيم، من محمد رسول الله إلى المؤمنين: إن عضاه وج وصيده حرام
لا يعضد، من وجد يفعل شيئاً من ذلك فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، فإن
تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبي محمداً، وإن هذا أمر النبي محمد
رسول الله، وكتب خالد بن سعيد بأمر الرسول محمد بن عبدالله، فلا
يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.
و«وج)): واد بالطائف.
واختلف فيه: هل هو حرم يحرم صيده وقطع شجره؟
فالجمهور: أنه ليس في البقاع حرم إلا حرم مكة والمدينة.
وخالفهم أبو حنيفة في حرم المدينة.
وقال الشافعي - في أحد قولیہ - وج حرم، يحرم صيده وشجره،
واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: ما تقدم، والثاني: حديث عروة
= الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال رسول الله اَلل : أما كسر
أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة .. ٥٤٠/٢ وهو الصواب
الذي يؤيده بقية الخبر من أنهم لم يكسروا أصنامهم وإنما كسرها المغيرة.
[المحقق].
- ١٧٧ -

ابن الزبير عن أبيه أن النبي ◌َ ل# قال: (إن صيد وج وعضاهه حرم
محرم لله) رواه الإمام أحمد وأبو داود. لكن في سماع عروة من أبيه
نظر، وإن كان قد رآه.
وفي مغازي المعتمر بن سليمان [التيمي](١) عن عبدالله بن عبد
الرحمن الطائفي عن عمه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبي العاص،
قال: استعملني رسول الله وَ ل وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من
ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة، فقلت: يا رسول الله، إن
القرآن يتفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: يا شيطان اخرج
من صدر عثمان، فما نسيت شيئاً بعده أريد حفظه.
وفي صحيح مسلم، عن عثمان بن أبي العاص، قلت: يا رسول
الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، فقال: (ذلك
شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك
ثلاثاً) قال: ففعلت فأذهبه الله عني.
[وفد بني عامر]
وقدم وفد بني عامر عليه وَ ل، قال ابن إسحاق: لما فرغ ◌َّ
من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل
وجه، فدخلوا في دين الله أفواجاً، يضربون اليه من كل وجه.
فوفد إليه وَلّ بنو عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس
وخالد بن جعفر(٢)، وحيان بن أسلم بن مالك(٣)، وكان هذا النفر
(١) في ش.
(٢) كذا في النسخ وهو تصحيف صوابه كما في ابن إسحاق وغيره: وأربد بن
قيس بن جزء بن خالد بن جعفر. [سيرة ابن هشام ٥٦٨/٢] .
(٣) كذا في النسخ. وفي (د) جبار، والذي عند ابن هشام: جَبَّار بن سلمى بن
مالك بن جعفر ٥٦٨/٢ [المحقق].
- ١٧٨ -

رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم - عدو الله - عامر بن الطفيل على
رسول الله وَ لل وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد إذا قدمنا على
الرجل فإني شاغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف(١)
فكلم عامر رسول الله وَل ◌َه وقال: والله لأملأنها علیك خيلاً ورجلاً(٢)،
فلما ولى قال ◌َلَّ: اللهم اكفنى عامر بن الطفيل.
فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك، أينما كنت أمرتك به؟
فقال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبينه،
أفأضربك بالسيف؟
ولما كانوا ببعض الطريق بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل
الطاعون في عنقه فقتله الله .
وفي صحيح البخاري: أن عامراً أتى النبي وَلّ فقال: أخيرك
بين ثلاث خصال، يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون
خليفتك / من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. ١/١٢٤
فطعن (٣) في بيت امرأة فقال: أغدة كغدة البكر(٤) في بيت امرأة من
بني فلان. ائتوني بفرسي فركب فمات على ظهر فرسه(٥).
[وفد عبد القيس]
وقدم وفد عبد القيس عليه، زاده الله فضلاً وشرفاً لديه، وهي
(١) في ش: فإني شاغل عنك وجهه فاعله.
(٢) في ش ورجالاً.
(٣) أي أصابه مرض الطاعون.
(٤) البكر: الفتى من الإبل، والغدة من أمراض الإبل وهو طاعونها.
(٥) لم يتقيد المصنف بألفاظ البخاري. ورقم الحديث في البخاري هو ٤٠٩١
[المحقق].
- ١٧٩ -

قبيلة كبيرة يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفصى -
بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى - ابن دُعْمي - بضم الدال
وسكون العين المهملتين وكسر الميم بعدها تحتانية -.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس: (قدم وفد عبد القيس
على رسول الله وَ الر فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: مرحبا
بالوفد غير خزايا ولا ندامى، فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك
هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام،
فمرنا بأمر فصل، نأخذ به ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة.
قال: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده،
أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول
الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم
الخمس، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت(١)،
فاحفظوهن وادعوا إليهن من وراءكم)(٢) .
قال ابن القيم: ففي هذه القصة أن الإيمان بالله مجموع هذه
الخصال من القول والعمل، كما على ذلك أصحاب رسول الله وَال
والتابعون وتابعوهم كلهم، ذكر ذلك الشافعي في المبسوط، وعلى ذلك
ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعد الحج من هذه
الخصال، وكان قدومهم في سنة تسع، وهذا أحد ما يحتج به على أن
الحج لم يكن فرض بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان فرض
(١) الدباء هو القرع، والحنتم: هو الجرار الخضر، والنقير: أصل النخلة تنقر
لتتخذ وعاء، والمزفت: ما طلي بالزفت، وهو من إطلاق المحل وإرادة
الحال، أي ما ينتبذ في هذه الأواني.
(٢) رقم الحديث في البخاري ٥٣.
- ١٨٠ -