Indexed OCR Text
Pages 401-420
الجراح وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه. وامتص مالك بن سنان - والد أبي سعيد الخدري - الدم من وجنته ثم ازدرده، فقال له وَلهو: من مس دمي دمه لم تصبه النار، وسيأتي إن شاء الله تعالى حكم دمه عليه السلام. وفي الطبراني من حديث أبي أمامة قال: رمى عبد الله بن قمئة رسول الله وَل يوم أحد فشج وجهه وكسر رباعيته فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال رسول الله وَلل وهو يمسح الدم عن وجهه: أقمأك الله، فسلط الله عليه تيس جبل(١) فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة . وروى ابن إسحاق عن حميد الطويل(٢) عن أنس قال: كسرت رباعيته والقر يوم أحد وشج وجهه، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾(٣). ورواه أحمد والترمذي والنسائي من طريق حميد به. وعند ابن عائذ(٤) من طريق الأوزاعي(٥): بلغنا أنه لما جرح (١) تيس جبل: هو ذكر الظباء، فإن لم يضف للجبل فذكر المعز. (٢) حميد الطويل الخزاعي، ثقة تابعي صغير حافظ توفي وهو قائم يصلي سنة أربعين ومائة وله خمس وسبعون سنة. (٣) سورة آل عمران. الآية ١٢٨. (٤) محمد بن عائذ، الحافظ الدمشقي، الكاتب صاحب المغازي وغيرها، وثقه ابن معين وغيره، مات سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. (٥) عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إمام أهل زمانه، قال ابن سعد: ثقة = - ٤٠١ - ** يوم أحد، أخذ شيئاً فجعل ينشف دمه وقال: لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء، ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. وروى عبد الرزاق عن معمر (١) عن الزهري قال: ضرب وجه النبي وَل﴾ يومئذ بالسيف سبعين ضربة، ووقاه الله شرها كلها. قال في فتح الباري: وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة. انتهى. [قتال دون النبي ◌َيِّو] وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد - فيما قاله ابن هشام - فخرجت أول النهار حتى انتهت إلى رسول الله قالت: فقمت أباشر القتال وأذب عنه بالسيف وأرمي عن القوس حتى خلصت الجراحة إلي، أصابني ابن قمئة - أقمأه الله تعالى - لما ولى الناس عن رسول الله ويعملفي أقبل يقول: دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، قالت فاعترضت له، فضربني هذه الضربة، ولكن ضربته ضربات(٢) على ذلك، ولكن عدو الله عليه درعان. قالت أم سعد بن الربيع: فرأيت على عاتقها جرحاً أجوف له غور. = صدوق فاضل كثير الحديث والعلم والفقه، ولد سنة ثمان وثمانين ومات سنة سبع وخمسين ومائة. (١) معمر بن راشد الأزدي، الحافظ المتقن الورع، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائة . (٢) في ش: ثلاث ضربات. قال الشارح ثبت لفظ ثلاث عند ابن هشام وسقط من أكثر نسخ المصنف. - ٤٠٢ - وتترس(١) دون رسول الله وَلي - فيما قاله ابن إسحاق - أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر عليه النبل وهو لا يتحرك. ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله وَله. قال سعد: فلقد رأيته يناولني النبل ويقول: ارم فداك أبي وأمي، حتى إنه ليناولني السهم ماله نصل فيقول: ارم به. [معجزات] وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله وهلتر فأخذها رسول الله بيده وردها إلى موضعها وقال: اللهم اكسه جمالاً، فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظراً. ورواه الدارقطني بنحوه، ويأتي لفظه إن شاء الله تعالى في مقصد المعجزات. ورمي أبو رهم كلثوم بن الحصين بسهم فوقع / في نحره فبصق ١/٥١ عليه وَ فبرىء. وانقطع سيف عبد الله بن جحش، فأعطاه وَلتر عرجوناً فعاد في يده سيفاً، فقاتل به وكان ذلك السيف يسمى العرجون، ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغا التركي من أمراء المعتصم بالله في بغداد بمائتي دینار. وهذا نحو حديث عكاشة السابق في غزوة بدر إلا أن سيف عكاشة كان يسمى العون، وهذا يسمى العرجون. (١) أي جعل نفسه كالترس المانع من وصول السهام إليه. - ٤٠٣ - [الصعود إلى الشعب وقتل أبي] واشتغل المشركون بقتلى المسلمين يمثلون بهم، يقطعون الآذان والأنوف والفروج ويبقرون البطون وهم يظنون أنهم أصابوا رسول الله وَلجر وأشراف أصحابه. وكان أول من عرف رسول الله وَ لغير كعب بن مالك، قال عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، هذا رسول الله وَلير، فلما عرفوه نهضوا ونهض معهم نحو الشعب، معه أبو بكر وعمر وعلي ورهط من المسلمين، فلما أسند رسول الله وَله في الشعب أدركه أبي بن خلف وهو يقول: أين محمد، لا نجوت إن نجا، فقالوا: يا رسول الله، يعطف عليه رجل منا؟ فقال وَالر: دعوه، فلما دنا تناول و له الحربة من الحارث بن الصمة، فلما أخذها منه عليه السلام انتفض بها انتفاضة تطايرنا(١) عنه تطاير الشعراء(٢) عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله عليه الصلاة والسلام، فطعنه طعنة وقع بها عن فرسه ولم يخرج له دم فكسر ضلعاً من أضلاعه. فلما رجع إلى قريش قال: قتلني والله محمد، أليس قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة. رواه البيهقي وأبو نعيم ولم يذكر: فكسر ضلعاً من أضلاعه. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن (١) في (ا. ب): تطايروا. والمقصود أنهم بعدوا. (٢) ذباب صغير له لذع. - ٤٠٤ - رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذا نار تأجج لي لهبها فهبتها، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يصبح العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله وَلير، هذا أبي بن خلف، ورواه البيهقي . [بعد المعركة] ولما انتهى وَلّ إلى فم الشعب ملأ علي بن أبي طالب درقته من المهراس - وهو صخرة منقورة تسع كثيراً من الماء، وقيل هو اسم ماء بأحد - فجاء به إلى رسول الله صل﴿ وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول: اشتد غضب الله علی من رمی وجه نبيه. وصلى النبي ◌َّر الظهر يومئذ قاعداً من الجراح التي أصابته، وصلى المسلمون خلفه قعوداً. قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله وَ ل قول يجدعن الآذان والآنف، وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل، ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت فعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم بدر، اعل هبل. وكان أبو سفيان حين أراد الخروج إلى أحد، كتب على سهم نعم، وعلى آخر: لا، وأجالها عند هبل، فخرج سهم نعم، فخرج إلى أحد، فلما قال: اعل هبل، أي زد علواً. فقال رسول الله وَطير العمر أجبه فقل: الله أعلا وأجل. - ٤٠٥ - فقال أبو سفيان: أنعمت فعال، أي اترك ذكرها فقد صدقت في فتواها وأنعمت، أي أجابت بنعم. فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: إن لنا عزى / ولا عزى لكم. ٥١/ب فقال ◌َله قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ولما انصرف أبو سفيان وأصحابه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال ◌َله لرجل من أصحابه: قل نعم، هو بيننا وبينكم موعد . وذكر الطبراني: أنه لما انصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعنهم فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما لقيت النبي وقلة اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئاً من حصير أحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم. ثم أرسل عليه الصلاة والسلام محمد بن مسلمة - كما ذكره الواقدي - فنادى في القتلى: يا سعد بن الربيع، مرة بعد أخرى، فلم يجبه، حتى قال إن رسول الله وَ ل ◌ّ أرسلني إليك، فأجابه بصوت ضعيف، فوجده جريحاً في القتلى وبه رمق فقال: أبلغ رسول الله وَلفيه عني السلام، وقل له: يقول لك، جزاك الله عنا خير ما جزى به نبياً عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عن تطرف، ثم مات. [نزول ﴿وإن عاقبتم﴾] وقتل أبو جابر، فما عرف إلا بينانه - أي أصابعه، وقيل - ٤٠٦ - أطرافها، واحدتها. بنانه. وخرج ◌ّل﴿ يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي، قد بقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فنظر عليه السلام إلى شيء لم ينظر إلى شيء أوجع لقلبه منه فقال: رحمة الله عليك، لقد كنت فعولاً للخير، وصولاً للرحم، أما والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك، قال: فنزلت عليه خواتيم سورة