Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
بشكُوال من طريقه، وأبو الشيخ، والضياء، وأبو اليمن ابن عساكر
كلاهما(١) من طريق الدارقطني في ((الأفراد)) أيضاً، والديلمي في ((مسند
الفردوس)) وأبو نعيم، وسنده ضعيف، وهو عند الأزدي في ((الضعفاء))
من حديث أبي هريرة أيضاً، لكنه من وجه آخر ضعيف أيضاً.
قال أبو اليمن ابن عساكر بعد إيراده من طريق الدارقطني التي وقع
فيها قول سعيد بن المسيب ((أظنه عن أبي هريرة)): هكذا رُوي هذا
الحديث على الشك عن أبي هريرة، من طريق عون بن عُمارة، عن
السَّكن بن إبراهيم البُرْجُمي، عن الحجاج، عن سنان، عن علي بن
زيد، عن سعيد، ورواه غير عونٍ عن السَّكن، فقال: عن أبي ذرٍّ بدل
أبي هريرة من غير شك. انتهى. وأخرجه أبو سعد في ((شرف المصطفى))
من حديث أنس، فالله أعلم.
وفي لفظ عند ابن بَشْكُوال من حديث أبي هريرة أيضاً: ((من صلى
صلاة العصر من يوم الجمعة فقال قبلٍ أن يقوم من مكانه: اللهم صلِّ
على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلَّم تسليماً ثمانين مرةً غُفرت له
ذنوب ثمانين عاماً، وكتبت له عبادة ثمانين سنة)). ونحوه عن سهل كما
سيأتي(٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً رَفَعه - مما لم أقف على أصله - :
((اتّخذ الله إبراهيم خليلاً، وموسى نجيّاً، واتَّخذني حبيباً، ثم قال:
وعزَّتي وجلالي لأُوثرنَّ حبيبي على خليلي ونجييٍّ، فمن صلى عليَّ ليلة
جمعةٍ ثمانين مرةً غُفرت له ذنوبُ مئتي عامٍ متقدمةٌ ومئتي عامٍ متأخرةٌ)) .
وأحسبه غير صحيح، والله الموفق.
وعند الدارقطني مرفوعاً بلفظ: ((من صلَّى عليَّ يوم الجمعة ثمانين
(١) كذا في الأصول أيضاً.
(٢) في الصفحة التالية.

٣٨٢
مرةً غفر الله له ذنوب ثمانين سنة)) قيل: يارسول الله كيف الصلاةُ عليك؟
قال: ((تقول: اللهم صلِّ على محمدٍ عبدك ونبيك ورسولك، النبي
الأمي، وتعقدُ واحدةً)). وحسّنه العراقي ومِن قبله أبو عبد الله بن
النعمان، ويحتاج إلى نظر، وقد تقدم نحوه من حديث أنس قريباً(١).
وعن صفوان بن سُليم، أن النبي ◌َِّ قال: ((إذا كان يومُ الجمعة وليلةُ
الجمعة فأكثروا الصلاة عليَّ)) أخرجه الشافعي وهو مرسل.
وعن علي رضي الله عنه قال: من صلَّى على النبيِ وَ لاو يوم الجمعة
مئة مرة جاء يوم القيامة ومعه نورٌ لو قُسم ذلك النور بين الخلق كلِّهم
لوسعهم. أخرجه أبو نعيم في ((الحِلية)) وقال: غريب.
وعن سهل بن عبد الله قال: من قال في يوم الجمعة بعد العصر:
اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله وسلم ثمانين مرة غفرت له
ذنوب ثمانين عاماً. أخرجه ابن بشكوال.
وقد تقدم قريباً(٢) في حديث أبي هريرة معناه.
وعن أنس رضي الله عنه رفعه: ((من صلَّى عليَّ يوم الجمعة صلاةً
واحدةً صلى الله عليه وملائكته ألفَ ألفِ صلاةٍ، وكَتب له ألفَ ألفٍ
حسنةٍ، وحَطّ عنه ألف ألف خطيئةٍ، ورَفَع له ألفَ ألفِ درجةٍ في الجنة)).
ولم أقف على أصله، وأحسبه غير صحيح، بل أجزم ببطلانه.
وعن أبي عبد الرحمن المقرىء قال: بلغني أنَّ خلاد بن كثير كان في
النزْع فوُجِد تحت رأسه رقعةٌ مكتوب فيها: هذه براءةٌ من النار لخلاد بن
كثير، فسألوا أهله: ماكان عملُه؟ فقال أهله: كان يصلي على النبي اَلر
كلَّ يوم جمعة ألف مرة: اللهم صلَّ على محمد النبي الأمي، ويَروِي في
(١) صفحة ٣٨٠.
(٢) قبل حديثين.

٣٨٣
ذلك الحديثَ الماضي(١): ((من صلَّى عليَّ يوم الجمعة ألف مرةٍ لم يمت
حتى يرى مقعده من الجنة)) رواه أبو موسى المَديني، وذكره ابن النعمان
وغيره، ولم أقف على أصله(٢).
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب: أنِ انشُروا العلم يوم الجمعة، فإن
غائلةَ العلم النسيانُ، وأكثروا الصلاة على النبي ◌َّه يوم الجمعة. أخرجه
ابن وضّاح - وابن بشكُوال من طريقه - والنُّميري.
وعند ابن بشكوال من طريق ابن وضاح: بلغني أنه من قال عشية
خميسٍ بعد العصر: اللهم ربَّ الشهرِ الحرام، والمَشْعَر الحرام، والزُّكن
والمَقامِ، وربَّ الحِلِّ والحرام، أَقْرِىءْ محمداً مني السلام، إلا بعث الله
ملكاً يبلُّغه عنه يقول: إن فلان ابن فلان يبلِّغك السلام.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي وَل قال: ((مامن مؤمن
يصلِّي ليلةَ الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعةٍ بعد الفاتحة خمساً وعشرين
مرةً ﴿قل هو الله أحد﴾ ثم يقول ألف مرةٍ: صلَّى الله على محمد النبي
الأمي، فإنه لا تتمُّ الجمعةُ القابلةُ حتى يراني في المنام، ومن رآني غَفر
الله له الذنوب)) أخرجه أبو موسى المَديني، ولا يصح.
ويُروَى عن ابن عباس رضي الله عنهما رَفَعه: ((من قال ليلة الجمعة
عشر مرارٍ: يا دائمَ الفضل على البَرِيّة، يا باسط اليدين بالعطية،
يا صاحب المواهب السَّنية، صلِّ على محمدٍ خير الورى بالسَّجية،
واغفر لنا ياذا العُلى في هذه العشية، كتب الله عزَّ وجل له مئة ألفِ ألفٍ
حسنةٍ، ومحا عنه مئة ألف ألف سيئةٍ، ورفع له مئة ألف ألف درجةٍ، فإذا
كان يوم القيامة زاحم إبراهيمَ الخليل في قُبَّته)). أخرجه أبو موسى
المديني، وهو مكذوب.
(١) من حديث أنس صفحة ٢٦٧.
(٢) هذه الجملة الأخيرة من أ فقط.

