Indexed OCR Text
Pages 461-480
[ غزوة بني قريظة ] [الخروج إلى بني قريظة] ولما دخل ◌َ﴿ المدينة يوم الأربعاء هو وأصحابه ووضعوا السلاح جاء جبريل عليه السلام معتجراً بعمامة من استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج. وفي رواية البخاري من حديث عائشة أنه لما رجع بَله ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال له: قد وضعت السلاح، والله ما وضعناه. فاخرج إليهم .. وأشار إلى بني قريظة(١). وعند ابن إسحاق: إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله وَل# مؤذناً فأذن في الناس: من كان سامعاً مطيعاً فلا يصلين العصر إلا ببني قريظة. وعند ابن عائذ: قم فشد عليك سلاحك، فوالله لأدقنهم دق البيض على / الصفا، وبعث يومئذ منادياً ينادي يا خيل الله اركبي. ١/٦١ وعند الحاكم والبيهقي: وبعث علياً على المقدمة، وخرج رَّ في أثره . (١) رواه البخاري برقم ٤١١٧ . - ٤٦١ - و بند ابن سعد: ثم سار إليهم في المسلمين، وهم ثلاثة آلاف والخيل . ـة وثلاثون فرساً، وذلك يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة . واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فيما قاله ابن هشام. [الصلاة في بني قريظة] ٠ ونزل وَل﴿ على بئر من آبار بني قريظة وتلاحق به الناس. فأتى رجال منهم بعد العشاء الآخرة، ولم يصلوا العصر، لقوله وَتليفون: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فصلوا العصر بها بعد العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك في كتابه ولا عنفهم به رسول الله وَله . وفي البخاري عن ابن عمر: فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي وَ ل﴿ فلم يعنف واحداً منهم (١). كذا وقع في جميع النسخ من البخاري: أنها العصر. واتفق عليه جميع أهل المغازي. ووقع في مسلم أنها الظهر مع اتفاق البخاري ومسلم على روايته عن شيخ واحد وبإسناد واحد. ووافق مسلماً أبو يعلى وآخرون. وجمع بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم - قبل الأمر - كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها: لا يصلين أحد العصر. وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، (١) رواه البخاري برقم ٤١١٩. - ٤٦٢ - فقيل للطائفة الأولى: الظهر، وللطائفة التي بعدها العصر(١)، والله أعلم . [الحصار] قال ابن إسحاق: وحاصرهم ◌َّ خمساً وعشرين ليلة، حتى أجهدهم الحصار. وعند ابن سعد: خمس عشرة. وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة . وقذف الله في قلوبهم الرعب. فعرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يؤمنوا فقال لهم: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني أعرض عليكم خلالاً ثلاثاً، فخذوا أيها شئتم. قالوا: وما هي : قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين أنه لنبي مرسل، وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فأبوا. فقال: إذا أبيتم علي هذه، فهلم نقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالاً مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثقلاً حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا ما نخشى عليه . فقالوا: أي عيش لنا بعد أبنائنا ونسائنا. فقال: إن أبيتم علي هذه فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن (١) نقلاً عن فتح الباري ٤٠٩/٧. - ٤٦٣ - يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا، إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ. [أبو لبابة] وأرسلوا إلى رسول الله ول# أن ابعث إلينا أبا لبابة - وهو رفاعة ابن عبد المنذر - نستشيره في