Indexed OCR Text
Pages 41-60
[ المقدمة ]
٣/ب
بسم الله الرحمن الرحيم [وبه ثقتي، وبه نستعين، ربنا آتنا من
لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا، وصلى الله على سيدنا
محمد وآله وسلم](١)
الحمد لله الذي أطلع في سماء الأزل شمس أنوار معارف النبوة
المحمدية، وأشرق من أفق أسرار الرسالة مظاهر(٢) تجلي الصفات
الأحمدية، أحمده على أن وضع أساس نبوته على سوابق أزليته، ورفع
دعائم رسالته على لواحق أبدیته.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، الفرد المنفرد في
فردانيته بالعظمة والجلال، الواحد المتوحد في وحدانيته باستحقاق
الكمال، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله أشرف نوع
الإنسان، وإنسان عيون الأعيان، المستخلص من خالص خلاصة ولد
عدنان، الممنوح ببدائع الآيات، المخصوص بعموم الرسالة وغرائب
المعجزات، السر الجامع الفرقاني، والمخصص بمواهب القرب من
النوع الإنساني، مورد الحقائق الأزلية ومصدرها، وجامع جوامع
(١) في الأصل، وفي ب: وهو حسبي ونعم الوكيل.
(٢) في ش: مظاهر الرسالة.
- ٤١ -
مفرداتها ومنبرها، وخطيبها إذا حضر في حظائر قدسها ومحضرها، بيت
الله المعمور الذي اتخذه لنفسه، وجعله ناظماً لحقائق أنسه(١)، مدة
مداد نقطة الأكوان، ومنبع ينابيع الحكم والعرفان، المفيض (٢) من بحر
مدد الوفا، على القائل من أهل المعارف والاصطفا، حيث خاطب ذاته
الأقدسية(٣)، بالمنح الأنفسية، فقال:
فأنت رسول الله أعظم كائن وأنت لكل الخلق بالحق مرسل
وأنت منار الحق تعلو وتعدل
عليك مدار الخلق إذ أنت قطبه
وباب عليه منه للحق يدخل
فؤادك بيت الله دار علومه
ففي كل حي منه الله منهل
ينابيع علم الله منه تفجرت
فكل له فضل به منك يفضل
منحت بفيض الفضل كل مفضل
لديك بأنواع الكمال مكلل (٤)
نظمت نثار الأنبياء فتاجهم
ويا ذروة الإطلاق إذ يتسلسل
فيا مدة الإمداد نقطة خطه
وحقك لاأسلو ولا أتحول
محال يحول القلب عنك وإنني
صلاة اتصال عنك لا تتنصل
عليك صلاة الله منه تواصلت
شخصت أبصار بصائر سكان سدرة المنتهى لجلال جماله، وحنت
أرواح رؤساء الأنبياء إلى مشاهدة كماله، وتلفتت لفتات أنفس الملأ
الأعلى إلى نفائس نفحاته، وتطاولت أعناق العقول إلى أعين لمحاته
ولحظاته، فعرج به إلى المستوى الأقدس، وأطلعه على السر الأنفس،
(١) كذا في (آ، ش) وفي الباقي: قدسه.
(٢) في ش: الممد .
(٣) ((الأقدسية)) ليست في ش.
(٤) في (ط، د، ب): مكمل.
- ٤٢ -
في إحاطته الجامعة، وحضرات حظيرة قدسه الواسعة، فوقفت
أشخاص الأنبياء في حرم الحرمة، على أقدام الخدمة، وقامت أشباح
الملائكة في معراج الجلال، على أرجل الإجلال، وهامت أرواح
العشاق في مقامات(١) الأشواق:
وعليه(٢) من رقبائه أحداق
كل إليك بكله مشتاق
أو لاح برق في الدجى خفاق
يهواك ما ناح الحمام بأيكة
فجميعه لجميعه عشاق
شوق إليه لايزال يديره
اشتاق القمر لمشاهدته فانشق، فشق مرائر الأشقياء
المشاققين(٣)، وحن لمفارقته الجذع فتصدع/ فانصدعت قلوب الأغبياء ١/٤
المنافقين [ولله در القائل:
وكان انشقاق البدر أكبر آية تشق قلوب الحاسدين وتفرث(٤)](٥)
وبرقت من مشكاة بعثته بوارق طلائع الحقائق، وانقادت لدعوته
العامة خاصة خلاصة الخلائق، ولم يزل يجاهد في [سبيل](٦) الله
بصادق عزماته، وينظم أشتات(٧) الإسلام بعد افتراق جهاته، حتى
كملت كمالات دينه وحججه البالغة، وتمت على سائر أمته الأمية نعمته
السابغة، وخير فاختار الرفيق الأعلى، وآثر الآخرة على الأولى، فنقله
(١) في ش: معاناة.
