Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
الصلاة بأن السلام يُشرع في حقّ كل مؤمن من حيّ وميت وغائب
وحاضر، وهو تحية أهل الإسلام، بخلاف الصلاة فإنها من حقوق
الرسول عليه وآله، ولهذا يقول المصلي: السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين، ولا يقول: الصلاة علينا، فعُلم الفرق، ولله الحمد.
فائدة: استدل بتعليمه وَلّ لأصحابه كيفية الصلاة عليه بعد سؤالهم
عنها: أنها أفضل الكيفيات في الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا
الأشرفَ والأفضل، ويترتَّب على ذلك: أنه لو حلف أن يصلي عليه أفضل
الصلاة، فطريق البِرّ أن يأتي بذلك، هكذا صوَّبه النووي في ((الروضة))
بعد ذكر حكاية الرافعي عن إبراهيم المَرُّوذي(١) أنه يَبَؤُّ بهذه الصورة،
وهي أن يقول: اللهم صل على محمد كلما ذكره الذاكرون، وكلما
سها(٢) عنه الغافلون. قال النووي: وكأنه أخذ ذلك من كون الشافعي
رضي الله عنه ذكر هذه الكيفية، ولعله أول من استعملها. انتهى.
قال شيخنا: وهي في خطبة ((الرسالة)) (٣) لكن بلفظ ((غفل)) بدل
((سها))(٤).
قلت: وقد قال الأذرعي رحمه الله: كلام الأصحاب الذين ذكروا
مسألة الصلاة على النبي ◌َّ كإبراهيم المَرُّوذي ظاهر في أن الضمير
راجع في ((ذَكَرِه، وغَفَل عن ذكره)) إلى النبي ◌ِّ، يعني أنه لا يحسن أن
يعاد على الله تعالى من باب الالتفات، فليس هذا موضعَ التفات. قال:
(١) هو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المروذي (٤٥٣-٥٣٦) ترجمه التاج
السبكي في ((الطبقات)) ٣١:٧.
(٢) رسمت في ب: سھی، وهو وجه.
(٣) صفحة ١٦ (٣٩). واشتهر أن لهذه الصيغة مبشِّرة للإمام الشافعي رضي الله عنه،
وقد استوعب المصنف رحمه الله ألفاظها في آخر هذا الكتاب ص٤٣٦، وانظر
ص٧١ من مقدمة الأستاذ العلامة أحمد شاكر لكتاب ((الرسالة)).
(٤) رسمت في ب،ج، د: سھی، وهو وجه.

١٤٢
والذي أظنه أن الوجه إعادته إلى الله تعالى (١)، وأنه الأقرب إلى كلام
الشافعي في ((كتاب الرسالة)). انتهى.
وذكر شيخنا أيضاً نحو ذلك، فقال: ظاهر كلام الشافعي أن الضمير
الله تعالى، فإن لفظه: ((فصلى الله عز وجل على نبينا محمد كلما ذكره
الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون))، فكان حقُّ مَن غيَّر عبارته أن يقول:
اللهم صل على محمد كلما ذكرك الذاكرون. إلى آخره.
قلت: بقية صلاة الشافعي: وصلَّى عليه في الأولين والآخِرِين أفضلَ
وأكثرَ وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، وزكّانا وإياكم بالصلاة عليه
أفضلَ ما زكَّى أحداً من أمته بصلاته عليه، والسلامُ عليه ورحمةُ الله
وبركاته، وجزاه الله عنا أفضلَ ماجزى مرسَلاً عمن أُرسِل إليه، فإنه
أنقذنا به من الهَلَكة، وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس، دائنين بدينه
الذي ارتضى، واصطفى به ملائكته، ومَن أنعم عليه مِن خلقه، فلم
تُمْسِ بنا نعمةٌ ظهرت ولا بَطَنَت ◌ِلْنا بها حظاً في دينٍ ودنيا، أو دُفع بها
عنا مكروه فيهما وفي واحد منهما، إلا ومحمد صلى الله عليه سببُها
القائدُ إلى خيرها، والهادي إلى رشدها، الذائدُ عن الهَلَكة وموارد السوء
في خلاف الرشد، المنبّهُ للأسباب التي تُورِد الهلكة، القائمُ بالنصيحة
في الإرشاد والإنذار فيها. فصلى الله على محمد وعلى آل محمد، كما
صلى على إبراهيم وآل إبراهيم، إنه حميد مجيد. انتهى (٢).
(١) أي: كلما ذكر اللهَ تعالى الذاكرون، وغفل عن ذكر الله تعالى الغافلون.
(٢) صححت بعض الكلمات من كتاب ((الرسالة)) للإمام الشافعي رضي الله عنه ص١٦
(٣٩)، فإنه في غاية الصحة، كما هو معلوم.
ومما أثبتُّه عن كتاب ((الرسالة)) قوله: ((فصلَّى الله على محمد وعلى آل محمد))، وهو
في الأصول: فصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلّم))، بزيادة السيادة والسلام.
وانظر ماسيأتي ص ٢٢٥ بشأن ذكر السيادة مع ذكر اسم النبي ◌َّر، فإن المصنف
جاء بها وهي ليست في نصّ الشافعي المطبوع، فكأنها في النسخة التي ينقل عنها.

