Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
طريق عبد الرزاق، وهو في ((جامعه)) ورواته ثقات(١).
٦- وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما، عن النبي وَلي قال:
((بحسب امرىء من البخل أن أُذكر عنده فلا يصلِّي عليَّ)) رواه قاسم بن
أَصْبَغ، وابن أبي عاصم، وإسماعيل القاضي(٢) وغيرهم.
وعن أخيه الحسين بن علي رضي الله عنهم، عن النبي ◌َّ- قال:
((البخيل من ذكرتُ عنده فلم يصل عليَّ)) رواه أحمد في ((مسنده))،
والنسائي في ((سننه الكبرى))، والبيهقي في ((الدعوات)) و((الشعب))، وابن
أبي عاصم في ((الصلاة)) له، والطبراني في ((الكبير))، والتيمي في
((الترغيب))، وابن حبان في ((صحيحه)) وقال: هذا أشبه شيء مما روي
عن الحسين، والحاكم في (صحيحه)) وقال: صحيح الإسناد ولم
يخرجاه، وله شاهدٌ عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة.
وأخرجه الحاكم من طريق علي بن الحسين، عن أبي هريرة أيضاً،
والبيهقي في ((الشُّعب)) ولفظه: ((البخيل كلَّ البخيل مَن ذكرتُ عنده فلم
يصلّ عليّ)).
وعن أبيهما علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، عن النبي ◌َّ قال:
((البخيل من ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ)) رواه النسائي - وابن بشكوال
من طريقه -، والبخاري في ((تاريخه))، وسعيد بن منصور في ((سننه))،
والسرَّاج عن قتيبة، والبيهقي في ((الشُعب))، وإسماعيل القاضي،
والخِلَعي، والترمذي وقال: حسن صحيح، وزاد في نسخة: غريب.
(١) لم أره في مَظِنَّته من ((مصنف عبدالرزاق)).
(٢) الحديث في كتاب ابن أبي عاصم (٣٠- ٣١)، وفي كتاب إسماعيل القاضي
(٣١-٣٦)، وفي رواياتهما كلها: الحسين بن علي رضي الله عنهما، وليس فيهما
رواية للحسن رضي الله عنه. أما الحسن المذكور في كتاب إسماعيل القاضي
(٣٩،٣٨) فهو الحسن البصري، وسيشير المصنف إليهما ص ٣٠٤ ويعزوهما إلى
إسماعيل القاضي وسعيد بن منصور.

٣٠٢
قلت: وقد اختلف في إسناد هذا المتن كما ترى، وأيضاً فقد أرسله
بعضهم بحذف التابعي والصحابي معاً، ورواه الدَّراوَرْدي، عن عُمارة،
عن عبد الله بن علي بن الحسين، قال: قال علي، منقطعاً. وأشار
الدار قطني إلى أن الرواية التي وقع فيها من مسند الحُسَين - بالتصغير -
أشبه بالصواب. انتهى.
وقد أطنب إسماعيلُ القاضي في ((فضل الصلاة)) له في تخريج طرق هذا
الحديث وبيانِ الاختلاف فيه من حديث علي، وابنيه الحسن والحسين
رضي الله عنهم (١). وأخرجه أيضاً من طريق عبدالله بن علي بن الحسين،
عن أبيه مرفوعاً. وكذا أخرجه البخاري في ((التاريخ)) أيضاً.
وفي الجملة فلا يَقْصُر (٢) هذا الحديث عن درجة الحسن.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي وَلّ قال: ((البخيل من
ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ)) الحديث، وقد تقدم في أوائل الباب
الثاني(٣).
وعنه رفعه: ((أَلَا أنبئكم بأبخل البخلاء، ألا أنبئكم بأعجزِ الناس؟ :
من ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ، ومن قال له ربه في كتابه ادعوني: فلم
يَدْعُه، قال الله تعالى: ﴿أُدعوني أستجب لكم﴾)) [غافر: ٦٠]، ولم أقف
على سنده.
وفي ((شرف المصطفى)) لأبي سعد الواعظ: أن عائشة رضي الله عنها
كانت تَخِيط شيئاً في وقت السَّحَر فَضَلَّت الإبرةَ وطفىء السراج، فدخل
عليها النبي ◌َّة، فأضاء البيت بضوئه وَ له، ووجدَت الإبرة، فقالت:
ما أضوأَ وجهَك يارسول الله! قال: ((ويلٌ لمن لا يراني يوم القيامة))
(١) انظر الحاشية السابقة.
(٢) ضبط في ب: يُقصِّر !.
(٣) ص٢٠٦.

٣٠٣
قالت: ومن لا يراك؟! قال: ((البخيل))، قالت: ومن البخيل؟ قال:
((الذي لا يصلِّي عليَّ إذا سمع باسمي)).
وفي ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم: أن رجلاً مرَّ بالنبي وَّ ومعه ظَبي قد
اصطاده، فأنطقَ الله سبحانه الذي أنطق كلَّ شيء الظبيَ، فقالت:
يارسول الله! إن لي أولاداً وأنا أُرضعُهم، وإنهم الآن جياع، فأَمُرْ هذا أن
يخلِّيني حتى أذهب فأرضعَ أولادي وأعود. قال: ((فإن لم تعودي؟»،
قالت: إن لمٍ أَعُدْ فَلَعَنني الله كمن تُذْكَر بين يديه فلا يصلِّي عليك! أو:
كنتُ كمن صلَّى ولم يَدْعُ! فقال النبي ◌َّر: ((أَطلِقِها وأنا ضامنها)) فذهبت
الظبية ثم عادت، فنزل جبريل عليه السلام، وقال: ((يامحمد، الله يقرئك
السلام ويقول لك: وعزتي وجلالي لقد أنا (١) أرحمُ بأمتك من هذه
الظبية بأولادها، وأنا أردُّهم إليك كما رَجَعت الظبية إليك)) صلى الله
علیه وسلم.
وفي (شرف المصطفى)) أيضاً: عنه وَل أنه قال: ((ألا أدلكم على خير
الناس، وشرِّ الناس، وأبخل الناس، وأكسل الناس، وأَلاَّم الناس،
وأسرق الناس؟)) قيل: يارسول الله! بلى، قال: ((خير الناس من انتفع به
الناس، وشرّ الناس من يَسعى بأخيه المسلم، وأكسلُ الناس من أرِقَ ليلةً
فلم يذكر الله بلسانه وجوارحه، وأَلأَم الناس من إذا ذكرتُ عنده فلم
يصلِّ عليَّ، وأبخل الناس من بَخِل بالتسليم على الناس، وأسرقُ الناس
من سرق صلاته)) قيل: يا رسول الله! كيف يسرِق صلاته؟ قال: ((لا يتمُّ
ركوعها ولا سجودها)).
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((حَسْبُ العبدِ من
البخل إذا ذكرتُ عنده أن لا يصليَ عليَّ)) رواه الديلمي من طريق الحاكم
في غير ((المستدرك)).
(١) كذا في الأصول، والظاهر أن الصواب: لأَنا.