٣٨٤
وعند أبي موسى بسند باطل عن عليّ رضي الله عنه: من صلَّى على
النبي ◌ّل بهؤلاء الكلمات في كل يوم ثلاث مرات، ويوم الجمعة مئة
مرة، وهي: صلوات الله وملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على
محمد وآل محمد، وعليه وعليهم السلامُ، ورحمةُ الله وبركاته، فقد
صلَّى عليه بصلاة جميع الخلائق، وحُشر يوم القيامة في زمرته، وأخذ
بیده حتى يدخله الجنة.
وفي ((الحِلْية)) لأبي نعيم: أن إبراهيم بن أدهم كان يدعو كل صباح
جمعةٍ بدعاء، فذكره، وفيه: وصلَّى الله على محمد وعلى آله وسلّم
كثيراً، خاتم كلامي ومفتاحه، وعلى أنبيائه ورسله أجمعين، آمين رب
العالمين، اللهم أورِدْنا حوضه، واسقِنا بكأسه مشرباً رَويّاً سائغاً هنياً، لا
نظماً بعده أبداً، واحشرنا في زمرته، غيرَ خزايا ولا ناكثين، ولا مرتابين،
ولا مقبوحين، ولا مغضوبٍ علينا ولا ضالين.
فإذا عرفتَ هذا: فأكثر من الصلاة على النبي المختار، والهَجْ بذكرها
في العشيّ والإبكار، وخُصَّ يوم الجمعة منها بمزيد الأذكار، لتلبَسَ من
ضيائها أصفى شِعار، وتنال بها العزَّ والافتخار، صلى الله عليه وسلم
تسليماً كثيراً إلى يوم القرار.
١٤- وأما الصلاة عليه في يوم السبت والأحد: فعن حذيفة رضي الله
عنه رَفَعه قال: ((أكثروا من الصلاة عليَّ في يوم السبت، فإن اليهود تُكثر
من سبِّي فيه، فمن صلَّى عليَّ فيه مئة مرةٍ فقد أعتق نفسه من النار،
وحلَّت له الشفاعة فيُشفَّع يوم القيامة فيمن أحبَّ، وعليكم بمخالفة الروم
في يوم الأحد)) قالوا: يا رسول الله! وفي أي شيء نخالف الروم؟ قال:
((في يومٍ يدخلون كنائسَهم ويعبدون الصُّلبان ويسبّوني، فمن صلَّى
الصبح من يوم الأحد وقعد يسبِّح الله حتى تطلع الشمس ثم صلَّى
ركعتين بما فتح الله عليه، ثم صلىَّ عليَّ سبع مراتٍ واستغفر لأبويه
ولنفسه وللمؤمنين، غُفِر له ولأبويه، وإن دعا استجاب الله له، وإن سأل
خيراً أعطاه الله إياه).

٣٨٥
وفي لفظ آخر: ((من صلى ليلة الأحد عشرين ركعةً يقرأ في كل ركعةٍ
﴿الحمد لله﴾ مرةً و﴿قل هو الله أحدٌ﴾ خمسين مرةً، والمعوِّذتين مرةً،
ثم يستغفرُ الله مئة مرةٍ لنفسه ولوالديه، ويصلِّي عليَّ مئة مرةٍ، ويتبرأ من
حوله وقوَّته، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن آدم صفوةُ الله
و
وفِطرته، وإبراهيم خليله، وموسى كليمه، وعيسى روح الله، ومحمداً
حبيب الله، كان له من الثواب بعدد من ادَّعى الله ولداً، ومن لم يَدَّع
ذلك، ويبعثه الله يوم القيامة مع الآمنين، وكان حقاً على الله أن يُدخلهَ
الجنة مع النبيين)) هكذا ساقه جبر القرطبي في كتابه في ((الصلاة النبرية))
وعزاه إلى ((السِّراج الواضح)) للحسن البصري.
قلت: وآثار الوضع عليه لائحة، ولا قوة إلا بالله.
١٥- وأما الصلاة عليه ليلةَ الاثنين والثلاثاءِ: فقد ذكر أبو موسى
المَديني في كتاب ((وظائف الليالي والأيام)) والغزالي في ((الإحياء)) له،
كلاهما بلا إسناد، عن الأعمش، عن أنس رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَله: ((من صلَّى ليلة الاثنين أربع ركعات يقرأ في كلِّ ركعةٍ
منها ﴿الحمد لله﴾ مرةً، و﴿قل هو الله أحد﴾ في الأولى إحدى عشر
مرة، وفي الثانية إحدى وعشرين، وفي الثالثة ثلاثين، وفي الرابعة
أربعين، ثم سلَّم، وقرأ ﴿قل هو الله أحدٌ﴾ خمساً وسبعين، واستغفر
لنفسه ولوالديه خمساً وسبعين، وصلَّى على محمدٍ وَلِّ خمساً وسبعين،
ثم يسأل الله حاجته كان حقاً على الله أن يعطيه ما سأل)) وهي تسمى
صلاة الحاجة .
وروى المديني أيضاً في كتابه المذكور بسند فيه مَن اُّهم بالكذب من
طريق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله وَل:
((من صلَّى ليلة الثلاثاء أربع ركعاتٍ بعد العتمةِ قبل أن يوتر، يقرأ في كل
ركعةٍ ﴿الحمد لله﴾ مرةً، و﴿قل هو الله أحد﴾ ثلاث مرات، و﴿قل أعوذ
برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ مرةً مرةً، فإذا فرغَ استغفرَ

