Indexed OCR Text
Pages 201-220
[النبوة ليست اكتساباً] ولم يكن جواره ويله لطلب النبوة، لأنها أجل من أن تنال بالطلب أو الاكتساب، وإنما هي موهبة من الله، وخصوصية يخص بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالته. [رجفته وَلَ كانت اغتباطاً] ولم تكن الرجفة المذكورة (١) خوفاً من جبريل عليه السلام، فإنه وَل﴿ أجل من ذلك، وأثبت جناناً، وإنما رجف غبطة بحاله وإقباله على الله عز وجل، فخشي أن يشغل بغير الله عن الله. وقيل: خاف من ثقل أعباء النبوة. [أول ما نزل من القرآن] وفي رواية البيهقي في الدلائل: أن خديجة قالت لأبي بكر: يا عتيق اذهب به إلى ورقة بن نوفل، فأخذه أبو بكر، فقص عليه ما رأى، فقال ◌َّر: إذا خلوت وحدي سمعت نداء: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هارباً .. فقال: لا تفعل إذا قال، فاثبت حتى تسمع، ثم ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه يا محمد فثبت فقال: قل (٢) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. إلى آخرها. ثم قال: قل لا إله إلا الله. الحديث. واحتج به من قال بأولية نزول الفاتحة. والصحيح أن أول ما نزل عليه وَله من القرآن ((اقرأ)) كما صح (١) في قوله في حديث جابر ((فلم أثبت له)). (٢) كلمة (قل) سقطت من (أ، د) . - ٢٠١ - ذلك عن عائشة، وروي ذلك عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير(١). قال النووي: وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف . وأما ما روي عن جابر وغيره: أن أول ما نزل ﴿يا أيها المدثر﴾ فقال النووي: ضعيف، بل باطل، وإنما نزلت بعد فترة الوحي. وأما حديث البيهقي أنه الفاتحة - كقول بعض المفسرين - فقال البيهقي: هذا منقطع، فإن كان محفوظاً فيحتمل أن يكون خبراً عن نزولها بعدما نزلت عليه ﴿اقرأ باسم ربك﴾ و﴿يا أيها المدثر﴾. وقال النووي - بعد ذكر هذا القول - بطلانه أظهر من أن يذكر. انتھی وقد روي أن جبريل عليه السلام أول ما نزل بالقرآن على النبي وَالر أمره بالاستعاذة، كما رواه الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال: أول ما نزل جبريل على محمد مرَّ قال: يا محمد، استعذ، قال: استعيد بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق. قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد وَاليه . قال الحافظ عماد الدين بن كثير، بعد أن ذكره: وهذا الأثر ١/٢٤ غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن في اسناده / ضعفاً وانقطاعاً، والله أعلم. (١) عبيد بن عمير بن قتادة، أبو عاصم الليثي المكي، قاضيها، الثقة الحافظ، أحد كبار التابعين. - ٢٠٢ - [اختيار حراء دون غيره] وقد أورد ابن أبي جمرة سؤالاً، وهو أنه: لم اختص وَّ بغار حراء، فكان يخلو فيه ويتحنث دون غيره من المواضع؟ وأجاب: بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره: من جهة أنه منزوٍ ومجموع لتحنثه وهو يبصر بيت ربه، والنظر إلى البيت عبادة، فكان له فيه اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة والتحنث والنظر إلى البيت. وغيره ليس فيه هذه الثلاث. ولله در المرجاني(١) حيث قال في فضائل حراء وما اختص به: تأمل حراء في جمال محياه فكم من أناس من حلا حسنه تاهوا يفرج عنه الهم في حال مرقاه فمما حوى من جالعلياه زائراً وفيه له غار له كان يرقاه به خلوة الهادي الشفيع محمد وفيه أتاه الوحي في حال مبداه وقبلته للقدس كانت بغاره به الله في وقت البداءة سواه وفيه تجلى الروح بالموقف الذي ومن بعد هذا اهتز بالسفل أعلاه وتحت تخوم الأرض في السبع أصله لطور تشظى فهو إحدى شظاياه ولما تجلى الله قدس ذكره كذا قد أتى في نقل تاريخ مبدأه ومنها ثبير ثم ثور بمكة وفي طيبة أيضاً ثلاث فعدها فعيراً وورقاناً وأحدا رويناه (١) عبد الله بن محمد القرشي، الإمام القدوة، الواعظ المفسر، أحد الأعلام في الفقه والتصوف قدم مصر، ووعظ بها، واشتهر في البلاد، وامتحن وأفتى العلماء، بتكفيره، ولم