النحل ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾(١) الآية، فصبر وكفر عن يمينه وأمسك عما أراد. وممن مثل به كما مثل بحمزة عبد الله بن جحش، ابن أخت حمزة، ولذا يعرف بالمجدع في الله، وكان حين قتل ابن بضع وأربعين سنة، ودفن مع حمزة في قبر واحد. [نزول ﴿ولا تحسبن﴾] ولما أشرف وَلّ على القتلى قال أنا شهيد على هؤلاء، وما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القامة يدمى جرحه، اللون لون دم والريح ريح المسك. وفي رواية عبد الله بن ثعلبة(٢) قال وَالر لقتلى أحد: زملوهم بجراحهم . وروى أبو بكر بن مردويه(٣) أن رسول الله وَلّ قال: يا جابر ألا أخبرك: ما كلم الله تعالى أحداً قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم (١) سورة النحل. الآية ١٢٦. (٢) في ط: ابن شيبة وهو غلط. (٣) وكذا الترمذي وحسنه وابن ماجه، كلهم عن جابر. - ٤٠٧ - أباك كفاحاً، فقال سلني أعطك، فقال أسألك أن أرد إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الرب عز وجل: إنه سبق مني أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قال: أي رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾(١) الآية. وعن ابن عباس قال رسول الله وَله: لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، قال الله تعالى: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله عز وجل هذه الآيات: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا﴾ رواه أحمد(٢). قال بعض من تكلم على هذا الحديث(٣): قوله: ثم تأوي إلى قناديل، يصدقه قوله تعالى: ﴿والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ١/٥٢ ونورهم﴾ (٤)/ وإنما تأوي إلى تلك القناديل ليلاً وتسرح نهاراً، وبعد دخول الجنة في الآخرة لا تأوي إلى تلك القناديل، وإنما ذلك في البرزخ. وقال مجاهد: الشهداء يأكلون من ثمر الجنة وليسوا فيها. وقد رد هذا القول، ويشهد له ما وقع في مسند ابن أبي شيبة (١) آل عمران. الآية ١٦٩. (٢) المسند ٢٦٦/١ وكذا عند أبي داود برقم ٢٥٢٠، قال الشارح وأخرجه مسلم عن مسروق. (٣) هو الإمام السهيلي في الروض. (٤) سورة الحديد الآية ١٩ . - ٤٠٨ - وغيره(١): أن رسول الله وَال قال: الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق عند باب الجنة، في قباب خضر يأتيهم رزقهم منها بكرة وعشياً. قال الحافظ عماد الدين بن كثير: كأن الشهداء أقسام، منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر فيجتمعون هنالك، ويغدى عليهم برزقهم هناك ويراح. قال: وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثاً فيه بشرى لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة أيضاً وتسرح فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور وتشاهد ما أعد الله لها من الكرامة . قال: وهو إسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة، أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رواه عن الشافعي عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه يرفعه: نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلی جسده یوم یبعثه(٢). وقوله يعلق، أي يأكل، وفي هذا الحديث أن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة، وأما أرواح الشهداء ففي حواصل طير خضر، فهي كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها. فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان. [عدد الشهداء والقتلى] وقد استشهد يوم أحد من المسلمين سبعون - فيما قاله مغلطاي . (١) كالإمام أحمد والطبراني والحاكم كلهم عن ابن عباس. (٢) المسند ٤٥٥/٣. - ٤٠٩ - وغيره - وقيل خمسة وستون أربعة من المهاجرين. وروى ابن منده من حديث أبي بن كعب قال: استشهد من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ومن المهاجرين ستة وصححه ابن حبان من هذا الوجه. وقتل من المشركين ثلاثة وعشرون رجلاً، وقتل وَّ بيده أبي بن خلف . [حضور الملائكة] وحضرت الملائكة يومئذ، ففي حديث سعد بن أبي وقاص عند مسلم في صحيحه: أنه رأى عن يمين رسول الله وَل وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل يقاتلان كأشد القتال(١). وفيه - كما قدمناه في غزوة بدر - أن قتال الملائكة معه وَالفور لا يختص بيوم بدر، خلافاً لمن زعمه، كما نص عليه النووي في شرح مسلم كما قدمته والله أعلم. [المنافقون واليهود] ولما بكى المسلمون على قتلاهم سر بذلك المنافقون وظهر غش اليهود . [تنبيه] ذكر القاضي عياض في الشفاء عن القاضي أبي عبد الله بن (١) صحيح مسلم رقم ٤٧ من كتاب الفضائل. - ٤١٠ - المرابط(١) من المالكية أنه قال: من قال إن النبي وَّ هزم يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لأنه تنقص، إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته، إذ هو على بصيرة من أمره ويقين من عصمته(٢). انتهى. وهذا موافق لمذهبنا(٣). لكن قال العلامة البساطي (٤) من المالكية: هذا القائل إن كان يخالف في أصل المسألة، أعني حكم الساب، فله وجه، وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته فمشكل انتھی . [الحكمة من أحد] وقد كان في قصة أحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد والحكم الربانية أشياء عظيمة : منها: تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية وشؤم ارتكاب النهي، لما وقع من ترك الرماة موقفهم الذي أمرهم رسول الله وجل - أن لا يبرحوا منه . ومنها: أن عادة/ الرسل أن تبتلى ثم تكون لهم العافية، ٥٢/ب (١) محمد بن خلف بن سعيد، المعروف بابن المرابط الإفريقي، فقيه بلده ومفتيه وقاضيه كان من أهل الفضل والفقه، شرح البخاري شرحاً حسناً ورحل إليه الناس، توفي بعد الثمانين وأربعمائة. (٢) قال الشارح: وهو ضعيف وإن مشى عليه صاحب المختصر لأنه خلاف قول مالك .. (٣) أي الشافعية. (٤) شمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان، شيخ الإسلام قاضي القضاة المالكية بمصر. ولد سنة ستين وسبعمائة، ويرز في الفنون، وصنف تصانيف، مات سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. - ٤١١ - والحكمة في ذلك أن لو انتصروا دائماً لدخل في المسلمين من ليس منهم ولم يتميز الصادق من غيره ولو انكسروا دائماً لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين الأمرين ليتميز الصادق من الكاذب. وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفياً عن المسلمين فلما جرت هذه القصة وأظهر أهل النفاق ما أظهروه من الفعل والقول حتى عاد التلويح تصريحاً، وعرف المسلمون أن لهم عدواً في دارهم، واستعدوا لهم وتحرزوا منهم. ومنها: أن في تأخير النصر في بعض المواطن هضماً للنفس وكسراً لشاختها فلما ابتلى المسلمون صبروا وجزع المنافقون. ومنها: أن الله تعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب الابتلاء والمحن ليصلوا إليها. ومنها: أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء فساقهم إليها . ومنها: أنه أراد هلاك أعدائه فقيض لهم الأسباب التي يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم وطغيانهم في إيذاء أوليائه، فمحص ذنوب المؤمنين ومحق بذلك الكافرين. - ٤١٢ - [ بعد أحد ] غزوة حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة على يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة. وكانت صبيحة يوم الأحد لست عشرة، أو لثمان خلون من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهراً من الهجرة لطلب عدوهم بالأمس، ونادى مؤذن رسول الله وَلقر أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومناً بالأمس، أي من شهد أحداً. وإنما خرج عليه الصلاة والسلام مرهباً للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم . وأقام وَله بها الإثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة وقد غاب خمساً. وظفر ◌َّ في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص فأمر بضرب عنقه صبراً. [تحريم الخمر] قال الحافظ مغلطاي: وحرمت الخمر في شوال، ويقال في سنة ◌ُربع. انتھی . - ٤١٣ - قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله وير المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله وَلقر عنهما فأنزل الله ﴿يسألونك عن الخمر والميسر. قل فيها إثم كبير ومنافع للناس﴾(١) إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: فيهما