Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ وقد حصل له ذلك، فقال: ((ولكنْ صاحبُكم خليل الله)). ويَرِد عليه ما يَرِد على الأول. قلت: وهو نحوُ ما أجاب به القَرَافي في ((قواعده)) كما سأذكره قريباً، وقرَّبه بأنه: مَثَلُ رجلين يملك أحدهما ألفاً ويملك الآخر ألفين، فَيَسأل صاحبُ الألفين أن يُعطى ألفاً أخرى نظير الذي أُعطيها الأول، فيصير المجموع للثاني أضعاف ما للأول. السادس: أن قوله: ((اللهم صل على محمد)»: مقطوع عن التشبيه فيكون التشبيه متعلقاً بقوله: وعلى آل محمد. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساويهم، فكيف يطلب لهم وقوع مالايمكن وقوعه. انتهى. وعبَّر شيخنا عن هذا بقوله: إن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء، فكيف نطلب لهم صلاةً مثلَ الصلاة التي وقعت لإبراهيمَ والأنبياءِ من ((آله)). ثم قال: ويمكن الجواب عن ذلك بأن المطلوب الثوابُ الحاصلُ لهم، لا جميعُ الصفات التي كانت سبباً للثواب. قلت: وهذا قريب مما أجاب به البُلقيني، فإنه قال مالفظه: إن تشبيه الصلاة على الآل بالصلاة على إبراهيم وآله: ليس تشبيهاً في القدر ولا في الرتبة حتى يقال: إن غير الأنبياء لا يمكن أن يساويهم، بل التشبيه هنا في أصل الصلاة، وذلك قدر مشترك بين الأنبياء والآل، أعني مطلق الصلاة، وإذا كان كذلك فلا يلزم من طلب الصلاة للآل كالصلاة على إبراهيم وآله أن يكون طلباً لما لم يمكن وقوعه، وهو المساواة، فسقط السؤال. انتهى. وقد نقل العمراني في ((البيان)) عن الشيخ أبي حامد أنه نقل هذا الجواب عن نصّ الشافعي حيث قيل له: رسول الله وَ لهو أفضل الأنبياء، فكيف قيل في الصلاة عليه: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ٢٠٢ كما صليت على إبراهيم؟ فقال: قوله ((اللهم صل على محمد)) كلام تام، وقوله ((وآل محمد» عطف عليه، و((كما صليت على إبراهيم)) راجع إلی الذي يليه وهو آل محمد. قلت: وادعى ابن القيم أنه باطل عن الشافعي، قال: لأنه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام الذي يستلزم هذا التركيب الركيك المعيب من كلام العرب. قال شيخنا: كذا قال، وليس التركيب المذكور بركيك، بل التقدير: اللهم صل على محمد، وصلِّ على آل محمد، كما صليتَ .. إلى آخره، فلا يمتنع تعلُّق التشبيه بالجملة الثانية. انتهى. لكنْ قد تعقَّبه الزَّركشي أيضاً بأنه مخالف لقاعدته الأصولية في رجوع المتعلِّقات إلى جميع الجُمَل، وبأن التشبيه قد جاء في بعض الروايات من غير ذكر ((الآل)). قلت: وقريبٌ من هذا الجواب قولُ ابن عبد السلام: شَبَّه الصلاةَ على آل النبي وَّ بالصلاة على آل إبراهيم، والله أعلم. السابع: أن التشبيه إنما هو للمجموع بالمجموع، فإن الأنبياء من آل إبراهيم كثيرة، فإذا قوبلتْ تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التي لمحمد ◌َي أمكن انتفاءُ التفاضل. ونحوه عن ابن عبدالسلام فإنه قال: آل إبراهيم أنبياء، وآل رسول الله وَ ل ﴿ ليسوا أنبياء، والتشبيه إنما وقع بين المجموع الحاصل لرسول الله وَعليه وآله، والمجموع الحاصل لإبراهيم عليه السلام وآله(١)، فيحصُل (١) جاء على حاشية ب بخط مغاير لخطّ الناسخ ما نصه: ((قلت: ويدفعه الحديث الوارد في أنه عليه السلام أفضل من المجموع من حيثُ هو مجموع، وهو أن ميزاناً دُلِّي من السماء فوضع فيه جميع ولد آدم : = ٢٠٣ لآل إبراهيم عليه السلام من تلك العطية أكثرُ مما يحصُل لآل رسول الله وَلخير من هذه العطية، فيكون الفاضل لرسول الله وَ﴾ بعد أخذِ آله من هذه العطية أكثرَ من الفاضل لإبراهيم من تلك العطية، وإذا كانت عطية رسول الله ◌َّ أعظمَ: كان أفضل، فاندفع الإشكال. قلت: وعبَّر ابن عبد السلام عن هذا أيضاً في ((أسرار الصلاة)) له(١) بقوله: تشبيه الصلاة على النبي ◌َّ وآله، بالصلاة