Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
لن يصلِّي عليَّ إلا عُرِضت عليَّ صلاته حين يفرغ منها)) قال: قلت:
وبعد الموت؟ قال: ((وبعد الموت، إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل
أجساد الأنبياء، فنبيُّ الله حيٌّ يرزقُ)). أخرجه ابن ماجه ورجاله ثقات
لكنه منقطع في موضعين، قال البخاري في ((التاريخ)): زيد بن أيمن،
عن عُبادة بن نُسَيّ مرسل، وقال غيره: عبادة، عن أبي الدرداء، مرسل
أيضاً.
قلت: وقال العراقي: إن إسناده لا يصح. والله أعلم.
وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) بلفظ: ((أكثروا الصلاة عليَّ يوم
الجمعة، فإنه يوم مشهودٌ تشهده الملائكة، ليس من عبدٍ يصلِّي عليَّ إلا
بلغني صوتُه حيثُ كان)) قلنا: وبعد وفاتك؟ قال: ((وبعد وفاتي، إن الله
تعالى حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء))(١).
وكذا رواه التُّميري بلفظ: قلنا: يارسول الله! كيف تبلغك صلاتنا إذا
تضمَّنْك الأرض؟ قال: ((إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد
الأنبياء)).
وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، عن النبي وَّ أنه قال:
((أكثروا عليّ من الصلاة في يوم الجمعة، فإنه ليس أحدٌ يصلَي عليَّ يوم
الجمعة إلا عُرِضت عليّ صلاته)).
رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
و((حياة الأنبياء في قبورهم)) له، وابن أبي عاصم في ((فضل الصلاة)) له،
وفي سنده أبو رافع وهو إسماعيل بن رافع وثَّقه البخاري(٢)، وقال
(١) على حاشية ج بخط الإمام عمر بن عبدالوهاب العُرْضي مانصه: ((أفهمَ هذا
الحديثُ أن الصلاة عليه تبلغه في حياته وبعد وفاته)). وهذا واضح لا يحتاج إلى
تنبيه، لكن كأنه يريد التمهيد للاستدراك على ما يأتي عن أبي عبدالرحمن
المقرىء)) ص ٣٣٠.
(٢) انظر تعليقي على ترجمته في ((الكاشف)) (٣٧٢)، وكلمة الذهبي في ((الميزان)) =

٣٢٢
يعقوب بن سفيان: يصلح حديثه للشواهد والمتابعات، لكن قد ضعفه
النسائي ويحيى بن معين، وقيل: إنه منكر الحديث.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله وَ الله قال: ((أكثروا
الصلاةَ عليَّ في الليلة الزهراء واليومِ الأغرِّ، فإن صلاتكم تُعرض عليَّ،
فأدعو لكم وأستغفر)) ذكره ابن بشكوال في كتابه في ((الصلاة النبوية))
بسند ضعيف .
والليلة الزهراء: ليلة الجمعة، واليوم الأغرُّ: يومها.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((أكثروا من السلام على نبيكم
كلَّ جمعةٍ، فإنه يؤتى به منكم في كل جمعةٍ)) وفي رواية: ((فإن أحداً لا
يصلي عليَّ إلا عُرضت صلاته عليَّ حتى يَفْرُغ منها)). ذكره عياض، ولم
أقف على سنده.
وعن الحسن البصري قال: قال رسول الله وَ له: ((أكثروا الصلاة عليَّ
يوم الجمعة فإنها تعرض عليَّ)). أخرجه مسدَّدٌ في ((مسنده))، وسعيد بن
منصور في «سننه» هکذا مرسلاً.
وعن خالد بن مَعْدانَ، عن النبيِ نَّه قال: ((أكثروا الصلاةَ عليَّ في
كلِّ يوم جمعةٍ، فإن صلاة أمتي تُعرض عليَّ في كل يوم جمعةٍ)) أخرجه
سعید بن منصور في «سننه» هكذا.
(٨٧٢) في حق الإمام الترمذي فيها تحريف مطبعي، صوابها: ومن تمليس
=
الترمذي، والتمليس معناه: التخلُّص من الشَِّعة.
وأبو رافع هذا: مذكور في أسانيدهم جميعاً: الحاكم ٤٢١:٢، والبيهقي في
((الشعب)) (٢٧٦٩) - طبعة الهند -، و((حياة الأنبياء)) له (١١)، وابن أبي عاصم
(٦٤).
وجاء على حاشية ج تعليقة غير سديدة على قول المصنف ((وفي سنده أبو رافع))،
هذا نصها: ((أي في السند الذي رواه ابن أبي عاصم فقط، وأما حديث الحاكم
فهو صحيح بلا شك)) !.

٣٢٣
وقوله: ((أكثروا)) بقطع الهمزة رباعي، وهذا لاخفاء فيه.
وعن يزيدَ الرَّقَاشي قال: إن ملكاً موكَّل يوم الجمعة بمن صلى على
النبي وَِّ يبلِّغ النبيَّ نَّهِ يقول: إن فلاناً من أمتك يصلي عليك. رواه
بقيُّ بن مَخْلَد، ومن طريقه ابن بشكُوال. وأخرجه سعيد بن منصور في
(سننه)) وإسماعيل القاضي في ((فضل الصلاة)) له، لكن بدون: يوم
الجمعة(١).
وعن ابن شهاب الزهري رفعه مرسلاً قال: «أكثروا عليَّ من الصلاة
في الليلة الغرّاء واليوم الأزهر، فإنهما يؤدِّيان عنكم(٢)، وإن الأرض لا
تأكل أجساد الأنبياء، وكلُّ ابنِ آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنَب)).
أخرجه النميري. وفي رواية زاد فيها: ((وما من مسلمٍ يصلي عليَّ
إلا حملها ملكٌ حتى يؤديها إليَّ، ويُسمِّيه حتى إنه لَيقول: إن فلاناً يقول
كذا وكذا)) وهو في ((الشفا» لعياضٍ من غیر عَزْو.
وعنِ أيوبَ السَّخْتِياتي قال: بلغني - والله أعلم - أن ملكاً موكَّل بكلِّ
من صلَّى على النبيِ وَ لّ حتى يبلُّغه النبي صلى الله عليه وسلم . رواه
إسماعيل القاضي بسند صحيح، ومثله لايقال بالرأي، فله حكم الرفع.
وعن سليمانَ بن سُحَيم قال: رأيت النبي ◌ِّ في النوم فقلت:
يارسول الله! هؤلاء الذين يأتونك فيسلُّمون عليك أتفقهُ سلامَهم؟ قال:
نعم، وأردُّ عليهم. رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في ((حياة الأنبياء))
و«الشُّعَب)) كلاهما له، ومن طريقه ابن بشكُوال.
(١) بل هو ثابت في رواية إسماعيل القاضي (٢٧)، وممن رواه: ابن أبي شيبة في
(مصنفه)) (٣٢٤٣٩،٨٧٨٦) وليس في روايته: يوم الجمعة، والرقاشي: من طبقة
صغار التابعين، فحديثه مرسل أو معضل، وهو ضعيف أيضاً، وقوله هذا مما لا
يقال بالرأي، كما سيقول المصنف في أثر أيوب السختياني الآتي.
(٢) سيأتي ص ٣٤٠ ضبط الدال بالكسر، وأن ضمير التثنية يعود على الليلة الغراء
واليوم الأزهر.