٣٠٤
وعن الحسن البصري مرسلاً، قال: قال رسول الله وَ له: ((بحسْب
المؤمن من البخل أن أُذكَر عنده فلا يصلِّي علي»، وفي لفظ: ((كفى به
شُحّاً أن أُذكر عند رجل فلا يصلِّي عليَّ)) وَّر. أخرجه سعيد بن منصور
وإسماعيل القاضي من وجهين، ورواته ثقات.
وعن أبي ذرّ الغِفاري رضي الله عنه، قال: خرجت ذات يوم، فأتيت
رسول الله و له فقال: ((ألا أخبركم بأبخل الناس)) قالوا: بلى يارسول الله
قال: ((مَن ذكرتُ عنده فلم يصل عليَّ، فذاك أبخل الناس)) رواه ابن أبي
عاصم في ((الصلاة)) من طريق علي بن يزيد، عن القاسم.
وأخرجه إسماعيل القاضي من طريق مَعْبد، عن رجل من أهل دمشق
لم يسمَّ، عن عوف بن مالك، عن أبي ذرّ رفعه: ((إن أبخل الناس مَن
ذكرتُ عنده فلم يصلِّ عليَّ)) ◌َّ.
وهكذا أخرجه إسحاق والحارث في مسنديهما، وأبو جعفر ابن
البَخْتَري في ((الرابع عشر من حديثه))، ولفظه: أنه جلس إلى رسول الله
وَال*، أو جلس رسول الله وَ له إليه، فقال: ((يا أبا ذر أصليتَ الضحى))
فذكر حديثاً طويلاً وفيه هذا المتن، والحديث غريب، ورجاله رجال
الصحيح، لكنْ فيهم رجل مبهم لا أعرفه.
قلت: وفي سند إسماعيل القاضي لطيفة، وهي رواية صحابي، عن
مثله، وتابعي، عن مثله.
٧- وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ قال: ((ما جلس قومٌ
مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلُّوا على نبيه بَّهَ إلا كان عليهم
من الله تِرَةً (١) يوم القيامة، فإنْ شاء عذَّبهم وإن شاء غفر لهم)) رواه
أحمد، والطيالسي، والطبراني في ((الدعاء))، وأبو الشيخ، وإسماعيل
القاضي، وأبو داود، والترمذي واللفظ له وقال: حسن.
(١) سيأتي ص٢٨٣ قول المصنف: ((يجوز رفعها ونصبها على اسم كان وخبرها)).

٣٠٥
قلت: وإنما حسَّنه لشاهده، لأنه عنده من رواية صالح مولى التَّوأمة،
وهو ضعيف(١)، وأخرجه الحاكم في ((مستدركه)) من هذا الوجه أيضاً،
كما سيأتي، ورواه ابن أبي عاصم بنحوه، وابن حبان في ((صحيحه))
- ومن طريقه أبو اليمن ابن عساكر - بلفظ: ((لا يذكرون الله ويصلون))
وقال عقبها: كذا وقع في الرواية ((ويصلون)) بدون (ولا))، ويحسن
ذكرها ليزول إيهام الابتداء في قوله ((ويصلون))، فإن ((لا)) عاطفة لهذا
المعنى في الحكم على ماقبلها، قال الله سبحانه: ﴿غيرِ المغضوب
عليهم ولا الضالين﴾ .
وأخرجه الحاكم موقوفاً من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن
أبي هريرة بلفظ: ((ماجلس قوم مجلساً ثم تفرَّقوا قبل أن يذكروا الله
ويصلوا على نبيه إلا كان عليهم حسرةً إلى يوم القيامة)).
ومن طريق أبي صالح أيضاً: سمعت أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم
وَلَه: ((أيُّما قوم جلسوا فأطالوا الجلوس ثم تفرَّقوا قبل أن يذكروا الله
ويصلُّوا على نبيّه إلا كان عليهم تِرَةً من الله، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر
لهم)) وقال: صحيح(٢)، وردّه الذهبي بأن صالحاً ضعيف.
وهو بهذا اللفظ أيضاً عند الطبراني في ((الدعاء)).
وساقه الحاكم أيضاً من طريق ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، عن النبي وَّ قال:
((ماجلس قوم يذكرون الله لم يصلّوا على نبيهم إلا كان ذلك المجلس
(١) صالح مولى التوأمة هو صالح بن نبهان، وهو صدوق حديثه حسن، لكنه اختلط،
فرواية من روى عنه قبل الاختلاط من رتبة الحديث الحسن، والذي روى عنه هذا
الحديث عند الترمذي (٣٣٨٠): سفيان الثوري، وهو ممن روى عنه بعد
الاختلاط، لكن رواه عنه عند أحمد ٤٥٣:٢ ابن أبي ذئب، و٤٩٥ زياد بن سعد،
وهما ممن روى عنه قبل الاختلاط، فالحديث بهذه المتابعات صحيح.
(٢) وزاد ٤٩٦:١: ((وصالح: ليس بالساقط)) وهو صالح مولى التوأمة. وصالح كما
ذکرتُ حاله.