أمرنا. فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان ييكون في وجهه، فرقَّ لهم، وقالوا يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: إنه الذبح. قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه فلم يأت رسول الله مَّر حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح من مكاني هذا ٦١/ب حتى يتوب الله علي مما صنعت وعاهد الله / أن لا يطأ بني قريظة أبداً، ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبداً. فلما بلغ رسول الله وَ ر خبره، وكان قد استبطأه قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، وأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مکانه حتى يتوب الله عليه. قال: وأقام أبو لبابة مرتبطاً بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة ثم تعود فتربطه بالجذع. - ٤٦٤ - وقال أبو عمر: روى وهب عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا لبابة ارتبط بسلسلة ثقيلة بضع عشرة ليلة حتى ذهب سمعه، فما كاد يسمع، وكاد يذهب بصره، وكانت ابنته تحله إذا حضرت الصلاة، أو أراد أن يذهب لحاجة، فإذا فرغ أعادته. وعن [يزيد بن](١) عبد الله بن قسيط: أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول الله وَ ل﴿ وهو في بيت أم سلمة. قالت أم سلمة: فسمعت رسول الله وَل﴿ من السحر وهو يضحك، فقالت: قلت مم تضحك، أضحك الله سنك. قال: تيب على أبي لبابة. قالت: قلت أفلا أبشره يا رسول الله، قال: بلى إن شئت. قال: فقامت على باب حجرتها ۔ وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب - فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك. قالت: فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله صل هو الذي يطلقني بيده، فلما مر عليه خارجاً إلى صلاة الصبح أطلقه. وروى البيهقي في دلائله بسنده عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾(٢) قال: هو أبو لبابة إذ قال لبني قريظة ما قال وأشار إلى حلقه إن محمداً يذبحكم إن نزلتم على حكمه. قال البيهقي وترجم محمد بن إسحاق بن يسار أن ارتباطه كان حينئذ. وقد روينا عن ابن عباس ما دل على أن ارتباطه بسارية المسجد كان لتخلفه عن غزوة تبوك، كما قال ابن المسيب قال: وفي ذلك نزلت هذه الآية. (١) كذا في ش، وقد سقطت من النسخ وهو خلاف ما عند ابن إسحاق وغيره، أنه عن يزيد، وهو الصواب. (٢) سورة التوبة. الآية ١٠٢ . - ٤٦٥ - [حكم سعد بن معاذ] ولما اشتد الحصار ببني قريظة أذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله وَلجر، فحكم فيهم سعد بن معاذ، وكان قد جعله في خيمة في المسجد الشريف لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة وكانت تداوي الجرحى، فلما حكمه أتاه قومه فحملوه على حمار وقد وطؤوا له بوسادة من أدم - وكان رجلاً جسيماً - ثم أقبلوا معه إلى رسول الله وَّ ته . فلما انتهى سعد إلى رسول الله وَ له والمسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: قوموا إلى سيدكم. فأما المهاجرون من قريش فيقولون إنما أراد رسول الله ﴿ الأنصار، وأما الأنصار فيقولون: عم بها رسول الله *** المسلمين. فقالوا: إن رسول الله وسل ◌ّ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد: فإني أحكم فيهم، أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبي الذراري والنساء. فقال وَالر: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. والرقيع: السماء سميت بذلك لأنها رفعت بالنجوم. ووقع في البخاري: قال: قضيت فيهم بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك(١) - بكسر اللام -. وفي رواية