(٢) في ط: وعليك.
(٣) في ش: الشاقين.
(٤) فرث الكبد: شقها [هامش الأصل].
(٥) في الأصل.
(٦) في (ب، ط، ش).
(٧) في (ط، د، ب) شتات.
- ٤٣ -
الله قائماً على قدم السلامة، إلى دار السلام وفردوس الكرامة، وبوأه
أسنى مراقي التكريم في دار المقامة، ومنحه أعلى مواهب الشرف في
اليوم المشهود، فهو الشاهد والمشهود، والمحمود بالمحامد التي يلهمها
للحامد المحمود، ذو المنزلة العلية، والدرجة السنية، في حظائر القدس
الأقدسية، والمشاهد الأنفسية، واصل الله عليه فضائل (١) الصلوات،
وشرائف التسليم، ونوامي البركات، وعلى آله الأطهار، وأصحابه
الأبرار، صلاة وسلاما لاينقطع عنهما أمد الأمد، ولا يحصرهما (٢) العدد
أبد الأبد.
وَبعَد :
فهذه لطيفة من لطائف نفحات العواطف الرحمانية، ومنحة من
منح مواهب العطايا الربانية، تنبىء عن نبذة من كمال شرف نبينا
محمد - عليه أفضل الصلوات وأنمى التسليم وأسنى الصلات - وسبق
نبوته في الأزمان الأزلية، وثبوت رسالته في الغايات الأحدية، والتبشير
بأحمديته في الأعصر(٣) الخالية، والتذكير بمحمديته في الأمم الماضية،
وإشراق بوارق لوامع أنوار آيات ولادته التي سار ضوء فجرها في سائر
بريته، ودار بدر فجرها (٤) في أقطار ملته، وعواطف لطائف رضاعه
وحضانته، وينابيع أسرار سر مسراه وبعثته(٥) وهجرته، وعوارف
معارف عبوديته الساري عرف شذاها في آفاق قلوب أهل ولايته،
(١) في (ب. ط) فواضل.
(٢) في ش: ولا يحصيهما.
(٣) في ش: الأزمان.
(٤) في ط: ودار بدرها.
(٥) في ط: وبقعته.
- ٤٤ -
ونفائس أنفاس أحواله الزكية، ودقائق حقائق سيرته العلية، إلى حين
نقلته لروضة قدسه الأحدية، وتشريفه بشرائف الآيات، وتكريمه
بكرائم المعجزات، وترفيعه في آي التنزيل برفعة ذكره، وعلو خطره،
وتعظيم محاسن شمائله وخلائقه، وتخصيصه بعموم رسالته، ووجوب
محبته واتباع طرائقه(١) وسيادته الجامعة لجوامع السؤدد في مشهد مشاهد
المرسلين، وتفضيله بالشفاعة العظمى، العامة لعموم الأولين
والآخرين، إلى غير ذلك من عجائب آياته ومنحه، وغرائب أعلام
نبوته وحججه .
أوردتها حججاً قاهرة على الملحدين، وذكرى نافعة للموحدين،
وتنبيهاً لعزائم المهتدين، ولم أكن - والله - أهلاً لذلك، ولم أر نفسي فيما
هنالك، لصعوبة هذا المسلك، ومشقة السير في طريق لم يكن لمثلي
يُسلك، وإنما هو نكتة سر قراءتي كتاب ((الشفا)) (٢) بحضرة التخصيص
والاصطفا، في مكتب التأديب والتعليم (٣) في مشهد مشاهد المؤانسة
والتكريم، مستجلياً في مجالي تجليات الأنوار الأحمدية، محاسن صفات
خلقته، وعظيم أخلاقه الزكية، سارياً (٤) بسر سيرته في منهاج ملته إلى
سماء هديه الأسنى، راتعاً في رياض روضة سنته النزيهة (٥) الحسنا،
مستمداً من فتح الباري (٦)، فيض فضله الساري، فمنحني صاحب
(١) في ش: طريقته.