٣٢٤
وقال إبراهيم بن شيبان: حَجَجت فجئت المدينة، فتقدمت إلى القبر
الشريف فسلمت على رسول الله وَ ل فسمعته من داخل الحُجْرة يقول:
وعليك السلام.
ونحوه مما بلغني عن السيد نور الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الله
والدِ السيد عفيف الدين الشريف الحسيني الإيجي أنه في بعض زياراته
للنبي ◌َّ سَمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف: عليك السلام
ياولدي .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله وتلقى: ((حياتي
خيرٌ لكم تُحْدِثون ويُحْدَث لكم(١)، فإذا أنا مثُّ كانت وفاتي خيراً لكم،
تُعرض عليَّ أعمالكم، فإن رأيت خيراً حَمِدتُ الله، وإن رأيت غير ذلك
استغفرت الله لكم)). أخرجه الحارث في ((مسنده)).
(١) هذا هو المعروف في ضبط هاتين الكلميتن، والمعنى: تحصل أمور وأمور، منها
مايقع منكم، ومنها مايقع من غيركم فتتبعونه، فتقعون في المخالفات الشرعية.
و(خير)) هنا للتفضيل والمديح، لا للأفضلية. وضُبِطتا في ب: تُحَدِّثون ويُحَدَّث
لکم، وهو غريب.
والحديث عزاه العراقي في ((تخريج الإحياء)) ١٤٨:٤ إلى الحارث في ((مسنده))
كما هنا، وضعَّفه، قلت: راويه عن أنس هو خراش بن عبدالله أحدُ من ادّعى
التعمير، وهو ساقط عَدَم! فمثله لا يقتصر على كلمة: ضعيف، في حديث يُروى
من طريقه.
ثم، إني لم أر الحديث في ((بغية الباحث)) بهذا اللفظ عن أنس، لكن رواه ابن
عدي في ((الكامل)) ٣: ٩٤٥ في ترجمة خراش بنحوه.
نعم، الحديث من حيث هو صحيح، رواه البزار من حديث ابن مسعود بإسناد
جيد، كما قاله في ((طرح التثريب)) ٢٩٧:٣، ومقتضى كلامه في ((تخريج الإحياء))
أنه لا ينزل عن رتبة الحسن. يضاف إلى هذا رواية ابن سعد له في ((الطبقات))
٢: ١٩٤، والقاضي إسماعيل في ((جزئه)) (٢٦،٢٥) عن بكر بن عبدالله المزني
مرسلاً بأسانيد صحيحة. أما إسناد الحارث بن أبى أسامة (٩٥٣) فضعيف.
ولشيخنا عبدالله الصديق الغُماري رحمه الله جزء فيه سماه («نهاية الآمال في شرح
وصحة حديث عرض الأعمال» مطبوع.

٣٢٥
وفي ((مسند الدارمي)) (١) أنه لما كان أيام الحرّة لم يُؤْذَّنْ في مسجد
النبي ◌َِّ ثلاثاً ولم يُقَمْ، وأن سعيد بن المسيب لم يبرحْ مقيماً في المسجد،
وكان لا يَعرِف وقت الصلاة إلا بهَمْهَمَة يسمعها من قبر النبي ◌َّد.
وعن أبي الخير الأقطع قال: دخلت المدينة وأنا بفاقةٍ، فأقمتُ خمسةً
أيام ما ذقتُ ذَوَاقاً، فتقدمت إلى القبر الشريف وسلَّمت على النبي ◌َّ
وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقلت: أنا ضيفك الليلةَ يارسول
الله! وتنخَّيت ونمت خلف المنبر، فرأيت النبي ◌َّ في المنام وأبو بكر
عن يمينه، وعمر عن شماله، وعليٍّ بين يديه، فحرَّكني عليٍّ وقال: قمْ
قد جاء رسول الله ◌َ يهر، فقمت إليه، وقبَّلت بين عينيه، فدفع إليَّ رغيفاً،
فأكلت نصفه وانتبهتُ، فإذا في يدي نصفُ رغيف! رواه أبو عبدالرحمن
الشُّلَمي(٢).
ونحوه قول الحافظ أبي بكر المقرىء مسندٍ أصبهان: كنت أنا
والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي ◌َ ◌ّ فضاق بنا الوقت، فواصلْنا
ذلك اليوم، فلما كان وقت العَشاء حضرتُ إلى القبر الشريف وقلت:
يارسول الله الجوعُ! فقال لي الطبراني: اجلس، فإما أن يكون الرزق أو
الموت! فقمت أنا وأبو الشيخ، فحضر البابَ علويٌّ: ففتحنا له فإذا
غلامان بزِنْبِيلَيْن فيهما شيء كثير وقال: ياقوم شكوتموني إلى النبي ◌َّ!
فإني رأيته فأمرني بحَمْل شيء إليكم.
(١) في مقدمته برقم (٩٣) عن مروان بن محمد الطاطَري، عن سعيد بن عبدالعزيز،
وهما ثقتان. والخبر عند ابن سعد أيضاً ١٣٢:٥ من وجه آخر، وذكره الشيخ ابن
تيمية في كتابه ((الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)) ص١٦٤ .
(٢) في ((طبقات الصوفية)) ص ٣٧٠. وعلى حاشية أ ثلاثة أخبار، ثانيها كهذا الخبر
وزيادة عن رجل سماه: أبو عبدالله محمد بن العلاء (؟)، ومصدره فيه وفي الخبر
الأول: ((الروض الفائق)). ومصدره في ثالثها ((نزهة المجالس))، وهما من الكتب
غير المعتمدة، فلذا لم أنقلها.