محمد بن صالح(٢) لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات(٣). (١) رواه البخاري برقم ٤١٢١. (٢) محمد بن صالح بن دينار المدني، صدوق يخطىء مات سنة ثمان وستين ومائة، خرج له أصحاب السنن. (٣) أخرجه الترمذي. - ٤٦٦ - وفي حديث جابر - عند ابن عائذ - فقال: احكم فيهم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحق بالحكم /، قال: قد أمرك الله أن تحكم ١/٦٢ فیھم. وفي هذه القصة: جواز الاجتهاد في زمنه ﴿﴿ وهي مسألة اختلف فيها أهل أصول الفقه. والمختار: الجواز، سواء كان في حضرته ﴿ أم لا، وإنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع، ولا يضر ذلك لأنه بالتقرير يصير قطعياً، وقد ثبت وقوع ذلك بحضرته ويل ز كما في هذه القصة وغيرها. انتهى. [تنفيذ الحكم] وانصرف وَّر يوم الخميس لسبع ليال - كما قال الدمياطي، أو لخمس كما قاله مغلطاي - خلون من ذي الحجة. وأمر ◌َله ببني قريظة فأدخلوا المدينة، وحفر لهم أخدود في السوق، وجلس وَلّ ومعه أصحابه، وأخرجوا إليه فضربت أعناقهم، وكانوا ما بين ستمائة إلى سبعمائة، وقال السهيلي: المكثر يقول إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل. فيحتمل في طريق الجمع أن يقال: إن الباقين كانوا أتباعاً. واصطفى وَل﴿ لنفسه الكريمة ريحانة فتزوجها، وقيل كان يطؤها بملك اليمين، وأمر بالغنائم فجمعت، وأخرج الخمس من المتاع والسبي ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يريد وقسمه بين المسلمين، فكانت على ثلاثة آلاف واثنتين وسبعين سهماً، للفرس سهمان ولصاحبه سهم، وصار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي(١)، فكان النبي 8َ3﴿ يعتق منه (١) صحابي قديم الإسلام، كان عامل رسول الله وَلتر على الأخماس. - ٤٦٧ - ويهب ويخدم منه من أراد، وكذلك صنع بما صار إليه من الرثة - وهو السقط من المتاع -. [موت سعد بن معاذ] وانفجر جرح سعد بن معاذ، فمات شهيداً. وفي البخاري أنه دعا: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلى أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك [وأخرجوه](١)، اللهم إني أظن أنك قد وضعت الحرب فافجرها واجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته، فلم يرعهم - وفي المسجد خيمة لامرأة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد یغذو جرحه دماً فمات منها(٢). وقد كان ظن سعد مصيباً، ودعاؤه في هذه القصة مجاباً، وذلك أنه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعة الخندق حرب يكون ابتداء القصد فيه من المشركين، فإنه ◌َ تجهز إلى العمرة فصدوه عن دخول مكة، وكاد الحرب أن يقع بينهم فلم يقع كما قال تعالى: ﴿وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم﴾ (٣) ثم وقعت الهدنة واعتمر عليه السلام من قابل، واستمر ذلك إلى أن نقضوا العهد فتوجه إليهم غازياً ففتحت مكة، فعلى هذا: (١) في ش وهي في البخاري. (٢) رواه البخاري برقم ٤١٢٢ . (٣) سورة الفتح الآية ٢٤. قال الشارح: وهو الصحيح في نزول الآية لحديث مسلم أنه طاف من المشركين ثمانون بعسكر المسلمين فأخذوا .. وعفا عنهم النبي ◌َ﴾. - ٤٦٨ - فالمراد بقوله: أظن أنك قد وضعت الحرب، أي: أن يقصدونا محاربين. وهو كقوله وَّيول: نغزوهم ولا يغزونا - كما تقدم -. وقد بين سبب انفجار جرح سعد في مرسل حميد بن هلال - عند ابن سعد - ولفظه: أنه مرت به عنز، وهو مضطجع، فأصاب ظلفها موضع النحر(١) فانفجرت حتى مات. [واهتز عرش الرحمن] وحضر جنازته سبعون ألف ملك، واهتز لموته عرش الرحمن. رواه الشيخان(٢). قال النووي: اختلف العلماء في تأويله: فقالت طائفة: هو على ظاهره، واهتزاز العرش تحركه فرحاً