يؤثروا فيه فعملوا عليه الحيلة فقتل بتونس سنة تسع وتسعين وستمائة. ذكره في اللواقح . - ٢٠٣ - ويقبل في ساعة الظهر من دعا به ينادي من دعانا أجبناه أتى ثم قابيل لهابيل غشاه من التبر إكسيراً يقام سمعناه وأسمعته جمعاً فقالوا سمعناه فلله ما أحلى مقاماً بأعلاه وفي أحد الأقوال في عقبة حرا وما حوى سراً حوته صخوره سمعت به تسبيحها غير مرة به مركز النور الإلهي مثبتاً [شق الصدر عند بدء الوحي] وروى أبو نعيم أن جبريل وميكائيل شقا صدره وغسلاه ثم قال: ﴿اقرأ باسم ربك﴾، الآيات، الحديث، وفيه: فقال ورقة: أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل. وكذا روى شق صدره الشريف هنا أيضاً الطيالسي(١) والحارث(٢) في مسندیهما. والحكمة فيه: ليتلقى النبي وَير ما يوحي إليه بقلب قوي، في أكمل الأحوال من التطهير. (١) أبو داود، سليمان بن الجارود البصري، الحافظ الثقة كثير الحديث. روى عنه أحمد وابن المديني وغيرهما، علق له البخاري، وأخرج له مسلم والأربعة، توفي سنة ثلاث ومائتين، عن اثنتين وسبعين سنة. (٢) الحارث بن محمد بن أبي أسامة، واسمه داهر، الحافظ أبو محمد التميمي البغدادي، ولد سنة ست وثمانين ومائه، روى عنه ابن جرير، وثقه ابن حبان، وضعفه الأزدي وابن حزم وقال الدارقطني: صدوق، كان فقيراً كثير البنات توفي سنة اثنتين وثمانين ومائتين. - ٢٠٤ - [مراتب الوحي] قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له عليه السلام من الوحي مراتب عديدة: ● أحدها: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . الثانية: ما كان يلقيه الملك في روعه وقلبه من غير أن يراه، کما قال : (إن روح القدس نفث في روعي، لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) الحديث رواه ابن أبي الدنيا(١) في القناعة(٢)، وصححه الحاكم. والروع - بضم الراء - أي نفسي، وروح القدس: جبريل عليه السلام . الثالثة: كان يتمثل له الملك رجلاً، فيخاطبه حتى يعي عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه في صورة دحية الكلبي. رواه النسائي(٣) بسند صحيح من حديث ابن عمر. قلت: وكان دحية جميلاً وسيماً، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن لتراه. فإن قلت: إذا لقي جبريل النبي ◌َّ في صورة دحية، فأين (١) عبد الله بن محمد بن عبيد الأموي، مولاهم، أبو بكر، البغدادي، الحافظ، صاحب التصانيف المشهورة المفيدة، وثقه أبو حاتم وغيره. مات سنة إحدى وثمانين ومائتين. (٢) كتاب القناعة . (٣) أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب بن علي الخراسلني ثم المصري، الحافظ أحد الأئمة المبرزين، والأعلام الطوافين والحفاظ المتقنين، حتى قال الذهبي: هو أحفظ من مسلم. مات سنة ثلاث وثلاثمائة. - ٢٠٥ - تكون روحه؟ فإن كانت في الجسد الذي له ستمائة جناح، فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت في هذا الذي هو في صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خالياً من الروح المنتقلة عنه / ب إلى الجسد المشبه بجسد دحية /. أجيب - كما ذكره العيني(١) - بأنه لا يبعد أن لا يكون انتقالها موجب موته، فيبقى الجسد حياً، لا ينقص من معارفه شيء، ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر، وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلاً، بل بعادة أجراها اللّه تعالى في بني آدم، فلا تلزم في غيرهم. انتهى . الرابعة: كأن يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد، حتى إن راحلته لتبرك به في الأرض، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت(٢)، فثقلت عليه حتى كادت ترضها. قلت: وروى الطبراني عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله وَله، وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء(٣) شديدة، وعرق عرقاً شديداً مثل الجمان، ثم سري عنه. وكنت أكتب وهو يملي (١) بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى الحنفي، ولد سنة اثنتين وستين وسبعمائة، وتفقه واشتغل بالفنون، وبرع وولي الحسبة مراراً مات سنة خمس وخمسين وثمانمائة . (٢) الأنصاري النجاري، أحد كتّاب الوحي، ومن كان يفتي في عصر النبوة، روى أحمد بسند صحيح ((أفرضكم زيد)» مات سنة اثنتين وأربعين. (٣) هي شدة أذى الحمى وغيرها. - ٢٠٦ - علي، فما أفرغ حتى تكاد رجلي تكسر من ثقل الوحي، حتى أقول: لا أمشي على رجلي أبداً. ولما نزلت عليه سورة المائدة، كادت أن تنكسر عضد ناقته من ثقل السورة، ورواه أحمد(١) والبيهقي في الشعب. الخامسة: أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها له ستمائة جناح، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما في سورة النجم . السادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات من فرض · الصلوات وغيرها . · السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى . قال: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهي تكليم الله له كفاحاً من غير حجاب. انتهى (٢). [رأي العراقي في كلام ابن القيم] قال شيخ الإسلام الولي ابن العراقي (٣): وكأن ابن القيم أخذ ذلك من روض السهيلي لكنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحي قبل جبريل. (١) المسند ٦ /٤٥٥ . (٢) أي كلام ابن القيم. (٣) أحمد بن عبد الرحيم العراقي، قاضيها، الإمام الحافظ ابن الحافظ، الأصولي الفقيه، ذو الفنون والتصانيف النافعة المشهورة. توفي سنة ست وعشرين وثمانمائة . - ٢٠٧ - فقد ثبت في الطرق الصحاح عن عامر الشعبي أن رسول الله وَلّ وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي، والشيء، ثم وكل به جبريل فجاء بالقرآن. وأما قوله - أعني ابن القيم -: السادسة، ما أوحاه الله إليه فوق السماوات، يعني ليلة المعراج، السابعة كلام اللّه بلا واسطة. فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل فهو داخل فيما تقدم، لأنه إما أن يكون جبريل في تلك الحالة على صورته الأصلية، أو على صورة الآدمي، وكلاهما قد تقدم ذكره، وإن أراد وحي الله بلا واسطة - وهو الظاهر - فهي الصورة التي بعدها. وأما قوله: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة: وهي تكليم الله له كفاحاً من غير حجاب، فهذا على مذهب من يقول إنه م لو رأى ربه تعالى، وهي مسألة خلاف يأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. ويحتمل أن ابن القيم رحمه الله تعالى أراد بالمرتبة السادسة وحي جبريل، وغاير بينه وبين ما قبله باعتبار محل الإيحاء، أي كونه فوق السماوات، بخلاف ما تقدم، فإنه كان في الأرض، ولا يقال، يلزم عليه أن تتعدد أقسام الوحي باعتبار البقعة التي جاء فيها جبريل إلى النبي وَلّ وهو غير ممكن، لأنا نقول: الوحي الحاصل في السماء باعتبار ما في تلك المشاهد من الغيب نوع غير نوع الأرض على اختلاف بقاعها. انتهى . [تتمة مراتب الوحي] قلت: ويزاد أيضاً: كلامه تعالى له في المنام، كما في حديث الزهري (أتاني ربي - ٢٠٨ - في أحسن صورة فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى .. ) الحديث(١). ثم مرتبة اخرى، وهي العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه، وعلى لسانه عند الاجتهاد في الأحكام، لأنه اتفق على أنه لولاية إذا اجتهد أصاب قطعاً، وكان معصوماً من الخطأ، وهذا خرق العادة في حقه دون [سائر](٢) الأمة، وهو يفارق النفث في الروع من حيث حصوله بالاجتهاد، والنفث بدونه. ومرتبة أخرى: وهي مجيء جبريل في صورة رجل غير دحية (٣)، لأن دحية كان معروفاً عندهم، ذكره ابن المنير، وإن كانت داخلة في المرتبة الثالثة التي ذكرها ابن القيم. وذكر الحليمي (٤) أن الوحي كان يأتيه على ستة / وأربعين نوعاً، ١/٢٥ فذکرها، وغالبھا ۔ کما قال في فتح الباري۔۔ من صفات حامل الوحي، ومجموعها يدخل فيما ذكر والله أعلم. (١) رواه بتمامه عبد الرزاق وأحمد والترمذي والطبراني عن ابن عباس مرفوعاً، والترمذي وابن مردويه والطبراني من حديث معاذ. [المسند ٣٦٨/١ و٦٦/٤] . (٢) في (ط، د) . (٣) كما في حديث الصحيحين عن أبي هريرة (كان النبي وَّ بارزاً للناس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان ... وفي آخره: هذا جبريل يعلم الناس دينهم. ورواه مسلم أيضاً عن عمر (بينا نحن جلوس .. ). (٤) العلامة البارع المحدث: القاضي أبو عبد الله، الحسين بن الحسين بن حليم، الشافعي الفقيه، صاحب اليد الطولى في العلوم والأدب والتصانيف المفيدة، مات سنة ثلاث وأربعمائة. - ٢٠٩ - وذكر ابن المنير(١) أن الحال كان يختلف في الوحي باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد وبشارة نزل الملك بصورة الآدمي، وخاطبه من غير كدّ، وإن نزل بوعيد ونذارة كان حينئذٍ كصلصلة الجرس. انتھی . [عدد مرات نزول جبريل] وقد ذكر ابن عادل، في تفسيره: أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صل﴿ل أربعة وعشرين ألف مرة، ونزل على آدم اثنتي عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات. كذا قال رحمه الله(٢). [أول أمر الصلاة] وقد روي(٣): أن جبريل تبدى له وَّلّ في أحسن صورة وأطيب رائحة فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسولي إلى (١) القاضي ناصر الدين، أحمد بن محمد المعروف بابن المنير الاسكندري، قاضيها ووخطيبها المصقع، الإمام العلامة المتبحر في العلوم، ذو التصانيف المفيدة. توفي سنة ثلاث وثمانين وستمائة، عن ثلاث وستين سنة، قال العز ابن عبد السلام: الديار المصرية تفتخر برجلين في طرفيها: ابن دقيق العيد بقوص، وابن المنير بالاسكندرية . (٢) تبرأ منه لأنه لم يسنده ومثله يحتاج لتوقيف . [أقول هذا يعني أن النزول بمعدله الوسطي على النبي ◌َّ كل يوم ثلاث مرات. وهو أمر فيه نظر] [م] . (٣) طرقه لا تخلو من مقال، لكنها متعددة، فيفيد ذلك أن للحديث أصلاً. - ٢١٠ - الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل ثم أمره أن يتوضأ وقام جبريل يصلي وأمره أن يصلي معه فعلمه الوضوء والصلاة ثم عرج إلى السماء ورجع رسول الله ولو لا يمر بحجر ولا مدر ولاشجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله، حتى أتى خديجة فأخبرها فغشي عليها من الفرح ثم أمرها فتوضأت وصلی بها كما صلى به جبريل فكان ذلك أول فرضها ركعتين ثم إن الله أقرها في السفر كذلك وأتمها في الحضر. وقال مقاتل(١): كانت الصلاة أول فرضها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، لقوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار﴾(٢). قال في فتح الباري: كان ◌َلّ قبل الإسراء يصلي قطعاً، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف: هل افترض قبل الخمس شيء من الصلاة أم لا؟ فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها﴾(٣). انتهى. قال النووي (٤): أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم (١) مقاتل بن سليمان البلخي، المفسر، قال ابن المبارك: ما أحسن تفسيره لو كان ثقة، وقال وكيع: كان كذاباً، وقال النسائي: يضع الحديث، مات سنة خمس ومائة . (٢) سورة غافر، الآية ٥٥ . (٣) سورة طه، الآية ١٣٠. (٤) محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف بن سري، الإمام الفقيه الحافظ، القدوة المتقن البارع الورع الزاهد، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، - ٢١١ - ٠ فرض الله من قيام الليل ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم نسخه بما في آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأما ما ذكره في هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به فيدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء(١). [فترة الوحي] ثم فتر الوحي (٢) فترة شق عليه وأحزنه. وفترة الوحي: عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده عليه السلام من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود(٣). وكانت