١٤٣
وأوَّل بعضهم كلام الشافعي بأن الربَّ سبحانه هو الذي يُوصف بكثرة
الذكر عادةً، وكذا غفلة الذكر عنه، وإن كان الكل صحيحاً، والمعنى لا
يختلف، ولو استحضر المصلِّي الأمرين جميعاً لكان حسناً.
وأفاد غيره أن ذاكر النبي ◌َّ يعدُّ من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات،
والغافل عن ذكره يعدُّ من الغافلين. انتهى.
وذكر الأذرعي أن إبراهيم المذكور(١) كثير النقل من ((تعليقة)) القاضي
حسين، ومع ذلك فالقاضي قال في طريق البِرّ أن يقول: اللهم صل على
محمد كما هو أهله ومستَحَقُّه، وكذا قال غيره.
ونحوُهُ ما تقدم(٢) عن أبي محمد ابن المشتهر في أفضل الحمد
والصلاة: اللهم لك الحمد كما أنت أهله، وصلِّ على محمد كما أنت
أهلُه، وافعل بنا ما أنت أهله، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة.
وقال البارِزي: عندي أن البِرَّ يحصُل بأن يقول: اللهم صل على
محمد وعلى آل محمد أفضلَ صلواتك، عددَ معلوماتك، فإنه أبلغُ،
فیکون أفضلَ.
ونقل المجد اللغوي في كتابه ((الصلاة النبوية)) عن بعضهم: لو حلف
إنسان أن يصلّي أفضل الصلاة على النبي بَّه يقول: اللهم صل على
سيدنا محمد النبي الأمي وعلى كل نبي وملَك، عدد الشَّفع والوتر،
وعدد كلمات ربِّنا التامات المباركات.
وعن بعضهم: بل يقول: اللهم صلِّ على محمد عبدك ونبيك
(١) هو إبراهيم المرُّوذي المذكور آخر ص١١٢. والقاضي حسين: هو حسين بن
محمد أبو علي المرّوذي، توفي سنة ٤٦٢، وترجمته عند التاج السبكي ٤: ٣٥٦-
٣٦٥.
(٢) صفحة ١٢٥ .

١٤٤
ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وأزواجه وذريته وسلَّم، عددَ خلقك،
ورضاء نفسك، وزِنَةَ عرشك، ومداد كلماتك.
قلت: ومال إليها شيخنا فيما بلغني عنه حيث قال: هي أبلغ(١)، وإن
كان قد رجَّح كيفية غيرها، كما سيأتي قريباً(٢).
وقرأت بخطه في فتوى: لقول النووي - يعني في اختيار كيفية
التشهد - اتجاهٌ، قال: وقال بعض المتأخرين: يقول: اللهم صل على
محمد وعلى آل محمد وسلِّم، عدَدَ خلقك، ورضاءَ نفسك، وزنةً
عرشك، ومداد كلماتكَ.
وهو مأخوذ من الحديث الصحيح في التسبيح، وأنه أفضل من غيره.
انتھی .
قال المجد اللغوي: واختار بعضهم من الكيفيات: اللهم صل على
محمد وعلى آل محمد، صلاةً دائمة بدوامك.
وبعضهم: اللهم ياربَّ محمد وآل محمد صلِّ على محمد وآل
محمد، واجزٍ محمداً ◌َّ ما هو أهله.
إلى غير ذلك من الألفاظ التي فيها دليلٌ على أن الأمر فيه سعة من
الزيادة والنقص، وأنها ليست مختصةً بألفاظ مخصوصة وزمان مخصوص،
لكن الأفضل الأكمل ما علَّمَناه ◌َالر، كما قدمناه. انتهى.
(١) على حاشية ب، هـ: ((قال الشيخ عز الدين الُّنْباطي: سمعته يقول: هذه الكيفية
من جوامع الكلم)). وتحرف في هـ عز الدين، إلى: عبدالبر. والسُّنباطي هذا: هو
عبدالعزيز بن يوسف السنباطي، ولد سنة ٧٩٩ تقريباً، وتوفي آخر سنة ٨٧٩،
ترجمه المصنف في ((الضوء اللامع)) ٢٣٧:٤-٢٣٩ وقال: ((كتب بخطه من القول
البديع تصنيفي نسختين، واغتبط به كثيراً)). والظاهر أن الضمير في ((سمعته يقول))
يعود على الحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى.
(٢) في الصفحة التالية .