بقدوم سعد، وجعل الله تعالى في العرش تمييزاً حصل به هذا، ولا مانع منه، كما قال تعالى: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ (٣). وهذا القول هو ظاهر الحديث. وهو المختار. قال المازري: قال بعضهم: هو على حقيقته، وأن العرش تحرك لموته، وهذا لا ينكر من جهة العقل، لأن العرش جسم/ من الأجسام، يقبل الحركة ٦٢/ب والسكون. قال: لكن لا تحصل فضيلة سعد بذلك إلا أن يقال: إن الله تعالى جعل حركته علامة للملائكة على موته. وقال آخرون: المراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول. ومنه قول العرب: فلان يهتز للمكارم، لا يريدون اضطراب جسمه وحركته، (١) في (ط، د): الفجر، وكلاهما صحيح في معناه. (٢) رواه البخاري برقم ٣٨٠٣ ومسلم في فضائل الصحابة ١٢٣ - ١٢٥. (٣) سورة البقرة. الآية ٧٤. - ٤٦٩ - وإنما يريدون ارتياحه إليها، وإقباله عليها. وقال الحربي: هو عبارة عن تعظيم شأن وفاته، والعرب تنسب الشيء المعظم إلى أعظم الأشياء، فيقولون: أظلمت لموت فلان الأرض، وقامت له القيامة. وقال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة. وهو النعش. وهذا القول باطل يرده صريح الروايات التي ذكرها مسلم ((اهتز لموته عرش الرحمن)) وإنما قال هؤلاء هذا التأويل لكونهم لم تبلغهم هذه الروايات التي ذكرها مسلم والله أعلم. انتهى. وقيل المراد باهتزاز العرش حملة العرش، وصحح الترمذي من حديث أنس قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون لرسول الله وَلّ ما أخف جنازته، فقال النبي وَلهو: إن الملائكة كانت تحمله. وعن البراء قال: أهديت للنبي وَلّ حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها، فقال وَله: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير منها وألين. هذا لفظ رواية أبي نعيم في مستخرجه على مسلم(١). والمناديل: جمع منديل - بكسر الميم في المفرد - وهو معروف. قال العلماء: وهذا إشارة إلى عظم منزلة سعد في الجنة، وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه، لأن المنديل أدنى الثياب، لأنه معد للوسخ والامتهان، فغيره أفضل. انتهى. (١) رواه البخاري برقم ٣٨٠٢ ومسلم برقم ٢٤٦٨، ولم يعزه المصنف لهما، لزيادة ((في الجنة)) وقد زادها البخاري في كتاب الهبة لكن من حديث أنس. - ٤٧٠ - وأخرج ابن سعد وأبو نعيم، من طريق محمد بن المنكدر عن محمد بن شرحبيل بن حسنة قال: قبض إنسان يومئذ بيده من تراب قبره قبضة فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك فإذا هي مسك، فقال رسول الله وَليلى: سبحان الله، سبحان الله، حتى عرف ذلك في وجهه، فقال: الحمد لله، لو كان أحد ناجياً من ضمة القبر لنجا منها سعد، ضم ضمة ثم فرج الله عنه. وأخرج ابن سعد عن أبي سعيد الخدري قال: كنت ممن حفر لسعد قبره، فكان يفوح علينا المسك كلما حفرناه. [فرض الحج] قال الحافظ مغلطاي وغيره: وفي هذه السنة فرض الحج. وقيل: سنة ست وصححه غير واحد، وهو قول الجمهور. وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان ورجحه جماعة من العلماء. وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في ذكر وفد عبد القيس في المقصد الثاني، وفي ذكر حجه عليه الصلاة والسلام من مقصد عباداته . - ٤٧١ - [ بين قريظة والحديبية] [سرية محمد بن مسلمة] ثم سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، بطن من بني بكر بن كلاب وهم ينزلون بناحية ضربة بالبكرات، وبين ضربة والمدينة سبع ليال. لعشر ليال خلون من المحرم سنة ست على رأس تسعة وخمسين شهراً من الهجرة. بعثه في ثلاثين راكباً، فلما أغار عليهم هرب سائرهم. وعند الدمياطي: فقتل نفراً منهم وهرب سائرهم. واستاق