Indexed OCR Text

Pages 221-240

إسحاق وغيره. وهو وهم، لأن عائشة لم تكن ولدت بعد فكيف
أسلمت. وكان مولدها سنة أربع من النبوة، قاله مغلطاي وغيره(١).
ودخل الناس في الإسلام أرسالاً من الرجال والنساء.
(١) لم يذكر بناته وَ لير لأنه لا شك في تمسكهن قبل البعثة بهديه. وعن عائشة
- عند ابن إسحاق - لما أكرم الله نبيه بالنبوة أسلمت خديجة وبناته. وفي
الشامية: أسلمت رقية حين أسلمت أمها خديجة، وبايعت حين بايع
النساء، وأم كلثوم حين أسلمت أخواتها وبايعت معهن.اهـ. وفاطمة لا
يسأل عنها لولادتها بعد النبوة أو قبلها بخمس سنين.
- ٢٢١ -
-

[ الجهر بالدعوة]
ثم إن الله تعالى أمر رسوله و الجر بأن يصدع بما جاء به، أي
يواجه المشرکین به.
[تفسير ﴿فاصدع بما تؤمر﴾]
وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.
وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود(١): ما زال النبي
مستخفياً حتى نزلت ﴿فاصدع بما تؤمر﴾(٢) فجهر هو وأصحابه.
وقال البيضاوي: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ من صدع بالحجة إذا تكلم
بها جهاراً أو فرق به بين الحق والباطل. وأصله: الإبانة والتمييز.
و((ما)) مصدرية أو موصولة، و((الراجع(٣)) محذوف، أي بما تؤمر به من
الشرائع انتهى .
(١) الكوفي الثقة، مشهور بكنيته. قال الحافظ: والأشهر أنه لا اسم له غيرها،
ويقال اسمه عامر، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه. مات بعد سنة
ثمانین.
(٢) سورة الحجر، الآية ٩٤.
(٣) في ش: العائد .
- ٢٢٢ -

[مدة الدعوة سرأ]
قالوا: وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة، وهي المدة التي
أخفى فيها رسول الله وَّي أمره إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره.
[موقف قريش]
فبادى (١) قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله تعالى.
ولم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، وكان
ذلك سنة أربع، كما قاله العتقي. فأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من
عصم الله منهم بالإسلام. وحدب عليه عمه أبو طالب ومنعه وقام
دونه .
فاشتد الأمر، وتضارب القوم، وأظهر بعضهم لبعض العداوة،
وتذامرت قريش على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم.
ومنع رسول الله بعمه أبي طالب وبني هاشم - غير أبي لهب -
وبني المطلب.
وقال مقاتل: كان رسول الله وسلّ عند أبي طالب يدعوه إلى
الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي وَلقل سوءاً،
فقال أبو طالب: حين تروح الإبل فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها
دفعته إليكم (٢). وقال:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفيناً
(١) في ط: فنادى .
(٢) سبب قول أبي طالب: أنهم أتوه بعمارة بن الوليد ليتخذه ولداً ويعطيهم
النبي وَّ ليقتلوه.
- ٢٢٣ -

وأبشر وقر بذاك منك عيوباً
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
ولقد صدقت وكنت ثم أميناً
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي
من خير أديان البرية ديناً
وعرضت ديناً لا محالة إنه
لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً
لولا الملامة أو حذاري سبة
[المستهزئون]
وقد كفى الله تعالى نبيه وَه المستهزئين(١). كما قال تعالى:
﴿وأعرض عن المشركين﴾ أي لا تلتفت إلى ما يقولون: ﴿إنا كفيناك
المستهزئين﴾(٢) يعني بقمعهم وإهلاكهم. وقد قيل(٣): إنهم كانوا
خمسة من أشراف قريش :
الوليد بن المغيرة .
والعاصي بن وائل .
والحارث بن قيس .
والأسود بن عبد يغوث (٤).
والأسود بن المطلب .
وكانوا يبالغون في إيذائه وط هر والاستهزاء به. فقال جبريل لرسول
الله اَللّ: أمرت أن(٥) أكفيكهم. فأومأ إلى ساق الوليد، فمر بنبال
(١) ذكر اليعمري قصتهم بعد ذلك قبل انشقاق القمر. وذكرهم المصنف هنا
بعد الصدع لمجيء الآية التي ذكرتهم بعد آية الصدع.
(٢) سورة الحجر. الآية ٩٥.
(٣) قد للتحقيق. فهو قول الجمهور ومنهم ابن عباس في أكثر الروايات عنه
(٤) هو ابن خاله وَ لر من استهزائه أنه كان يقول: أما كلمت اليوم من السماء
یا محمد .
(٥) في ط: أنا أكفيكهم. دون ذكر: أمرت .
- ٢٢٤ -

فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظيماً لأخذه، فأصاب عرقاً في عقبه
فمات، وأومأ إلى أخمص العاصي فدخلت فيها شوكة فانتفخت رجله
حتى صارت كالرحى فمات، وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحاً
فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل
ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، وإلى عيني
الأسود بن عبد المطلب فعمي (١).
[ما لقيه وَالرّ من أذى قومه]
وكان ◌َلّ يطوف على الناس في منازلهم يقول: يا أيها الناس،
إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأبو لهب وراءه يقول:
يا أيها الناس: إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم(٢).
ورماه الوليد بن المغيرة بالسحر، وتبعه قومه على ذلك(٣).
(١) هذه الفقرة (المستهزئون) لم ترد في (ب، د).
(٢) رواه عبد الله في زوائد المسند، والحاكم - وقال على شرطهما - عن ربيعة بن
عباد الديلي الكناني الصحابي. [المسند ٤٩١/٣ و٣٤١/٤].
(٣) روى ابن إسحاق والحاكم والبيهقي بإسناد جيد: أنه اجتمع إلى الوليد نفر
من قريش، وكان ذا سن فيهم، فقال لهم: يا معشر قريش، قد حضر هذا
الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم،
فأجمعوا فيه رأياً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً، قالوا: فأنت فأقم لنا
رأياً نقوله فيه، قال: بل أنتم فقولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: والله
ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه.
قالوا: فنقول: مجنون، قال، والله ما هو بمجنون، لقد رأينا المجنون
وعرفناه، فما هو بخنقه ولا بخابخه ولا وسوسته، قالوا: شاعر، قال: ما
هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه
ومبسوطه، قالوا: ساحر، قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار .
- ٢٢٥ -

وآذته قريش ورموه بالشعر والكهانة والجنون.
ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه، ويجعل الدم على بابه.
ووطىء عقبة بن أبي معيط على رقبته الشريفة وهو ساجد عند
٢٦/ب الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان. وخنقوه خنقاً / شديداً، فقام
أبو بكر دونه، فجذبوا رأسه ولحيته وَ له حتى سقط أكثر شعره، فقام
أبو بكر دونه وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله .
وقال ابن عمرو - كما في البخاري(١) -: بينا رسول الله وجلاله بفناء
الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله وال فلف
ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه
- وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده.
قالوا: فما نقول؟
قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لعذق، وإن
فرعه لجناه، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل. وإن أقرب
القول فيه؛ أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء
وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته.
فتفرقوا عنه بذلك، فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم، لا
يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره.
فصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله وَله. فانتشر ذكره في
بلاد العرب كلها. وفي سيرة الحافظ: فانتشر بذلك ذكره في الآفاق،
وانقلب مكرهم عليهم، حتى كان من أمر الهجرة ما كان. وقدم عليه
عشرون من نجران فأسلموا فبلغ أبا جهل فسبهم وأقذع في القول.
فقالوا: سلام عليكم، وفيهم نزل ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه﴾
الآيات. انتهى .
(١) رواه البخاري برقم ٣٨٥٦.
- ٢٢٦ -