(٢) كتاب ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)) للإمام عياض بن موسى وشهرته
تغني عن ترجمته رحمه الله.
(٣) أي بين روضة النبي ◌َّ ومنبره، وكان المصنف يقرؤه للناس هناك.
(٤) في ش: سائراً.
(٥) في ش: النزهة.
(٦) أي من عطاء الله تعالى، وفيه تورية بذكر اسم الكتاب الذي هو شرح =
- ٤٥ -
هذه المنح من مصون حقائقه، وأبرز لي مما أكَّه من مكنون رقائقه،
٤/ب فانفتحت بالفتح المحمدي عين بصيرة الاستبصار، / وتنزه الناظر في
رياض ارتياض رقائق الأسرار، فاستجليت من أبكار مخدرات السنة
النبوية من كل صورة معناها، واقتبست من تلألؤ مصباح مشكاة
المعارف من كل بارقة أضواها، وانتشقت من كل عبقة صوفيه
شذاها، واجتنيت من أفنان لطائف تأويل آي الكتاب العزيز من كل
ثمرة مشتهاها، ولازلت في جنات لطائف هذه المنح أغدو وأروح، في
غبوق وصبوح(١)، حتى انهلت غمائم المعاني على أرض رياض المباني،
فأينعت أزهارها، وتكللت بنفائس جواهر العلوم أوراقها، وطابت
لمجتني رقائق الحقائق ثمارها، وتدفقت حياض بدائع ألفاظها، بزلال
جوامع (٢) كلماتها، وخطب خطيب قلوب أبناء الهوى، على منبر الغرام
الأقدس، يدعو لكمال محاسن الحبيب الأرأس، فترنحت بسلاف راح
الارتياح نفائس الأرواح، وتمايلت بمطربات(٣) ألحان الحنين إلى جمال
المحبوب كرائم الأشباح، وزمزم مزمزم الصفا، بحضرة خلاصة أولى
الوفا، منشداً مردداً:
حضر الحبيب وغاب عنه رقيبه حسبي نعيم زال عنه حسيبه
طوبى لقلبي والحبيب طبيبه
داوى فؤادي الوصل من أدوائه
فحباه صدق الحب منه حبيبه
صدق المحب حبيبه في حبه
لما دعاه إلى الغرام وجيبه
لباه لب فؤاده فأجابه
= الحافظ ابن حجر على البخاري، ولايشك من أحاط بهذا الكتاب وبشرح
البخاري أن نحو نصف هذا الكتاب منه بعزوٍ ودونه.
(١) الغبوق: ما يشرب بالعشي. والصبوح: شرب الغداة.
(٢) [جوامع] ليست في ش.
(٣) في ط: عطريات.
- ٤٦ -
ولجامع الأهواء حيعل حبه ولحسنه خطب القلوب خطيبه
فلما سمعت هذه المواهب آذان قلوب أولي الألباب، تلفتت
عيون أعيانهم لتلخيص خلاصة جوهر هذا الخطاب، في سفر يسفر
عن وجه المنح النبوية منيع النقاب، فثنيت (١) عنان القلم إلى تحصيل
مآربهم، وتسطير مطالبهم، جانحا صوب الصواب، مودعا ما كان
مستودعاً لي في غيابات الغيب في هذا الكتاب، مستعيناً في ذلك
بالقوي الوهاب، حتى أتاح الله لي ذلك، وتمم ما هنالك، فأوضحت
ما خفي من الدليل، ومهدت ما توعر من السبيل.
وسميته: ((المواهب اللدنية بالمنح المحمدية)) ورتبته على عشرة
مقاصد تسهيلاً للسالك والقاصد:
المقصد الأول:
في تشريف الله تعالى له عليه السلام بسبق نبوته في سابق
أزليته، ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته في
حظائر قدس كرامته، وطهارة نسبه وبراهين أعلام آيات حمله وولادته
ورضاعه وخضانته، ودقائق حقائق بعثته وهجرته، ولطائف معارف
مغازيه وسراياه وبعوثه وسيرته، مرتباً على السنين من حين نشأته إلى
وقت وفاته ونقلته لرياض روضته.