١٤٥
قال الإمام عفيف الدين اليافعي: ينبغي أن يجمع بين الكيفيات
الثلاث فيقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على
إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وآل محمد، كما باركت على
إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، أفضلَ صلواتك عددَ معلوماتك،
كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، زاد بعضهم: وسلِّم
تسليماً.
وأفاد شيخنا أنه لو جُمع بين ما في الحديث وأَثَر الشافعي وما قاله
القاضي حسين لكان أشمل. قال: ويَحتمِل أن يقال: يَعمِد إلى جميع
ما اشتملت عليه الروايات الثابتة، فيستعملُ منها ذكراً يحصل به البِرُّ،
قال: والذي يُرشد إليه الدليل أن البرَّ يحصل بما في حديث أبي هريرة
الماضي، لقوله وَ له: ((من سرَّه أن يُكتال بالمكيال الأوفى فليقل: اللهم
صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته، كما
صليت على إبراهيم)) الحديثَ.
وحكى الكمال الدَّمِيري في الدِّيات من ((شرح المنهاج)) عن الشيخ
أبي عبدالله ابن النعمان أنه رأى رسول الله وَليل في منامه مئة مرة، وقال له
في الأخيرة منها: يا رسول الله أيُّ الصلاةِ عليك أفضلُ؟ فقال: قل اللهم
صلِّ على سيدنا محمد الذي ملأتَ قلبه من جلالك، وعينه من جمالك،
فأصبح فرِحاً مسروراً، مؤيّداً منصوراً.
وذكر العلامة كمال الدين ابن الهمام من محققي شيوخنا فيما بلغني
عنه كيفية أخرى، أفاد أن كل ماذُكر من الكيفيات موجود فيها، وهي:
اللهم صلِ أبداً أفضلَ صلواتك على سيدنا عبدِكَ نَبَيكَ، رَسولك، محمد
وآله وسلَّم عليه تسليماً، وزِدْه شرفاً وتكريماً، وأنزله المنزل المقرَّب
عندك يوم القيامة. فالله أعلم.

١٤٦
وقرأت في ((الطبقات)) للتاج السُّبْكي نقلاً عن أبيه ما نصُّه(١): أحسن
ما يصلَّى على النبي ◌َّ بهذه الكيفية، يعني كيفية التشهد، ومن أتى بها
فقد صلى على النبي وَّل بيقين، وكان له الجزاء الوارد في أحاديث
الصلاة بيقين، وكلُّ من جاء بلفظٍ غيرِها فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة
في شكّ، لأنهم قالوا: كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا كذا، فجعل
الصلاة عليه منهم هي قولُ ذا، ثم قال: وكان لا يفتُر لسانه عن الإتيان
بهذه الصلاة، والله الموفق.
وقد رُوِّينا عن ابن مَسْدي مانصّه: وقد رُوي في كيفية الصلاة على
النبي ◌َ ﴿ أحاديثُ كثيرة، وصنَّف في ذلك جماعة جمعوا الأبواب
وهذَّبوا التراجم، وذهب جماعة من الصحابة فمن بعدهم إلى أن هذا
الباب لا يوقف فيه مع المنصوص، وأن من رَزَقه الله بياناً فأبان عن
المعاني، بالألفاظ الفصيحة المباني، الصريحة المعاني، مما يُعرِب عن
كمال شرفه الله وعظيم حرمته، كان ذلك واسعاً.
واحتجوا بقول ابن مسعود رضي الله عنه: أَحسِنوا الصلاةَ على
نبيكم، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يُعرض عليه، ثم أورد بعض الكيفيات
الواردة، وقال عقبها: وهذه الكيفية من هذا الوجه تدلّ على أنها توقيف
لا من قَبيل المروي بتوارد الروايات، وشهادة اختلاف أكثرها في تنويع
الکیفیات.
ولا خلاف أن من صلى على النبي ◌َلّر بكيفية من الكيفيات المروية
الصحيحة الرواية عنه وَّل في ذلك فقد أدّى فرض الصلاة عليه وَظله.
وهذا الإجماع يشهد أنها على التخيير، ويجب عند أهل النظر أن يتخيّر
الإنسان للصلاة عليه أصحّها إسناداً، ومن أصحها إسناداً أتمَّها معنىً.
(١) ١ :١٨٥-١٨٦.