٣٨٦
خمسين مرةً، وصلَّى على النبيِ وَّ خمسين مرةً، يبعثه الله عز وجل يوم
القيامة ووجهُه يتلألأ نوراً)) وذكر ثواباً كثيراً.
١٦- وأما الصلاة عليه في الخُطَب - كخُطبة الجمعة والعيدين
والاستسقاء والكسوفَيْن، وغيرها -: فقد اختلف في اشتراطها لصحة
الخُطبة، فقال الإمام الشافعي وأحمد في المشهور من مذهبهما: لا تصح
الخُطبة إلا بالصلاة على النبي ◌َّر، وقال أبو حنيفة ومالك: تصح
بدونها، وهو وجه في مذهب أحمد.
ثم اختلف في وجوبها في الثانية أيضاً، ومذهب الشافعي الوجوب
فيهما، واستدل للوجوب: بأن كلَّ عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى
افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان، وبقوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ وتفسير
ابن عباس لذلك بقوله: فلا يُذكر إلا ذُكر معه، وقول قتادة: رفع الله
ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيبٌ ولا متشهِّدٌ ولا صاحبُ صلاة إلا
ابتدأها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله.
وفي الاستدلال بهذا نظر، لأن ذكره وَال هو الشهادة له بالرسالة إذا
شهد لمُرسله بالوحدانية، وهذا هو المشروع(١) في الخطبة قطعاً، بل
هو ركنها الأعظم، لقوله: ((كل خُطبةٍ ليس فيها تشهُّد فهي كاليد
الجَذْماء)»(٢).
لكن الدليلُ على مشروعية الصلاة على النبي ◌َّ في الخطبة: ماروي
عن عَون بن أبي جُحَيفة قال: كان أبي من شُرَط عليّ رضي الله عنهما،
وكان تحت المنبر، فحدثني - يعني - عن علي رضي الله عنه: أنه صعِد
المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وصلَّى على النبيِ وَلَ، وقال: خيرُ هذه
(١) في أ فقط: الواجب، وهو لفظ ابن القيم في ((جلاء الأفهام)) ص٢٨٤، والبحث
مأخوذ منه.
(٢) رواه أبو داود (٤٨٠٨)، والترمذي (١١٠٦) وقال: حسن صحيح غريب، لكن
عند المزي في ((تحفة الأشراف)) (١٤٢٩٧): حسن غريب. والجذماء: المقطوعة.

٣٨٧
الأمةِ بعد نبيِّها أبو بكر، والثاني عمر، وقال: يجعل الله الخير حيث
شاء. أخرجه أحمد(١).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنه كان يقول بعدما يفرغ من
خطبة الصلاة ويصلّي على النبي ◌َِّ: اللهم حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّته في
قلوبنا، وكرِّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هو الراشدون.
اللهم بارك لنا في أسماعنا، وأزواجنا، وقلوبنا، وذريتنا. أخرجه
التُّميري ومحمد بن الحسن بن صَقْر الأسدي.
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه قام على المنبر فحمد الله،
وأثنى عليه حمداً موجزاً، وصلى على النبي بََّ، ووعظ الناس فأمرهم
ونهاهم. رواه الدارقطني من طريق ابن لَهِيعة.
وعن ضَبَّة بن مِحْصَن، أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان إذا
خطب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي بَّ دعا لعمر، فأنكر عليه
ضَبَّهُ الدعاء لعمر قبل الدعاء لأبي بكر رضي الله عنه، فرَفَع ذلك لعمر،
فقال لضَبَّة: أنت أوفقُ منه وأرشدُ.
قلت: قال ابن القيم: فدلَّ هذا على أن الصلاة على النبي ◌َّ في
الخُطب كان أمراً مشهوراً معروفاً عند الصحابة. وأما وجوبها فلم نَرَ فيه
دليلاً يجب المصير إلى مثله. انتهى.
(١) إذا أطلق العزو إلى الإمام أحمد، أو إلى ((المسند)): فالمراد به: أنه من رواية
الإمام أحمد نفسه، أما هذا فمن رواية ابنه عبدالله من زوائده في المسند، وقد يقع
في النسخ اختلاف: هل الحديث من رواية عبدالله، عن أبيه، أو عن غيره فيكون
من زوائد عبدالله؟ فكأن في نسخة المصنف شيئاً من هذا، والله أعلم.
وللحديث طرق عند عبدالله من رواية زرّ بن حبيش، والشعبي وأبي إسحاق
السَّبيعي كلُّهم عن أبي جحيفة وهب بن عبدالله السُّوَائي، عن علي رضي الله
عنهما، انظرها في («المسند» ١١٠،١٠٦:١، أما رواية عون هذه عن أبيه فهي في
١ :٠١٠٦