المقصد الثاني :
في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة عن كمال أخلاقه المنيفة، وأولاده
الكرام الطاهرين وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأعمامه وعماته،
(١) في ش د: فأطلقت.
- ٤٧ -
وإخوته من الرضاعة، وجداته وخدمه ومواليه وحرسه، وكتابه وكتبه
إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم
من الأنام، ومؤذنيه وخطبائه وحداته وشعرائه، وآلات حروبه،
ودوابه، والوافدين إليه بَ لهر وفيه عشرة فصول.
المقصد الثالث :
فيما فضله الله سبحانه وتعالى به من كمال خلقته، وجمال
صورته، و [ما](١) كرمه به من الأخلاق الزكية وشرفه به من الأوصاف
١/٥ المرضية، وما تدعو/ ضرورة حياته إليه وَله، وفيه ثلاثة فصول.
المقصد الرابع :
في معجزاته الدالة على ثبوت نبوته وصدق رسالته وما اختص(٢)
به من خصائص آياته وبدائع كراماته(٣). وفيه فصلان.
المقصد الخامس :
في تخصيصه عليه السلام بخصائص(٤) المعراج والإسراء،
وتعميمه بعموم لطائف التكريم في حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة
والآيات الكبرى.
المقصد السادس :
فيما ورد في آي التنزيل من تعظيم قدره، ورفعة ذكره، وشهادته
(١) في ط، ش.
(٢) في (ط، د، ش): خص.
(٣) في ط: كرامته.
(٤) في ش: بلطائف.
- ٤٨ -
له تعالى بصدق نبوته، وثبوت بعثته، وقَسَمه تعالى على تحقيق
رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته واتباع سنته،
وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلا ومنة إن أدركوه ليؤمنن
به ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل، بأنه
صاحب الرسالة والتبجيل. وفيه عشرة أنواع.
المقصد السابع :
في وجوب محبته واتباع سنته، والاهتداء بهديه وطريقته، وفرض
محبة آله وأصحابه، وقرابته وعترته، وحكم الصلاة والتسليم عليه،
زاده الله فضلاً وشرفاً لديه. وفيه ثلاثة فصول.
المقصد الثامن :
في طبه وَلّ لذوي الأمراض والعاهات، وتعبيره الرؤيا، وإنبائه
بالأنباء المغيبات. وفيه ثلاثة فصول.
المقصد التاسع :
في لطيفة من حقائق عباداته، ويشتمل على سبعة أنواع،
المقصد العاشر:
في إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته ونقلته إليه، وزيارة قبره
الشريف، ومسجده المنيف، وتفضيله في الآخرة بفضائل الأوليات
الجامعة لمزايا التكريم، والدرجات العليات، وتشريفه بخصائص
الزلفى في مشهد (١) مشاهد الأنبياء والمرسلين، وتحميده بالشفاعة والمقام
(١) ليست في ش.
- ٤٩ -
المحمود، وانفراده بالسؤدد في مجمع مجامع الأولين والآخرين، وترقيه في
جنة عدن أرقى مدارج (١) السعادة، وتعاليه في يوم المزيد أعلى معالي
الحسنى وزيادة. وفيه ثلاثة فصول.
والله تعالى جل جده وعز مجده أسأل بوجاهة وجهه الوجيه ونبيه
النبيه أن يمدني في هذا الكتاب العزيز(٢) بمدد الإقبال والقبول، وینیلني
ومن كتبه أو قرأه أو سمعه والمسلمين من العواطف النبوية لطائف
السؤل، ونهاية المأمول، وعلى الله قصد السبيل وهو حسبنا ونعم
الوكيل.
(١) في ش معارج.
(٢) في النسخ: العظيم، ولم تذكر في ش .
- ٥٠ -
المقصَِد الأوّل
[ محتوى المقصد الأول]
· في تشريف الله تعالى له عليه السلام بسبق نبوته في سابق أزليته،
ونشره منشور رسالته في مجلس مؤانسته، وكتبه توقيع عنايته في
حظائر قدس كرامته.