٣٢٦
وفي ترجمة ابن نصر المروزي شبيهُ هذا(١).
وقال شِيْرُوْيَهْ: سمعت عبد الله بن المكيّ يقول: سمعت أبا الفضل
القُومَسَاني (٢) يقول: أتاني رجل من خراسان فقال: إن رسول الله وَ اهـ
أتاني في منامي وأنا في مسجدٍ بالمدينة وقال: إذا أتيَت هَمَذَان فاقرأ
على أبي الفضل ابن زِيْرَك مني السلام، قلت: يارسول الله! لماذا؟ قال:
لأنه يصلَّ عليَّ في كل يوم مئة مرة. ثم قال(٣): أسألك أن تعلِّمَنيها،
(١) ذكرها التاج السبكي في ((طبقاته)) ٢٥١:٢ في ترجمة الإمام محمد بن نصر
المروزي بإسناده إلى أبي العباس البكري، من ولد أبي بكر الصديق رضي الله عنه
قال: ((جَمَعت الرحلة بين محمد بن جرير - الطبري -، ومحمد بن إسحاق بن
خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي، ومحمد بن هارون الروياني بمصر، فأرملوا،
ولم يبق عندهم ما يقوتهم، وأضرَّ بهم الجوع فاجتمعوا ليلةً في منزل كانوا يأوون
إليه، فاتفق رأيهم على أن يَسْتَهِموا، ويضربوا القرعة، فمن خرجت عليه القُرعة
سأل لأصحابه الطعام. فخرجت القرعة على محمد بن إسحاق بن خزيمة فقال
لأصحابه: أَمْهلوني حتى أتوضأً وأصليَ صِلاة الخِيَرَة، فاندفع في الصلاة فإذا هم
بالشموع، وخَصِيٌّ من قِبَل والي مصر يدقُّ الباب، ففتحوا الباب، فنزل عن دابته .
فقال: أيكم محمد بن نصر؟ فقيل: هو هذا، فأخرج صُرَّة فيها خمسون ديناراً،
فدفعها إليه. ثم قال: أيكم محمد بن جرير؟ فقالوا: هو ذا، فأخرج صُرَّةً فيها
خمسون ديناراً، فدفعها إليه، ثم قال: أيكم محمد بن إسحاق بن خزيمة؟ فقالوا:
هو هذا يصلِّي، فلما فرغ من صلاته دفع إليه الصُّرة وفيها خمسون ديناراً. ثم
قال: أيكم محمد بن هارون؟ وفعل به كذلك.
ثم قال: إن الأمير كان قائلاً - أي نومة القيلولة - بالأمس، فرأى في المنام خيالاً
قال: إن المحامد طَوَوْا كَشْحهم جياعاً، فأنفذ إليكم هذه الصِّرار، وأقسم عليكم
إذا نفدت فابعثوا إليَّ أحدكم.
(٢) من د،هـ، واشتبهت في ب،ج، والخبر ليس في أ. أرى أن القُومَساني هذا هو
المترجم في ((السِّير)» ٤٣٣:١٨، ويعرف بابن زِيْرَك، كما هنا.
وجملة ((سمعت عبدالله بن المكي يقول)) ليست في ب، وشيرويه أكثر من الأخذ
عن القُومَساني، كما في ((السير)) ولكن لا يلزم أن كل ما يعرفه التلميذ عن شيخه
يكون عنه مباشرة من غير واسطة .
(٣) أي: هذا الخراساني لابن زيرك.

٣٢٧
فقلت: إني أقول كل يوم مئة مرة أو أكثر: اللهم صلِّ على محمد النبي
الأمي وعلى آل محمد، جَزَى الله محمداً فَلَّ عنّا ماهو أهله.
فأخذها عني وحلف لي أنه ماكان يعرفني ولا يعرفُ اسمي حتى عرّفه
له رسول الله وَل﴿، قال: فعرضت عليه براً، لأني ظننته متزيّداً في قوله،
فما قَبِل مني وقال: ما كنت لأبيعَ رسالةَ رسول الله وَّ بِعَرَضِ من الدنيا.
ومضى فما رأيته بعدُ.
ويُحكى أن رجلاً كان يقال له: محمد بن مالك، قال: مضيت إلى
بغداد لأقرأ على أبي بكر ابن مجاهد المقرىء، فبينا نحن نقرأ عليه يوماً
من الأيام وكنا جماعة، إذ دخل عليه رجلٌ(١) وعليه عمامة رَّة، وقميص
رٌَّ، ورداء رثٌّ، فقام الشيخ أبو بكر له وأجلسه مكانه، واستخبره عن
حاله وحال صبيانه، فقال له: وُلد لي الليلةَ مولود وقد طلبوا مني سمناً
وعسلاً، ولم أملك ذرة ! .
قال الشيخ أبو بكر: فنمت وأنا حزين القلب، فرأيت النبي ◌َّ في
منامي، فقال لي: ماهذا الحزنُ؟ اذهب إلى علي بن عيسى الوزير - وزير
الخليفة - فاقرأ عليه السلام وقلْ له: بعلامةِ أنك لا تنام كلَّ ليلة جمعة
إلا بعد أن تصلِّي عليَّ ألف مرة، وهذه الجمعة صليت ليلتَها عليَّ سبع
مئة مرة، ثم جاءك رسول الخليفة فدعاك إليه، فمضيتَ، ثم رجعتَ
فصليتَ عليَّ حتى أتممتَ ألف مرة، سلِّم إلى أبي المولود مئةَ دينار
لیستعین بها على مصالحه.
قال: فقام أبو بكر ابن مجاهد المقرىء مع أبي المولود فمضيا إلى
دار الوزير، فدخلا عليه، فقال الشيخ أبوبكر للوزير: هذا الرجل أرسله
إليك رسول الله وَّله، فقام الوزير وأجلسه مكانه، وسأله عن القصة،
(١) من أ،ب، د، وفي غيرها: شيخ، وعلى حاشية د: ((في ثلاث نسخ: شيخ)).