٣٨٨
وقرأت في مصنَّف المجد اللغوي(١) رحمه الله: ويمكن أن يقال:
إنما اعتمد الشافعي فيه على فعل الخلفاء الراشدين ومَن بعدهم، فإنه لم
يُنقل عن أحد منهم - ولا ممن بعدهم - خُطبة في أمر مهمٌّ، فضلاً عن
الجمعة، إلا بدأ فيها بالحمد والصلاة، وكان السلف يسمّون الخطبة
بغير الصلاة على النبي مقلية: البتراء.
قلت: وفي ((الصحاح)) مانصُّه: وخطب زياد خطبته البتراء، لأنه لم
يَحمد الله فيها، ولم يصلِّ على النبي ◌َّ. ونحوه في ((النهاية)) لابن
الأثير(٢)، والله أعلم.
قال أصحابنا: وكما أن الصلاة ركن في الخطبة الواجبة فكذلك هي
ركن في المستحبّة، كخُطبتي العيدين والكسوفين، ولم يتعرضوا
الاشتراطها في خُطَب الحج(٣).
قال الشافعي في ((الأم)): ويَخطب الإمام في الاستسقاء خطبتين، كما
يخطب في صلاة العيد، يكبّر الله فيهما ويحمده ويصلي على النبي وَّر،
والله أعلم.
وقد رُوي عن محمد بن عبدالله بن عبدالحكم قال: خطبنا أمير بالمدينة
يوم الجمعة فأنَّسِيَ الصلاةَ على النبي ◌َّرَ، فلما انقضت خطبته ونهض
إلى الصلاة، صاح الناس عليه من كل جانب! فتقدم إلى مصلاه فأتمّ
الصلاة، فلما قضاها كرَّ راجعاً إلى المنبر فرقِيَه، وقال: أيها الناس إن
الشيطان لا يَدَعُ أن يَكيدَ ابنَ آدم في كل وقت، وقد كادنا في يومنا هذا،
فأنسانا الصلاة على نبينا وَّةِ، فأرغِموا أنفَه بالصلاة عليه، اللهم صلِّ على
محمد كثيراً، كما تحبُّ وترضى أن يصلَّى عليه. أخرجه ابن بشگوال.
(١) ((الصِّلات والبُشَر)) ص٩٤- ٩٥، ومابين المعترضتين زيادة ليست من المصنّف.
((الصحاح)) ٢: ٥٨٤، و((النهاية)) ١ :٩٣.
(٢)
(٣) وهذه الفقرة أيضاً من كتاب ((الصلات والبشر)) ص٩٥.

٣٨٩
قلت: وقد اختلف في وجوب الصلاة على الآل أيضاً، والوجه
الاستحبابُ، والله أعلم.
وعن أبي إسحاق - يعني السَّبيعي - أنه رآهم يستقبلون الإمام إذا
خطب، ولكنهم لا يسبِتُونَ(١)، إنما هو قِصص وصلاة على النبي الَّ.
أخرجه إسماعيل القاضي. وهذا يَحتمل أن يكون لبعدهم عنه بحيث لم
يتمكنوا من سماعه، أو لغير ذلك، مما لا يتضمَّن معه إغفال مشروعية
السماع.
١٧- وأما الصلاة عليه في أثناء تكبيرات صلاة العيد: فمستحب، لِما
رُوِّينا عن علقمة، أن ابن مسعود وأباموسى وحذيفة رضي الله عنهم خرج
عليهم الوليد بن عقبة قبل العيد يوماً، فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا
فكيف التكبيرُ فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرةً تفتتح بها الصلاة
وتحمد ربك، وتصلِّ على النبي ◌َِّ، ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل
ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبّر، ثم تركع، ثم تقوم
وتقرأ وتحمدُ ربك، وتصلِّي على النبي ◌َِّ، ثم تحمد ربك وتدعو
وتكبّر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تركع، فقال
حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن. أخرجه إسماعيل القاضي
وإسناده صحيح.
وهو عند ابن أبي الدنيا في ((كتاب العيد)) له من حديث علقمة، عن
ابن مسعود قال: تكبِّر تكبيرةً تدخل بها في الصلاة، وتحمد ربك،
وتصلي على النبي ◌َّة، وتدعو، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك.
وبه تمسّك أبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه في الموالاة بين
القراءتين. وأبو حنيفة فقط في تكبيرات العيد الزوائد ثلاثاً، ثلاثاً.
(١) هكذا في الأصول، والضبط من ب، وهكذا في كتاب إسماعيل القاضي (١٠٥)
وواضح من كلام المصنف أن معناها: لا يسكتون، وينظر هل في اللغة مايساعد
على صحة هذا المعنى لهذا الرسم؟.

٣٩٠
والشافعي وأحمد في حَمْد الله والصلاة على رسول الله وَله بين
التكبيرات، وأما مالك فلم يأخذ به أصلاً، ووافقه أبو حنيفة على
استحباب سرد التكبيرات من غير ذكرٍ بينها. رضي الله عنهم أجمعين.
وأخرج ابن أبي الدنيا في ((كتاب العيد)) أيضاً عن عطاء قال: بين كل
تكبيرتين سكتة، يحمد الله، ويصلِّي على النبي ◌َّ في صلاة العيد.
١٨- وأما الصلاة عليه في الصلاة على الجنازة: فلا خلاف في
مشروعيتها في الجنازة بعد التكبيرة الثانية.
واختلف في توقُّف الصلاة عليها، فقال الشافعي وأحمد في المشهور
من مذهبهما: إنها واجبة في الصلاة - يعني على الإمام والمأموم - لا
تصح إلا بها، وهو مرويّ عن جماعة من الصحابة، كما سأذكره. وقال
مالك وأبو حنيفة: ليست بواجبة، وهو وجه لأصحاب الشافعي،
ويستحب أن يصلَّى عليه في الجنازة كما يصلَّى عليه في التشهد.
والدليل على مشروعيتها في الجنازة: مارُوِّينا عن أبي أمامة بن سهل
ابن حُنيف - وله إدراك - (١) أنه أخبره رجل من الصحابة أن السنة في
الصلاة على الجنائز أن يكبّر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة
الأولى سراً في نفسه، ثم يصلِّي على النبي ◌ََّ، ويُخْلص الدعاء للجنازة
في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سراً. أخرجه إسماعيل
القاضي والشافعي - وهذا لفظه - والبيهقي من طريقه، وضُعِّفَت روايةٌ
الشافعي بمطرّف، لكنْ قوّاها البيهقي بما رواه في ((المعرفة)) من طريق
عبيد الله بن أبي زياد الرُّصافي، عن الزُّهري، بمعنى رواية مُطرّف.
ورواه في ((السنن))، وكذا الحاكم في ((صحيحه))، من طريق يونس،
عن ابن شهاب الزهري، أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف - وكان من
كبراء الأنصار وعلمائهم، ومن أبناء الذين شهدوا بدراً مع رسول الله
(١) أي: للنبي ◌َّ، فهو صحابي صغير رضي الله عنه.