● وطهارة نسبه
· وبراهين أعلام آيات حمله وولادته
ورضاعه وحضانته
ودقائق حقائق بعثته
• وهجرته
● ولطائف معارف مغازيه وسراياه وبعوثه
وسیرته
مرتباً على السنين من حين نشأته إلى وقت وفاته ونقلته لرياض
روضته .
- ٥٣ -
[ توطئة ]
اعلم ياذا العقل السليم، والمتصف بأوصاف الكمال والتتميم -
وفقني الله وإياك بالهداية إلى الصراط المستقيم - أنه لما تعلقت إرادة
الحق تعالى بإيجاد خلقه، وتقدير رزقه، أبرز الحقيقة المحمدية من
الأنوار الصمدية(١)، في الحضرة الأحدية، ثم سلخ منها العوالم كلها،
علوها وسفلها، على صورة حكمه، كما سبق في سابق إرادته وعلمه،
ثم أعلمه تعالى بنبوته، وبشره برسالته، هذا وآدم لم يكن إلا - كما
قال - بين الروح والجسد، ثم انبجست منه الر عيون الأرواح،
فظهر / بالملأ الأعلى، وهو بالمنظر الأجلى، فكان لهم المورد الأحلى، ٥/ب
فهو رَّ الجنس(٢) العالي على جميع الأجناس، والأب الأكبر لجميع
الموجودات والناس(٣).
(١) المنسوبة للصمد، والإضافة للتشريف.
(٢) أي كالجنس.
(٣) على ما يأتي في حديث عبد الرزاق.
وأما ما ذكر أن الله قبض من نور وجهه قبضة، ونظر إليها، فعرقت وذلقت
فخلق الله من كل نقطة نبيا، وأن القبضة كانت هي النبي مثير، وأنه كان
كوكباً دريا، وأن العالم كله خلق منه وأنه كان موجوداً قبل أن يخلق أبواه، =
- ٥٥ -
ولما انتهى الزمان باسم الباطن في حقه وله إلى وجود جسمه،
وارتباط الروح به، انتقل حكم الزمان إلى الاسم الظاهر(١)، فظهر
محمد مرَله بكليته جسماً وروحاً، فهو بَّله وإن تأخرت طينته، فقد
عرفت قيمته، فهو خزانة السر، وموضع نفوذ الأمر، فلا ينفذ أمر إلا
منه، ولا ينقل خير(٢) إلا عنه، [ولله در القائل](٣):
ألا بأبي من كان ملكا وسيدا وآدم بين الماء والطين واقف
له في العلا مجد تليد وطارف (٤)
فذاك الرسول الأبطحي محمد
وكان له في كل عصر مواقف
أتى بزمان السعد في آخر المدى(٥)
فأثنت عليه ألسن وعوارف
أتى الانكسار الدهر(٦) يجبر صدعه
وليس لذاك الأمر في الكون صارف(٧)
إذا رام أمراً لايكون خلافه
= وأنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه جبريل، وأمثال هذه الأمور .. فقال
الحافظ أبو العباس أحمد بن تيمية في فتاويه، ونقله الحافظ ابن كثير في
تاريخه وأقره: كل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل العلم بحديثه، والأنبياء
كلهم لم يخلقوا من النبي رَّر، بل خلق كل واحد من أبويه.
(١) المناسب هنا أنهما وصفان لله، أي الظاهر وجوده لكثرة دلائله، أو
الغالب على كل شيء، من ظهر إذا غلب، والباطن حقيقة ذاته.
(٢) قال في هامش الأصل: وفي نسخة: خبر.
(٣) في ط .
(٤) الأبطحي: المنسوب إلى بطحاء مكة، تليد: قديم، طارف: حادث.
(٥) يعني: الزمان الأخير من أزمنة الأنبياء.
(٦) وفي نسخة: لانكسار الدين، من إضافة الصفة للموصوف، أي: الدين
أو الدهر المنكسر بعبادة غير الله.
(٧) هذا أمر لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى [المحقق].
- ٥٦ -
[سبق نبوته {{آلټ]
أخرج مسلم (١) في صحيحه(٢)، من حديث عبدالله بن عمرو
ابن العاصي(٣)، عن النبي وَ لَّ أنه قال: (إن الله عز وجل كتب مقادير
الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان
عرشه على الماء) (٤).