٣٢٨
فقصَّها عليه، ففرح الوزير وأمر غلامه بإخراج بَدْرةٍ(١)، فوزن منها مئة
دينار وسلَّمها لأبي المولود، ثم وزن أخرى ليعطيها للشيخ أبي بكر،
فامتنع من أخذها، فقال له الوزير: خذْها لبشارتك لي بهذا الخبر
الصادق، فقد كان هذا الأمر سراً بيني وبين الله عز وجل، وأنت رسولُ
رسولِ الله وَّل، ثم وزن مئة أخرى، وقال له: خذها لك ببشارتك بعلم
رسول الله وَلّل بصلاتي عليه كلَّ ليلة جمعة، ثم وزن مئة أخرى وقال لي:
خذها لتعبك في المجيء إلينا هاهنا، وجعل يَزِنُ مئةً بعد مئة حتى وزن
ألف دينار، فقال له الرجل: أنا لا آخذ إلا ما أمرني به رسول الله وَله .
وذكر أبو عبدالله ابن النعمان أنه سمع عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن
أحمد يقول: أصابني وجع في يدي من وقعة وقعتُها في حمّام، فَوَرَمتْ
يدي، فبتُّ ليلة متوجِّعاً، فرأيت النبي ◌ََّ في المنام، فقلت: يارسول
الله! فقال لي: أوحَشَتْني صلاتُك عليَّ ياولدي، فأصبحتُ وقد زال
الورمُ والوجع ببركته وَالقتل.
ويُحكى عن العُنْبي أنه قال: كنت جالساً عند قبر النبي ◌َّ فجاء
أعرابي فقال: السلام عليك يارسول الله! سمعتُ الله يقول: ﴿ولو أنهم
إذْ ظلموا أنفسَهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسولُ لوجدوا الله
تواباً رحيماً﴾ [النساء: ٦٤] وقد جئتك مستغفِراً من ذنبي، مستشفِعاً بك
إلى ربي، ثم أنشأ يقول:
فطاب من طِيبهن القاعُ والأَكَمُ
ياخيرَ من دُفنت بالقاع أعظُمه
فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرم
نفسي الفداءُ لقبر أنتَ ساكنُه
ثم انصرف، فحمَلَتني عيناي، فرأيت النبي ◌َّ في النوم، فقال:
يا عُتبيُّ الحَقْ الأعرابيَّ فبشِّره بأن الله تعالى قد غفر له.
(١) على حاشية هـ: ((هي بالدال المهملة، عشرة آلاف درهم)). وهو قول من أقوال
ذُكرت في كتب اللغة، وهو المناسب هنا.

٣٢٩
ونحوه عند ابن بَشْكُوال من حديث محمد بن حرب الباهلي، قال:
دخلت المدينة فانتهيت إلى قبر النبي بَيَّ، فإذا أعرابي يُوضِع عن
بعيره(١)، فأناخه وعَقَله، ثم دخل إلى القبر فسلَّم سلاماً حسناً ودعا دعاءً
جميلاً، ثم قال: بأبي أنت وأمي يارسول الله ! إن الله خصَّك بوحيه،
وأنزل عليك كتاباً، وجمعَ لك فيه علم الأولين والآخرين، وقال في
كتابه وقولُه الحقُّ المبين: ﴿ولو أنهم إذْ ظلموا أنفسَهم جاؤوك
فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسولُ لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ وقد أتيتك
مقرّاً بذنبي، مستشفِعاً بك إلى ربك، وهو ماوعدك، ثم التفت إلى القبر
فذکر البیتین وزاد بينهما:
عند الصراط إذا مازلَّت القدم
أنت النبيُّ الذي تُرجی شفاعته
قال: ثم ركب راحلته، فما أشكُّ - إن شاء الله - إلا أنه راح
بالمغفرة.
ونحوه عند البيهقي في ((شُعب الإيمان)).
وفي ((توثيق عُرَى الإيمان)) للبارزي وغيره - كـ((المستغيثين بخير
الأنام)) لابن النعمان - من المنامات جملةٌ.
(١) أي: يُسرع.

٣٣٠
وهذه فوائد نختم بها الباب الرابع
الأولى: قد تقدم أنه رَله يبلّغ السلام عليه - وكذا الصلاة - إذا صدر
ذلك عن بُعد، وأما إذا كان عند قبره الشريف فإنه يسمعه بلا واسطة،
سواء كان في ليلة الجمعة أو غيرها.
وما يقوله بعض الخطباء ونحوهم من أنه وَالر يسمع بأذنيه في هذا
اليوم من يصلِّ عليه: فهو - مع حمله على القريب - لا مفهوم له،
وسُئل النووي رحمه الله عمن حلف بالطلاق الثلاث أن رسول الله وَالأول
يسمع الصلاة عليه: هل يحنث أم لا؟ فأجاب بأنه لا يُحكم عليه
بالحنث، للشك في ذلك، والورع أن يلتزم الحنث. انتهى (١).
ورُوِّينا عن أبي عبد الرحمن المُقْرىء أن ردَّهُ بَّ مختصٌّ بمن سلَّم
علیه حال زيارته .
قلت: وفي ذلك نظر، لعموم الحديث المذكور، فدعوى التخصيص
- كما قاله أبو اليمن ابن عساكر - تحتاج إلى دليل، لا سيما وشواهدُ
هذا المعنى كثيرة.
وأيضاً، فقد قال أبو اليمن: إذا جُوِّز ردُّه وَّر على من يسلِّم عليه من
الزائرين لقبره، جُوِّز ردُّه على من يسلِّم عليه من جميع الآفاق من جميع
أمته على بُعد شُقته. انتهى. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة ولله الفضل
والمنُّ.
ولقد أحسن ناظم هذه الأبيات في مقاله، حيث ردَّ فيها على من أنكر
سماع رسول الله وَلَّه من المصَلِّي عليه الصلاةَ والتسليمَ، بقوله:
(١) هذه الفِقْرة والتي قبلها زيادة من ج، د.