على إبراهيم وآله، فيحصل لنبينا وَّر ولآله من آثار الرحمة والرضوان ما يقاربُ ماحصل لإبراهيم وآل إبراهيم، ومعظم الأنبياء هم آل إبراهيم، لأنهم أبناؤه، ثم نقسم الجملة فلا يحصل لآل محمد مثلُ ما حصل لآل إبراهيم، ولن يبلغ آل محمد إلى مراتب الأنبياء، فيتوفّر مابقي من آثار الرحمة الشاملة لمحمد وآله على محمد وليد، فيكون ذلك مشعراً بأن محمداً وَل أفضل من إبراهيم. انتهى. وقال أبو اليُمن ابن عساكر: شبّه الصلاة عليه وَّه وعلى آله، بالصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، فيحصل للنبي وَّر من آثار الرحمة والرضوان ما يقارب أو مثلُ ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم، لأنهم أنبياء، ومعظم الأنبياء هم آل إبراهيم، ثم نقسم الجملة عليه وعلى آله فلا يحصل لآله منها ما حصل لآل إبراهيم، لأن آل إبراهيم أنبياء، ولا = المؤمنون والأنبياء في كِفَّة، ووضع بَّهَ في كِفَّة، فَرَجَحَهم. وعن أبي يزيد البسطامي قدّس سرُّه: مَثَل ماحصل لجميع الأنبياء بالنسبة إلى ماحصل لمحمد عليه وعليهم السلام، كمثل زِقّ فيه عَسَل، ترشح منه قطرات، فالقطرة الواحدة منها مثَلَ ما لجميع الأنبياء، وسائر القطرات ومافي الزِّق مَثَل ماحصل لمحمد عليه السلام من الكمال. لمحرره عبدالعظيم بن القاضي الطَّرسوسي)). (١) ص٤٥-٤٦ من طبعة دار القبلة بجدة، وفيه وفي ج، د: ((فيحصل لنبينا .. ما يقارب ماحصل لآل إبراهيم)). ٢٠٤ يبلغ آل محمد * مراتب الأنبياء، فيتوفّر مابقي من آثار الرحمة الشاملة على محمد ◌َّة، فيكون في ذلك إشعار بتفضيله على من ذُكر. وتعقبه شيخنا فقال: ويعكِّر على هذا الجواب أنه وقع في حديث أبي سعيد - يعني الماضي(١) - مقابلةُ الاسم بالاسم فقط، ولفظه: ((اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم)). قلت: وسبقه إلى تعقُّبه القَرافي في ((القواعد)) لكنْ من وجه آخر حيثُ جعل التشبيه في الدعاء كالتشبيه في الخبر (٢)، قال: وليس كذلك لأن التشبيه في الخبر يصح في الماضي والحال والاستقبال، والتشبيه في الدعاء لا يكون إلا في الاستقبال، والتشبيه هنا إنما وقع بين عطيةٍ تحصل لرسول الله وَ﴿ لم تكن حصلت له قبل الدعاء - فإن الدعاء إنما يتعلَّق بالمعدوم المستقبل - وبين عطيةٍ حصلت لإبراهيم، وحينئذٍ يكون الذي حصل له قبل الدعاء لم يدخل في التشبيه، وهو الذي فَضَل به إبراهيمَ عليهما السلام، قال: فاندفع السؤال من أصله، لأن التشبيه وقع في دعاء لا في خبر. نعم لو قيل: إن العطيةَ التي حصلت لرسول الله وَلهم مثلُ العطية التي حصلت لإبراهيم، لزم الإشكال لكون التشبيه وقع في الخبر، لكن التشبيه ما وقع إلا في الدعاء، والله أعلم. الثامن: أن التشبيه بالنظر إلى ما يحصل لمحمد وآل محمد من صلاة كل فردٍ فردٍ، فيحصل من مجموع صلاة المصلّين من أول التعليم إلى آخر الزمان أضعاف ما كان لإبراهيم ولآل إبراهيم مما لا يحصيه إلا الله عز وجل. وعبّر ابن العربي عن هذا بقوله: المراد دوام ذلك واستمراره. (١) صفحة ١٠٤. (٢) تكررت كلمة ((الخبر)) في هذه الفقرة أربع مرات، لكنها جاءت في أ: الخير، بالياء المثناة، ولا معنى لها. 1 ٢٠٥ قلت: وقد قال شيخ الإسلام تقي الدين السُّبْكي رحمه الله: إذا صلَّى عبدٌ على نبيه وَّيه بهذه الكيفية فقد سأل الله أن يصلي على محمد كما صلى على إبراهيم وآله، ثم إذا قالها عبد آخر فقد طلب صلاةً أخرى غيرَ التي طلبها الداعي الأول، ضرورةَ أن المطلوبَيْنِ - وإنْ تشابها - مفترقان بافتراق الطالب، وأن الدعوتين مستجابتان، إذ الصلاة على النبي وَلّ دعوة مستجابة، فلا بد أن يكون ما طلبه هذا غيرَ ماطلبه ذاك، لئلا يلزم تحصيل الحاصل. فالحاصل - كما قال ولده التاج -: أن الله تعالى يصلّي على النبي وسلم صَلى اللّه صلاةً مماثلة لصلاته على إبراهيم عليه السلام