عن رسول الله وَله. وفي رواية ثم قال: ﴿أتقتلون رجلاً أن يقول ربي
الله﴾(١) .
وقد ذكر العلماء، أن أبا بكر رضي الله عنه أفضل من مؤمن آل
فرعون، لأن ذاك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر فأتبع
اللسان يداً، ونصر بالقول والفعل محمداً صلى الله عليه وسلم.
[وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل
يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم، فقال: واللات والعزى لئن
رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب، فأتى
رسول الله وَلل وهو يصلي ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو
ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: مالك؟ قال: إن بيني
وبينه خندقاً من نار، وهولاً وأجنحة، فقال رسول الله وضّ: لو دنا مني
لاختطفته الملائكة عضواً عضواً، وأنزل الله ﴿إن الإنسان ليطغى﴾ إلى
آخر السورة(٢).
ولما نزلت ﴿تبت يدا أبي لهب وتب﴾ جاءت امرأة أبي لهب،
فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو تنحيت عنها فإنها امرأة بذية، قال:
سيحال بيني وبينها، فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك، قال: والله
ما ينطق بالشعر ولا يقوله، فاندفعت راجعة، فقال أبو بكر: يا رسول
الله، ما رأتك، قال: كان بيني وبينها ملك سترني بجناحه حتى
ذهبت. رواه ابن أبي شيبة وأبو نعيم. وفي رواية البيهقي فقال ◌َّ:
قل لها: ترين عندي أحداً؟ فإنها لن تراني](٣)
(١) سورة غافر، الآية ٢٨ .
(٢) رواه مسلم برقم ٢٧٩٧ وفي المسند ٣٧٠/٢ .
(٣) ما بين القوسين في ط فقط.
- ٢٢٧ -

[الدعاء على رؤوس الكفر]
وفي رواية أيضاً: ((كان ◌َله يصلي عند الكعبة، وجمع من قريش
في مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيكم
يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به
ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم، فلما سجد
وَلَّه وضعه بين كتفيه، وثبت النبي وَلل ساجداً، فضحكوا حتى مال
بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي
جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبي ◌َ ◌ّ ساجداً حتى ألقته عنه،
وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله وَلتر الصلاة قال: اللهم
عليك بقريش، ثم سمى فقال: اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة
ابن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة
ابن أبي معيط، وعمارة بن الوليد.
قال عبد الله: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى
القليب، قليب بدر، ثم قال رسول الله وَلير: وأتبع أصحاب القليب
لعنة))(١).
[أحكام فقهية]
واستدل بهذا الحديث: على أن من عرض له في صلاته ما يمنع
انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته، فلو كانت نجاسة فأزالها في الحال،
ولا أثر لها صحت صلاته اتفاقاً.
واستدل به أيضاً: على طهارة فرث ما يؤكل لحمه، وعلى أن
إزالة النجاسة ليست بفرض، وهو ضعيف.
وأجاب النووي: بأنه عليه السلام لم يعلم ما وضع على ظهره،
(١) رواه البخاري برقم / ٥٢٠.
- ٢٢٨ -

فاستمر في سجوده، استصحاباً لأصل الطهارة.
وتعقب: بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة، في مثل هذه
الصورة.
وأجيب عنه: بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة، فإن ثبت أنها
فريضة فالوقت موسع فلعله أعاد.
وتعقب: بأنه لو أعاد لنقل، ولم ينقل، وبأن الله لا يقره على
صلاة فاسدة .
[إشكال بشأن عمارة]
وقد استشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد في المذكورين، لأنه لم
يقتل في بدر، بل ذكر أصحاب المغازي: أنه مات بأرض الحبشة، وله
قصة مع النجاشي، إذ تعرض لامرأته فأمر النجاشي ساحراً فنفخ في
احليل عمارة من سحره فتوحش، وصار مع البهائم إلى أن مات في
خلافة عمر.
وأجيب: بأن كلام ابن مسعود - أنه رآهم صرعى في القليب -
محمول على الأكثر، ويدل عليه: أن عقبة بن أبي معيط لم يطرح في
القليب، وإنما قتل صبراً بعد أن رحلوا عن بدر بمرحلة. وأمية بن
خلف لم يطرح في القليب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
[إيضاح آخر الحديث]
وقوله: ثم قال رسول الله وَله: وأتبع أصحاب القليب لعنة،
يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضي، فيكون فيه علم عظيم من
أعلام النبوة ويحتمل أن يكون قاله وَ له بعد أن ألقوا في القليب.
- ٢٢٩ -