٣٠٦
عليهم تِرَةً، ولا قعد قومٌ لم يذكروا الله إلا كان عليهم تِرَةً)) وقال: إنه
صحيح على شرط البخاري. انتهى.
وهذه الرواية عند أحمد في ((مسنده)) بلفظ: ((ماجلس قوم مجلساً لم
يذكروا الله عز وجل إلا كان عليهم تِرَةً، وما مِن رجل مشى طريقاً فلم
يذكر الله عز وجل إلا كان عليه تِرَةً، وما من رجل أَوَى إلى فراشه فلم
يذكر الله عز وجل إلا كان عليه تِرَةً)). وفي رواية: ((إلا كان عليهم حسرة
يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب)).
قلت: وقد اختلف في هذا الحديث على المقبري، فقيل: عنه، عن
أبي هريرة، وهي رواية أبي داود وغيره، وقيل: عنه، عن إسحاق، عن
أبي هريرة، وهي رواية أحمد والحاكم كما تقدم، والله أعلم.
وقد رواه البيهقي في ((الشُعب)) بلفظ: ((أيُّما قوم اجتمعوا ثم تفرقوا .. ))
وذكر نحوه.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((ما من قوم
جلسوا مجلساً ثم قاموا منه لم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي ◌َّ، إلا
كان ذلك المجلسُ عليهم تِرَةً)). رواه الطبراني في ((الدعاء)) و(المعجم
الکبیر)) بسند رجاله ثقات.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ قال: ((لا يجلسُ
قوم مجلساً لا يصلون فيه على رسول الله و ◌َ﴿ إلا كان عليهم حسرةً وإن
دخلوا الجنة، لِمَا يرون من الثواب)).
أخرجه الدِّينَوَري في ((المجالسة))، والتيمي في ((الترغيب))، والبيهقي
في ((الشُعب))، وسعيد بن منصور في ((السنن))، وإسماعيل القاضي،
وابن شاهين في بعض أجزائه، ومن طريقه ابن بشكُوال، وساقه الضياء
في ((المختارة)) من طريق أبي بكر الشافعي مرفوعاً، ومن طريق أبي بكر
ابن أبي عاصم موقوفاً، وكذا رواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة))،
والترمذي في ((الدعاء)) مُحِيلاً بلفظه على لفظ حديث أبي هريرة،

٣٠٧
والبغوي في ((الجَعْدیات))، وهو حديث صحيح.
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَتليفون: ((ما اجتمع قوم ثم
تفرَّقوا عن غير ذكر الله عز وجل، وصلاةٍ على النبي ◌َّ إلا قاموا عن
أَنْتنِ جيفة)). رواه الطيالسي، ومن طريقه البيهقي في ((الشُعب)) والضياء
في ((المختارة)) .
وأخرجه النسائي في ((اليوم والليلة)) وتمَّام في ((فوائده)) - ومن طريقه
أبو اليمن ابن عساكر - ورجاله رجال الصحيح على شرط مسلم، وهو
عند الطبراني في ((الدعاء)) بلفظ: ((مامن قوم اجتمعوا في مجلس ثم
تفرقوا ولم يذكروا الله ولم يصلُّوا على نبيهم بَّ إلا كان عليهم حسرة
يوم القيامة)).
٨- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله:
((من لم يصلِّ عليَّ فلا دِين له)) أخرجه محمد بن حمدان المَروزي، وفي
سنده من لم يسمَّ .
٩- وعن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً، ولم أقف على سنده، قال:
((لا يَرَى وجهي ثلاثةُ أنفس: العاقُّ لوالديه، وتارك سنتي، ومن لم يصلّ
عليَّ إذا ذُكِرت بين يديه)) فصلى الله عليه وسلم وعلى آله ماطلعت
الشمس، وتلا اليومَ أمسٍ.

٣٠٨
وهذه فوائد نختم بها الباب الثالث
الأولى: قال ابن حبان عقب حديث مالك ثاني أحاديث الباب(١): في
هذا الخبر دليلٌ على أن المرء قد يُستحبُّ له ترك الانتصار لنفسه، سيما
إذا كان ممن يُتَأْسَّى بفعله، وذلك أن المصطفى وَّ لما قال له جبريل
وَ ◌ّ ذلك بادر إلى التأمين على دعائه في حقِّ صائم رمضان ومدركٍ
والديه أو أحدَهما، فلما قال: ((ومن ذكرتَ عنده)) لم يبادر إلى التأمين
عند وجود حظّ النفس (٢) فيه حتى قال له: ((قل آمين)) أراد التأسِّيَ في
ترك الانتصار للنَّفس بالنفس، إذِ الله جل وعلا هو ناصر أوليائه في
الدارين، وإن كرهوا نصرة الأنفس في الدنيا.
وهذا التأويل - كما قال أبو اليمن ابن عساكر -: حسنٌ على وَفق
مارواه، لكن قد رَوَيناه من طرق صحيحة فيها أنه بادر إلى التأمين عليها
أيضاً من غير أن يأمره جبريل.
قلت: بل في بعضها أيضاً - كما أسلفته - أنه أمره في كل مرة من
الثلاث، والله أعلم.
الثانية: قوله ((رَقِيت)): من الرُّقيّ، وهو الصعود، يقال: رَقِيَ - بكسر
القاف - يَرْقَى، وأما الرُّقْية فبالضد من ذلك(٣).
وقوله ((رَغِمَ)): حكى فيه الجوهري الفتح والكسر في الغين المعجمة،
وكذا ضبطه النووي في حديث تخيير النبي ◌َّ نساءه من ((شرح مسلم)).
وهو في روايتنا بكسر الغين المعجمة، أي لصِق بالرُّغام - وهو التراب -
ذُلاً وهواناً.
(١) يريد مالك بن الحويرث رضي الله عنه، وحديثه هو المتقدم ص ٢٩٢.
(٢) كذا قال ابن حبان عقب الحديث (٤٠٩)! وفي نسبة حظ النفس إلى النبي وقل
وقفة، بل يقال: لم يبادر إلى التأمين عند وجود ما يتصل بشخصه الكريم وَل قل.
(٣) أي: رفَى يَرْقِي، على وزن: رَمَى يرمي.
:

٣٠٩
وقال ابن الأعرابي: هو بفتح الغين، ومعناه: ذَلَّ.
وقال في ((النهاية): يقال: رَغِم يَرْغَم رُغْماً ورَغْماً ورِغْماً، وأَرْغَم الله
أنفه، أي ألصقه بالرُّغام - وهو التراب - هذا هو الأصل، ثم استُعمِل في
الذُّلِّ والعجزِ عن الانتصاف والانقياد على كُره. انتهى.
وقيل: معناه أيضاً: اضطرب، وقيل: غضب.
وقوله: ((صَعِدَ)) هو بكسر العين في الماضي، ويُفتح في المستقبل،
وهذا واضح.
وقوله: (بَعِدَ)) بالضم، وفي رواية: أبعده الله، يعني: عن الخير،
ويروى بالكسر أي: هلك، ولا مانع من حمله على المعنيين.
الثالثة: ((خَطِىءَ)): بفتح الخاء، وكسر الطاء، وهمز آخره. قال في
((النهاية)): يقال: خَطِىءَ في دينه خِطْأَ: إذا أثم فيه، والخِطءُ: الذنب
والإثم، وأخطأ يُخْطِىءُ: إذا سلك سبيل الخطأ عمداً أو سهواً، ويقال:
خَطِىء بمعنى أخطأ أيضاً. وقيل: خطىء: إذا تعمّد، وأخطأ: إذا لم
يتعمد، ويقال لمن أراد شيئاً ففعل غيره، أو فعل غير الصواب: أخطأ.
ووقع في ((الشِّفا)): أُخطِىء، وهو بضم الهمزة مكسور الطاء، مبنيٌّ
لما لم يسمَّ فاعله.
الرابعة: إن استُشكل حمْلُ حديث ((من نسي الصلاة عليَّ)) على
ظاهره، لِمَا ورد ((رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) ولِمَا هو مقرر من أن
الناسي غيرُ مكلف، وغيرُ المكلّف لا لوم عليه.
فالجواب: أن المراد بالناسي التاركُ، كقوله تعالى: ﴿نَسُوا الله
فنسيهم﴾ [التوبة: ٦٧]، وكقوله: ﴿كذلك أتتْك آياتنا فنسيتها، وكذلك
اليوم تُنسى﴾ [طه: ١٢٦]، أي تُترك في النار. وقد قال الهَرَوي في الآية
الأولى: معناها: تركوا أمر الله فتركهم من رحمته، وكقوله: ﴿فاليومَ
ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾ [الجاثية: ٣٤]، ولما كان التاركُ

٣١٠
لها(١) لاصلاة له، والصلاةُ عماد الدين، فمن تركها حُقَّ له ذلك.
فلا تكونن عن الصلاة على نبيك غافلاً، فيكونَ نور الخير عنك آفِلاً،
وتكونَ من أبخل البخلاء، والمتخلِّقين بأخلاق أهل الجفاء وغير
العقلاء، والمتقلَّبين بقلوبٍ غير مطمئنة، والمُنكَّبين عن طريق الجنة،
وفقني الله وإياك لمرضاته، ورغَّبنا فيما يبلِّغ جزيل عطائه وصِلاته، بمنِّه
و کرمه .
الخامسة: البخل: هو إمساكُ ما يُقتنى عمَّن يستحقُّه، وفي الأحاديث
الماضية دلالةٌ على أنه يوصف بالبُخل مَن تكاسل عن الطاعة، والله أعلم.
السادسة: التِّرَة: بكسر المثناة الفوقية، وتخفيف الراء المفتوحة، ثم
تاء: الحسرةُ، كما في الطريقِ الأخرى، وقيل: هي النار، وقيل: هي
الذنب، وقال ابن الأثير: التِّرَةُ: النقص، وقيل التَّعة، والهاء فيه عوض
من الواو المحذوفة، مثل: وعدته عِدَةً، ويجوز رفعها ونصبها على اسم
كان وخبرها، والله أعلم.
السابعة: قوله ((وإن دخلوا الجنة)): معناه - والله أعلم - أنهم
يتحسَّرون على ترك الصلاة على النبي ◌َّ في موقف القيامة، ولو لِمَا(٢)
فاتهم من الثواب، وإن كان مصيرهم إلى الجنة، لا أن الحسرة تلازمهم
بعد دخول الجنة، والله الموفق.
الثامنة: قوله ((من الجفاء)): هو بفتح الجيم والمدّ: وهو ترك البرِّ
والصلة، ويطلق أيضاً على غِلَظ الطبع. والجفاءُ: البعد عن الشيء،
والله أعلم.
(١) أي: الصلاة على النبي وَّل في الصلاة، وذلك بعد التشهد.
(٢) هكذا في الأصول الخمسة: ولو لما.