٣٣١
ألا أيُّها الغادي إلى يثرب مهلاً
لتحمِل شوقاً ما أُطيق له حَملا
تحمَّلْ - رعاك الله - مني تحيةً
وبلِّغ سلاميْ روحَ مَن طيبةً حَلَّ
وقِفْ عند ذاك القبر في الروضة التي
تكون يميناً للمصلِّي إذا صلَّى
وقمْ خاضعاً في مهبطِ الوحي خاشعاً
وخفِّض هناك الصَّدر واسمعْ لما يُتلى
ونادٍ: سلامُ الله ياقبرَ أحمدٍ
على جسدٍ لم يبلَ قبلُ ولا يَبْلَى
تُراني أُراني عند قبرك واقفاً
يناديك عبدٌ ماله غيرُكم مولى
وتسمعُ عن قربٍ صلاتي کمثل ما
تُبلَّغ عن بُعدٍ صلاةَ الذي صلَّى(١)
أناديك يا خير الخلائق والذي
به ختم الله النبيين والرُّسْلا
نبيُّ الهدى لولاك لم يُعرفِ الهدى
ولولاك لم نعرف حراماً ولا حِلّ(٢)
ولولاك - لا والله - ما كان كائنٌ
ولم يَخلُقِ الرحمن جُزْءاً ولا كُلَّ
(١) الأبيات في ((الصلات والبشر)) ص١٣٤- ١٣٥، وفيه:
وتسمع عن قرب صلاتي مثل ما ....
(٢) ((نبيُّ الهدى)): الضبط من ب.
-

٣٣٢
الثانية: قوله في الحديث ((أَرَمْتَ))(١): هو بفتح الهمزة، والراء،
وسكون الميم، وفتح التاء المخفَّفة، وزن: ضَرَبت. قال الخطابي:
أصله أَرَمَمْتَ، أي: صِرْتَ رَميماً، فحذفوا إحدى الميمين وهي لغة
لبعض العرب، كما قالوا: ظَلْتُ أفعل، أيْ: ظللت، وأَحَسْتُ بمعنى:
أَحْسَسْتُ، في نظائرَ لذلك كثيرة. والرَّميمُ والرِّمة: العظام البالية.
وقال غيره: إنما هو أَرَمَّتْ بفتح الهمزة، والراء، والميم المشددة،
وإسكان التاء. أي: أَرَمَّت العظام. وقيل: إنه يُروى بضم الهمزة وكسر
الراء، وقيل غير ذلك، والله أعلم.
الثالثة: قوله ((أكثروا)) (١): قال أبو طالب المكي صاحب ((القوت)):
أقلُّ ذلك ثلاث مئة مرةٍ (٢).
قلت: ولم أقف على مستنده في ذلك، ويَحتمِل أن يكون تلقَّى ذلك
عن أحد من الصالحين إما بالتجارب أوبغيره، أو يكونَ ممن يَرَى بأن
الكثرة أقلُّ ما تحصل بثلاث مئة، كما حَكَوْا في المتواتر قولاً أن أقل
ما يحصُل به التواتر بثلاث مئة وبضعة عشر، ويكون هنا قد ألغى الكسر
الزائد على المِئين، والعلم عند الله تعالى.
الرابعة: كَفَى بالعبد شرفاً أن يُذكَر اسمُه بالخير بين يدي رسول الله
وَلّر، فقد قيل في هذا المعنى:
ومن خَطرتْ منه ببالك خطرةٌ
حقيقٌ بأن يَسمو وأن يتقدَّما(٣)
(١) ص ٣١٨.
(٢) على حاشية أ بخط غير خط المصنف رحمه الله: ((ثم اعلم يا أخي وفقك الله وإيانا
أن نكثر الصلاة على النبي ◌َّ: أن الشيخ العارف بالله نور الدين الشُّوني يصلِّي
كل يوم عشرة آلاف صلوات، والشيخ أحمد الرازي يصلي كل يوم وليلة أربعين
ألف مرة، والشيخ عبدالرحمن الشعراني يصلي صباحاً ألف مرة ومساءً ألف مرة،
كما في ((مشارق الأنوار القدسية)) من: مجمع الفوائد للشيخ عبدالكريم)). كذا،
وفيه عدة أخطاء، تصحح من ((لواقح الأنوار القدسية)) للشعراني ص٢٨٤ .
(٣) ((منه)): ليست في ج، وعلى الحاشية: ((لعلها: يوماً)). يريد: لعله سقط هنا كلمة : =

٣٣٣
وقال الآخر:
أهلاً بما لم أكن أهلاً لموقعه قولُ المبَشِّر بعد اليأس بالفرجِ:
لك البشارةُ فاخلعْ ماعليك فقد ذُكرتَ ثَمَّ على ما فيك من عِوَج
قلت: وقد أخبرني بعض الثقات من أصحاب الشيخ أحمد بن رسلان
وغيره من الأولياء المعتبرين - ختم الله لنا وله بالصالحات - أنه رأى
رسول الله وَّي في المنام، وأنه أحضر إليه هذا الكتابَ ووضعه بين يديه
وأقرَّه بَلّ على ذلك، في منام طويل، فتزايد سروري بذلك وترجَّيتُ
حصول القبول له من الله تعالى ورسوله، ومزيدَ الثواب في الدارَيْن، إن
شاء الله تعالی بغیر مَیْن.
فأكثِرِ من ذكر نبيك بإحسان، وأَدم الصلاة عليه بالجَنَان واللسان،
فإن صلاتك تبلُغه وهو في ضريحه، واسمك معروض على روحه. وَله .
الخامسة: قال صاحب ((سلاح المؤمن)): قوله عليه الصلاة والسلام:
((ولا تجعلوا قبري عيداً))(١): يَحتمِل أن يكون المرادُ الحثّ على كثرة
زيارته، ولا يُجعل كالعيد الذي لا يأتي في العام إلا مرتين. ويؤيد هذا
قوله ◌َيلر: ((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً)) أي لا تتركوا الصلاة في بيوتكم
حتى تجعلوها كالقبور التي لا يصلى فيها. انتهى.
وفي هذا نظر، والظاهر أنه ◌ّ إنما أشار بذلك إلى ما في الحديث
الآخر من نهيه عن اتخاذ قبره مسجداً، ويكون المراد بقوله: ((لا تجعلوا
قبري عيداً)) أي من حيثُ الاجتماعُ، وقد تقدم في أحاديث الباب
ما يقرب من هذا.
يوماً، فيكون البيت: ومن خطرتْ يوماً ببالك خطرة .. ، وهكذا جاء البيت في د،
=
وكتب على حاشيته: ((منه، في ثلاث نسخ)). وكذلك جاء البيت في ((جلاء
الأفهام» ص٣٤٢.
(١) ص ٣١٢ وغيرها.