[إسلام حمزة]
ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب(١)، وكان أعز فتى في قريش،
وأشده شكيمة، وكان إسلامه - فيما قاله العتقي - سنة ست، فعزَّ به
رسول الله وَل﴾، وكفت عنه قريش قليلاً، وقال حمزة حين أسلم:
إلى الإسلام والدين الحنيف /
١/٢٧ حمدت الله حين هدى فؤادي
لدين جاء من رب عزيز
خبير بالعباد بهم لطيف
إذا تليت رسائله علينا
تحدر دمع ذي اللب الحصيف
بآيات مبينة الحروف
رسائل جاء أحمد من هداها
فلا تغشوه بالقول العنيف
وأحمد مصطفى فينا مطاع
ولما نقض فيهم بالسيوف
فلا والله نسلمه لقوم
[مفاوضة]
وعند مغلطاي: وسألوه - يعني: النبي وَل و ـ إن كنت تطلب
الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا،
وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب
الطب لك حتى نبرئك منه فيك.
فقال لهم عليه السلام: ما بي ما تقولون، ولكن الله بعثني
(١) وسبب ذلك - كما عند ابن إسحاق - أن أبا جهل مر برسول الله وصل عند
الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره .. ومولاة لعبد الله بن
جدعان تسمع ذلك، فأخبرته - وكان عائداً من قنص له -.. فاحتمل حمزة
الغضب وخرج يسعى حتى لقي أبا جهل في ناد من قريش عند الكعبة،
فضربه على رأسه بقوسه فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه وأنا على دينه
أقول ما يقول؟ فرد علي ذلك إن استطعت .. [سيرة ابن هشام ٢٩١/١].
- ٢٣٠ -

رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً،
فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو
حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله، حتى يحكم
الله بيني وبينكم(١).
والرئي - بفتح الراء، وقد تكسر، ثم همزة، فياء مشددة - جني
يرى فيحب، أو المكسورة للمحبوب منها. قاله في القاموس.
[استعانة قريش باليهود]
ثم إن النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط ذهبا إلى أحبار
(١) عند ابن إسحاق والبيهقي وغيرهما: أن عتبة قال يوماً - وكان جالساً في
نادي قريش، والنبي وَلَّ جالس في المسجد وحده - يا معشر قريش، ألا
أقوم إلى محمد فأكلمه، وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها
شاء، ويكف عنا؟ فقام حتى جلس إلى رسول الله وَ ل فقال: يا ابن أخي،
إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك
قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم
وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني،
أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها.
فقال وَله: قل يا أبا الوليد أسمع.
قال: يا ابن أخي، إن كنت .. فذكر الأمور الأربع .. حتى إذا فرغ
عتبة، ورسول الله يسمع منه قال له:
أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم. قال: فاسمع مني، قال: أفعل، قال:
وَل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم. حم تنزيل من الرحمن الرحيم) إلى قوله
﴿مثل صاعقة عاد وثمود﴾ [سورة فصلت] فأمسك عتبة على فيه، وناشده
الرحم أن يكف، ثم انتهى إلى السجدة فسجد ثم قال: قد سمعت أبا
الوليد ما سمعت فأنت وذاك .. الحديث [سيرة ابن هشام ٢٩٣/١].
- ٢٣١ -