٣١١
الباب الرابع
في تبليغه وَّ سلامَ من يسلِّم عليه وردِّه السلام
وغير ذلك من الفوائد والتتمات
حديث عمار وأنس وأبي أمامة وأبي هريرة وغيرهم مما يصلُح لهذا
الباب: تقدمت في الباب الثاني(١). وحديث أبي قِرْصافة يأتي في الباب
الأخير(٢).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي وَ لَه قال: ((إن الله ملائكةً
سيّاحينَ يبلّغوني عن أمتي السلام)). رواه أحمد والنسائي والدارمي
وأبو نعيم، والبيهقي والخِلَعي، وابن حبان والحاكم في صحيحهما
وقال: صحيح الإسناد.
وأسنده أبو اليمن ابن عساكر من طريق معاذ بن معاذ العنبري،
وعبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن كثير، وفي بعض ألفاظه: (لله
ملائكةٌ سيّاحون)) وأشار إلى أنه عند وكيع وعبد الرزاق والفِريابي ستتهُم
عن الثوري، عن عبد الله السائب، عن زاذان، عن ابن مسعود، وقال:
إنه حسنٌ من حديث الثوري.
وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((إن الله ملائكةً
يَسيحون في الأرض يبلِّغوني صلاة من صلَّى عليَّ من أمتي)). أخرجه
الدار قطني فيما انتقاه من حديث أبي إسحاق المزكِّي من روايته، من
طريق زاذان، عن علي، وهو وهَم، وإنما رواه زاذان، عن ابن مسعود،
كما تقدم، والله الموفق.
(١) هي بالترتيب في صفحة ٢٤٦، ٢٦٩، ٢٤٧، ٢٥٠، ولأنس حديث آخر يأتي
ص٣١٨.
(٢) ص٤١١.

٣١٢
وعن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال: قال رسول الله
وَ له: ((حيثُما كنتم فصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلغني)) صلى الله عليه وسلم.
رواه الطبراني في ((الأوسط)) و ((الكبير)) وأبو يعلى بسند حسن، لكن قد
قيل: إن فيه من لم يعرف(١) .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ليس أحدٌ من أمة محمد وَّه
يصلِّي على محمد أو يسلِّم عليه إلا بُلَّغَه (٢): يصلي عليك فلان، ويسلم
عليك فلان. رواه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) هكذا موقوفاً،
والبيهقي ولفظه: ليس أحد من أمة محمد يصلّي عليه صلاة إلا وهي
تبلغه، يقول الملك: فلان يصلّي عليك كذا وكذا صلاةً.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي وَلو أنه قال: ((لا تجعلوا
بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ فإن صلاتكم تبلُغني
حيثما كنتم)) أخرجه أبوداود، وأحمد في ((مسنده))، وابن فِيل في ((جزئه))
المرويّ عنه، وصححه النووي في ((الأذكار))، وعند ابن بَشْكُوال من
حديثه مرفوعاً بلفظ: ((ما من أحد يسلُّم عليَّ إلا ردَّ الله إليَّ روحي حتى
أردَ عليه)).
(١) ((الأوسط)) للطبراني (٣٦٧)، و((الكبير)) ٣(٢٧٢٩) باللفظ المذكور، وفي إسناده
حميد بن أبي زينب، قال الهيثمي في ((المجمع)) ١٦٢:١٠: ((لم أعرفه))، وأبو
يعلى (٦٧٦١) بنحوه، وفي إسناده ضعف وانقطاع، لا: حسن، وسيذكره المصنف
ص٣١٤ ويحكم عليه بالضعف، وليس في مسند أبي يعلى حديث آخر سواه من
رواية الحسن أو الحسين رضي الله عنهما، إنما فيه في مسند سيدنا علي من رواية
ابنه الحسين عنه حديثٌ بهذا المعنى، انظره (٤٦٩)، وفيه ضعف.
هذا تفصيل كلام المصنف رحمه الله، وفيه إجمال غير سائغ، وكأنه تابع المنذري
في ((الترغيب)) ٤٩٨:٢ حيث عزا الحديث إلى الطبراني في ((الكبير)) وحسّن
إسناده .
كما أن ابن أبي عاصم رواه في جزئه (٢٧) من طريق حميد نفسه، وقول محقِّقه
((حديث صحيح)): في مقام المنع، نعم، تصحيح المتن بشواهده أمر آخر مسلّم به.
(٢) الضبط من ب.

٣١٣
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّهِ: ((أَكثروا الصلاةَ
عليَّ في الليلة الزَّهراء واليوم الأغرِّ، فإن صلاتكم تُعرض عليَّ)). أخرجه
الطبراني في ((الأوسط)) بسند ضعيف، لكن يتقوَّى بشواهده.
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّر: ((من صلى عليَّ
عند قبري سمعتُه، ومن صلى عليَّ من بعيد أُعْلِمْتُه)). أخرجه أبو الشيخ
في ((الثواب)) له من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح،
عنه، ومن طريقه الديلمي، وقال ابن القيم: إنه غريب.
قلت: وسنده جید، کما أفاده شيخنا.
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((من صلّى عليَّ
عند قبري سمعتُه، ومن صلَّى علي نائياً وكَّل الله به ملكاً يبلِّغني، وكُفيَ
أمرَ دنياه وآخرته، وكنتُ له يوم القيامة شهيداً أو شفيعاً) (١). أخرجه
العُشاري، وفي سنده محمد بن يونس، وهو الكُديمي، متروك الحديث.
وهو عند ابن أبي شيبة، والتيمي في ((ترغيبه)) والبيهقي في ((حياة
الأنبياء)) له باختصار: ((من صلى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلَّى علي
نائياً أُبلغته)).
وأخرجه في ((الشُعب)) بلفظ: ((مامن عبد يسلم عليَّ عند قبري إلا
وكَّل الله بِهَا ملكاً يبلغني)) والباقي سواء. وأورده ابن الجوزي من طريق
الخطيب، واتَّهم به محمد بن مروان السُّدي، ونَقَل عن العُقَيلي أنه قال:
لا أصل لهذا الحديث من حديث الأعمش، وليس بمحفوظ. انتهى.
وقال ابن كثير: في إسناده نظر .
وقوله ((نائياً)): يعني بعيداً، كما فسَّرته الرواية الأخرى.
وعن زين العابدين علي بن الحسين بن علي أن رجلاً كان يأتي كلّ
غداةٍ فيزور قبرَ النبي ◌َّر ويصلي عليه، ويصنع في المساء مثل ذلك،
(١) في ج: وشفيعاً. وانظر صفحة ٢٣١، وانظر (التنبيه) ص٣٤٦ -٣٤٧.