٣٣٤
وذكر بعض شراح ((المصابيح)) ما نصُّه: في الكلام حذفٌ، تقديرهُ: لا
تجعلوا زيارة قبري عيداً، ومعناه النهيُ عن الاجتماع لزيارته عليه الصلاة
والسلام اجتماعَهم للعيد، وقد كانت اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة
قبور أنبيائهم ويشتغلون باللهو والطرب، فنهى النبيُّ وَّ أمته عن ذلك،
وقيل: يحتمل أن يكون نهيه عليه الصلاة والسلام لدفع المشقة عن أمته،
أو لكراهة أن يَتَجاوزوا في تعظيم قبره غاية التجاوز.
قلت: والحثُّ على زيارة قبره الشريف قد جاء في عدَّة أحاديث لو
لم يكن منها إلا وعدُ الصادق المصدوق وَّه بوجوبِ الشفاعة وغيرِ ذلك
لزائره: لكان كافياً في الدلالة على ذلك(١). وقد اتفق الأئمة مِن بعد
وفاته وٍَّ إلى زماننا هذا على أن ذلك من أفضل القُرُبات. وبالله التوفيق.
وقال شيخ الإسلام أبو الحسن السُّبْكي في ((شفاء السَّقام)) له: اعتمد
جماعة من الأئمة على هذا الحديث - يعني حديثَ ((مامن أحدٍ يسلِّم
عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي .. )) الحديثَ - في استحباب زيارة قبر النبي
وَلّر قال: وهو اعتماد صحيح، لأن الزائر إذا سلَّم وقع الردُّ عليه عن
قرب، وتلك فضيلة مطلوبة. يسرها الله لنا، عوداً على بدء(٢).
وقوله ((ولا تتخذوا بيوتكم قبوراً)): اختلف العلماء في معناه، فترجم
له البخاري: كراهة الصلاة في المقابر، فدلَّ على أن معناه عنده: لا
تجعلوها كالمقابر التي تُكره الصلاة فيها.
وقال غيره: بل معناه اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها
قبوراً، لأن العبد إذا مات وصار في قبره لم يصلِّ ولم يعمل، وهذا هو
الظاهر، وقال ابن الأثير: إنه أوجه، وسبقه ابن قُرْقُول فقال في
((المطالع)): إنه أولى لقوله في الحديث الآخر ((اجعلوا من صلاتكم في
(١) يشير رحمه الله إلى حديث: ((من زار قبري وجبت له شفاعتي)).
(٢) ((أي: مرة بعد مرة. وآخِراً بعد أول)) قاله ابن الأثير في ((منال الطالب)) ص٥١٠.

٣٣٥
بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)).
وقد قال ابن التين: تأوَّله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر،
وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت، إذ الموتى
لا يصلُّون، كأنه قال: لا تكونوا كالموتى الذين لا يصلّون في بيوتهم،
وهي القبور، إلى آخر كلامه.
ويَحتمِل أيضاً: أن المراد النهي عن دفن الموتى في البيوت، وقوَّاه
شيخنا، وقال: إنه ظاهر لفظ الحديث، لكنْ قد قال الخطابي: إنه ليس
بشيء، فقد دُفِن رسول الله بَّ في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته.
وتعقّبه الكرماني بأن ذلك من خصائصه، وأشار إلى ماورد: ((ماقُبِض
نبيّ إلا دُفن حیث یقبض)).
وقال الخطابي أيضاً: يَحتمل أن المراد لا تجعلوا بيوتكم وطناً للنوم
فقط، لا تصلُّون فيها، فإن النوم أخو الموت، والميت لا يصلّي.
وقال التُّوْرَبِشْتي - مع ذكر الاحتمالات الثلاثة السابقة -: يَحتمِل
أيضاً أن يكون المراد أن من لم يصلّ في بيته جعل نفسَه كالميت، وبيته
كالقبر. انتهى.
وقد ورد ما يؤيد هذا، ففي ((صحيح مسلم)): ((مَثَل البيتِ الذي يُذكر
الله فيه والبيتِ الذي لا يذكر الله فيه، كمثل الحيّ والميت)). والله أعلم.
السادسة: يؤخذ من هذه الأحاديث أنه بَّر حيٌّ على الدوام، وذلك
أنه محالٌ عادةً أن يخلوَ الوجود كلُّه من واحدٍ يسلِّم عليه في ليلٍ أو
نهارٍ، ونحن نؤمن ونصدِّق بأنه رَّ حِيٌّ يرزقُ في قبره، وأن جسده
الشريف لا تأكلُه الأرض، والإجماع على هذا، وزاد بعض العلماء:
الشهداءَ والمؤذنين، وقد صح أنه كُشِف عن غير واحد من العلماء
والشهداء فوجدوا لم تتغيَّر أجسامهم، حتى الحِنَّاء وجدتْ في بعضهم لم
تتغير عن حالها، والأنبياء أفضل من الشهداء جزماً.