ومن جملة ما كتب في الذكر - وهو أم الكتاب - أن محمدا خاتم
النبيين.
وعن العرباض بن سارية (٥) عن النبي وَلّ قال: (إني عند الله
لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته) (٦) رواه أحمد (٧)،
(١) مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأعلام، مناقبه
شهيرة، أخذ عن البخاري - وشاركه في كثير من شيوخه - وأحمد وخلف،
وروى عنه كثيرون، مات سنة إحدى وستين ومئتين في رجب.
(٢) الذي صنفه من ثلاثمئة ألف حديث، كما نقلوا عنه، وهو يلي صحيح
البخاري، وتفضيله عليه مردود، وفي ألفية السيوطي:
ترتيبه وصنعه قد أحكما
ومن يفضل مسلما فإنما
(٣) عبدالله بن عمرو بن العاصي بن وائل السهمي، الصحابي ابن الصحابي
الزاهد العابد: أحد المكثرين الفقهاء، أسلم قبل أبيه، قال ابن حجر في
تقريبه: مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح، بالطائف على الراجح.
و((العاصي)) بالياء وحذفها. والصحيح الأول عند أهل العربية.
(٤) أخرجه مسلم في القدر، باب حجاج آدم وموسى برقم ٢٦٥٣ [م].
(٥) العِرْباض بن سارية السلمي، قديم الإسلام جداً، من البكائين، ومن أهل
الصفة، ونزل حمص، روى عنه خالد بن معدان، وأبو أمامة الباهلي،
وخلق، مات سنة خمس وسبعين، وقيل قبلها زمن فتنة ابن الزبير رضي الله
عنهم.
(٦) مسند الإمام أحمد ١٢٧/٤ [م].
(٧) الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبدالله، المروزي ثم =
- ٥٧ -
والبيهقي (١)، والحاكم (٢)، وقال: صحيح الإسناد.
وقوله: لمنجدل، يعني: طريحا ملقى على الأرض قبل نفخ
الروح فيه.
وعن ميسرة الضبي (٣) قال: قلت يارسول الله، متى كنت نبيا؟
قال: (وآدم بين الروح والجسد) هذا لفظ رواية الإمام أحمد (٤). ورواه
= البغدادي، أحد كبار الأئمة الحفاظ الطوافين، الصابر على البلوى، الذي
منَّ الله به على الأمة، ذو المناقب الشهيرة. وحسبك قول الشافعي،
شيخه: خرجت من بغداد فما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم
منه. ولد سنة أربع وستين ومائة، ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين.
(١) البيهقي: نسبة إلى بيهق: قرية بناحية نيسابور،
أحمد بن الحسين، الإمام الحافظ المشهور بالفصاحة والبراعة، سمع الحاكم
وغيره، وتصانيفه نحو ألف. قال الذهبي: ودائرته في الحديث ليست
كبيرة، بل بورك له في مروياته، وحسن تصرفه فيها، لحذقه وخبرته
بالأبواب والرجال، وأفتى بجميع نصوص الشافعي وخرج أحاديثها، حتى
قال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة، إلا البيهقي فله
على الشافعي منة، ولد سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين
وأربعمائة .
(٢) الإمام الحافظ الكبير، محمد بن عبدالله الضبي، أبو عبدالله، النيسابوري،
الثقة الثبت، المجمع على صدقه ومعرفته بالحديث حق معرفته. أكثر الرحلة
والسماع، حتى سمع بنيسابور من نحو ألف شيخ، وفي غيرها أكثر. ولد
سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات بنيسابور سنة خمس وأربعمائة، وتصانيفه
نحو خمسمائة .
(٣) مَيْسرة الضبي. كذا في النسخ، والذي في المسند: ميسرة الفَجْر.
قال الذهبي: صحابي من أعراب البصرة. يحتمل أنه ضبي ويلقب
بالفجر، فعدل المصنف عما في المسند لبيان نسبته،
(٤) الذي في المسند (عن ميسرة الفجر قال: قلت يارسول الله متى كتبت نبيا؟ =
- ٥٨ -
البخاري (١) في تاريخه(٢) وأبو نعيم (٣) في الحلية (٤)، وصححه الحاكم.