مدة فترة الوحي ثلاث سنين (٤)، كما جزم به ابن إسحاق(٥) = التارك لجميع ملاذ الدنيا حتى الزواج، شيخ الإسلام، علم الأولياء، المبارك له في علمه وتصانيفه لحسن قصده، مات سنة ست وسبعين وستمائة، عن ست وأربعين سنة. (١) قال السهيلي: فالوضوء على هذا مكي بالفرض، مدني بالتلاوة - لأن آية الوضوء مدنية ــ ولذا قالت عائشة آية التيمم، وهي هي لأن الوضوء كان مفروضاً قبل. (٢) ذكر المصنف هذا البحث هنا ليدل على أن الوضوء والصلاة كانا قبل فترة الوحي. أقول: وقد سبق ذكر فترة الوحي في آخر حديث بدء الوحي، وكذا التعليق عليها [م] . (٣) هذا ما ذكره فتح الباري. (٤) لم يتفق على مدة الفترة: فقد قيل: كانت سنتين ونصفاً، وفي تفسير ابن الجوزي ومعاني الزجاج خمسة عشر يوماً وفي تفسير مقاتل ثلاثة أيام. وفي تفسير ابن عباس: كانت أربعين يوماً. (٥) قال الشارح: تبع المصنف في ذلك الحافظ، كما تبعه السيوطي، ورد على = - ٢١٢ - وفي تاريخ الإمام أحمد(١)، ويعقوب بن سفيان عن الشعبي: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، وكذا رواه ابن سعد والبيهقي(٢). [النبوة والرسالة] فقد تبين أن نبوته ﴾ كانت متقدمة على إرساله(٣)، كما قال أبو = الثلاثة جميعاً بالصراحة الشامي فقال: هذا وهم بلا شك. وعزو ذلك لابن إسحاق أشد، انتهى. يؤيد هذا قول الشارح قبل ذلك . وهذا مخالف لقول ((العيون)) تبعاً (للروض)): وفترة الوحي لم يذكر لها ابن إسحاق مدة معينة. انتهى وهو الصواب. (١) قال الشارح: ودليل كونها - فترة الوحي - ثلاث سنين ما في تاريخ .. الخ . (٢) وأثر الشعبي هذا - وإن صح إسناده إليه - مرسل أو معضل، وكلاهما من أقسام الضعيف، وقد أنكره الواقدي وقال: لم يكرم به من الملائكة إلا جبريل. قال الشامي: وهو المعتمد. انتهى . قال الحافظ السيوطي: قد ورد ما يوهي أثر الشعبي، وهو ما أخرجه مسلم والنسائي والحاكم عن ابن عباس قال: (بينما رسول الله وَليل جالس وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً من السماء من فوق، فرفع جبريل طرفه إلى السماء فقال: يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط، فجاء إلى النبي وَلّ فسلم عليه فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة) [مسلم برقم ٨٠٦] قال جماعة من العلماء، هذا الملك إسرافيل. وجاء اسمه صريحاً في رواية للطبراني عن ابن عمر .. فهاتان القضيتان بعد ابتداء الوحي بسنين .. (٣) في ط: رسالته. - ٢١٣ - عمر وغيره، كما حكاه أبو أمامة بن النقاش. فكان في نزول سورة ((اقرأ)) نبوته، وفي نزول سورة المدثر إرساله بالنذارة والبشارة والتشريع، وهذا قطعاً متأخر عن الأول، لأنه لما كانت سورة ((اقرأ)) متضمنة لذكر أطوار الآدمي: من الخلق والتعليم والإفهام، ناسب أن تكون أول سورة أنزلت، وهذا هو الترتيب الطبيعي، وهو أن يذكر سبحانه وتعالى ما أسداه إلى نبيه عليه السلام من العلم والفهم والحكمة والنبوة، ويمن عليه بذلك في معرض تعريف عباده بما أسداه إليهم من نعمة البيان الفهمي والنطقي والخطي، ثم يأمره سبحانه وتعالى بأن يقوم فينذر عباده. - ٢١٤ - [ ذكر أول من آمن ] [إسلام خديجة] وكان أول من آمن بالله وصدق صديقة النساء خديجة، فقامت بأعباء الصديقية. قال لها وَلّ: خشيت على نفسي، فقالت: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً. ثم استدلت بما فيه من الصفات والأخلاق / ٢٥/ب والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبداً. [إسلام أبي بكر] وكان أول ذكر آمن من بعدها صديق الأمة، وأسبقها إلى الإسلام أبو بكر، فآزره في الله. وعن ابن عباس أنه أول الناس إسلاماً، واستشهد له بقول حسان بن ثابت: فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا إذا تذكرت شجوى من أخي ثقة بعد النبي وأوفاها بما حملا خير البرية أتقاها وأعدلها وأول الناس قدماً صدق الرسلا والثاني التالي المحمود مشهده رواه أبو عمر (١). وممن وافق ابن عباس وحسانا على أن الصديق أول