٣٣٦
قلت: وقد جمع البيهقي جزءاً في ((حياة الأنبياء في قبورهم)) واستدل
بغالب ما تقدَّم، وبحديث أنس: ((الأنبياء أحياءٌ في قبورهم يصلون))
أخرجه(١) من طريق يحيى بن أبي بكير - وهو من رجال الصحيح - عن
المُستِلم بن سعيد - وقد وثقه أحمد وابن حبان - عن الحجاج بن
الأسود - وهو ابن أبي زياد البصري، وقد وثقه أحمد وابن معين - عن
ثابت البُنَاني، عنه. وأخرجه أيضاً أبو يعلى في ((مسنده)) من هذا الوجه،
وكذا البزار، لكنْ وقع عنده: عن حجَّاج الصواف، وهو وهَم،
والصواب حجَّاج بن الأسود، كما صرَّح به البيهقي في روايته وصححه
البيهقي .
وأخرجه أيضاً من طريق الحسن بن قتيبة، عن المُستلِم، وكذا أخرجه
البزار، وابن عدي، والحسن ضعيف، وأخرجه البيهقي أيضاً من رواية
محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى أحدٍ فقهاء الكوفة، عن ثابت، بلفظ
آخر قال: ((إن الأنبياء لا يُتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم
يصلون بين يدي الله حتى يُنفِخَ في الصُّور) ومحمدٌ: سيء الحفظ.
وذكر الغزالي - ثم الرافعي - حديثاً مرفوعاً: «أنا أكرمُ على ربي من
أن يتركَني في قبري بعد ثلاث)) ولا أصل له، إلا إن أُخذ من رواية ابن
أبي ليلى هذه، وليس الأخذ بجيدٍ، كما قاله شيخنا، لأن رواية ابن أبي
ليلى قابلة للتأويل .
قال البيهقي: إنْ صح فالمراد أنهم لا يتركون يصلُّون إلا هذا القدر،
ثم يكونون مصلِّين بين يدي الله، قال: وشاهد الحديث الأول ما ثبت في
((صحيح مسلم)) من رواية حماد بن سلمة [عن ثابتِ البُنَاني وسليمانَ
التيمي](٢) عن أنس رفعه: ((مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب
الأحمر وهو قائم يصلِّي في قبره)). وأخرجه أيضاً من وجه آخر عن أنس.
(١) أي البيهقي في جزئه المذكور، وهو فيه برقم (٢،١، ٤).
(٢) زدتها من ((صحيح مسلم)) ٤: ١٨٤٥ (١٦٤)، وبدونها يتوهّم الانقطاع في سنده.

٣٣٧
فإن قيل: هذا خاص بموسی؟ قلنا: قد وجدنا له شاهداً من حديث
أبي هريرة، أخرجه مسلم أيضاً من طريق عبد الله بن الفضل، عن أبي
سلمة، عن أبي هريرة رفعه: ((لقد رأيتُني في الحِجْر وقريشٌ تسألني عن
مَسْراي .. )) الحديث. وفيه: ((وقد رأيتُني في جماعة من الأنبياء، فإذا
موسى قائم يصلّي، فإذا رجلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأنه من رجال شَئُوءة))(١)
وفيه: ((إذا عيسى ابنُ مريم قائم يصلي، أقربُ الناس به شبهاً عروة بن
مسعودٍ، وإذا إبراهيمُ قائم يصلي أشبهُ الناس به صاحبُكم، فحانت
الصلاة فأمَمْتُهم)) .
قال البيهقي: وفي حديث سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أنه
لقيهم ببيت المقدس. وفي حديث أبي ذرّ ومالك بن صَعْصَعة في قصة
المعراج أنه لقيهم في جماعة من الأنبياء بالسموات، فكلّمهم وكلَّموه،
وكلُّ ذلك صحيح لايخالف بعضه بعضاً، فقد يُرَى موسى عليه السلام
قائماً يصلي في قبره، ثم يُسْرَى بموسى وغيره إلى بيت المقدس، كما
أُسري بنبينا، فيراهم فيه، ثم يُعرَج بهم إلى السموات كما عُرج بنبينا،
فيراهم فيها كما أخبر.
قال: وحلولُهم في أوقات مختلفة بمواضع مختلفات جائزٌ في العقل،
كما ورد به خبر الصادق، وفي كل ذلك دلالة على حياتهم. انتهى.
ومن أدلة ذلك أيضاً: قوله تعالى: ﴿ولا تحسبنَّ الذين قُتلوا في سبيل
الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربِّهم يرزقون﴾ [آل عمران: ١٦٩] فإن الشهادة
حاصلة له ◌َّ على أتم الوجوه، لأنه شهيدُ الشهداءِ، وقد صرَّح ابن
عباس وابن مسعود وغيرهما رضي الله عنهم بأنه وَ ◌ّ مات شهيداً، والله
الموفق .
(١) ((من رجال شنوءة)) زيادة من ((صحيح مسلم)) ١٥٧:١ (٢٧٨) على مافي الأصول،
وبدونها ينقطع الكلام.

٣٣٨
وعن الحسن البصري مرفوعاً: ((لا تأكلُ الأرضُ جسدَ من كلِّم روح
القُدُس)) وهو مرسل حسنٌ(١).
فإن قلتَ: فقوله ((إلا ردَّ الله عليَّ روحي)): لا يلتئم مع كونه حياً على
الدوام، بل يلزم منه أن تتعدد حياته ووفاته في أقلّ من ساعة، إذ الوجود
لا يخلو من مسلم يسلُّم عليه، كما تقدم، بل يتعدَّد السلام عليه في
الساعة الواحدة كثيراً؟ !.
فالجواب - كما قال الفاكِهاني وغيره -: ١ - أن نقول المراد بالروح
هنا النطقُ مجازاً، فكأنه وَّ قال: إلا ردَّ الله إليَّ نطقي، وهو رَّ حِيٌّ
على الدوام، لكن لا يلزم من حياته النطق، فالله سبحانه وتعالى يردُّ عليه
النطقَ عند سلام كلِّ مسلِّم عليه، وعلاقةُ المجاز: أن النطق مِن لازمه
وجود الروح، كما أن الروح من لازمه وجود النطق بالفعل أو القوة،
فعبَّر ◌َِّ بأحدِ المتلازمينِ عن الآخر(٢).
ومما يحقّق ذلك: أن عود الروح لا يكون إلا مرتين، بدليل قوله
تعالى: ﴿ربنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾(٣) [غافر: ١١] وكما قالوا
أيضاً في قوله وَ له: ((يُغَانُ على قلبي)): إنه ليس المراد به وسوسةً ولا
رَيْناً، وإن كان أصل الغين ما يتغشَّى القلبَ ويغطِّيه، إنما أشار بذلك إلى
(١) رواه إسماعيل القاضي (٢٣) ولفظه: (( .. من كلَّمه)).
(٢) على حاشية ج بخط العلامة عمر العُرْضي ما نصه: ((في هذا الثاني نظر لا يخفى،
اللهم إلا أن يريد بالروح روح الإنسان، فيتَّجه. لكاتبه)). وأُراها مناقشة لفظية،
فالفاكِهاني يريد الروح البشرية لا غير. والله أعلم.
(٣) إلى هنا نقل السيوطي رحمه الله في كتابه: ((إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء)) الذي
أفرده للإجابة عن الإشكال الوارد على هذا الحديث، وهو مطبوعٍ ضمن ((الحاوي))
١٤٧:٢-١٥٥، وهذا النقل تجده في ص١٥١- ١٥٢، ثم علَّق عليه بقوله:
((وعندي فيه وقْفَة، من حيث إن ظاهره أن النبي ◌ِّ مع كونه حياً في البرزخ يُمنع
عنه النطق في بعض الأوقات، ويُردّ عليه عند سلام المسلِّم عليه، وهذا بعيد
جداً، بل ممنوع فإن العقل والنقل يشهدان بخلافه .. ))، وانظره إن شئت.