١٤٧
ولا خلاف أن من استوفى في الصلاة عليه وبالغ: فقد أحسن في أداء
ماوجب عليه، على اختلافهم في التكرار ومحلّ الوجوب، مما ليس هذا
موضع تفصيله.
وقد كنت في شَبيبتي إذا صليت على النبي ◌َّ أقول: اللهم صلِّ
وبارك وسلم على محمد وعلى آل محمد، كما صليت وباركت وسلمت
على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. فقيل لي في منامي:
أأنت أفصحُ أو أعلمُ بمعاني الكلام وجوامع فصل الخطاب من النبي
مَّة؟! لو لم يكن في التفصيل معنى زائدٌ لما فصَّل ذلك اَله.
فاستغفرت الله من ذلك، ورجعت إلى نصّ التفصيل في موضع
الوجوب، وفي موضع الاستحباب بحسب قرينة الحال، فإن احتمل
التطويل زدتُ في التعظيم والتبجيل ماشئتُ مما يُجريه الله عز وجل على
خاطري، وله المنة .
وحكى المَقْريزي في ترجمة النور الأَدَميِّ عليٍّ من ((عقوده)) أنه لما
سمعه يقول في خطبته بجامع عمرو: وصلى الله على سيدنا محمد، قال
له: مثلك لا يقول هكذا، وإنما يقول: اللهم صلّ على محمد وعلى آل
محمد، يعني كما ورد، فاستحسن المقريزي إرشاد الشيخ إلى الوارد في
كيفية الصلاة عليه (١).
قلت: ولا بأس أن يقال: اللهم صلِّ وباركْ وترحمْ على محمد عبدك
ونبيك ورسولك النبي الأمي، سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم
النبيين، وإمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، وعلى أزواجه
أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته وآله وأصهاره، وأنصاره، وأتباعه،
وأشياعه، ومحبيه، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل
(١) هذه الفقرة من الأصل د فقط. وانظر ((الضوء اللامع)) ١٦٣:٥- ١٦٤.

١٤٨
إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. وصلّ وبارك وترحم علينا معهم
أفضلَ صلواتك وأزكى بركاتك، كلما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك
الغافلون، عددَ الشَّفع والوتر، وعددَ كلماتك التامات المباركات، وعدد
خلقك ورضاء نفسك، وزِنَةَ عرشك، ومداد كلماتك، صلاة دائمة
بدوامك .
اللهم ابعثه يوم القيامة مقاماً محموداً يغبطه به الأولون والآخرون،
وأنزلْه المقعدَ المقرَّب عندك يوم القيامة، وتقبلْ شفاعته الكبرى، وارفعْ
درجته العليا، وأَعطِه سُؤْلَه في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم
وموسی.
اللهم اجعل في المصطَفَيْنَ محبته، وفي المقرَّبين مودَّته، وفي
الأعلينَ ذِكره، واجزِه عنا ماهو أهلُه خيرَ ماجزيت نبياً عن أمته، واجزٍ
الأنبياء كلَّهم خيراً، صلاةُ الله وصلواتُ المؤمنين على محمد النبي
الأمي، السلامُ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه.
اللهم أبلغْه منا السلام، وارددْ علينا منه السلام، وأتبعه من أمته وذريته
ما تَقَُّ به عينه يارب العالمين.
تنبيه: إن قيل: لمَ قال: غفل، ولم يقل: سكت؟ فيمكن أن يقال -
والله أعلم -: إن الساكت قد يكون مستحضِراً بقلبه للذكر فيعدُّ ذاكراً،
ولاكذلك الغافل، فعلى هذا يكون بينهما عموم وخصوص مطلق، فكلُّ
غافل ساكت، من غير عكس، إنْ أريد بالغافل مَن أَغفَل ذلك بقلبه
ولسانه، ويَحتمل أن يكون المراد بالغافل هنا النائي عن طريق الحق،
كقوله: ﴿بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين﴾ والله أعلم.
إذا عُلم هذا فلنرجع إلى تتمة المقالة الأولى.
قال الشافعي رضي الله عنه: والأفضل أن يقول - يعني في التشهد -:
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل

١٤٩
إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم
وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد. ونقله النووي في ((شرح المهذَّب)) عن
الشافعي والأصحاب وقال: إنه الأولى، لكنه قال: وعلى آل إبراهيم،
في الموضعين بزيادة ((على)) وهي ثابتة في رواية ابن حبان في (صحيحه))
والحاكم في ((مستدركه)) والبيهقي.
وقال النووي في ((شرح المهذب)) أيضاً: ينبغي أن يجمع ما في
الأحاديث الصحيحة فيقول: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل
محمد وأزواجه وذريته، كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،
وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما
باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.
وقال في ((الأذكار)) مثلَه وزاد ((عبدك ورسولك)) بعد قوله: ((محمد))
في: صلِّ، ولم يزدْها في: بارِك. وقال في ((التحقيق)) و((الفتاوى)) مثلَه
إلا أنه أسقط: ((النبي الأمي)) في: وبارِك.
قال شيخنا: وفاته أشیاءُ لعلها توازي قدر ما زاده أو تزید علیه.
منها قوله: ((أمهات المؤمنين)) بعد قوله: أزواجه.
ومنها: و((أهل بيته)) بعد قوله: وذريته، وقد ورد في حديث أبي
مسعود عند الدار قطني .
ومنها: ((عبدك ورسولك)) في: وبارك، ومنها: في ((العالمين))،
الأولى .
ومنها: ((إنك حميد مجيد))، قبل: وبارك.
ومنها: ((اللهم صل، وبارك)) فإنهما ثبتا معاً في رواية النسائي.
ومنها: ((وترحم على محمد)) إلى آخره.
ومنها: في آخر التشهد ((وعلينا معهم)) وهي عند الترمذي والسَّرَّاج،

١٥٠
كما تقدم(١) .
وتعقّب ابن العربي هذه الزيادة فقال: هذا شيء انفرد به زائدةٌ (٢)
فلا يعوَّل عليه، فإن الناس اختلفوا في معنى الآل اختلافاً كثيراً، ومن
جملته أنهم أمته، فلايبقى للتكرار فائدة. واختلفوا أيضاً في جواز
الصلاة على غير الأنبياء، فلا نرى أن نَشْرَك في هذه الخصوصية مع
محمد وآله أحداً.
وتعقّبه العراقي في ((شرح الترمذي)) بأن زائدةَ من الأثبات، فانفراده
لو انفرد لا يضرّ مع كونه لم ينفرد، فقد أخرجها إسماعيل القاضي في
((الصلاة)) له من طريقين عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي
لیلی، ویزیدُ: استشهد به مسلم.
وهي عند البيهقي في ((الشعَب)) من حديث جابر، كما تقدم(٣).
وأما الإيراد الأول: فإنه مختصّ بمن يرى أن معنى الآل كلُّ الأمة،
ومع ذلك فلا يمتنع أن يُعطف الخاصُّ على العام ولا سيما في الدعاء.
وأما الإيراد الثاني: فلا نعلم من منع ذلك تَبَعاً، وإنما الخلاف في
الصلاة على غير الأنبياء استقلالاً. وقد شُرع الدعاء للّحاد بما دعا به
النبي ◌َّ لنفسه في حديث ((اللهم إني أسألك من خير ماسألك منه
محمد)» وهو حديث صحيح أخرجه مسلم. انتهى ملخصاً.
والزيادة المذكورة أيضاً في حديث ابن مسعود، كما تقدم(٤).
(١) صفحة ١٠٣.
هو زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي.
(٢)
(٣)
صفحة ١١٣ .
صفحة ١٠٥، وانظر ص ١٠٣ منه مع التعليق. والزيادة المشار إليها هي
(٤)
قوله ((وعلينا معهم)).

