Indexed OCR Text
Pages 441-460
غزوة بني المصطلق [الموقع والتاريخ] غزوة المريسيع : - بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتيتين بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة - وهو ماء لبني خزاعة، بينه وبين الفرع يومان(١). وتسمى غزوة بني المصطلق - بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء المهملة، وكسر اللام بعدها قاف - وهو لقب واسمه: جذيمة بن سعد بن عمرو، بطن من خزاعة. وكانت لليلتين خلتا من شعبان، سنة خمس، وفي البخاري قال ابن إسحاق سنة ست، وقال موسى بن عقبة: سنة أربع انتهى. قالوا: وكأنه سبق قلم(٢)، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس. [سبب الغزوة وما حدث فيها] وسببها أنه بلغه وَل ◌ّ أن رئيسهم الحارث بن أبي ضرار سار في (١) هكذا في النسخ قال الشارح في الفتح: مسيرة يوم. (٢) أي من البخاري . - ٤٤١ - قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله واله فأجابوه، وتهیؤوا للمسير معه إليه. فبعث وَلقه بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه، ورجع إلى رسول الله وَلاته . وخرج عليه السلام مسرعاً في بشر كثير من المنافقين، لم يخرجوا في غزاة قط مثلها. واستخلف على المدينة زيد بن حارثة. وقادوا الخيل، وكانت ثلاثين فرساً. وخرجت عائشة وأم سلمة. وبلغ الحارث ومن معه مسيره عليه السلام فسيء بذلك هو ومن معه، وخافوا خوفاً شديداً، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب. وبلغ عليه السلام المريسيع، وصف أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر عليه السلام أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، وقتلوا عشرة وأسروا سائرهم، وسبوا النساء والرجال والذرية والنعم والشاء. ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد، كذا ذكره ابن إسحاق. والذي في صحيح البخاري من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم فأوقع بهم ولفظه: أغار على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تستقي على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وهم على الماء(١). فيحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلاً، فلما كثر فيهم (١) رواه البخاري برقم ٢٥٤١ . - ٤٤٢ - القتل انهزموا بأن يكونوا لما دهمهم وهم على الماء وتصافوا وقع القتال بين الطائفتين، ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم(١). [نزول آية التيمم] قيل وفي هذه الغزوة نزلت آية التيمم. وفي الصحيحين من حديث عائشة: أنها قالت: خرجنا مع رسول الله وَّ ر في بعض أسفاره، فذكر حديث التيمم(٢). قال في فتح الباري: ((قوله في بعض أسفاره)) قال ابن عبد البر في التمهيد: يقال إنه كان في غزوة بني المصطلق. وجزم بذلك في الاستذكار. وسبقه إلى ذلك ابن سعد وابن حبان، وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع. وفيها كانت قصة الإفك لعائشة، وكان ابتداء ذلك بسبب وقوع عقدها أيضاً. فإن كان ما جزموا به ثابتاً، حمل على أنه سقط منها في تلك السفرة مرتين، لاختلاف القصتين، كما هو بين من سياقهما. قال: واستبعد بعض شيوخنا ذلك، لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث: حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، وهما بين مكة وخيبر كما جزم به النووي. قال: وما جزم به مخالف لما جزم به ابن/ التين فإنه قال: ١/٥٨ (١) انظر في بيان هذه القضية وملابساتها كتابنا ((أضواء على دراسة السيرة)) [المحقق] . (٢) رواه البخاري برقم ٣٣٤. - ٤٤٣ - البيداء هي ذو الحليفة بالقرب من المدينة من طريق مكة، وذات الجيش وراء ذي الحليفة. وقال أبو عبيد البكري في معجمه: البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة، ثم ساق حديث عائشة هذا، ثم قال: وذات الجيش من المدينة على بريد. قال: وبينها وبين العقيق سبعة أميال. والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر، فاستقام ما قاله ابن التين(١). وقد قال قوم بتعدد ضياع العقد، ومنهم محمد بن حبيب الأخباري فقال: سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق . وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أولاً . وقال الداودي: كانت قصة التيمم في غزوة الفتح ثم تردد في ذلك. وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع. فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق، لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وهي بعدها بلا خلاف. وكان البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى، وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة. ومما يدل على تأخر القصة أيضاً عن قصة الإفك ما رواه الطبراني من طريق يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان، وقال أهل الإفك ما قالوا، (١) فتح الباري ٤٣٢/١. - ٤٤٤ - خرجت مع رسول الله وَ* في غزوة أخرى، فسقط أيضاً عقدي حتى حبس الناس على التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بنية في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس، فأنزل الله الرخصة في التيمم، فقال أبو بكر: إنك لمباركة. وفي إسناده محمد بن حميد الرازي. وفيه مقال. وفي سياقه من الفوائد: بيان عتاب أبي بكر الذي أبهم في حديث الصحيح، والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين. انتھی(١). [الذي أوفى لله بأذنه] وفي هذه الغزوة قال ابن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فسمعه زيد بن أرقم، ذو الأذن الواعية، فحدث رسول الله و 18 بذلك فأرسل إلى ابن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فأنزل الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ فقال له رسول الله والله: إن الله قد صدقك يا زيد(٢). رواه البخاري. وكانت غيبته ◌َ ل# في هذه الغزوة ثمانية وعشرين يوماً. (١) فتح الباري ٤٣٤/١ - ٤٣٥ وخلاصته أن السفر المبهم في قول عائشة هو: المريسيع أو ذات الرقاع أو الفتح أقوال. وأن العقد سقط مرتين في غزوة واحدة أو في غزوتین. (٢) عند ابن إسحاق وأهل المغازي أن هذه الحادثة كانت في غزوة تبوك. - ٤٤٥ - غزوة الخندق [سبب التسمية] وهي الأحزاب: جمع حزب، أي طائفة . فأما تسميتها بالخندق: فلأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره وَله، ولم يكن اتخاذ الخندق من شأن العرب، ولكنه من مكايد الفرس. وكان الذي أشار بذلك سلمان، فقال: يا رسول الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبي ◌َّ بحفره، وعمل فيه بنفسه ترغيباً للمسلمين. وأما تسميتها بالأحزاب، فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم: قريش وغطفان واليهود ومن معهم. وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدراً من سورة الأحزاب. [تاريخها] واختلف في تاريخها: فقال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع. وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس، وبذلك جزم غيره من أهل المغازي. ومال البخاري إلى قول موسى بن عقبة، وقواه بقول ابن عمر: - ٤٤٦ - أن رسول الله ﴿ عرضه يوم أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه، وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة فأجازه(١). فيكون بينهما سنة واحدة، وأحد/ كانت سنة ثلاث، فتكون الخندق سنة أربع. ٥٨/ب ولا حجة فيه إذا ثبت لنا أنها كانت سنة خمس، لاحتمال أن يكون ابن عمر في أحد كان أول ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب استكمل الخمس عشرة، وبهذا أجاب البيهقي. وقال الشيخ ولي الدين بن العراقي: والمشهور أنها في السنة الرابعة . [اليهود يجمعون الأحزاب] وكان من حديث هذه الغزوة: أن نفراً من يهود قدموا على قريش بمكة وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك اليهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حربه عليه الصلاة والسلام، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد بايعوهم على ذلك واجتمعوا معهم. فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في فزارة، والحارث بن عوف المري في مرة. [عدد كل من الفريقين] وكان عدتهم - فيما ذكره ابن إسحاق - عشرة آلاف. والمسلمون (١) رواه البخاري برقم ٤٠٩٧. - ٤٤٧ - ثلاثة