نعماً وشاء، وقدم المدينة لليلة بقيت من المحرم ومعه ثمامة بن أثال الحنفي أسيراً. فربط بأمره ول بسارية من سواري المسجد، ثم أطلق بأمره وَله، فاغتسل وأسلم وقال: يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الأديان كلها إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي. وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره ١/٦٣ النبي ◌َّر، وأمره أن يعتمر. / - ٤٧٢ - فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع رسول الله وَل﴿، ولا والله يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي ◌َ﴾. ذكر قصته البخاري(١). غزوة بني لحيان ثم غزوة بني لحيان - بكسر اللام وفتحها، لغتان - في ربيع الأول سنة ست من الهجرة. وذكرها ابن إسحاق في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من قريظة. قال ابن حزم: الصحيح أنها في الخامسة . قالوا: وجد رسول الله وَ لقر على عاصم بن ثابت وأصحابه وجداً شديداً، فأظهر أنه يريد الشام، وعسكر في مائتي رجل ومعهم عشرون فرساً. واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم. ثم أسرع السير حتى انتهى إلى بطن غران - واد بين أمج وعسفان، وبينها وبين عسفان خمسة أميال - حيث كان مصاب أصحابه أهل الرجيع الذين قتلوا ببئر معونة، فترحم عليهم ودعا لهم. فسمعت به بنو لحيان فهربوا في رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوماً أو يومين يبعث السرايا في كل ناحية. ثم خرج حتى أتى عسفان فبعث أبا بكر في عشرة فوارس لتسمع به قريش فيذعرهم، فأتوا كراع الغميم، ثم رجعوا ولم يلقوا أحداً. وانصرف بَ له إلى المدينة ولم يلق كيداً وهو يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون. وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة. (١) رواه البخاري برقم ٤٣٧٢ ومسلم برقم ١٧٦٤ . - ٤٧٣ - غزوة الغابة وتعرف بذي قرد - بفتح القاف والراء وبالدال المهملة - وهو ماء على بريد من المدينة. في ربيع الأول سنة ست، قبل الحديبية. وعند البخاري أنها كانت قبل خيبر بثلاثة أيام، وفي مسلم نحوه. قال مغلطاي: وفي ذلك نظر لإجماع أهل السير على خلافهما. انتھی . قال القرطبي شارح مسلم: لا يختلف أهل السير أن غزوة ذي قرد كانت قبل الحديبية. وقال الحافظ ابن حجر: ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قرد أصح مما ذكر أهل السير. انتهى. وسببها: أنه كان لرسول الله وَ ليل عشرون لقحة - وهي ذوات اللبن القريبة العهد بالولادة - ترعى بالغابة، وكان أبو ذر فيها، فأغار عليهم عيينة بن حصن الفزاري ليلة الأربعاء، في أربعين فارساً فاستاقوها، وقتلوا ابن أبي ذر. وقال ابن إسحاق: وكان فيها (١) رجل من بني غفار وامرأة(٢)، فقتلوا الرجل وسبوا المرأة، فركبت ناقة للنبي وَ ﴿ ليلاً حين غفلتهم ونذرت لئن نجت لتنحرنها، فلما قدمت على النبي ◌َ ◌ّ أخبرته بذلك فقال: لا نذر في معصية، ولا لأحد فيما لا يملك. ونودي: يا خيل الله اركبي، وكان أول ما نودي بها. (١) كذا في ش وابن هشام. وفي النسخ: وكان فيهم. وهو خطأ. (٢) الرجل: ابن أبي ذر، والمرأة امرأة أبي ذر. - ٤٧٤ - وركب رسول الله وَله في خمسمائة وقيل: سبعمائة، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وخلف سعد بن عبادة في ثلاثمائة يحرسون المدينة . وكان قد عقد للمقداد بن عمرو لواء في رمحه وقال له امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك. فأدرك أخريات العدو. وقتل أبو قتادة مسعدة فأعطاه رسول الله وَالر فرسه وسلاحه. وقتل عكاشة بن محصن أبان بن عمرو. وقتل من المسلمين محرز بن نضلة قتله مسعدة. وأدرك سلمة بن الأكوع القوم، وهو