٣٩١
وَ ◌ّ - أنه أخبره رجال من أصحاب رسول الله وَله في الصلاة على
الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يصلِّي على النبي ◌ََّ، ويخلصَ الدعاء في
التكبيرات الثلاث، ثم يسلمَ تسليماً خفياً حين ينصرف.
قال الزهري: حدثني بذلك أبو أمامة، وابن المسيب يسمعُ فلم يُنكر
ذلك علیه .
قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبرني أبو أمامة من السنة في الصلاة
على الميت لمحمد بن سُويد فقال: وأنا سمعت الضَّحاك بن قيس
يحدث عن حبيب بن مسلمة في صلاةٍ صلاها على الميت مثلَ الذي
حدثنا أبو أمامة.
وقال إسماعيل القاضي في ((كتاب الصلاة)) له فيما رواه بسنده عن
معمر، عن الزهري، أنه سمع أبا أمامة يحدِّث سعيد بن المسيب، قال:
إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب، ويصلي على
النبي ◌َّ، ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ، ولا يقرأ إلا مرة
واحدة، ثم يسلّم. وأخرجه ابن الجارود في ((المنتقى)) والنميري كلاهما
من طريق عبد الرزاق، عن معمر، ورجال هذا الإسناد مخرّج لهم في
الصحيحين، لكن قال الدارقطني: وهم فيه عبد الواحد بن زياد، فرواه
عن معمر، عن الزهري، عن سهل بن سعد، والله أعلم.
وقوله ((يُخلص الصلاة)) (١): أي يرفع صوته في صلاته بالتكبيرات
الثلاث .
وعند البيهقي من طريق أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، عن عُبيد بن
السبّاق قال: صلى بنا سهل بن حنيف على جنازة، فلما كبّر التكبيرة
(١) في الروايات المتقدمة: ((يخلص الدعاء)) بمعنى: لا يَشوبه ولا يخلط به شيئاً من
القرآن، لكن هكذا جاءت الرواية عند الفيروزأبادي ص٩٥: ((وتخلص الصلاة))
وعزاها للبيهقي ٣٩:٤، ثم فسَّرها كما هنا، والمصنف يأخذ منه. مع أن رواية
البيهقي - وأصلها للإمام الشافعي في ((الأم) ١: ٢٧٠ - فيها: ((ويخلص الدعاء)).

٣٩٢
الأولى قرأ بأم القرآن حتى أسمع من خلفه، ثم تابع تكبيره حتى إذا
بقيتْ تكبيرة واحدة تشهَّد بتشهد الصلاة، ثم كبّر وانصرف.
وعن أبي هريرة، أن عبادة بن الصامت رضي الله عنهما سأله عن
الصلاة على الميت، فقال: أنا والله أخبرك، تبدأ فتكبر، ثم تصلي على
النبي ◌َّ وتقول: اللهم إن عبدك فلاناً كان لا يشركُ بك شيئاً، أنت أعلمُ
به إن كان محسناً فَزِدْ فِي إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوزْ عنه. اللهم
لا تَحرِمنا أجره، ولا تُضلَّنا بعده. أخرجه البيهقي في («سننه» هكذا.
وعند مالك - وإسماعيل القاضي من طريقه - عن أبي هريرة، أنه
سئل كيف تصلِّي على الجنازة؟ فقال: أَتْبَعُها من أهلها، فإذا وُضعت
كَبَّرت وحمدت الله، وصليت على نبيه وَّة، ثم أقول: اللهم إنه عبدك
وابن عبدك وابن أَمَتك، كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمداً عبدك
ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم إن كان محسناً فَزِدْ في إحسانه، وإن
كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته، اللهم لا تَحرِمنا أجره، ولا تَفْتَنّا بعده.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبّر،
ثم اقترأ بأم القرآن رافعاً صوتَه بها، ثم صلى على النبي ◌َّ، ثم قال:
اللهم عبدُك وابنُ عبدك وابنُ أَمَتك، يشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، ويشهد أن محمداً عبدك ورسولك، أصبح فقيراً إلى رحمتك
وأصبحتَ غنياً عن عذابه، تخلَّى عن الدنيا وأهلها، إن كان زاكياً فزكِّه،
وإن كان مخطئاً فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلَّنا بعده، ثم
كبَّر ثلاث تكبيرات، ثم انصرف. فقال: ياأيها الناس إني لم أقرأ عليها
إلا لتعلموا أنها سنة. أخرجه البيهقي، وسنده ضعيف.
وفي تاسع (أمالي ابن سَمعون)) من طريق سعيد المقبري، عن أخيه
عبَّادٍ قال: صليت مع ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة، فقرأ فاتحة
الكتاب، ثم صلى على النبي ◌َّة، ثم صلى على صاحبنا فأحسن
الصلاة، فلما فرغ قال: إنما جَهَرت لتعلموا أنه هكذا.