آلاف وقيل غير ذلك. وذكر ابن سعد أنه كان مع المسلمين ستة وثلاثون فرساً. [حفر الخندق] ولما سمع رسول الله وَلل بالأحزاب، وبما أجمعوا عليه من الأمر، ضرب على المسلمين الخندق، فعمل فيه وهل ترغيباً [للمسلمين في](١) الأجر، وعمل معه المسلمون، فدأب ودأبوا. وأبطأ على رسول الله وعلى المسلمين في عملهم ذاك ناس من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعف عن العمل، وفي البخاري: عن سهل بن سعد قال: كنا مع النبي ◌َّ في الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله ◌َى: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار(٢). والأكتاد : - بالمثناة الفوقية - جمع كتد - بفتح أوله وكسر المثناة - وهو ما بين الكاهل إلى الظهر، وفي بعض نسخ البخاري: أكبادنا بالموحدة، وهو موجه على أن يكون المراد به مما يلي الكبد من الجنب. وفي البخاري أيضاً: عن أنس: فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: اللهم إن العيش عيش الآخرة(٣) فاغفر للأنصار والمهاجرة (١) كذا في ش وعند ابن إسحاق، وفي النسخ: ترغيباً للأجر. (٢) رواه البخاري برقم ٤٠٩٨. (٣) كذا في البخاري، وفي النسخ: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة. - ٤٤٨ - فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبدا(١) قال ابن بطال: وقوله اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، هو من قول ابن رواحة تمثل به وَ له. وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاووس(٢) زيادة في آخر الرجز: والعن عضلاً والقارة هم كلفونا نقل الحجارة وفي البخاري من حديث البراء قال: (لما كان يوم الأحزاب، وخندق رسول الله وَ الر رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب ويقول: ولا تصدقنا ولا صلينا اللهم لولا أنت ما اهتدينا وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلن سكينة علينا وإن أرادوا فتنة أبينا إن الألى قد بغوا علينا قال: يمد بها صوته .. )(٣) وفي رواية له أيضاً: إن الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا (٤) (١) رواه البخاري برقم ٤٠٩٩. (٢) طاووس بن كيسان اليماني الفارسي، تابعي ثقة فقيه كثير الحديث. مات سنة ست ومائة. (٣) رواه البخاري برقم ٤١٠٦. (٤) من رواية البخاري برقم ٤١٠٤. - ٤٤٩ - / وفي حديث سليمان التيمي(١) عن أبي عثمان النهدي(٢) أنه وَل ١/٥٩ حين ضرب في الخندق قال: بسم الإله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقینا فحبذا ربا وحب دينا(٣) قال في النهاية: يقال بديت بالشيء - بكسر الدال - أي بدأت به، فلما خفف الهمزة كسر الدال، فانقلبت الهمزة ياء، وليس هو من بنات الياء. انتهى. [معجزات] وقد وقع في حفر الخندق آيات من أعلام بنوته وَ لا. منها ما في الصحيح عن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة - وهي بضم الكاف وتقديم الدال المهملة على التحتانية، وهي القطعة الصلبة - فجاؤوا النبي ◌َلقر فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً فأخذ النبي ◌ّ﴿ المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم(٤). كذا بالشك من الراوي، وفي رواية الاسماعيلي باللام من غير شك، والمعنى: أنه صار رملاً يسيل ولا يتماسك. (١) سليمان بن طرخان التيمي. الثقة العابد المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة، روى له الجميع. (٢) أبو عثمان النهدي، عبد الرحمن بن مل، ثقة عابد روى له الستة مات سنة خمس وتسعين. (٣) كذا في فتح الباري ٣٩٧/٧ وهو موزون عروضياً، والذي في النسخ: حبذا رباً وحبذا ديناً، وهو غير موزون. (٤) رواه البخاري برقم ٤١٠١. - ٤٥٠ - وأهيم: بمعنى أهيل. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فشاربون شرب الهيم﴾(١). المراد: الرمال التي لا يرويها الماء. وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء قال: لما كان حين أمرنا رسول الله وَلّ بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله و الر، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة فنشر ثلثها، وقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثاً آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، وإني والله لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال بسم اللّه فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة (٢). ومن أعلام نبوته ما ثبت في الصحيح من حديث جابر من تكثير الطعام القليل يوم حفر الخندق(٣)، كما سيأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في مقصد المعجزات مع غيره. [مدة حفر الخندق] وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريباً من عشرين ليلة. (١) سورة الواقعة. الآية ٥٥. (٢) المسند ٣٠٣/٤. (٣) رواه البخاري برقم ٤١٠١ . - ٤٥١ - وعند الواقدي: أربعاً وعشرين. وفي الروضة للنووي: خمسة عشر يوماً. وفي الهدي النبوي لابن القيم: أقاموا شهراً. [وصف المعسكرين] ولما فرغ رسول الله وَله من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم(١) ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة . ونزل عيينة بن حصن في غطفان ومن تبعهم من أهل نجد إلى جانب أحد. وخرج رسول الله وَل﴿ ومن معه من المسلمين حتى جعلوا أظهرهم إلى سلع، وكانوا ثلاثة آلاف رجل. فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم. وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة. وكان ◌َّي يبعث الحرس إلى المدينة خوفاً على الذراري من بني قريظة . [قريظة تنقض العهد] قال ابن إسحاق: وخرج عدو الله حيي بن أخطب حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان وادع رسول الله وَلثر على قومه وعاقده، فأغلق كعب دونه باب حصنه، وأبى أن يفتح له، وقال ويحك يا حبي، إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه، فإني لم أر منه إلا وفاء وصدقاً. فقال: ويلك افتح، ولم يزل به حتى فتح له، فقال: ويلك يا (١) هم الحلفاء، التحبيش: التجميع. - ٤٥٢ - كعب، جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال، ومن دونه غطفان/ وقد عاهدوني على أن لا يبرحوا حتى ٥٩/ب نستأصل محمداً ومن معه، ولم يزل به حتى نقض عهده، وبریء مما كان بينه وبين رسول الله آل﴾ . وعن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب أنا وعمرو بن أبي سلمة مع النساء في أطم حسان، فنظرت فإذا الزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً، فلما رجعت قلت يا أبت رأيتك تختلف، قال: رأيتني يا بني قلت: نعم. قال: كان رسول الله وعليه قال: من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله و لر أبويه فقال: فداك أبي وأمي. أخرجه الشيخان والترمذي وقال: حديث حسن. وفي رواية أصحاب المغازي: فلما انتهى الخبر إلى رسول الله وَلقه بعث سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابن رواحة وخوات بن جبير ليعرفوا الخبر، فوجدوهم على أخبث ما بلغه عنهم، نالوا من رسول الله وَ الر وتبرؤوا من عقده وعهده، ثم أقبل السعدان ومن معهما على رسول الله وَ ل﴿ وقالوا: عضل والقارة، أي: كغدرهما بأصحاب الرجيع . [معسكر المسلمين بعد غدر قريظة] فعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن. ونجم النفاق من بعض المنافقين، وأنزل الله تعالى: ﴿وإذا يقول - ٤٥٣ - المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾ الآيات(١) . وقال رجال ممن معه(٢): يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، وقال أوس بن قيظي: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو، فائذن لنا فنرجع إلى ديارنا، فإنها خارج المدينة. وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي على فرس له ليوثبه الخندق فوقع في الخندق فقتله الله. وكبر ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول الله وَلل إنا نعطيك الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه، فرد إليهم النبي وَله: إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله ولعن ديته، ولا منعکم أن تدفنوه ولا أرب لنا في دیته. قال ابن إسحاق: وأقام ◌َلّ والمسلمون وعدوهم يحاصرهم، ولم يكن بينهم قتال إلا مراماة بالنبل، لكن كان عمرو بن عبد ود العامري اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق، حتى صاروا بالسبخة، فبارزه علي فقتله، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة فقتله الزبير وقيل قتله علي، ورجعت بقية الخيول منهزمة. ورمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل - وهو بتفح الهمزة والمهملة بينهما كاف ساكنة - عرق في وسط الذراع. قال الخليل: هو عرق الحياة يقال إن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النسا، إذا قطع لم يرفأ الدم. (١) سورة الأحزاب. الآية ١٢ . (٢) أي مع عبد الله بن أبي كبير المنافقين. وهو مفهوم من السياق، ويمكن إعادة الضمير إلى النفاق [م] . - ٤٥٤ - وكان الذي رمى سعداً، ابن عرفة، أحد بني عامر بن لؤي، قال: خذها مني وأنا ابن العرقة، فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار. ثم قال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه. وأقام عليه الصلاة والسلام وأصحابه بضع عشرة ليلة. فمشى نعيم بن مسعود الأشجعي - وهو مخف إسلامه - فثبط قوماً عن قوم وأوقع بينهم شراً لقوله وَلقر: (الحرب خدعة) فاختلفت كلمتهم. [ليلة الأحزاب] وروى الحاكم عن حذيفة قال: لقد رأيتنا ليلة الأحزاب وأبو سفيان ومن معه من فوقنا، وقريظة أسفل منا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلة أشد ظلمة ولا ريحاً منها، فجعل المنافقون يستأذنون ويقولون بيوتنا عورة، فمر بي النبي ◌َّ وأنا جاث على ركبتي، ولم يبق معه إلا ثلاثمائة فقال/: اذهب فائتني بخبر القوم، ودعا لي، فأذهب ١/٦٠ الله عني القر والفزع، فدخلت عسكرهم فإذا الريح فيه لا تجاوز شبراً، فلما رجعت رأيت فوارس في طريقي فقالوا: أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم. وفي رواية(١): أن حذيفة لما أرسله و الّ ليأتيه بالخبر سمع أبا سفيان يقول: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الخف والكراع، واختلفنا وبنو قريظة، ولقينا من هذا (١) رواية ابن اسحاق. - ٤٥٥ - الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم. [مهمة الزبير ومهمة حذيفة] ووقع في البخاري أنه بَّ قال يوم الأحزاب: من يأتينا بخبر القوم. فقال الزبير: أنا، فقال: من يأتينا بخبر القوم، فقال الزبير: أنا، فقال: من يأتينا بخبر القوم؟ قالها ثلاثاً(١). وقد استشكل ذكر الزبير في هذه. فقال ابن الملقن: وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب والمشهور أنه حذيفة بن اليمان. قال الحافظ بن حجر: وهذا الحصر مردود، فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها، فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين، ووافقوا قريشاً على محاربة المسلمين؟ وقصة حذيفة كانت لما اشتد الحصار على المسلمين بالخندق، وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف، وحذرت كل طائفة من الأخرى، وأرسل الله عليهم الريح واشتد البرد تلك الليلة، فانتدب عليه السلام من يأتيه بخبر قريش فانتدب له حذيفة بعد تكراره طلب ذلك، وقصته في ذلك مشهورة لما دخل بين قريش في الليل وعرف قصتهم(٢). [دعاء] وفي البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول (١) رواه البخاري برقم ٤١١٣. (٢) فتح الباري ٤٠٦/٧. - ٤٥٦ - الله ◌َ﴿ على الأحزاب فقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم (١). وروى أحمد عن أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر قال: نعم، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا. قال: فضرب الله وجوه أعدائنا بالريح. وفي ((ينبوع الحياة))(٢) لابن ظفر: قيل إنه نَّر دعا فقال: يا صريخ المكروبين يا مجيب المضطرين اكشف همي وغمي وكربي فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابي. فأتاه جبريل فبشره بأن الله سبحانه يرسل عليهم ريحاً وجنوداً، فأعلم أصحابه ورفع يديه قائلاً: شكراً شكراً، وهبت ريح الصبا ليلاً فقلعت الأوتاد وألقت عليهم الأبنية وكفأت القدور وسفت عليهم التراب ورمتهم بالحصى، وسمعوا في أرجاء معسكرهم التكبير وقعقعة السلاح فارتحلوا هراباً في ليلتهم وتركوا ما استثقلوه من متاعهم. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها﴾(٣). [انشغال المسلمين عن الصلاة] وفي البخاري عن علي أن رسول الله وَ لتر قال يوم الخندق: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس)(٤) ومقتضى هذا أنه استمر اشتغاله بقتال المشركين حتى غابت الشمس. (١) رواه البخاري برقم ٤١١٥. (٢) اسم لكتاب في تفسير القرآن الكريم. (٣) سورة الأحزاب. الآية ٩. (٤) رواه البخاري برقم ٢٩٣١. - ٤٥٧ - ويعارضه ما في صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال: حبس المشركون رسول الله وَلّ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله وَ له: شغلونا عن الصلاة الوسطى. الحديث(١). ومقتضى هذا أنه لم يخرج الوقت بالكلية. قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، الحبس انتهى إلى ذلك الوقت، أي الحمرة أو الصفرة، ولم تقع الصلاة إلا بعد المغرب انتھی . وفي البخاري عن عمر بن الخطاب: أنه جاء يوم الخندق وجعل يسب كفار قريش قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب فقال ◌َ له: والله ما صليتها، فنزلنا مع النبي ◌َل ٦٠/ب بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا، / فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (٢). وقد يكون ذلك للاشتغال بأسباب الصلاة أو غيرها، ومقتضى هذه الرواية المشهورة أنه لم يفت غير العصر. وفي الموطأ: الظهر والعصر. وفي الترمذي عن ابن مسعود أن المشركين شغلوا رسول الله وله عن أربع صلوات يوم الخندق. وقال: ليس بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، فمال ابن العربي إلى الترجيح وقال: الصحيح أن التي اشتغل عنها وَّر واحدة وهي العصر. وقال النووي: طريق الجمع بين هذه الروايات، أن وقعة (١) رواه مسلم برقم ٦٢٨ . (٢) رواه البخاري برقم ٥٩٦. - ٤٥٨ - الخندق بقيت أياماً فكان هذا في بعض الأيام وهذا في بعضها. قال: وأما تأخيره وَلي صلاة العصر حتى غربت الشمس فكان قبل نزول صلاة الخوف. قال العلماء: يحتمل أن يكون أخرها نسياناً لا عمداً، وكان السبب في النسيان الاشتغال بأمر العدو، ويحتمل أنه أخرها عمداً للاشتغال بالعدو قبل نزول صلاة الخوف، وأما اليوم فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العدو والقتال، بل يصلي صلاة الخوف على حسب الحال. وقد اختلف في المراد بالصلاة الوسطى. وجمع الحافظ الدمياطي في ذلك مؤلفاً مفرداً سماه: كشف المغطى عن الصلاة الوسطى، فبلغ تسعة عشر قولاً، وهي: الصبح أو الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو جميع الصلاة وهو يتناول الفرائض والنوافل واختاره ابن عبد البر، أو الجمعة وصححه القاضي حسين في صلاة الخوف من تعليقه، أو الظهر في الأيام والجمعة يوم الجمعة، أو العشاء لأنها بين صلاتين لا تقصران، أو الصبح والعشاء، أو الصبح والعصر لقوة الأدلة. فظاهر القرآن الصبح، ونص السنة العصر، أو صلاة الجماعة أو الوتر أو صلاة الخوف أو صلاة عيد الأضحى أو الفطر أو صلاة الضحى، أو واحدة من الخمس غير معينة، أو الصبح أو العصر على الترديد وهو غير القول السابق أو التوقف انتهى. [انتهاء غزوة الخندق] وانصرف ولو من غزوة الخندق يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة، وكان قد أقام بالخندق خمسة عشر يوماً، وقيل أربعة وعشرين يوماً. - ٤٥٩ - وقال وَّر: لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا (١). وفي ذلك علم من أعلام النبوة(٢). فإنه وَّر اعتمر في السنة التي صدته قريش عن البيت، ووقعت الهدنة بينهم إلى أن نقضوها فكان ذلك سبب فتح مكة فوقع الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام. وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. وقد أخرج البزار من حديث جابر بإسناد حسن شاهداً لهذا ولفظه: إن النبي صَلّ قال يوم الأحزاب، وقد جمعوا له جموعاً كثيرة: لا يغزونكم بعدها أبداً، ولكن أنتم تغزونهم. (١) روى البخاري في كتاب المغازي برقم ٤١١٠ عن سليمان بن صرد قال: سمعت النبي ﴿ يقول حين أجلى الأحزاب عنه: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم)، (٢) هذا الكلام من فتح الباري وحتى نهاية الفقرة كلها ٤٠٥/٧ . - ٤٦٠ -