على رجليه، فجعل يرميهم بالنبل ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع يعني هلاك اللئام، من قولهم: لئيم راضع، أي راضع اللؤم في بطن أمه، وقيل معناه: اليوم يعرف من أرضعته الحرب من صغره وتدرب بها، ويعرف غيره. / ٦٣/ب ولحق رسول الله وَليل الناس والخيول عشاء، قال سلمة: فقلت يا رسول الله إن القوم عطاش، فلو بعثتني في مائة رجل استنقذت ما في أيديهم من السرح وأخذت بأعناق القوم. فقال ◌َله: ملكت فأسجح - وهي بهمزة قطع ثم سين مهملة ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة - أي فارفق وأحسن، والسجاحة: السهولة، أي لا تأخذ بالشدة بل ارفق. فقد حصلت النكاية في العدو ولله الحمد. ثم قال: إنهم ليقرون في غطفان. وذهب الصريخ إلى بني عمرو بن عوف فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتي والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى - ٤٧٥ - رسول الله وَلّر بذي قرد فاستنقذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقي وهي عشر. وصلى رسول الله وَ ﴿ بذي قرد صلاة الخوف، وأقام يوماً وليلة ورجع. وقد غاب خمس ليال، وقسم في كل مائة من أصحابه جزوراً ینحرونها . [ سرية الغمر ] سرية عكاشة بن محصن الأسدي إلى غمر مرزوق - بالغين المعجمة المفتوحة (١) - وهو ماء لبني أسد على ليلتين من فيد، في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة، في أربعين رجلاً، فخرج سريعاً، فنذر به القوم - بكسر الذال المعجمة كفرح - فهربوا فنزلوا علياء بلادهم. فاستاقوا مائتي بعير وقدموا على رسول الله وَالر ولم يلقوا کیداً. [ سرية محمد بن سلمة إلى ذي القصة ] ثم سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة - بالقاف والصاد المهملة المشددة المفتوحتين - موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً، في شهر ربيع الأول سنة ست من الهجرة. ومعه عشرة إلى بني ثعلبة . فورد عليهم ليلاً فأحدق به القوم، وهم مائة رجل فتراموا ساعة من الليل ثم حملت الأعراب عليهم بالرماح فقتلوهم إلا محمد بن (١) في (ا، ب، ط) المكسورة. قال الشارح: وفي نسخة المكسورة والصواب المذكور في العيون وغيرها المفتوحة. - ٤٧٦ - مسلمة فوقع جريحاً، وجردوهم من ثيابهم. فمر رجل من المسلمين بمحمد بن مسلمة فحمله حتى ورد به المدينة. فبعث رسول الله وَل* أبا عبيدة بن الجراح في ربيع الآخر في أربعين رجلاً إلى مصارعهم، فأغاروا عليهم، فأعجزوهم هرباً في الجبال، وأصاب رجلاً واحداً فأسلم وتركه، وأخذ نعماً من نعمهم فاستاقه، ورثة من متاعهم وقدم به المدينة فخمسه رسول الله وعليه وقسم ما بقي عليهم. قال في القاموس: الرث: السقط من متاع البيت، كالرثة بالکسر. [ سرية زيد إلى الجموم ] ثم سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم - ويقال: الجموح - ناحية ببطن نخل من المدينة على أربعة أميال. في شهر ربيع الآخر سنة ست، فأصابوا امرأة من مزينة يقال لها حليمة، فدلتهم على محلة من محال بني سليم، فأصابوا نعماً وشاء وأسرى، فكان فيهم زوج حليمة المزنية، فلما قفل زيد بما أصاب، وهب رسول الله وَلقر للمزنية نفسها وزوجها. [ سرية زيد إلى العيص ] ثم سرية زيد بن حارثة أيضاً إلى العيص، موضع على أربع ليال من المدينة، في جمادى الأولى سنة ست، ومعه سبعون راكباً، لما بلغه وَّل # أن عيراً لقريش قد أقبلت من الشام يتعرض لها، فأخذها وما فيها، وأخذ يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية، وأسر منهم ناساً، - ٤٧٧ - منهم أبو العاصي بن الربيع(١)، وقدم بهم المدينة، فأجارته زوجته زينب ابنة النبي 18َّ ونادت في الناس - حين صلى رسول الله وَّ الفجر - ١/٦٤ إني قد / أجرت أبا العاصي. فقال رسول الله وَلجر: ما علمت بشيء من هذا، وقد أجرنا من أجرت. ورد عليه ما أخذ منه. وذكر ابن عقبة: أن أسره كان على يد أبي بصير بعد الحديبية. وكانت هاجرت قبله وتركته على شركه، وردها النبي (وَّ 9 بالنكاح الأول، قيل بعد سنتين وقيل بعد ست سنين، وقيل قبل انقضاء العدة . وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ردها له بنكاح جديد سنة سبع. [ سرية زيد إلى الطرف ] ثم سرية زيد بن حارثة أيضاً إلى الطرف، وهو ماء على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة، في جمادى الآخرة سنة ست. فخرج إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلاً، فأصاب نعماً وشاء، وهربت الأعراب، وصبح زيد بالنعم المدينة، وهي عشرون بعيراً، ولم یلق کیداً، وغاب أربع ليال. (١) الذي ذكره ابن هشام أن أبا العاصي بن الربيع أعجزهم هارباً. ثم جاء تحت ظلام الليل حتى دخل على زينب بنت رسول الله ﴿﴿ فاستجار بها فأجارته، ولو كان أسيراً لما استطاع أن يستجير بها، ولما كان لها أن تجيره. (انظر سيرة ابن هشام ٦٥٧/١) [المحقق]. - ٤٧٨ - [ سرية زيد إلى حسمى ] ثم سرية زيد أيضاً إلى حسمى - بكسر المهملة - وهي وراء وادي(١) القرى، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. وسببها أنه أقبل دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر، وقد أجازه وكساه، فلقيه الهنيد في ناس من جذام بحسمى فقطعوا عليه الطريق، فسمع بذلك نفر من بني الضبيب فنفروا إليهم فاستنقذوا لدحية متاعه، وقدم دحية على رسول الله وَالر فأخبره بذلك فبعث زيد بن حارثة وخمسمائة رجل، ورد معه دحية. فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، فأقبل بهم حتى هجموا مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم. فأخذوا من النعم ألف شاة، ومائة من النساء والصبيان . فرحل زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه، فدفع إلى رسول الله وَلّ كتابه الذي كان كتب له ولقومه ليالي قدم عليه فأسلم، وبعث ﴿ل علياً إلى زيد بن حارثة يأمره أن يخلي بينهم وبين حرمهم وأموالهم، فرد عليهم. [ سرية زيد إلى وادي القرى ] ثم سرية زيد أيضاً إلى وادي القرى أيضاً، في رجب سنة ست، فقتل من المسلمين قتلى، وارتث زيد، أي حمل من المعركة رئيئاً، أي جريحاً وبه رمق - وهو مبني للمجهول، قاله في القاموس -. (١) كذا في د وهو الصواب وفي بقية النسخ: ذات القرى . - ٤٧٩ - [ سرية ابن عوف إلى دومة الجندل ] ثم سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، في شعبان سنة ست . قالوا: دعا رسول الله وَليل عبد الرحمن بن عوف، فأقعده بين يديه، وعممه بيده، وقال: اغز، باسم الله، وفي سبيل الله، فقاتل من كفر بالله، ولا تغدر، ولا تقتل وليداً، وبعثه إلى كلب بدومة الجندل، وقال: إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم. فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل، فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانياً، وكان رئيسهم، وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية. وتزوج عبد الرحمن تماضر - بضم المثناة الفوقية، وكسر الضاد المعجمة - بنت الأصبغ، وقدم بها المدينة فولدت له أبا سلمة. [ سرية علي إلى بني سعد ] ثم سرية علي بن أبي طالب في شعبان سنة ست من الهجرة، ومعه مائة رجل إلى بني سعد بن بكر، لما بلغه ◌َلتر أن لهم جمعاً یریدون أن يمدوا يهود خيبر. فأغاروا عليهم [بالغمج](١) بين فدك وخيبر، فأخذوا خمسمائة بعير وألفي شاة، وهربت بنو سعد، وقدم علي ومن معه المدينة ولم يلقوا كيداً. (١) زيادة في ش. - ٤٨٠ -