٣٩٣
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه كان إذا أَتَيُ بجنازة استقبلَ
الناس، وقال: يا أيها الناس سمعت رسول الله وَّه يقول: ((كلُّ مئةٍ
أمةٌ)) (١) ولن تجتمع مئةٌ لميتٍ فيجتهدون له في الدعاء إلا وهبَ اللهُ له
ذنوبه لهم، وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم، فاجتهدوا في الدعاء، ثم
يستقبل القبلة، فإن كان رجلاً: قام عند منكبه، وإن كانت امرأة: قام
عند وسطها، ثم قال :
اللهم عبدكُ وابنُ عبدك، أنتَ خلقته وأنت هديته للإسلام، وأنت
قبضت روحه، وأنت أعلم بسريرته وعلانيته، جئنا شُفعاءَ له، اللهم إنا
نستجير بحبل جوارك له، فإنك ذو وفاءٍ وذو رحمةٍ، أَعِذْه من فتنة القبر
وعذاب جهنم، اللهم إن كان محسناً فَزِدْ في إحسانه، وإن كان مسيئاً
فتجاوز عن سيئاته، اللهم نوِّرِّ له في قبره وألحقه بنبيه وَله .
قال: يقول هذا كلما كبّر، وإذا كانت التكبيرة الأخيرة قال مثل ذلك،
ثم يقول: اللهم صلِّ على محمدٍ، وبارك على محمدٍ، كما صليت
وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، اللهم صلِّ على
أسلافنا وأفراطنا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين
والمؤمنات، الأحياء منهم والأمواتِ. ثم ينصرف.
وكان - يعني ابن مسعود - يُعَلِّمُ هذا في الجنائز وفي المجلس، وقيل
له: كان رسول الله ◌َ لا يقف على القبر ويقول إذا فُرِغ منه؟ قال: نعم،
كان إذا فُرِغ منه وقفَ عليه ثم قال: ((اللهم نزل بك صاحبنا وخلّف الدنيا
وراء ظهره، ونعم المنزولُ به. اللهم ثبّت عند المسألة منطقه، ولا تسأله
في قبره مالا طاقةً له به، اللهم نوِّر له في قبره، وألحقه بنبيه. صلى الله
عليه وسلم كلما ذُكِر. أخرجه أبو ذر الهَرَوي، والنُّمَيري من طريقه.
(١) هذا هو اللفظ النبوي فقط، فيما أظن، والله أعلم.

٣٩٤
وقال في ((مسائل عبد الله بن أحمد)) عن أبيه رحمه الله أنه (١) كان
يصلِّي على النبي ◌َّ ويصلي على الملائكة المقرَّبين.
وقال القاضي إسماعيل: ويقول: اللهم صلِّ على ملائكتك المقربين،
وأنبيائك والمرسلين، وأهل طاعتك أجمعين، من أهل السموات
والأرضين، إنك على كل شيء قدير.
وعن مجاهد، في الصلاة على الجنازة، قال: تكبر، ثم تقرأ بأم
القرآن، ثم تصلي على النبي ◌َّ، ثم تقول: اللهم عبدك فلان أنت
خلقتَه، إنْ تُعاقبه فبذنبه، وإن تغفرْ له فأنت الغفور الرحيم، اللهم صعِّد
روحه في السماء، ووسِّع عن جسده في الأرض، اللهم نوِّرِّ له في قبره،
وافسَحْ له في الجنة، واخلُفْه في أهله، اللهم لا تُضِلَّنا بعده، ولا تَحرِمنا
أجره، واغفر لنا وله. أخرجه الطبراني في ((الدعاء)).
وعن أم الحسن: أنها دُعيت إلى ميت يُنازع فقالت لها أم سلمة: إذا
حضرتيه فقولي: السلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. رواه
الطبراني في ((الدعاء)) أيضاً.
وعنده أيضاً، عن بكر بن عبد الله المُزَني قال: إذا غمضتَ الميت
فقل: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله وَ ل﴾. انتهى.
وإنما ذكرت هذا تبعاً لمن ذَكَر الذي بعده.
١٩- وأما الصلاة عليه عند إدخال الميت القبر: فقد ذكره بعضهم،
واستدلَّ له بما رواه أبو داود والترمذي وحسّنه، من حديث عبد الله بن
عمر رضي الله عنهما، أن النبي وم لتر كان إذا وَضَع الميت في القبر قال:
((بسم الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم)) انتهى. وليس في
هذا دلالة على ذلك كما ترى، وبالله التوفيق.
٢٠- وأما الصلاة عليه في رجب: فلا يصح فيها شيء، وفي
(١) أي الإمام أحمد، انظر ((المسائل)) المذكورة ٤٦٩:٢.

٣٩٥
((موضوعات ابن الجوزي))(١) عن أنس في حديث: ((وما من أحد يصوم
أولَ خميس من رجب ثم يصلي فيما بين العشاء والعَتَمة - يعني ليلة
الجمعة - اثنتي عشرة ركعة، - وذكر ما يقرأ فيها - وإذا فرغ صلى عليَّ
سبعين مرة يقول: اللهم صلِّ على محمد النبي الأمي وعلى آله، ثم
يَسأل الله حاجته فإنها تقضى))، وذكر ثواباً جمّاً.
وفيها عن أنس أيضاً رَفَعه: ((من صلى ليلة النصف من رجب أربع
عشرة ركعة، فإذا فرغ صلى عليَّ عشر مرات)) وذكر حديثاً فيه ثواب
کثیر .
وعند البيهقي عن أنس أيضاً رَفَعه(٢): ((من صلى في ليلة لثلاث بقينَ
من رجب اثنتي عشرة ركعةً ثم يقول، - وذكر تسبيحاً وتهليلاً وغير
ذلك - قال: ويصلي على النبي ◌َل مئة مرة، ويدعو بما شاء من الدنيا
والآخرة إلا استجیب)).
قلت: ولم أُورد هذا وشبهَه إلا للتنبيه على وَهَائه، والله المستعان.
٢١- وأما الصلاة عليه في شعبان: فعَقَد له ابن أبي الصيف اليمني
الفقيه في جزء له في ((فضل شعبان))(٣) باباً وقال فيه: رُوي عن جعفرٍ
الصادق رضي الله عنه أنه قال: من صلى على النبي وَلّ في شعبان كلّ
يوم سبع مئة مرة يوكُّل الله تعالى ملائكة ليوصلوها إليه، وتفرح روح
محمد ◌َيّر بذلك، ثم يأمر الله تعالى أن يستغفروا له إلى يوم القيامة.
(١) ذكر هذا والذي بعده برقم (١٠٠٩،١٠٠٨) وهذا هو الحديث الذي يذكره بعضهم
في صلاة الرغائب.
(٢) في ((شعب الإيمان)) ٧ (٣٥٣١)، و((فضائل الأوقات)) (١٢)، وفي إسناده محمد بن
الفضل بن عطية، وأبان بن أبي عياش، مثَّهمان متروكان.
ورواه فيهما أيضاً عن سلمان الفارسي رضي الله عنه من طريق خالد بن الهياج بن
بسطام، عن أبيه، وخالد يروي عن أبيه منكرات شديدة.
(٣) في الصفحة الثالثة من الجزء الذي تقدم وصفه صفحة ٩٩.