٣١٤
فاشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له: ما يَحمُلك على هذا؟ قال:
أُحبُّ التسليم على النبي ◌ََّ، فقال له علي بن الحسين: أخبرني أبي،
عن جدّي رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله وَليه: ((لا تجعلوا قبري
عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليَّ وسلِّموا حيثُ ما كنتم،
فستبلغني صلاتكم وسلامكم)). أخرجه إسماعيل القاضي وفي إسناده من
لم یسم.
ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، وعنه أبو يعلى، ولفظهما: رأى علي بن
الحسين رجلاً يأتي إلى فُرجة كانت عند قبر النبي وَ لّ فيدخل فيها
فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثُكم حديثاً سمعته من أبي، عن جدّي
- يعني علياً بنَ أبي طالب - رضي الله عنه، عن رسول الله وَ لان: ((لا
تتخذوا قبري عيداً، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً، وسلَّموا عليَّ، فإن
تسلیمکم یبلغني أينما كنتم» وهو حديث حسن.
ورواه ابن أبي عاصم من حديث علي بن حسين قال: أخبرني أبي،
عن حسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له: ((صلوا عليّ، فإن
صلاتكم وتسلیمکم یبلغني حیثما کنتم)).
ورواه أيضاً هو والطبراني في ((الكبير)) من حديث حسن بن حسن بن
علي بن أبي طالب، عن أبيه، أن النبي بَّه قال: ((حيثما كنتم فصلّوا
عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني)).
وأخرجه أبو يعلى من حديث الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله
عنهما قال: قال رسول الله وَلجر: ((صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً،
ولا تتخذوا بيتي عيداً، صلوا عليّ وسلموا، فإن صلاتكم وسلامكم
يبلغني أينما كنتم)) وفي سنده عبد الله بن نافع وهو ضعيف.
وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) عن الثوري، عن ابن عجلانَ، عن
رجل يقال له: سهيل، عن الحسين بن الحسن بن علي، أنه رأى قوماً
عند القبر فنهاهم، وقال: إن النبي وَ لّ قال: ((لا تتخذوا بيتي عيداً، ولا

٣١٥
تتخذوا بيوتكم قبوراً، وصلّوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلُغني)).
وهذا مرسل.
وهو عند إسماعيل القاضي قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا
عبدالعزيز بن محمد، عن سهيل قال: جئت أسلم على النبي ◌َلّ وحسن
ابن حسين يتعشَّى في بيتٍ عند قبر النبي ◌َِّ فدعاني فجئته، فقال: أُدْنُ
فكُلْ، قلت: لا أريده، ثم قال: مالي رأيتك وقفت؟ قلت: وقفت
أسلُّم على النبي وَّه، فقال: إذا دخلتَ المسجد فسلّم عليه، فإن
رسول الله وَ الخير قال: ((صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها مقابر، لعن الله
اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وصلّوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني
حیثما كنتم))(١).
وقد رُوي: أنه رأى رجلاً ينتاب القبر فقال: ياهذا ما أنتَ ورجلٌ
بالأندلس إلا سواء، يعني أن الجميع يبلغه. صلوات الله وسلامه عليه
دائماً إلى يوم الدين.
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَ له:
((أكثروا الصلاة عليَّ، فإن الله وكَّل بي ملكاً عند قبري، فإذا صلى عليّ
رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد إن فلان ابن فلان صلىّ
عليك الساعةَ)) أخرجه الديلمي وفي سنده ضعف.
وعن حمَّاد الكوفي قال: إن العبد إذا صلى على النبي ◌َِّ عُرِض عليه
باسمه، أخرجه النُّميري.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله وَل قال: ((ما من أحد
(١) على حاشية أ بخط مغاير مانصه: ((قوله ((حيثما كنتم)): أي: في أي مكان كنتم
فيه. قال البيضاوي: وذلك لأن النفوس القدسية إذا تجرَّدت عن العلائق البدنية
عَرَجت واتصلت بالملأ الأعلى، ولم يبق لها حجاب، فترى الكلَّ كالمشاهدة
بنفسها، أو بإخبار الملك لها، وفيه سرّ يطّلع عليه من يُسّر له. كما في ((مسالك
الحنفا)) - ص ٢٤٣ - . ((مجمع الفوائد)).