وآله كلَّما دعا عبدٌ، فلا تنحصر الصلوات عليه من ربه التي كلُّ واحدةٍ منها بقدر ماحصل لإبراهيم وآله، إذْ لا ينحصرُ عددُ من صلَّى عليه بهذه الصلاة، والله أعلم. التاسع: أن التشبيه راجع إلى المصلِّي فيما يحصل له من الثواب، لا بالنسبة إلى ما يحصل للنبي وَليل. قال شيخنا: وهذا ضعيف، لأنه يصير كأنه قال: اللهم أعطني ثواباً على صلاتي على النبي ◌ّ كما صليت على إبراهيم. ويمكن أن يجاب بأن المراد مثلُ ثواب المصلِّي على إبراهيم. العاشر: دفع المقدمة المذكورة أولاً، وهي أن المشبّه به يكون أرفعَ من المشبه، وأن ذلك ليس مطَّرداً، بل قد يكون التشبيه بالمثل، بل والدُّونِ، كما في قوله تعالى: ﴿مثلُ نوره كمشكاة﴾، وأين يقعُ نورُ المشكاة من نوره تعالى؟ ولكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئاً ظاهراً واضحاً للسامع حَسُن أن يشبه النور بالمشكاة. وكذا هنا: لما كان تعظيمُ إبراهيمَ وآلِ إبراهيم بالصلاة عليهم مشهوراً واضحاً عند جميع الطوائف، حَسُن أن يُطلَب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثلُ ما حصل لإبراهيم وآل إبراهيم. ٢٠٦ ويؤيدُ ذلك: ختمُ الطلب المذكور بقوله: ((في العالمين))، أي: كما أظهرتَ الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، ولهذا لم يقع قوله ((في العالمين)) إلا في ذكر آل إبراهيم دون ذكر آل محمد، يعني في الحديث الذي وردت فيه، وهو حديث أبي سعيد المخرَّج عند مالك ومسلم وغيرهما . وعبَّر الطيبي عن ذلك بقوله: ليس التشبيه المذكور من باب إلحاق الناقص بالكامل، لكن من باب إلحاق مالم يشتهر بما اشتهر. وقال الحَلِيمي: سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم: ﴿رحمةُ الله وبركاتُه عليكم أهلَ البيت إنه حميد مجيد﴾، وقد عُلم أن محمداً وآل محمد من أهل بيت إبراهيم، فكأنه قال: أجبْ دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد، كما أجبتَها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذ، ولذلك خُتم بما ختمت به الآية وهو قوله: ﴿إنك حميد مجيد﴾ . وقال النووي بعد أن ذكر بعض هذه الأجوبة: أحسنُها ما نُسب إلى الشافعي، أو: التشبيه لأصل الصلاة بأصل الصلاة، أو المجموع بالمجموع. وقال ابن القيم بعد أن زيَّف أكثر هذه الأجوبة إلا تشبيه المجموع بالمجموع: وأحسنُ منه أن يقال: هو ◌ّ من آل إبراهيم، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيم وآلَ عمرانَ على العالمين﴾ قال: محمد من آل إبراهيم، فكأنه أُمِرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصاً، بقدر ماصلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموماً، فيحصل لآله ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له، وذلك القدرُ أزيدُ مما لغيره من آل إبراهيم قطعاً، وتظهر حينئذ فائدة التشبيه، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضلُ من المطلوب بغيره من الألفاظ. انتهى. ٢٠٧ ونقل شيخنا عن المجد اللغوي جواباً، نقله عن بعض أهل الكشف حاصله: أن التشبيه لغير اللفظ المشبه به لا لعينه، وذلك أن المراد بقولنا: اللهم صل على محمد: اجعلْ من أتباعه من يَبلغ النهاية في أمر الدين، كالعلماء بشرعه بتقديرهم أمرَ الشريعة، كما صليت على إبراهيم بأنْ جعلتَ فيهم أنبياءَ يُخبِرون بالمغيَّبات، فالمطلوبُ حصولُ صفات الأنبياء لآل محمد، وهم أتباعه في الدين، كما كانتْ حاصلةً بسؤال إبراهيم. هذا حاصل ما ذكره. قال شيخنا: وهو جيد إن سُلُّم أن المراد بالصلاة هنا ما ادّعاه، والله أعلم. وفي نحو هذه الدعوى جواب آخر، المراد: اللهم استجب دعاء محمد في أمته، كما استجبتَ دعاء إبراهيم في بنيه . ويعكِّر على هذا عطفُ الآل في الموضعين، والله المستعان. قلت: وقد أطال المجد اللغوي رحمه الله في تقرير ماتقدم