١٥١
وقد تعقّب الإسنويُّ ماقاله النووي، فقال: لم يَستوعب ما ثبت في
الأحاديث مع اختلاف كلامه.
وقال الأذرعي: لم يُسبق إلى ماقال، والذي يظهر أن الأفضل لمن
تشهّد أن يأتي بأكمل الروايات ويقول كلَّ ماثبت، هذا مرةً وهذا مرةً (١)،
وأما التلفيق فإنه يستلزم إحداثَ صفة في التشهد لم تَرْد مجموعةً في
حديث واحد. انتهى.
قال شيخنا: وكأنه أخذه من كلام ابن القيم، فإنه قال: هذه الكيفية
لم ترد مجموعة في طريق من الطرق، والأولى أن يستعمل كلَّ لفظ ثبت
على حِدة، فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد، بخلاف ما إذا قال
الجميعَ دفعة واحدة، فإن الغالب على الظن أنه ◌َّ لم يقله كذلك.
وقال الإسنوي أيضاً: كان يلزم الشيخَ أن يَجمع الأحاديث الواردة في
التشهد .
وأجيب: بأنه لا يلزم من كونه لم يصرِّح بذلك أن لا يلتزمه.
وقال ابن القيم أيضاً: قد نص الشافعي على الاختلاف في ألفاظ
التشهد ونحوه، كالاختلاف في القراءات، ولم يقل أحد من الأئمة
باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد من
القرآن، وإن كان بعضُهم أجاز ذلك عند التعليم للتمرُّن. انتهى.
قال شيخنا: والذي يظهر أن اللفظ إنْ كان بمعنى اللفظ الآخر سواءً
كما في: أزواجه، و: أمهات المؤمنين: فالأولى الاقتصار في كل مرة
على أحدهما، وإن كان اللفظ يستقلُّ بزيادة معنى ليس في الآخر البتةَ
فالأولى الإتيان به، ويُحمل على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ
(١) من الأصول سوى ب ففيها مع الضبط: هذا أمرُه وهذا أمْره !.

١٥٢
الآخر، وإن كان يزيد على الآخر في المعنى شيئاً ما: فلا بأس بالإتيان
به احتياطاً .
قلت: وفي كون ((أزواجه)) و((أمهات المؤمنين)) بمعنىّ: توقفٌ، فإن
مَن لم يَدخل بها من أزواجه زوجةٌ، وليستْ بأم المؤمنين، لا سيما وفي
الوصف بأمهات المؤمنين مزيد شأن(١).
قال شيخنا: وقالت طائفة منهم الطبري: إن ذلك من الاختلاف
المباح، فأيَّ لفظ ذكره المرء أجزأ، والأفضل أن يستعمل أكمله وأبلغه.
واستدل على ذلك باختلاف النقل على الصحابة، فذكر مانُقل عن علي
وهو حديث موقوف طويل تقدم إيراده(٢)، وحديث ابن مسعود
الموقوف، وقد ذُكر بعد حديث عليّ أيضاً بيسير(٢)، والله أعلم.
وقد استدل بحديث كعب وغيره على تعيين اللفظ الذي علَّمه النبي
وَل﴾ لأصحابه في امتثال الأمر، سواء قلنا بالوجوب مطلقاً أو مقيداً
بالصلاة، فأما تعيُّنه في الصلاة فعن أحمد فيه رواية، والأصح عند أتباعه
أنه لايجب هذا، بل تجزىء الصلاة على النبي ◌َّ في الأصح من
الوجهين .
واختلف في الأفضل: فعن أحمد: كما صليت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم، وعنه أيضاً يتخيّر، وعنه أيضاً غير ذلك، وأما الشافعية فقالوا:
يكفي أن يقول: اللهم صل على محمد.
واختلفوا هل يكفي الإتيانُ بما يدل على ذلك كأن يصليَ بلفظ الخبر
فيقول: صلى الله على محمد مثلاً؟ والأصح إجزاؤه، وذلك: أن الدعاء
(١) هذه الفقرة من ج، د، وكلمة ((مزيد شأن)) أثبتُّها من حاشية د، والذي فيها
وفي ج: ((زيادة بیان)).
(٢) حديث عليّ ص ١١٨-١١٩، وحديث ابن مسعود ص ١٢٦.