وأما ما اشتهر على الألسنة بلفظ: كنت نبيا وآدم بين الماء
والطين (٥). فقال شيخنا العلامة الحافظ أبو الخير السخاوي - نفع الله
بعلومه - في كتابه ((المقاصد الحسنة)): لم نقف عليه بهذا اللفظ. انتهى.
وقال الحافظ ابن رجب (٦)، في اللطائف: وبعضهم يرويه (٧):
= قال: وآدم عليه السلام بين الروح والجسد) المسند ٥٩/٥ [م].
(١) إمام الفن، محمد بن اسماعيل الجعفي، مناقبه كالشمس.
(٢) تاريخه الكبير، صنفه وعمره ثمان عشرة سنة، عند قبره وَله. قال ابن
عقدة: لو كتب الرجل ثلاثين ألفا ما استغنى عن تاريخ البخاري، وقال
السبكي: تاريخه لم يسبق إليه، ومن ألف بعده في التاريخ، أو الأسماء، أو
الکنی فعیال علیه .
(٣) أبو نعيم - بالتصغير، أحمد بن عبدالله الأصفهاني، الحافظ المكثر، أخذ عن
الطبراني وغيره، وعنه: الخطيب وغيره. مات بأصفهان سنة ثلاثين وأربعمئة
عن أربع وتسعين سنة. ذكره الذهبي.
(٤) كتاب حلية الأولياء، وطبقات الأصفياء.
(٥) وبقيته: وكنت نبيا ولا آدم ولا ماء ولا طين. وقد صرح السيوطي في الدر
بأنه لا أصل لهما، وسبقه لذلك الحافظ ابن تيمية فأفتى ببطلان اللفظين
وأنهما كذب وأقره في النور، واعتمد السخاوي نفسه كلام ابن تيمية في
وضع اللفظين
(٦) العلامة الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، الواعظ
المحدث الفقيه، البغدادي ثم الدمشقي، أكثر الاشتغال حتى مهر، وشرح
الترمذي والعلل له، وقطعة من البخاري، وله طبقات الحنابلة مات في
رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة .
(٧) أي حديث ميسرة.
- ٥٩ -
(متى كتبت) من الكتابة(١)، انتهى.
قلت: وكذا رويناه في جزء من حديث أبي عمرو، إسماعيل بن
نجيد(٢)، ولفظه: (متى كتبت نبيا؟ قال: كتبت وآدم بين الروح
والجسد).
فتحمل هذه الرواية مع رواية العرباض بن سارية على وجوب
نبوته وثبوتها، وظهورها في الخارج، فإن الكتابة تستعمل فيما هو
واجب. قال تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام﴾ (٣) و﴿كتب الله
لأغلبن﴾ (٤).
وعن أبي هريرة(٥) أنهم قالوا: يارسول الله، متى وجبت لك
(١) هذه الرواية هي المثبتة في مسند أحمد عن ميسرة كما أشرت في التعليق
عليها. انظر المسند ٥٩/٥ [م].
(٢) إسماعيل بن نُجَيْد بن أحمد بن يوسف النيسابوري السلمي، أحد الأئمة،
حدث عن الإمام أحمد وغيره، وصحب الجنيد والخيري.
حدث عنه خلق منهم: سبطه أبو عبد الرحمن السلمي، والحاكم،
والقشيري، ومات سنة ست وستين وثلاثمائة عن ثلاث وتسعين سنة.
(٣) سورة البقرة. الآية ١٨٣ .
(٤) سورة المجادلة. الآية ٢١ .
(٥) هريرة تصغير هرة، قيل: كناه بها المصطفى لأنه رآه وفي كمه هرة، وقيل:
المكني له غيره. قال ابن عبد البر: لم يختلف في اسم - في الجاهلية
والإسلام - مثل ما اختلف في اسمه .. ، وصحح النووي أنه: عبد
الرحمن بن صخر الدوسي.
أسلم عام خيبر، وشهد بعضها مع المصطفى، ثم لزمه حتى كان أحفظ
أصحابه، وأكثر المكثرين. ذكر بقي بن مخلد: أنه روى عنه وَلخير خمسة
آلاف حديث وثلاثمئة وأربعة وسبعين حديثاً، وتوفي بالمدينة سنة تسع
وخمسین.
- ٦٠ -