عزوه إليه، وختم بقوله: وتلخيص ذلك أن يقول المصلي: اللهم صل على محمد بأن تجعل من أمته علماء وصلحاء بالِغِينَ نهاياتِ المراتب عندك، كما صليت على إبراهيم بأن جعلت آله أنبياءَ ورسلاً بالغين نهايات المراتب عندك، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم بما أعطيتَهم من التشريع والوحي، فأعطاهم التحديث، فمنهم محدَّثون، وشَرَع لهم الاجتهاد وقرَّره حكماً شرعياً، فأشبهت الأنبياءَ في ذلك فافهم(١)، فإن في هذه فائدةً جليلة عظيمة، والله يقول الحقَّ وهو يهدي السبيل. (١) انظر ص٢٨ من كتابي ((أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين)). ٢٠٨ الفصل العاشر (١) المراد بالبركة في قوله ((وبارك)): النموُّ والزيادة من الخير والكرامة، وقيل: المراد التطهير من العيوب والتزكية. وقيل: المراد ثبات ذلك ودوامُه واستمراره، من قولهم: بَرَكت الإبل، أي ثبتت على الأرض، وبه سميت بِرْكة الماء - بكسر أوله وسكون ثانيه - لإقامة الماء فيها، وبه جزم أبو اليمن ابن عساكر فقال: ((وبارك)) أي: أَثْبتْ لهم وأَدِمِ ما أعطيتهم من الشرف والكرامة، وهو من قولهم: برك البعير، إذا لزم موضعه الذي اُنیخ فیه. انتھی . وقد يوضع موضع التيقُّن، فيقال للميمون: مبارك، بمعنى أنه محبوب مرغوب فيه. والحاصل أن المطلوب أن يُعطَوْا من الخير أوفاه، وأن يثبت ذلك لهم ويستمر، فإذا قلنا: اللهم بارك على محمد، فالمعنى: اللهم أَدِم ذكر محمد ودعوته وشريعته، وكثِّر أتباعه وأشياعه، وعرِّف أمته من يُمْنه وسعادته أن تشفِّعه فيهم، وتدخلهم جناتك وتحلَّهم دار رضوانك، فيجمع التبريكُ عليه الدوامَ والزيادةَ والسعادةَ. والله المعين. تنبيه: لم يصرح أحد بوجوب قوله: ((وبارك على محمد)) فيما عثرنا عليه، غير أن ابن حزم ذكر ما يُفهم وجوبها في الجملة، فقال: على المرء أن يبارك عليه ولو مرةً في العمر، وأن يقولها بلفظ خبر أبي مسعود أو أبي حميد أو كعب بن عُجْرة. وظاهر كلام صاحب ((المغني)) من الحنابلة وجوبها في الصلاة، فإنه قال: وصفة الصلاة كما ذكرها (١) انظر ((شُعب الإيمان)) للبيهقي ٢٢٥:٤ طبعة الهند، و((جلاء الأفهام)) ص٢٣٣ -٢٤٢. و((فتح الباري)) ١١: ١٦٢ -١٦٣ (٦٣٥٧). ٢٠٩ الخِرَقي، والخِرَقيُّ إنما ذكر ما اشتمل عليه حديث كعب، ثم قال: وإلى هنا انتهى الوجوب، والظاهر أن أحداً من الفقهاء لا يوافق على ذلك، قاله المجد الشيرازي(١)، والله أعلم. (١) هو المجد اللغوي، الذي تكرر ذكره بهذا اللقب، وهو الإمام الفيروز أبادي صاحب ((القاموس)) وغيره، وكلامه هذا في ((الصلات والبُشر)) ص١٠٢ . ٢١٠ الفصل الحادي عشر إن زيادةَ الترخُّم في الصلاة على رسول الله وَّ في التشهد في الأحاديث الماضية: واردةٌ على ابن العربي، حيث بالغ في إنكار ذلك، فقال: حَذارِ ما ذكره ابن أبي زيد من زيادة ((وترحَّمْ)) - يعني في قوله في ((الرسالة)) لما ذكر ما يُستحب في التشهد، ومنه: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فزاد: وترحم على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، إلى آخره - إنه قريب من البدعة، لأنه وَيه علمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي، ففي الزيادة عليه استدراكٌ. انتهى. يعني: أنه باب تعبُّد واتِّباع، فيقتصر فيه على المنصوص، ومن زاد فقد ابتدع، لأنه أحدث عبادةً في محلّ مخصوص لم يرد بها نصّ. قلت: ولم ينفرد بذلك، فقد قال أبو القاسم الصيدلاني من الشافعية ما نصه: ومن الناس من يزيد: وارحم محمداً وآل محمد، كما ترحَّمت على إبراهيم - أو رَحِمت -، وهذا لم يرد في الخبر، وهو غير صحيح(١)، فإنه لا يقال: رحمت عليه، وإنما يقال: رحمته، وأما الترحم: ففيه معنى التكلَّف والتصنُّع فلا يحسن إطلاقه في حق الله تعالى. وقال النووي في ((الأذكار)): وأما ما قاله بعض أصحابنا