إثم كبير. وكانوا يشربون الخمر حتى كان يوماً من الأيام صلى رجل من المهاجرين أم أصحابه في المغرب خلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾(٢). وكان الناس يشربون ثم نزلت آية أغلظ منها ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾(٣) قال(٤): انتهينا ربنا (٥). والميسر: القمار وقيل غيره. وولد الحسن بن علي في هذه السنة. [سرية أبي سلمة] ثم سرية عبد الله بن عبد الأسد، هلال المحرم على رأس خمس (١) سورة البقرة الآية ٢١٩. (٢) سورة النساء. الآية ٤٣. (٣) سورة المائدة. الآية ٩٠. (٤) في المسند: قالوا. (٥) المسند ٣٥١/٢. - ٤١٤ - وثلاثين شهراً من الهجرة، إلى قطن - جبل بناحية فيد - ومعه مائة وخمسون رجلاً من الأنصار والمهاجرين، لطلب طليحة وسلمة ابني خويلد، فلم يجدهما، ووجد إبلاً وشاء فأغار عليهما ولم يلق كيداً. [سرية عبد الله بن أنيس] ثم سرية عبد الله بن أنيس وحده، يوم الإثنين لخمس خلون من المحرم، على رأس خمسة وثلاثين شهراً من الهجرة، إلى سفيان بن خالد الهذلي بعرنة - وادي عرفة - لأنه / بلغه ◌َلي أنه جمع الجموع ١/٥٣ لحربه . فلما وصل إليه قال له ممن الرجل؟ قال: من بني خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: أجل. فمشى معه ساعة، ثم اغتره وقتله، وأخذ رأسه، فكان يسير الليل ويتوارى النهار، حتى قدم المدينة، فقال ◌َله: أفلح الوجه، قال: أفلح وجهك یا رسول الله، ووضع رأسه بین یدیه. وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة، وقدم يوم السبت لسبع بقين من محرم . - ٤١٥ - [ يوم الرجيع ] ثم سرية عاصم بن ثابت، في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من الهجرة إلى الرجيع - بفتح الراء وكسر الجيم، اسم ماء لهذيل بين مكة وعسفان - بناحية الحجاز، وكانت الوقعة بالقرب منه فسميت به . وحديث(١) عضل والقارة - بفتح الضاد المعجمة بعدها لام - بطن من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عضل بن الديش. وأما القارة، فبالقاف وتخفيف الراء، بطن من الهون ينسبون إلى الديش المذكور، قال ابن دريد: القارة: أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسموا بها. [التفريق بين الرجيع وبئر معونة] وقصة عضل والقارة كانت في بعث الرجيع، لا في سرية بئر معونة، وقد فصل بينهما ابن إسحاق، فذكر بعث الرجيع في أواخر سنة ثلاث، وبئر معونة أوائل سنة أربع. وذكر الواقدي أن خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاءا إلى النبي ◌َّ في ليلة واحدة. (١) كلمة (حديث) معطوفة على (سرية) في بدء الموضوع. - ٤١٦ - وسياق ترجمة البخاري يوهم أن بعث الرجيع وبئر معونة شيء واحد، وليس كذلك، لأن بعث الرجيع كان سرية عاصم وخبيب وأصحابهما، وهي مع عضل والقارة. وبئر معونة كانت سرية القراء، وهي مع رعل وذكوان، وكأن البخاري أدمجها معها لقربها منها. ويدل على قربها منها ما في حديث أنس من تشريك النبي وَل* بين بني لحيان وبين عصية وغيرهم في الدعاء. ولم يرد البخاري - رحمه الله - أنهما قصة واحدة، ولم يقع ذكر عضل والقارة عنده صريحاً. [روايات حادثة الرجيع] وإنما وقع ذلك عند ابن إسحاق. فإنه بعد أن استوفى قصة أحد قال: ذكر يوم الرجيع: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: قدم على رسول الله ◌َو بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا: يا رسول الله، إن فينا إسلاماً، فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا، فبعث معهم ستة من أصحابه وأمر ◌َ ◌ّ على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي. كذا في السيرة له - وفي الصحيح: وأمر عليهم عاصم بن ثابت، كما سيأتي، وهو أصح - فخرجوا مع القوم حتى أتوا على الرجيع - ماء لهذيل - غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلاً فلم يرع القوم، وهم في رحالهم، إلا الرجال بأيديهم السيوف، وقد غشوهم، فأخذوا أسيافهم ليقاتلوا القوم، فقالوا لهم: إنا والله لا نريد قتلكم، ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة، ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم، فأبوا، فأما مرثد وخالد وعاصم، فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهداً وقاتلوا حتى قتلوا. - ٤١٧ - وفي البخاري: وأمر عليهم عاصم بن ثابت، حتى إذا كانوا بالهدأة - بين عسفان ومكة - ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم في مائتي رجل. وعند بعضهم(١) فتبعوهم بقريب من مائة رام. والجمع بينهما واضح، بأن تكون المائة الأخرى غير رماة. وفي رواية أبي معشر في مغازيه: فنزلوا بالرجيع / سحراً، فأكلوا تمر عجوة، فسقط نواه بالأرض، وكانوا يسيرون الليل ويكمنون ٥٣/ب بالنهار، فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنماً، فرأت النواءات وأنكرت صغرهن، وقالت هذا تمر يثرب فصاحت في قومها قد أتيتم، فجاؤوا في طلبهم، فوجدوهم قد كمنوا في الجبل، وتبعوا آثارهم حتى لحقوهم . وفي رواية ابن سعد: [فلم يرع القوم إلا الرجال بأيدهم السيوف قد غشوهم](٢). فلما أحس بهم عاصم وأصحابه(٣) لجؤوا إلى فدفد - بفاءين مفتوحتين، ومهملتين، الأولى ساكنة - وهي الرابية المشرفة، فأحاط بهم القوم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم بن ثابت أيها القوم: أما أنا فلا أنزل في ذمة (١) أي الرواة وهو معمر عن الزهري في صحيح البخاري. (٢) هذه الزيادة في ش. قال الشارح: أعاده وإن مر عن ابن إسحاق، لأن ذاك مرسل وهذا مسند، ويقع سقوطه في نسخ وهو خطأ، لإبهامه أن ما بعده رواية ابن سعد مع أنه من جملة حديث البخاري . (٣) هذا وما بعده تتمة رواية البخاري السابقة. - ٤١٨ - كافر، ثم قال اللهم أخبر عنا رسولك، فاستجاب الله لعاصم فأخبر رسول الله خبرهم يوم أصيبوا. فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصمًاً، ونزل إليهم على العهد والميثاق: خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة - بفتح الدال المهملة، وكسر المثلثة، والنون المفتوحة المشددة - وعبد الله بن طارق(١). فانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة، فابتاع بنو الحارث بن عامر خبيباً، فلبث خبيب عندهم أسيراً، حتى إذا أجمعوا على قتله استعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها - يعني يحلق عانته - فغفلت عن ابن لها صغير فأقبل إليه الصبي فأجلسه عنده فخشيت المرأة أن يقتله، ففزعت، فقال خبيب: ما كنت لأغدر. قال قالت: والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفاً من عنب مثل رأس الرجل، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة، وما كان إلا رزقاً رزقه الله(٢). [الكرامة] وهذه كرامة جعلها الله تعالى لخبيب، آية على الكفار، وبرهاناً لنبيه لتصحيح رسالته. والكرامة للأولياء ثابتة مطلقاً عند أهل السنة. لكن استثنى بعض المحققين منهم كالعلامة الرباني أبي القاسم القشيري (٣) ما وقع (١) التسمية ليست في البخاري وهي عند ابن إسحاق. (٢) رواه البخاري برقم ٣٩٨٩ و٤٠٨٦ . (٣) عبد الكريم بن هوازن، أبو القاسم، الحافظ المفسر الفقيه، النحوي = - ٤١٩ - به التحدي لبعض الأنبياء فقال: ولا يصلون(١) إلى مثل إيجاد ولد من غير أب ونحو ذلك. وهذا أعدل المذاهب في ذلك. وإن إجابة الدعوة في الحال، وتكثير الطعام والمكاشفة بما يغيب عن العين، والإخبار بما سيأتي ونحو ذلك قد كثر جداً، حتى صار وقوع ذلك ممن ينسب إلى الصلاح كالعادة. فانحصر الخارق الآن في نحو ما قاله القشيري، وتعين تقييد من أطلق، بأن كل معجزة لنبي يجوز أن تقع كرامة لولي. ووراء ذلك: أن الذي استقر عند العامة، أن خرق العادة يدل على أن من وقع له ذلك يكون من أولياء الله، وهو غلط. فإن الخارق قد يظهر على يد المبطل من ساحر وكاهن وراهب، فيحتاج من يستدل بذلك على ولاية أولياء الله إلى فارق، وأولى ما ذكروه: أن يختبر حال من وقع له ذلك، فإن كان متمسكاً بالأوامر الشرعية والنواهي، كان علامة على ولايته، ومن لا فلا. والله أعلم انتهى ملخصاً من الفتح(٢) . [تتمة الروايات السابقة] ولما خرجوا بخبيب من الحرم ليقتلوه(٣) قال: دعوني أصلي = اللغوي الأديب الكاتب، الشجاع البطل، المجمع على إمامته، ولد سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، وسمع الحديث من الحاكم وغيره. وصنف التصانيف الشهيرة، توفي سنة خمس وستين وأربعمائة. (١) أي الأولياء. (٢) فتح الباري ٣٨٣/٧. (٣) هذا تتمة رواية البخاري السابقة. - ٤٢٠ -