٣٩٦
ثم قال(١): ورُوي عن طاوس اليماني أنه قال: سألت الحسن بن
علي رضي الله عنهما عن ليلة الصَّكِّ - يعني ليلة النصف من شعبان -
وعن العمل فيها فقال: أنا أجعلها أثلاثاً، فثلُثٌ أصلي فيه على جدّي
النبي ◌َّه ائتماراً لأمر الله عزّ وجلّ حيث يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا
صلوا عليه وسلِّموا تسليماً﴾، وثلُث أستغفر الله تعالى فيه مثنى مثنى،
لقوله تعالى ﴿وما كان الله معذِّبَهم وهم يستغفرون﴾ [الأنفال: ٣٣]،
وثلثٌ أركع فيه وأسجدُ، ائتماراً لقوله تعالى: ﴿واسجُدْ واقترِبْ﴾.
فقلت: وما ثوابُ من فعل ذلك؟ قال: سمعت أبي يقول: قال النبي
وَلَّه: ((من أحيا ليلة الصَّكِّ كُتب من المقرّبين)) يعني الذين في قوله
تعالى: ﴿فأما إن كان من المقربين﴾ [الواقعة: ٨٨].
قلت: ولم أقف لذلك على أصل أعتمده، والله أعلم.
٢٢- وأما الصلاة عليه فيما ذُكر من أعمال الحج: فعن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه أنه خطب الناس بمكة فقال: إذا قدم الرجل منكم
حاجاً فليطُفْ بالبيت سبعاً، وليصلِّ عند المقام ركعتين، ثم ليبدأ بالصفا
فيستقبلَ البيتَ فيكبّرَ سبع تكبيرات بين كل تكبيرتين حمداً لله وثناء عليه
وصلاةً على النبي وَّر، ومسألةً لنفسك، وعلى المروة مثل ذلك.
أخرجه البيهقي وإسماعيل القاضي وأبو ذر الهروي وإسناده قوي،
وصححه شيخنا، وهو عند سعيد بن منصور بمعناه.
٢٣- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يكبّر على الصفا ثلاثاً
ويقول: لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد، وهو
على كل شيء قدير، ثم يصلّي على النبي وَّ، ثم يدعو ويطيل القيام
والدعاء، ثم يفعل على المروة مثل ذلك. أخرجه إسماعيل القاضي.
٢٤- وعن القاسم بن محمد - وهو ابن أبي بكر الصديق رضي الله
(١) في آخر الجزء المذكور.

٣٩٧
عنه - قال: كان يُستحبّ للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي
وَل د. رواه الدار قطني والشافعي وإسماعيل القاضي، وسنده ضعيف.
٢٥- وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا أراد أن يستلمَ الحَجَر
قال: اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، واتباعَ سُنّةٍ نبيك، ويصلي
على النبي ◌َّ ويستلمه. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) ورجاله رجال
الصحيح، وأبو ذر الهروي، ومن طريقه النميري، ورواه الواقدي في
((مغازيه)) مرفوعاً، والأول أصح.
وعن ابن جُريج: أُخبرتُ أن بعض أصحاب النبي ◌َّ قال: يارسول الله!
كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: ((قولوا: بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً
بك، وتصديقاً بما جاء به محمد ◌ََّ)). أخرجه الشافعي في ((الأم)) عن
سعيد - يعني ابن سالم القدّاح - عنه، بهذا.
وقال الحَلِيمي في ((منهاجه)): قال سفيان بن عيينة: سمعت الناس
أكثر من سبعين سنةً وهم يقولون في الطواف: اللهم صلِّ على محمد
وعلى أبينا إبراهيم. قال الحليمي: وهذا إنما يقوله ولد إبراهيم، فأما
من لم يكن من ولده، فليقل: اللهم صلِّ على محمد نبيك وإبراهيم
خليلك. قال: وهذا حسن، لأن المناسك كلها إرثُ إبراهيم عليه
السلام، والبيت من بنائه، وتلبية الناس إجابةٌ لدعائه.
٢٦- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلقوله :
((مامن عبدٍ يقف بالموقف عشيَّةَ عرفة فيقرأ بأم الكتاب مئة مرةٍ و﴿قل هو
الله أحد﴾ مئة مرة، ويقول: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ،
كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، مئة
مرة، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
الحمد، بيده الخير، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، مئة مرة،
إلا قال الله عز وجلَّ: يا ملائكتي ما جزاء عبدي هذا: سبَّحني وهلَّني

٣٩٨
ونَسَبَني(١)، وأثنى عليَّ وصلى على نبيّ؟! اشهدوا يا ملائكتي أني قد
غفرت له، وشفَّعته في نفسه، ولو سألني عبدي أن أُشفِّعه في أهل
الموقف لشفّعته)). أخرجه الديلمي في ((مسند الفردوس)) له.
وهو عند البيهقي في ((شُعب الإيمان)) و((فضائل الأوقات)) بلفظ:
((مامن مسلم يقف عشيةَ عرفةَ بالموقف فيستقبلُ القبلة بوجهه، ثم يقول:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل
شيء قدير، مئة مرة، ثم يقرأ ﴿قل هو الله أحد﴾ مئة مرة، ثم يقول:
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى
آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ، وعلينا معهم، مئة مرة، إلا قال الله تبارك
وتعالى: ياملائكتي، ماجزاءُ عبدي هذا: سبّحني وهلّلني وكبرني
وعظَّمني وعرَّفني وأثنى عليَّ وصلى على نبيّي، اشهدوا أني قد غفرت له
وشفَّعته في نفسه، لو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف كلهم)).
وقال البيهقي في ((الشُّعب)): هذا متن غريب ليس في إسناده من ينسب
إلى الوضع. انتهى. وكلهم موثّقون لكن فيهم الطلحي وهو مجهول،
وصوَّب البيهقي أن اسمه عبد الله بن محمد، والعلم عند الله تعالى(٢).
وعن علي بن أبي طالب وابن مسعود رضي الله عنهما قالا: قال
رسول الله وَّه: ((ليس بالموقف بعرفة قولٌ ولا عمل أفضلُ من هذا
الدعاء، وأولُ من ينظر الله إليه صاحبُ هذا القول إذا وقف بعرفة:
فيستقبلُ البيتَ الحرام بوجهه، ويبسط يديه كهيئة الداعي، ويلبِّي ثلاثاً
ويكبر ثلاثاً، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله
(١) هذه اللفظة ليست في رواية ((الفردوس)) (٦٠٤٤) المأخوذة عن ((زهر الفردوس))
وهي ثابتة في الأصول الخمسة، و((اللآلى المصنوعة)) ١٢٥:٢ نقلاً عن
((الفردوس)). فإن صحتْ فالمعنى - والله أعلم -: مدحني.
(٢) وانظر آخر ((مجلس في فضل يوم عرفة)) لابن ناصر الدين الدمشقي ص٧٣، وآخر
((قوة الحِجَاج)) لابن حجر ص١٠٤، من مطبوعات دار القبلة بجدّة.