اليهود، فسألاهم عنه وَّ فقالوا لهما: سلاه عن ثلاثة، فإن أخبركما
بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو متقول. سلاه عن فتية ذهبوا
في الدهر الأول، وعن رجل طواف، وعن الروح ما هو؟
فقال لهم عليه السلام: أخبركم غداً، ولم يقل إن شاء الله
تعالى، فلبث الوحي أياماً، ثم نزل قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني
فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله﴾(١) وأنزل الله تعالى ذكر الفتية الذين
ذهبوا، وهم أصحاب الكهف، وذكر الرجل الطواف. وهو ذو
القرنين(٢). وقال فيما سألوه عن الروح ﴿ويسألونك عن الروح قل
الروح من أمر ربي﴾(٣) الآية.
[ آية الروح، مكية أم مدنية؟]
وفي البخاري من حديث عبد الله بن مسعود قال: (بينا أنا مع
النبي وَلّ في حرث، وهو متكىء على عسيب، إذ مر اليهود، فقال
بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، قالوا: ما رابكم إليه، وقال
بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن
الروح، فأمسك النبي بَّر فلم يرد عليهم شيئاً، فعلمت أنه يوحى
إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: ﴿ويسألونك عن الروح
قل الروح من أمر ربي﴾)(٤).
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يقتضي - فيما يظهر من بادىء الرأي -
(١) سورة الكهف الآية ٢٣ .
(٢) ورد ذكر الفتية والرجل الطواف في سورة الكهف .
(٣) سورة الإسراء. الآية ٨٥ .
(٤) رواه البخاري برقم ١٢٥ وهو في أماكن أخرى منه.
- ٢٣٢ -

أن هذه آية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة،
مع أن السورة كلها مكية (١).
وقد يجاب عن هذا: بأنه قد تكون نزلت عليه مرة ثانية
بالمدينة، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. ومما يدل على نزولها بمكة ما
رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال قالت قريش لليهود أعطونا
شيئاً نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت.
الحديث(٢). انتهى.
وهذا الحديث رواه الترمذي أيضاً باسناد رجاله رجال مسلم.
فيحمل على تعدد النزول كما أشار إليه ابن كثير، ويحمل سكوته
في المرة الثانية على توقع مزيد بيان في ذلك.
[الاختلاف في الروح]
وقد اختلف في المراد بالروح المسؤول عنه في هذا الخبر:
فقيل : روح الإنسان.
وقيل: جبريل .
وقيل : عيسى :
وقيل: ملك يقوم وحده صفا يوم القيامة.
وقيل غير ذلك(٣).
(١) أي سورة الإسراء .
(٢) المسند ٢٥٥/١.
(٣) قال الحافظ: وهذا إنما اجتمع من كلام أهل التفسير في معنى لفظ ((الروح))
الوارد في القرآن، لا في خصوص هذه الآية، فمنه:
١ - ﴿نزل به الروح﴾ ٢ - ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً﴾ ٣ - ﴿يلقي -
- ٢٣٣ -

وقال القرطبي: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود
لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن
الملائكة أرواح.
وقال الإمام فخر الدين: المختار أنهم سألوه عن الروح الذي هو
سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه: أن السؤال
٢٧/ب / عن الروح يحتمل عن ماهيته(١)، وهل هي متحيزة أم لا؟
وهل هي حالة في متحيز أم لا؟ وهل هي قديمة أو حادثة، وهل تبقى
بعد انفصالها من الجسد أو تفنى، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها، وغير
ذلك من متعلقاتها .
قال: وليس في السؤال ما يخصص أحد هذه المعاني، إلا أن
الأظهر أنهم سألوه عن الماهية. وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب
يدل على أنها شيء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهي
جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: ((كن))، فكأنه
قال: هي موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها تأثير في إفادة الحياة
للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه.
قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمر في قوله تعالى: ﴿من أمر
ربي﴾: الفعل، كقوله تعالى: ﴿وما أمر فرعون برشيد﴾(٢) أي فعله.
= الروح من أمره﴾ ٤ - ﴿وأيدهم بروح منه﴾ ٥ - ﴿يوم يقوم الروح﴾ ٦ -
﴿تنزل الملائكة والروح﴾. فالأول: جبريل، والثاني: القرآن، والثالث:
الوحي، والرابع: القوة والخامس والسادس: محتمل لجبريل ولغيره.
(١) كذا في (أ) و(ش) وكذا في فتح الباري المنقول عنه. وفي (ط، ب، د):
ماهيتها .
(٢) سورة هود. الآية ٩٧ .
- ٢٣٤ -