الناس (١) أي: ابن عبد البر، وكذا الطبراني في الكبير. - ٢١٥ - إسلاماً، أسماء بنت أبي بكر، والنخعي (١) وابن الماجشون ومحمد بن المنكدر(٢)، والأخنس(٣) . [إسلام علي] وقيل: إن علي بن أبي طالب أسلم بعد خديجة، وكان في حجر النبي ◌َلّ. فعلى هذا يكون أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ويكون علي أول صبي أسلم، لأنه كان صبياً لم يدرك، ولذا قال: سبقتكمُ إلى الإسلام طراً صغيراً ما بلغت أوان حلمي وكان سن علي إذ ذاك عشر سنين، فيما حكاه الطبري . وقال ابن عبد البر: وممن ذهب إلى أن علياً أول من أسلم من الرجال: سلمان وأبو ذر والمقداد وخباب وجابر وأبو سعيد الخدري، وزيد بن الأرقم، وهو قول ابن شهاب وقتادة وغيرهم. [أقوال في أول من أسلم] قال (٤): واتفقوا على أن خديجة أول من أسلم مطلقاً. (١) إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، الفقيه الحافظ، التابعي الوسط المتوفى وهو مختف من الحجاج سنة ست وتسعين. (٢) محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي، التابعي الصغير، كثير الحديث، روى عنه: الزهري ومالك وأبو حنيفة وشعبة والسفيانان. قال ابن عيينة: كان من معادن الصدق، ويجتمع إليه الصالحون. مات سنة ثلاثين ومائة. (٣) الأخنس بن شريق الثقفي. واسم الأخنس: أبي، حليف بني زهرة، صحابي من مسلمة الفتح، وشهد حنينا، وأعطي مع المؤلفة، وتوفي أول خلافة عمر. (٤) أي ابن عبد البر . - ٢١٦ - وقيل: أول رجل أسلم، ورقة بن نوفل. ومن يمنع، يدعى أنه أدرك نبوته عليه السلام لا رسالته. لكن جاء في السير، وهو في رواية أبي نعيم المتقدمة أنه قال: أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبي مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد، وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك. فهذا صريح بتصديقه برسالة محمد قائد . قال البلقيني(١): بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال. وبه قال العراقي في نكته(٢) على ابن الصلاح. وذكره ابن منده في الصحابة . وحكى العراقي: كون علي أول من أسلم عن أكثر العلماء (٣)، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه. وادعى الثعلبي (٤) اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما هو في أول من أسلم بعدها. قال ابن الصلاح(٥): والأورع أن يقال: (١) سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان البلقيني، شيخ الإسلام، علامة الدنيا، الحافظ الفقيه البارع المجتهد المصنف، المتوفى سنة خمس وثمانمائة. (٢) المقصود، نكته على كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث. (٣) في (ط، د، ب): الصحابة (٤) أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، أبو إسحاق، صاحب التفسير، والعرائس في قصص الأنبياء. قال الذهبي: وكان حافظاً رأساً في التفسير والعربية، متين الديانة والزهادة. مات سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ويقال له: الثعلبي والثعالبي . (٥) شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو عمرو، عثمان بن الصلاح. الإمام الحافظ = - ٢١٧ - أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر. ومن الصبيان أو الأحداث علي. ومن النساء خديجة. ومن الموالي زيد(١). ومن العبيد بلال. والله أعلم، انتهى . وقال الطبري: الأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها فيقال: أول من أسلم مطلقاً خديجة. وأول من أسلم علي بن أبي طالب، وهو صبي لم يبلغ، وكان مستخفياً بإسلامه. وأول رجل عربي بالغ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبي قحافة . وأول من أسلم من الموالي زيد. قال: وهذا متفق عليه لا خلاف فيه، وعليه يحمل قول من قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، أي الرجال البالغين الأحرار، ويؤيد هذا ما روي عن الحسن أن علي بن أبي طالب قال: إن أبا بكر سبقني إلى أربع لم أوتهن: سبقني