٣١٦
يسلّم عليَّ إلا ردَّ الله تعالى إليَّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) رواه أحمد
وأبوداود، والطبراني والبيهقي وعباس التُّرْقُفي، ومن طريقه أبو اليمن ابن
عساكر بإسناد حسن، بل صححه النووي في ((الأذكار)) وغيره، وفيه نظر.
وقال شيخنا: رواته ثقات. قلت: لكن انفراد يزيد بن عبد الله بن
قُسَيط بروايته له عن أبي هريرة يمنع من الجزم بصحته، لأن فيه مقالاً،
وتوقَّف فيه مالك، فقال في حديث آخر من روايته خارجَ ((الموطأ»:
ورَجُله ليس بذاك. انتهى (١). وذكر التقي ابن تيمية مامعناه: أن رواية
أبي داود فيها يزيد بن عبد الله، وكأنه لم يدرك أبا هريرة، وهو ضعيف،
وفي سماعه منه نظر. انتهى.
على أن طريق الطبراني وغيرِه سالمة من ذلك، لكن فيها من لم
يُعرف.
وقد ذكر الموفَّق ابن قدامة في ((المغني)) هذا الحديث فزاد فيه بعد
قوله ((يسلُّم عليَّ)): ((عند قبري)) ولم أقف عليها فيما رأيته من طرق
الحديث، والعلم عند الله تعالی.
ثم رأيت في ((السَّمْعِونيات)) بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه
أيضاً مرفوعاً: ((من صلَّى عليَّ عند قبري وُكِّل بها ملَك يبلِّغني، وكُفِيَ
أمر دنياه وآخرتِه، وكنت له يوم القيامة شهيداً أو شفيعاً)).
وقد رُوِّيناه بلفظ: ((مامن مسلم يسلم عليَّ في شرقٍ ولا غربٍ إلا أنا
وملائكةُ ربي نردُّ عليه السلام)) فقال له قائل: يارسول الله! فما بالُ أهل
المدينة؟ قال: ((وما يقالُ لكريم في جيرانه وخيرته؟ إنه مما أُمر به مِن
حِفظِ الجوار حفظ الجيران)) أخرجه أبو نعيم في ((الحِلية)) عن الطبراني
وقال: غريب، وكذا قال الضياء المقدسي.
(١) هذا غريب من المصنف إذ لم يرجع إلى استدراك شيخه في ((التهذيب)) على هذا
الكلام ! .

٣١٧
قلت: وفي سنده عبيد الله بن محمد العُمري، واتهمه الذهبي بوضعه،
والله الموفق(١) .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((إن
أقربَكم مني يوم القيامة في كل موطن أكثرُكم عليّ صلاةً في الدنيا، من
صلى علي في يوم الجمعة وليلةِ الجمعةِ قضى الله له مئة حاجة، سبعين
من حوائج الآخرةَ، وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يُؤَكِّلُ الله بذلك مَلكاً
يُدخله في قبري كما تُدخَل عليكم الهدايا، يخبرني مَن صلّى عليَّ باسمه
ونسبه إلى عشيرته، فأثبته عندي في صحيفةٍ بيضاء)) رواه البيهقي في
((حياة الأنبياء في قبورهم)) له بسند ضعيف، وكذا ابن بشكُوال.
وهو عند التيمي في ((ترغيبه))، وعنه ابن عساكر، ومن طريقه أبو
اليمن، وعند الديلمي في ((مسند الفردوس)) له، وأبي عمرو ابن منده في
الأول من ((فوائده)) بلفظ: ((من صلَّى عليَّ يوم الجمعة وليلة الجمعة مئةً
من الصلاة قضى الله له مئةَ حاجة، سبعينَ من حوائج الآخرة، وثلاثين
من حوائج الدنيا، ووكّل الله بذلك ملكاً يُدخله عليّ قبري، كما تُدخل
عليكم الهدايا، إن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة)) وبعضه تقدم من
حديث جابر في الباب الثاني(٢).
وعند ابن عدي والتَّيمي في ((ترغيبه)) معناه باختصار، ولفظه: ((أَكثروا
الصلاة عليّ يوم الجمعة، فإن صلاتكم تُعرض عليَّ)). وفي لفظ للتيمي
فقط والطبراني بسند فيه أبو ظلال - وقد وثّق ولا يضرُّ في المتابعات -:
(١) ((الميزان)) ٣ (٥٣٩٢)، و((اللسان)) ٤: ١١٢.
والعمري: هكذا في الأصول إلا ج ففيها: الغمري، ومثله في ((الحلية)) ٣٤٩:٦،
ولم أر ما يؤيد أحدهما. أما اتهام الذهبي له بوضع هذا الحديث: ففيه سبق ذهن
من المصنف، إنما ذكر الحافظ هذا الحديث في ترجمة عبيد الله هذا من «لسان
الميزان)) من زياداته على الذهبي في ((الميزان))، وعزاه إلى الدارقطني في ((الغرائب
والأفراد)» وأنه قال: ليس بصحيح، تفرد به العمري، وكان ضعيفاً.
(٢) صفحة ٢٧١ .

٣١٨
((أكثروا الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنه أتاني جبريلُ عليه السلام آنفاً عن
ربي عز وجل قال: ما على الأرض من مسلم يصلّي عليك مرةً واحدةً إلا
صليتُ عليه أنا وملائكتي عشراً).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالّه: ((من صلَّى عليَّ
بَلَغتني صلاته، وصليت عليه، وكُتِبَ له سوى ذلك عشرُ حسناتٍ)) رواه
الطبراني في ((الأوسط)) ورجاله ثقات، لكنْ فيهم راوٍ لم يعرف (١).
وعنه أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَّه: ((لَقِّن السَّمعَ
ثلاثةٌ: فالجنة تسمع، والنار تسمع، وملَك عند رأسي يسمع، فإذا قال
عبدٌ من أمتي كائناً من كان: اللهم إني أسألك الجنة، قالت الجنة: اللهم
أسكنه إياي، وإذا قال عبدٌ من أمتي كائناً من كان: اللهم أجرني من
النار، قالت النار: اللهم أجره مني، وإذا سلّم عليّ رجلٌ من أمتي قال
الملك الذي عند رأسي: يامحمد! هذا فلانٌ يسلِّم عليك فرُدَّ عليه
السلام، ومن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه وملائكته عشراً، ومن
صلى عليَّ عشراً، صلى الله عليه وملائكته مئةً، ومن صلى عليَّ مئة
صلى الله عليه وملائكته ألف صلاةٍ ولم يَمَسَّ جسدَه النار)) أخرجه ابن
بَشْگُوال بسندٍ لا یصح.
وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَاله: ((مِن
أفضلِ أيامكم يومُ الجمعة، فيه خُلقَ آدم، وفيه قُبض، وفيه النَّفخة، وفيه
الصَّعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ))
قالوا: يارسول الله! وكيف تُعرض صلاتُنا عليك وقد أَرِمتَ ؟ ! - يعني
بَليت - قال: ((إن الله عز وجل حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد
الأنبياء)).
(١) هكذا قال الهيثمي ١٦٢:١٠-١٦٣، ولم يسمِّه، والحديث في ((الأوسط))
(١٦٦٣)، وإسناده حسن، وانظر التعليق على ((مجمع البحرين)) (٤٦٤٣).