فيكون الجواب: أنها حادثة.
ثم قال: وقد سكت السلف عن البحث في هذه الأشياء
والتعمق فيها. انتهى(١).
وقال في فتح الباري: وقد تنطع قوم فتباينت أقوالهم:
فقيل: هي النفَس الداخل الخارج .
وقيل: جسم لطيف، يحل في جميع البدن.
وقيل: هي الدم .
وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة.
ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين: أن لكل نبي خمسة
أرواح، ولكل مؤمن ثلاثة، ولكل حي واحدة (٢).
وقال ابن العربي: اختلفوا في الروح والنفس، فقيل متغايران،
وهو الحق، وقيل هما شيء واحد، وقد يعبر بالروح عن النفس
وبالعكس.
وقال ابن بطال(٣): معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه
بدليل هذا الخبر.
قال: والحكمة في إبهامه: اختبار الخلق، ليعرفهم عجزهم عن
(١) أي كلام الفخر الرازي .
(٢) الجملة الأخيرة وردت في (ش) وهي في فتح الباري .
(٣) العلامة أبو الحسن، علي بن خلف بن بطال القرطبي، شارح البخاري،
أحد شيوخ ابن عبد البر، كان من أهل العلم والمعرفة والفهم، عني
بالحديث العناية التامة وأتقن ما قيد، مات سنة أربع وأربعين وأربعمائة .
- ٢٣٥ -

علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه.
وقال القرطبي: الحكمة في ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم
يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدارك حقيقة
الحق من باب أولى.
وقال بعضهم: ليس في الآية دلالة على أن الله لم يطلع نبيه وَال
على حقيقة الروح بل يحتمل أن يكون أطلعه الله ولم يأمره أن
يطلعهم. وقد قالوا في علم الساعة نحو هذا والله أعلم. انتهى (١).
[الاضطهاد والفتنة]
ولما كثر المسلمون، وظهر الإيمان، أقبل كفار قريش على من آمن
يعذبونهم ویؤذونهم لیردوهم عن دينهم.
حتى إنه مر عدو الله، أبو جهل، بسمية أم عمار بن ياسر، وهي
تعذب فطعنها بحربة في فرجها فقتلها(٢).
وكان أبو بكر الصديق رضى الله عنه إذا مر بأحد من العبيد
يعذب اشتراه منهم وأعتقه، منهم بلال وعامر بن فهيرة.
(١) فتح الباري ٤٠٣/٨ .
(٢) عذبت سمية وابناها عمار وعبد الله وأبوهما ياسر بن عامر، كما رواه
البلاذري عن أم هانىء، قالت: فمر بهم النبي ◌َّ فقال: صبراً آل ياسر
فإن موعدكم الجنة. فمات ياسر في العذاب وأعطيت سمية لأبي جهل
فقتلها، ورمي عبد الله فسقط. وأما عمار ففرج الله عنه بعد طول تعذيبه.
وقد روى ابن سعد - بسند صحيح - عن مجاهد أن سمية أول شهداء
الإسلام.
- ٢٣٦ -

[أول من أظهر الإسلام]
وعن أبي ذر: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله وله،
وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد. فأما رسول الله
وَّ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما
سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في
الشمس، وإن بلالاً هانت عليه نفسه في الله عز وجل، وهان على
قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة،
وهو يقول: أحد أحد. رواه أحمد في مسنده(١).
وعن مجاهد مثله، وزاد في قصة بلال: وجعلوا في عنقه حبلاً
ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل في عنقه.
[بلال]
فانظر كيف فعل بيلال ما فعل من الإكراه على الكفر، وهو
يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وهذا كما وقع
له أيضاً عند موته، كانت امرأته تقول: واحزناه وهو يقول: واطرباه.
غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء.
ولله در أبي محمد الشقراطسي حيث قال:
أحله الصبر فيه أكرم النزل
لاقى بلال بلاء من أمية قد
شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل
إذا أجهدوه بضنك الأسر (٢) وهو على
عالوا عليه صخورجمة الثقل / ١/٢٨
ألقوه بطحا برمضاء البطاح وقد
(١) المسند ٤٠٤/١ .
(٢) في ط: الأمر .
- ٢٣٧ -