٣٣٩
ما يحصل له من السهو والفترة عن مداومةِ الذكر، ومشاهدة الحق بما
كُلِّفه من أعباءِ أداءِ الرسالة وحمل الأمانة، مع ملازمة طاعة ربه وعبادة
خالقه في ذلك كلُّه، كما بَسَطه عياض في ((الشفا))(١).
٢- وأجاب البيهقي بما حاصلُه: أن المعنى: إلا وقد ردَّ الله عليَّ
روحي (٢)، يعني أن النبي ◌َّ عَقِب مامات ودُفن: ردَّ الله عليه روحه
لأجل سلام من يسلّم عليه واستمرت في جسده وَّ، لا أنها تُعاد، ثم
تُنزِع، ثم تُعَاد!(٣) .
٣- وأجاب بعض العلماء بتسليم ظاهره، لكن بدون فَزَع ولا مشقة.
٤- وقال غيره: إن المراد بالروح الملكُ الموكَّل بذلك.
٥- وأجاب السبكي الكبير بجواب آخر حسنٍ جداً فقال: يَحتمِل أن
يكون رداً معنوياً، وأن تكون روحه الشريفة مشتغلةً بشهود الحضرة
الإلهية والملأ الأعلى عن هذا العالم، فإذا سُلُّم عليه أقبلت روحه
الشريفة على هذا العالم، ليدرك سلام من يسلّم عليه ويردّ عليه.
(١) انظر منه ٢: ٨٤٠. وانظر شرحه على ((صحيح مسلم)) للحديث المذكور ١٩٧:٨،
وترجمة الإمام الرافعي من ((طبقات)) التاج السبكي ٢٨٩:٨.
(٢) علَّق العلامة عمر العُرْضي رحمه الله تعالى على حاشية نسخة ج، مانصه: ((إنما
أظهر الإمام البيهقي (قد) في التقدير للإشعار بالحاليّة، فإن استعمالها في الجملة
الحالية مألوف، وإنما لم يذكرها في الحديث النبوي لأن الجملة الحالية إذا صُدِّرت
بماضٍ مثبَت ووقع بعد (إلا) لم يَجُزْ ذِكْر (قد)، كما نصَّ ابن مالك في ((تسهيله)).
وهذا الوجه وجه حسن. أي: ما أحدٌ يسلِّم عليَّ إلا كان سلامه مقارناً لردِّ روحي
الذي وقع قبل ذلك، واستمرَّ وقوعه. وحاصله: إلا طلعت وعلمت بسلامه.
لكاتبه عمر العُرْضي)).
(٣) وهذا الذي رجحه السيوطي رحمه الله في كتابه المذكور، انظر منه ٢: ١٥٠، ١٥٤،
ومما قاله: ((مراد الحديث: الإخبار بأن الله يردّ إليه روحه بعد الموت، فيصير حياً
على الدوام حتى لو سلَّم عليه أحد ردّ عليه سلامه لوجود الحياة، فصار الحديث
موافقاً الأحاديث الواردة في حياته في قبره وواحداً من جملتها، لا منافياً لها البتة
بوجه من الوجوه)).

٣٤٠
وحينئذ فقد حصلنا على خمسة أجوبة عندي في ثالثها وَقْفة .
وقد استُشكل الأخير من جهةٍ أخرى، وهو أنه يستلزمُ استغراقَ الزمانِ
كله في ذلك، الاتصال الصلاةِ عليه والسلام في أقطار الأرض ممن لا
يُحصَی کثرةً.
وأُجيب بأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه
بأحوال الآخرة، والله أعلم(١).
تتمة: في ((صحيح ابن حبان)) في قصة عجوز بني إسرائيل أنها دلَّت
موسى على الصندوق الذي فيه عظام يوسف عليهما السلام، فاستخرجه
وحمله معهم عند قصدهم الذهاب من مصر، فكيف هذا مع حديث:
((إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) على تقدير تعادلهما؟.
والجواب: أن العظام ذُكرت، والمراد بها جميع البدن، من باب
إطلاق الجزء وإرادة الكل. نُقل هذا الجواب عن شيخنا. وتُمِّم: بأن
الجسد لما لم يكن فيه الروح في تلك الحال عبِّرت عنه بالعظام التي من
شأنها عدم الإحساس، أو يكون هذا باعتبار ظن تلك العجوز أنه لا فرق
بين أبدان الأنبياء وسائر الناس في البلاد. والله أعلم.
السابعة: قوله في أثر ابن شهاب(٢) ((يؤدِّيان عنكم)): هو بكسر الدال
المهملة المشدَّدة. أي: أن الليلة واليوم يؤدِّيان ذلك عنكم.
وقوله فيه ((إنه)): بكسر الهمزة. والله أعلم.
(١) وهذا هو الذي ينبغي أن يُنتهى إليه ويُوقف عنده، فكما أنه من المسلّم عدم صحة
قياس أحكام الغائب على الشاهد فكذلك لا يصح قياس أحكام عالم الأرواح
والمعاني على عالم الأشباح والمادّة، مع تسليمي بقوة الجواب الثاني. والله أعلم.
(٢) صفحة ٣٢٣.