وابن أبي زيد المالكي من استحباب زيادة على ذلك، وهي ((وارحم محمداً وآل محمد))، فهذا بدعة لا أصل لها. وقال في ((شرح مسلم)): المختار أنه لا تذكر الرحمة، لأنه عليه السلام علَّمهم الصلاة بدونها، وإن كان معناها الدعاء والرحمة، فلاتفرد بالذكْر، وكذا قاله غيره. (١) أي: عربيةً، انظر التنبيه الآتي ص ٢١٥. ٢١١ وهو ظاهر، والأحاديث في زيادتها غيرُ واردة (١)، لأنها كما سلف ضعيفة، لكن لا يقال مع وجودها: لم يَرد في الخبر(٢). وما أحسنَ قولَ القاضي عياض: لم يأتِ في هذا خبر صحيح. إذا تقرر هذا فلعل ابن أبي زيد كان يَرى أن هذا من فضائل الأعمال التي يُتَساهل فيها بالحديث الضعيف، لاندراجه في العمومات، فإن أصل الدعاء بالرحمة لا ينكر، واستحبابه في هذا المحل الخاصِّ ورد فيه ماهو مُضَعَّفٌ، فَتَساهل في العمل به، أو يكونُ صحّ عنده بعضها(٣). على أنه لم ينفرد بذلك. ففي ((شرح الهداية)) نقلاً عن الفقيه أبي جعفر: أما أنا فأقول: وارحم محمداً وآل محمد، واعتمادي على التوارث الذي وجدته في بلدي وبلدان المسلمين. ومثلُه عن السرخسي في ((مبسوطه)): لابأس به، لأن الأثر ورد به من طريق أبي هريرة، ولا عَتْب على من اتبع الأثر، ولأن أحداً لا يَسْتغني عن رحمة الله عز وجل. وهكذا قال الرُّسْتُغْفَنِي، وقال: معنى قوله: وارحم محمداً، راجع إلى الأمة، وهذا كمن جنى جنايةً وللجاني أبٌ شيخٌ كبيرٌ، وأرادوا أن يقيموا العقوبة على الجاني، فيقال للذي يعاقبه: ارحم هذا الشيخ الكبير، وذلك راجع إلى الابن حقيقة. كذا هو في ((المحيط)). والله أعلم. (١) أي: غير واردة على ابن أبي زيد، فلا تستدرك عليه وعلى من يقول بقوله، لأنها ضعيفة. (٢) ((بل قد يطلقون النفي ويقصدون به نفي الطرق الصحيحة))، قاله الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ٧٢٣:٢، نعم، الأولى أن يكون في إطلاق النفي تحقُّظ، كما جاء في كلام القاضي عياض. (٣) انظر هذا الأدب مع الأئمة، مع أن ابن أبي زيد لم يذكر بعلم الحديث ليقال: لعله صحّ عنده بعضها، ورحم الله (الأدب) فإنه قد مات قبل موت أهله. ٢١٢ كثر فى مناكتاب أحادي معرف وقد صرح ابن العربي عقب كلامه بجواز الترحم عليه في كل وقت، يعني ما عدا التشهد، وخالف غيرُه في ذلك، فعدَّ من خصائصه مَّه تعيُّنَ الدعاء له بلفظ الصلاة عليه، وأنه لا يقال: رحمه الله، لدلالة لفظ الصلاة على معنىً من التعظيم لا يُشعر به لفظ الترحم، ولهذا قالوا: لا يصلَّى على غير الأنبياء إلا تَبَعاً، ويطلق لفظ الترحم على غير الأنبياء قطعاً. وحكى القاضي عياضٌ عن ابن عبد البر أنه لا يدعى له بالرحمة، وإنما يدعى له بالصلاة والبركة التي تختصّ به، ويدعى لغيره بالرحمة والمغفرة . ولكنْ بحث الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) له في هذا وقال: إن الصلاة من الله مفسّرةٌ بالرحمة، ومقتضاه أن يقال: اللهم ارحم محمداً، لأن المترادفيْنِ إذا استويا في الدلالة قام كل واحد منهما مقام الآخر، ومال إلى الجواز أيضاً شيخنا حيث قال: إن الإنكار على ابن أبي زيد غير مسلَّم إلا أن يكون لكونه لم يصح، وإلا فدعوى من ادعى أنه لا يقال: ارحم محمداً: مردودٌ لثبوت ذلك في عدَّة أحاديث أصحها في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله. وسبقه إلى الجواز أيضاً شيخه المجد اللغوي، فإنه قال: الذي أقوله: إن الدلائل قائمة على جواز ذلك، وذكر منها قول الأعرابي (خ، م)(١): اللهم ارحمني ومحمداً، وتقريره بَ ير لذلك، وقوله ◌َّ في حديث ابن عباس في الدعاء الطويل عقب صلاته من الليل (ت): ((اللهم إني أسألك رحمة من عندك .. )) إلى آخره، وقوله في حديث عائشة (د): ((اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك)). وقوله (ت): ((ياحيّ (١) هذه الرموز والتي تليها كتبها المصنف رحمه الله فوق