فوحد الله إخلاصاً وقد ظهرت بظهره كندوب الطل في الطلل (١)
قد قدَّ قلب عدو الله من قبل
إن قدَّ ظهر ولي الله من دبر
يعني إن كان ظهر ولي الله بلال قد ظهر فيه التعذيب بقده،
فقد جوزي عدو الله أمية، وَقُدَّ قلبه ببدر، لأنه قتل يومئذ، وكان عبد
الرحمن بن عوف قد أسره يومئذ وأراد استبقاءه لأخوة كانت بينهما في
الجاهلية، فرآه بلال معه فصاح بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر
أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا فنهشوه بأسيافهم حتى قتلوه.
[عتقاء أبي بكر]
وأخرج البيهقي عن عروة أن أبا بكر أعتق ممن كان يعذب في
الله سبعة(٢)، منهم: الزنيرة، فذهب بصرها، وكانت ممن تعذب في
(١) الندوب: جمع ندب: أي آثار، وقيل أثر الجرح إذا لم يرتفع عن الجلد
الطل: المطر الخفيف .
الطلل: ما شخص من آثار الديار على وجه الأرض.
(٢) هم: بلال، وعامر بن فهيرة، وأم عنيس - بعين مهملة مضمومة فنون
فسين مهملة - أمة لبني زهرة، وزنيرة، والنهدية وبنتها، والمؤملية. كما في
سيرة ابن هشام .
وذكر ابن إسحاق : أنه أعتق أبا فكيهة
وابن عبد البر وغيره: أنه أعتق أم بلال.
فاقتصار عروة على سبعة باعتبار ما بلغه، فلا ينافي أنهم تسعة.
وأخرج الحاكم عن عبد الله بن الزبير قال: قال أبو قحافة لأبي بكر:
أراك تعتق رقاباً ضعافاً، فلو أنك أعتقت رجالاً جلداً يمنعونك ويقومون
دونك، فقال: يا ابني إني إنما أريد ما عند الله، فنزلت ﴿فأما من أعطى
واتقى﴾ إلى آخر السورة.
- ٢٣٨ -

الله، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات
والعزى، فقالت: كلا والله ما هو كذلك فرد الله عليها بصرها.
والزنيرة: بكسر الزاي وتشديد النون المكسورة. كسكينة: كذا
في القاموس.
- ٢٣٩ -

[ الهجرة الأولى الى الحبشة ]
ثم أذن رسول الله وَلهر لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة(١)،
وذلك في رجب سنة خمس من النبوة.
فهاجر إليها ناس ذوو عدد، منهم من هاجر بأهله، ومنهم من
هاجر بنفسه، وكانوا أحد عشر رجلاً(٢) - وقيل اثنا عشر رجلاً - وأربع
نسوة - وقيل: وخمس نسوة، وقيل وامرأتين -.
وأميرهم عثمان بن مظعون، وأنكر ذلك الزهري وقال: لم يكن
لهم أمير. وخرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار.
وكان أول من خرج عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول
(١) وسبب ذلك - كما عند ابن إسحاق - أنه ملل لما رأى المشركين يؤذون
أصحابه ، ولا يستطيع أن يكفهم عنهم قال: لو خرجتم إلى أرض الحبشة
فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم
فرجاً مما أنتم فيه، فخرجوا إليها مخافة الفتنة، وفراراً إلى اللّه بدينهم.
فكانت أول هجرة في الإسلام.
(٢) هم: عثمان بن عفان، وعبد الرحمن، والزبير بن العوام، وأبو حذيفة بن
عتبة، ومصعب، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن
ربيعة، وسهيل بن بيضاء وأبو سبرة بن أبي رهم، وحاطب بن عمرو.
والنساء: رقية مع زوجها عثمان، وسهلة بنت سهيل مع زوجها أبي
حذيفة، وأم سلمة مع زوجها، وليلى العدوية مع زوجها عامر بن ربيعة.
- ٢٤٠ -