٣٫٩
رواه أحمد في ((مسنده))، وابن أبي عاصم في ((الصلاة)) له، والبيهقي
في ((حياة الأنبياء)) و((شعب الإيمان)) وغيرهما من تصانيفه، وأبو داود
والنسائي وابن ماجه في سننهم، والطبراني في ((معجمه))، وابن حبان
وابن خزيمة والحاكم في صحاحهم، وقال: هذا حديث صحيح على
شرط البخاري ولم يخرجاه، وكذا صححه النووي في ((الأذكار)) (١) وقال
الحافظ عبد الغني: إنه حسن صحيح، وقال المنذري: إنه حسن، وقال
ابن دِحية: إنه صحيح محفوظ بنقل العدل عن العدل، في كلام له، فيه
تطویل وتهويل.
قلت: والحقُّ أن لهذا الحديث علةً خفيةً، وهي أن حسيناً الجُعفي
راويه أخطأ في اسم جدِّ شيخه عبد الرحمن بن يزيد حيث سماه جابراً،
وإنما هو تميم، كما جزم به أبوحاتم وغيره، وعلى هذا فابن تميم منكر
الحديث، ولهذا قال أبو حاتم: إن الحديث منكر، وقال ابن العربي: إنه
لم يثبت، وقال أبو اليمن: إنه غريب، لكن قد ردَّ هذه العلةَ الدار قطني(٢)
(١) انظره بشرحه لابن علان ٣٠٩:٣.
(٢) وذلك في حواشيه التي كتبها على كتاب ((المجروحين)) لابن حبان. انظر ٥٧:٢
منه من الطبعة الهندية بدائرة المعارف العثمانية، أو صفحة ١٥٧ من كتاب
((تعليقات الدارقطني على كتاب المجروحين لابن حبان البُسْتي)) للأستاذ خليل بن
محمد العربي .
وهذه الحواشي هي للدارقطني على كتاب ابن حبان، كما هو واضح من الكتابين
المذكورين، وكما هو مستفاد من سياق كلام الحافظ ابن عبدالهادي في ((الصارم
المُنْكي)) ص١٧٤ طبعة مطبعة الإمام.
وجاء في كلام ابن القيم في ((جلاء الأفهام)) ص ٧٠: ((قال الدار قطني في كلامه على
كتاب أبي حاتم في الضعفاء .. )) فظن شيخنا عبدالله الصديق الغماري رحمه الله أنه
أبو حاتم الرازي، فنسبه كذلك في كتابه «نهاية الآمال في شرح وصحة حديث
عرض الأعمال)) ص٢١، وهذا منه غريب.
وأما ميل الخطيب إلى قول الدارقطني فتجده في ((تاريخ بغداد)) ٢١١:١٠، وقال
ابن عبدالهادي: ((هو أقرب وأشبه بالصواب)) وانظر تمام كلامه.

٣٢٠
وقال: إن سماع حسين من ابن جابر ثابت، وإلى هذا جنح الخطيب.
ووقع لأبي اليمن ابن عساكر في نقل كلام أبي حاتم وهم، فإنه قال:
وراويه هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، وليس بعبد الرحمن
ابن يزيد بن تميم السُّلمي، فاعلم ذلك، نص عليه ابن أبي حاتم عن
والده في كتاب ((العلل)). وما تقدم هو الصواب، والعلم عند الله تعالى.
تنبيه: قد وقع هذا الحديث عند ابن ماجه في الصلاة من ((سننه))
فسمَّى الصحابيَّ شداد بن أوس، وذلك وَهَم نبّه عليه المزيُّ وغيره،
وقد وقع عنده في الجنائز على الصواب كما أخرجناه، ونبهتُ على ذلك
لئلا يَظنَّ بعضُ من لا يُحسِن أنني حذفته، والله المستعان.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلَه: ((أكثِروا من
الصلاةِ عليَّ في كل يوم جمعةٍ، فإن صلاة أمتي تعرضُ عليَّ في كل يوم
جمعةٍ، فمن كان أكثرهم عليَّ صلاةً كان أقربَهم مني منزلةً)) رواه البيهقي
بسند حسن لا بأس به، إلا أن مكحولاً قيل: لم يسمع من أبي أمامة في
قول الجمهور، نعم، في ((مسند الشاميين) للطبراني التصريح بسماعه
منه(١)، وقد رواه أبو منصور الديلمي في ((مسند الفردوس)) له فأسقط منه
ذكر مكحول، وسنده ضعيف، ولفظه عند الطبراني: ((من صلَّى عليَّ
صلى عليه ملَك حتى يُبلِّغَنيها)) وقد تقدم في الباب الثاني(٢) .
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلي: ((أكثروا من
الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحداً
(١) (٣٤١٥)، لكن في الإسناد إليه مثَّهم.
هذا، وقد قال ابن حبان في ترجمة مكحول من ((الثقات)) ٤٤٧:٥: ربما دلّس،
وللحافظ ابن حجر في صحة ذلك وقفة فإنه قال في ((طبقات المدلسين)) له: ((لم
أره للمتقدمين إلا في قول ابن حبان)) ولذا لم يذكره بذلك في ((التقريب))
(٦٨٧٥)، أما الذهبي في ((الميزان)) ٤ (٨٧٤٩) فجعل كلمة ابن حبان ((ربما
دلس)): ((هو صاحب تدليس) !! وراجع الأصول دائماً.
(٢) ص ٢٤٧ .