أول كلمة من كل حديث تخريجاً له، والمقصود بها معروف، وهي ثابتة في أ، ب، هـ. ٢١٣ ياقيوم برحمتك أستغيث)). وقوله (هق)(١): ((اللهم أرجو رحمتك)) وقوله (م): ((إلا أن يتغمّدني الله برحمته)). قلت: إلى غير ذلك من الأحاديث السالفة وغيرها، وقد أخرج النسائي مِرسلاً عن عكرمة قال: تَظاهر رجل من امرأته وأصابها قبل أن يكفِّر، فذكر ذلك للنبي وَّ فقال له النبي ◌َّ: ((ما حملك على ذلك؟)) قال: رحمك الله يارسول الله .. الحديث(٢)، وهو في السنن الأربعة مرفوعاً، لكنْ بدون هذه اللفظة، وفي خطبة ((الرسالة)) لإمامنا الشافعي مانصه: محمد عبده ورسوله ◌َّ﴾ ورحِم وکرَّم. انتهى(٣). ومحلُّ ذلك - أعني الجواز وعدمه - فيما يقال مضموماً إلى السلام والصلاة، كما أفاده شيخنا وغيره. وممن صرَّح بجوازه كذلك أبو القاسم الأنصاري صاحب ((الإرشاد)) فقال: يجوز ذلك مضافاً إلى الصلاة، ولا يجوز مفرداً، ووافقه على ذلك ابن عبد البر والقاضي عياض في ((الإكمال)) ونقله عن الجمهور، وقال القرطبي في ((المفهم)): إنه صحيح لورود الأحاديث به. انتهى. وجزم بعدم جوازه - يعني مفرداً - الغزالي فقال: لا يجوز ترحم - يعني بالتاء-، وكذا جزم ابن عبد البر بالمنع فقال: لا يجوز لأحد إذا (١) هكذا جاء الرمز في الأصول الثلاثة، وهو رمز البيهقي، كما هو معلوم، وهو في كتاب ((الدعوات)) له، وعلَّقه في ((الشعب)) ٤٧:٣. وهذا إبعاد من المصنف في العزو، فالحديث رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٩٧٥٣) بتحقيقي، وأحمد ٤٢:٥، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٠١)، وأبو داود (٥٠٤٩)، والنسائي (٩٨٥٠، ١٠٤٨٧،١٠٤٠٧)، وابن حبان (٩٧٠)، وحسّنه ابن حجر في ((نتائج الأفكار)» ٢: ٣٦٠. (٢) ((السنن الكبرى)) للنسائي (٥٦٥٢). (٣) تنظر ((الرسالة))؟ وهكذا كتب المصنف - وهو في بقية الأصول -: وَ ل*، وليس من عادة الإمام الشافعي كَتْب: وسلَّم. ٢١٤ ذكر النبي ◌َ ◌ّ أن يقول: رحمه الله، لأنه قال: ((من صلَّى عليَّ)) ولم يقل: من ترحَّم علي، ولا: من دعا لي، وإن كان معنى الصلاة الرحمة، ولكن خُصَّ بهذا اللفظ تعظيماً له، فلا يُعدَل عنه إلى غيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاءَ الرسولِ بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ وهو - كما قال شيخنا- بحث حسن، قال: لكن في التعليل الأول نظر، والمعتمد الثاني. وفي ((الذخيرة)) من كتب الحنفية نقلاً عن محمد بن عبدالله بن عمر كراهة ذلك قال: لإيهامه النقص، لأن الرحمة غالباً إنما تكون عن فعلٍ ما يُلام عليه، ونحن أمرنا بتعظيمهم، قال: ولهذا إذا ذكر الأنبياء لا يقال: رحمهم الله، بل یصلَّی عليهم. فإن قيل: كيف يُدعى له بالرحمة وهو عين الرحمة؟ لقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾. فالجواب - كما قاله الحافظ أبو زرعة ابن العراقي -: أن كونه رحمةً للعالمين: من رحمته له(١) ، فإن الرحمة بالمعنى المفسّر بها في حقّنا - وهي رقّة القلب - مستحيلة في حق الله تعالى، وهي في حقه إما صفةٌ ذات، والمراد بها: إرادة الخير للعبد، أو صفة فعلٍ (٢)، والمراد بها فعل الخير معه، والنبي ◌ّ أجزل الخلق حظاً من إرادة الله تعالى به الخيرَ وفعلِه معه الخيرَ، ولا يقال: هذا حاصل له فكيف نطلبه له، لأن ثمرة ذلك عائدة علينا، كما سبق في المقدمة في الصلاة عليه، ولله الحمد. (١) أي: إن من رحمة الله تعالى للنبي وَّ إرسالَه رحمةً للعالمين. (٢) صفات الذات: هي ما يوصف الله تعالى بها ولا يوصف بضدها، نحو القدرة والعزة والعظمة وغيرها، وصفات الأفعال: هي ما يجوز أن يوصف الله بها وبضدّها، كالرضا والرحمة، والسخط والغضب ونحوها. قاله السيد الشريف في ((تعريفاته)) ص١٣٣، وعنه المناوي في ((التوقيف)» ص٤٥٨ . ٢١٥ والرحمة: قال البيهقي: إنها تجمع معنيين: أحدهما: إزاحة العلة(١)، والآخر: الإثابة بالعمل، وهي في الجملة غيرُ الصلاة، ألا ترى أن الله قال: ﴿أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة﴾، ففَصَل بينهما. وجاء عن عمر ما يدل على انفصالهما عنده، ثم أسند عنه قوله: ((نِعم العِدْلان ونعم العِلاوةُ) ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم [ورحمة﴾ نعم العِذلان ﴿وأولئك هم المهتدون﴾ نعم العلاوة. قال الحليمي رحمه الله: قيل في تفسير قوله عزوجل: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم﴾](٢) يعني الثناء من الله والمدح لهم والتزكية ﴿ورحمة﴾، أنها كشف الكربة وقضاء الحاجة، والله أعلم. تنبيه: حكى الصغاني عن بعض أئمة اللغة المتقدمين أنه قال: قول الناس ترجَّمتُ عليه: لحنٌ وخطأ، وإنما الصواب: رَحَّمتُ عليه - بتشديد الحاء - ترحيماً. انتهى. وهذا يردُّ قول الصَّيْدلاني الماضي(٣). وأما رحِمتُ عليه - بكسر الحاء المخففة - فلم يقله أحدٌ من أئمة اللغة المشاهير فيما علمناه، وإن صح نقله فهو في غاية الشذوذ والضعف، قاله المجد اللغوي. (١) في ج، د: إزالة العلة. وكلامه في ((الأسماء والصفات)) ص٤٩، ٥٠، وفيه: المزيح للعلل .. والمثيب على العمل. (٢) مابين المعقوفين زيادة لازمة من ((شعب الإيمان)) للبيهقي ٢٢١:٤. وقول عمر رضي الله عنه بوَّب به البخاري في صحيحه الباب ٤٢ من كتاب الجنائز ١٧١:٣ من ((الفتح))، فانظر تخريجه ومعناه هناك، وجملته: أن الله تعالى أكرم الصابرين بالصلوات والرحمة، فهذا العِذْلان، وزادهم الاهتداء، فهذا هو العِلاوة، وأصل معنى العلاوة: الزيادة. (٣) ص ٢١٠. ٢١٦ وردَّ الزركشي قول الصيدلاني أيضاً بأن ذلك من باب التضمين، كما قال تعالى: ﴿وصلّ عليهم﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: أُدْعُ لهم، وإن كان لا يقال: ادع عليهم، فكذلك هنا ضُمِّنت الرحمة معنى الصلاة. وسبقه إلى الردّ ابن يونس شارح ((الوجيز)) حيث قال: قول الصيدلاني ((إنه لا يقال)): ممنوع، فقد نقل الجوهري أنه يقال(١)، قال: وأما قوله ((إنه يشعر بالتكلَّف)) فيناظِرُ قول ابن شبيب: إن الله لا يسمَّى متكلماً لإشعاره بالتكلف، والأصلح (٢) على مخالفته، ثم ينتقض بـ: المتكبِّر والمتفضِّل. انتهى. وللناس في هذه الصيغة بالنسبة إلى البارىء تعالى مأخذان ليس هذا محلَّهما. وبالله التوفيق. (١) في ((الصحاح)) ٢٩٢٩:٥: ((وقد رَحِمتُه وترحَّمتُ عليه)). (٢) كذا في الأصول، وكأن المعنى: والأصح؟. ٢١٧ الفصل الثاني عشر المراد بـ ((العالمين)) فيما رواه أبو مسعود وغيره في الحديث: أصنافُ الخلق(١)، وفيه أقوال أخرى. قيل: ما حواه بطن الفَلَك. وقيل: ما فيه روح، وقيل: كلُّ محدَث، وقيل: بِقيد العقلاء، وهذان القولان في ((المشارق))، وقيل: الإنس والجن فقط، حكاه المنذري، وحكى قولاً آخر أنه الجن والإنس والملائكة والشياطين. قال في ((الصحاح)): العالَم: الخلق، والجمع: العوالم، والعالمون أصناف الخلق. وقال في ((المحكم)): العالم: الخلق كله، وقيل: هو ما احتواه بطن الفلك، ولا واحد للعالَم من لفظه، لأن عالَماً جمع أشياء مختلفة، فإن جُعل عالم اسماً لواحدٍ منها صار جمعاً لأشياء متفقة، والجمع عالَمون، ولا يجمع شيء على ((فاعل)) بالواو والنون إلا هذا. انتهى. وأشار بقوله: ((في العالمين)) إلى اشتهار الصلاة والبركة على إبراهيم في العالمين، وانتشار شرفه وتعظيمه، وأن المطلوب لنبينا عليه الصلاة والسلام صلاةٌ تشبه تلك الصلاة، وبركة تشبه تلك البركة في انتشارها في الخلق وشهرتها، وقد قال تعالى: ﴿وتركنا عليه في الآخِرِين. سلام على إبراهيم﴾، وقد تقدم شيء من هذا قريباً، وبالله التوفيق. (١) هذا القول والآتي - كلُّ محدَث -: مؤداهما واحد، ودليلهما قوله الله تعالى في الحوار بين سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون: ﴿قال فرعون وما ربُّ العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنین﴾ . وسبب الاختلاف - والله أعلم - ملاحظة المناسبة التي وردت فيها الكلمة. ٢١٨ الفصل الثالث عشر الحَمِيدُ: فعيل من الحمد، بمعنى محمود، وأبلغُ منه، وهو مَن حصل له من صفات الحمد أكملُها، وقيل: هو بمعنى الحامد: أي يحمد أفعال عباده. والمَجيد: هو من المجد، وهو صفة الإكرام. ومناسبة ختم الدعاء بهذين الاسمين العظيمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه، والتنويه به، وزيادة تقريبه، وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو كالتذييل له، والمعنى أنك فاعلُ ماتستوجب به الحمدَ من النعم المترادفة، کریمٌ بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك، ولله الحمد. الفصل الرابع عشر تقدم في بعض الأحاديث(١) ((الأعلَيْنِ)) و((المصطَفَيْن)) و(المقرَّبين)). فأما ((الأعلَين)) - وهو بفتح اللام -: فيظهر أن المراد به الملأ الأعلى، وهم الملائكة، لأنهم يسكنون السموات، والجن هم الملأ الأسفل، لأنهم سگّان الأرض. وأما ((المصطَفَين)) - وهو بفتح الطاء والفاء -: فقال الزمخشري في قوله تعالى ﴿وإنهم عندنا لَمِن المصطفينَ الأخيار﴾: إنهم المختارون من أبناء جنسهم، فعلى هذا هم من الرسل أربعة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، أولو العزم، وهو - أعني محمداً وَّهِ - سيدُهم، ومن الملائكة: (١) صفحة ١٠٦. ٢١٩ جماعة كثيرون كحمَلة العرش وجبريل وميكائيل ومَن شهد بدراً. وقيل: المصطفون: هم الذين انَّخذهم صفوةً فصفَّاهم من الأدناس، وقيل: هم الذين وحَّدوه وآمنوا به، قاله ابن عباس، وقيل: هم أصحابه، وقيل: هم أمَّته. وأما المقربون: فالمراد بهم الملائكة. واختُلف فيهم، فعن ابن عباس هم حملة العرش، وبه جزم البغوي. وقيل: الملائكة الكَرُوبيّون الذين حول العرش كجبريل وميكائيل ومَن في طبقتهم، وقيل هم الذين إليهم تدبير الأجرام السماوية، وهو المَعنّون بقوله تعالى: ﴿لن يستنكفَ المسيحُ أن يكون عبداً لله ولا الملائكةُ المقرَّبون﴾(١)، وقيل: المقرّبون سبعة: إسرافیل ومیکائیل وجبريل ورضوان ومالك وروح القدس، وملك الموت(٢)، عليهم السلام. وأما المُقَرَّبون من البشر: فقال تعالى: ﴿والسابقون السابقون. أولئك المقرَّبون. في جنات نعيم﴾ فقيل: هم السابقون إلى الإسلام. وعن مقاتل: السابقون: هم مَن سبق إلى الأنبياء بالإيمان، وقيل: هم الصدیقون، والله أعلم. (١) وانظر ماكتبه شيخنا العلامة الحجة القدوة فضيلة الشيخ عبدالله سراج الدين في كتابه ((الإيمان بالملائكة عليهم السلام)) ص١١٣ . (٢) ولم يَرد اسمه في حديث مرفوع صحيح: عَزْرائيل، نعم، ورد في بعض الآثار الموقوفة . وللسيد محمد عبدالحي الكتاني رحمه الله جزء لم يطبع سماه: ((الاعتراضات والعراقيل لمن يسمي ملك الموت: عَزْرائيل)). ٢٢٠ الفصل الخامس عشر قوله في بعض الأحاديث السالفة (١): ((من سرَّه أن يُكتال بالمكيال الأوفى)): أي الأجرِ والثواب، فحُذف ذلك للعلم به، وكني بذلك عن كثرة الثواب، لأن التقدير بالمكيال يكون في الغالب للأشياء الكثيرة، والتقدير بالميزان يكون غالباً للأشياء القليلة، وأكَّد ذلك بقوله: (الأوفى)). ويحتمل أن يكون تقديره أن يكتال بالمكيال الأوفى: الماء من حوض المصطفى. ويدل لذلك ما ذكره عياض في ((الشفا)) عن الحسن البصري أنه قال: ((من أراد أن يشرب بالكأس .. )) فذكر الأثر المتقدم، قاله شيخ الإسلام أبو زرعة ابن العراقي، قال: والأول أقرب، إذ لا دليل على هذا التقدير الخاص. وقوله عَقِبِه ((أهل البيت)): منصوب على الاختصاص، كما في قوله تعالى ﴿إنما يريدُ الله ليذهبَ عنكم الرِّجْس أهلَ البيت﴾ وكما في قوله عليه السلام ((نحن معاشر الأنبياء)). والله الموفق. (١) صفحة ١١٧ .