٣٩٩
الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، يقول ذلك مئة مرة، ثم يقول: لا
حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أشهد أن الله على كل شيء قدير،
وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، يقول ذلك مئة مرة.
ثم يتعوَّذ من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، يقول ذلك
ثلاث مرات، ثم يقرأ فاتحة الكتاب ثلاث مرات، ويبدأ في كل مرة ببسم
الله الرحمن الرحيم، ويختم في كل مرة بآمين، ثم يقرأ ﴿قل هو الله
أحد﴾ مئة مرة، ثم يقول بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يصلي على النبي
وَيه ويسلُّم، والصلاة على النبي وَلّ يقول: صلى الله وملائكته على النبي
الأمي وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ثم يدعو لنفسه ويجتهدُ في
الدعاء لوالديه ولقراباته ولإخوانه في الله من المؤمنين والمؤمنات.
فإذا فرغ من دعائه عاد في مقاله هذا، يقوله ثلاثاً، لا يكون له في
الموقف قولٌ ولا عملٌ حتى يمسي غيرُ هذا، فإذا أمسى باهى الله به
الملائكة، يقول: انظروا إلى عبدي استقبل بيتي فِكبَّرني ولبّاني وسبّحني
وحمِدني وهلّلني، وقرأ بأحب الشُّوَرَ إليَّ وصلَّى على نبيي، أشهدُكم
أني قد قبلت عمله، وأوجبت له أجره، وشفَّعته فيمن يشفع له، ولو
شَفَع في أهل الموقف شفَّعته فيهم)). رواه أبو يوسف الجصَّاص في
((فوائده))، ومن طريقه ابن الجوزي في ((الموضوعات))، وقد قال الحافظ
محب الدين الطبري في ((الأحكام)) له: أخرجه أبو منصور في ((جامع
الدعاء الصحیح)).
قلت: وهذا عجيب! وبالله التوفيق.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه رفعه: ((مامن عبدٍ ولا أَمَةٍ دعا الله ليلة
عرفة بهذه الدعوات - وهي عشر كلمات - ألفَ مرة لم يَسأل الله تعالى
شيئاً إلا أعطاه إياه، إلا قطيعةَ رحم أو مأثَم: سبحان الذي في السماء
عرشه، سبحان الذي في الأرض مَوْطِئه، سبحان الذي في البحر سبيلُه،
سبحان الذي في النار سلطانُه، سبحان الذي في الجنة رحمته، سبحان

٤٠٠
الذي في القبور قضاؤه، سبحان الذي في الهواء رَوْحه، سبحان الذي
رفع السماء، سبحان الذي وضع الأرضين، سبحان الذي لا ملجأ ولا
مَنْجا منه إلا إليه)) أخرجه البيهقي في ((الفضائل))(١) وعقَّبه بأنه رواه
بعضهم - وسمّاه - فزاد فيه: ((وأن تكون على وضوء، فإذا فرغتَ من
آخره صليت على النبي ◌َّ، واستأنفتَ حاجتك)).
٢٧- ويروى عن زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب رضي الله عنهم - مما لم أقف على إسناده - أنه صلى في الملتزم
بين الباب والحَجَر ثم دعا ثم قال: اللهم صلِّ على آدمَ بديع فطرتك،
وبَكْرِ حجتك، ولسان قدرتك، والخليفة في بسيطتك، وَعبدٍ لك،
ومُستعيذٍ بذمَّتك من متين عقوبتك، وساحبٍ شَعَر رأسه تذللاً في حَرَمك
لعزَّتك، ومنشَىءٍ من التراب فنطق إعراباً بوحدانيتك، وأول مُجتبى
للتوبة برحمتك، وصلِّ على ابنه الخالص من صفوتك، العابد المأمون
على مكنون سريرتك، بما أَوْليتَه من نعمتك ومعونتك، وعلى مَن بينهما
من النبيين والصدّيقين والمكرمين، وأسألك اللهم حاجتي التي بيني
وبينك لا يعلمُها أحد دونك، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه
وسلم. انتهى.
وقد ذكر النووي في ((الأذكار)) وغيره في الدعاء المأثور في الملتزم:
اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آل محمد.
وقال الشافعي والأصحاب: يستحبُّ إذا فرغ من طواف الوداع أن
يقفَ في الملتزم ويدعو، ويقول: اللهم البيتُ بيتُك، إلى آخره، قالوا:
ثم يصلي على النبي ◌َّر، قالوا: لأنه أرجى لإجابة الدعاء، والله أعلم.
(١) صفحة ٣٩١ (٢٠٧) من ((فضائل الأوقات))، والرجل الذي سماه أيضاً هو عاصم بن
علي الواسطي. والحديث في ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٣٠٤٣١) بتحقيقي. وفيه
عزرة بن قيس، عن أم الفيض مولاة عبدالملك بن مروان، وعزرة ضعيف، وأم
الفيض ينظر حالها.