إلى إفشاء الإسلام، وقدم = المتبحر في الأصول والفروع والتفسير والحديث، الزاهد، مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة . (١) حب المصطفى، ووالد حبه، أسر في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فاستوهبه النبي صَلّ منها. فوهبته له. وجاء أبوه وعمه مكة وطلباً أن يفدياه فخيره عليه السلام بين أن يدفعه إليهما، أو يثبت عنده فاختار البقاء عنده .. ثم أسلم حين بعث عليه السلام. - ٢١٨ - الهجرة، ومصاحبته في الغار، وإقام الصلاة، وأنا يومئذ بالشعب يظهر إسلامه وأخفيه. الحديث، خرجه صاحب فضائل أبي بكر وخيثمة (١) بمعناه(٢). ٠ وأما ما روي: من صحبة الصديق للنبي وَّ وهو ابن ثماني عشرة سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، وحديث بحيرى، وأنه وقع في قلب أبي بكر اليقين، وقول ميمون بن مهران(٣): والله لقد آمن أبو بكر بالنبي ◌َّ زمن بحيرى، فالمراد بهذا الإيمان اليقين بصدقه، وهو ما وقر في قلبه، وإلا فالنبي ◌َّ تزوج خديجة وسافر إلى الشام قبل المبعث. [الرعيل الأول] ثم أسلم / بعد زيد بن حارثة، عثمان بن عفان(٤)، والزبير بن ١/٢٦ العوام(٥)، وعبد الرحمن بن عوف(٦)، وسعد بن أبي (١) خيثمة بن سليمان بن حيدرة، الإمام الحافظ، أبو الحسن القرشي الطرابلسي، أحد الثقات، الرحالة، جمع فضائل الصحابة، ولد سنة خمس وأربعين وثلاثمائة . (٢) ورواه الدراقطني في الغرائب وضعفه. (٣) ميمون بن مهران الكوفي، أبو أيوب الجزري، نزيل الرقة، الثقة، الفقيه التابعي الوسط، كثير الحديث، والي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز. مات سنة سبع عشرة ومائة، وله سبع وسبعون سنة. (٤) أمير المؤمنين، ذو النورين، فضائله جمة .. (٥) الزبير بن العوام بن خويلد القرشي الأسدي، الحواري. وهو ابن اثنتي عشرة سنة كان عمه يعلقه في حصير ويدخن عليه بالنار ويقول: ارجع، فيقول: لا أكفر أبداً. (٦) القرشي الزهري، أحد العشرة المبشرين بالجنة. والثمانية السابقين إلى الإسلام والستة أصحاب الشورى. - ٢١٩ - وقاص(١)، وطلحة بن عبيد الله(٢)، بدعاء أبي بكر الصديق، فجاء بهم إلى رسول الله وَ لل حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا. ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بعد تسعة أنفس. والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي (٣)، وعثمان بن مظعون الجمحي (٤)، وأخواه: قدامة(٥) وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وامرأته فاطمة بنت الخطاب. وقال ابن سعد: أول امرأة أسلمت بعد خديجة أم الفضل زوج العباس(٦)، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة أختها. كذا قاله ابن (١) سعد بن أبي وقاص، أحد العشرة، وآخرهم موتاً، وأحد الستة والثمانية، أسلم بعد سنة وهو سابعهم، وهو ابن تسع عشرة سنة. كما قاله ابن عبد البر وغيره. وأما قوله: لقد رأيتني وأنا ثالث الإسلام، أخرجه البخاري، فحمل على ما اطلع هو عليه. (٢) أحد العشرة، والثمانية السابقين إلى الإسلام، والستة أصحاب الشورى. (٣) الأرقم بن أبي الأرقم، عبد مناف بن أسد المخزومي، البدري، شهد أحداً والمشاهد كلها. توفي سنة خمس وخمسين، وهو ابن خمس وثمانين. (٤) عثمان بن مظعون بن حبيب القرشي الجمحي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر إلى الحبشة، شهد بدراً، وتوفي بعدها في السنة الثانية. روى الترمذي عن عائشة: قبل وَ لّ عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي وعيناه تذرفان. فلما توفي ابنه ابراهيم قال: الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون . (٥) من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وشهد بدراً، وكانت تحته صفية بنت الخطاب، أخت عمر. مات سنة ست وثلاثين وهو ابن ثمانين سنة. (٦) رد في فتح الباري هذا القول: بأنها وإن كانت قديمة الإسلام، لكنها لا تذكر في السابقين، فقد سبقتها سمية والدة عمار، وأم أيمن. - ٢٢٠ -