١٥٣
بلفظ الخبر آكَدُ، فيكون جائزاً بطريق الأولى، ومن مَنَع وقف عند
التعبُّد، وهو الذي رجَّحه ابن العربي، بل كلامه يدل على أن الثواب
الوارد لمن صلى على النبي ◌َّلو إنما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية
المذكورة .
واتفق أصحابنا على أنه لا يجزىء أن يقتصر على الخبر، كأن يقول:
الصلاة على محمد، إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله.
واختلفوا في تعيين لفظ ((محمد))، لكن جوَّزوا الاكتفاء بالوصف دون
الاسم، كالنبي، ورسول الله، لأن لفظ ((محمد)) وقع التعبد به، فلا
يجزىء عنه إلا ماكان أعلى منه، ولهذا قالوا: لا يجزىء الإتيان بالضمير
ولا بـ: أحمد مثلاً، في الأصح فيهما، مع ما تقدم ذكره في التشهد
بقوله: النبي، وبقوله: محمد .
وذهب الجمهور إلى الاجتزاء بكل لفظ أدَّى المرادَ من الصلاة على
النبي ◌َّ، حتى قال بعضهم: لو قال في أثناء التشهد: الصلاة والسلام
عليك أيها النبي: أجزأه، وكذا لو قال: أشهد أن محمداً وَلّ عبده
ورسوله، بخلاف ما إذا قدَّم: عبده ورسوله.
قال شيخنا: وينبغي أن ينبنيَ: على أن ترتيب ألفاظ التشهد لا
يشترط، وهو الأصح، ولكنْ دليلُ مقابِلِه قويّ، لقولِهم: ((كما يعلِّمنا
السورة من القرآن))، وقولِ ابن مسعود: عَدَّهُن في يدي. قال: ورأيت
لبعض المتأخرين فيه تصنيفاً، وعمدة الجمهور في الاكتفاء بما ذُكر: أن
الوجوب ثبت بنصّ القرآن بقوله تعالى: ﴿صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً﴾،
فلما سأل الصحابةُ عن الكيفية وعلَّمها لهم النبي وَلَّ، واختلف النقل
لتلك الألفاظ، اقتُصِر على ما اتفقت عليه الروايات، وتُرِك مازاد على
ذلك، كما في التشهد، إذ لو كان المتروك واجباً لما سكت عنه. انتهى.

١٥٤
وقد استشكل ذلك ابن الفِرْكاح في ((الإقليد))(١) فقال: جَعْلهم هذا هو
الأقلَّ يحتاج إلى دليل على الاكتفاء بمسمَّى الصلاة، فإن الأحاديث
الصحيحة ليس فيها الاقتصار، والأحاديث التي فيها الأمر بمطلق الصلاة
ليس فيها مايشير إلى مايجبُ من ذلك في الصلاة، وأقلُّ ماوقع في
الروايات: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم، ومن ثَم
حكى الغُوراني عن صاحب ((الفروع)) في إيجاب ذكر إبراهيم وجهين،
کما سأذكره، واحتج لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حدیث زید
ابن خارجة عند النسائي بسند قوي، ولفظه: ((صلوا عليَّ وقولوا: اللهم
صل على محمد وعلى آل محمد)).
قال شيخنا: وفيه نظر، لأنه من اختصار بعض الرواة، فإن النسائي
أخرجه من هذا الوجه تاماً، وكذا الطحاويّ، كما أَشيرَ إليه فيما مضى،
وبالله التوفيق.
مهمة: قرأت في شرح مقدمة أبي الليث للإمام مصطفى الثُّرْكُماني من
الحنفية مانصه (٢):
فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى أَمرنا أن نصلي عليه، ونحن
نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، فنسألُ الله تعالى أن
يصليَ عليه ولانصلّي عليه نحن بأنفسنا، يعني بأن يقول العبد في
الصلاة: أصلي على محمد.
(١) في أ: ((الإكليل)). وصوابه مافي الأصول الأخرى، وهو شرح على ((التنبيه))
للإمام أبي إسحاق الشيرازي في فروع السادة الشافعية. والمراد هنا: الإمام
تاج الدين عبدالرحمن بن إبراهيم بن الفِزْكاح المتوفّى سنة ٦٩٠، رحمه الله.
(٢) انظر ((كشف الظنون)) عند الكلام على ((مقدمة أبي الليث))، ثم انظر ((إنباء
الغُمر)» ١٩٥:٦، و٢٤١:٣، وسمِّي هناك: مصطفى بن زكريا - أو: ابن
عبد الله - القرماني.

١٥٥
قلنا: لأنه وَّ طاهر لا عيبَ فيه، ونحن فينا المعائب والنقائص،
فكيف يُثني مَن فيه معائب على طاهر؟! فنسأل الله تعالى أن يصلي عليه
لتكون الصلاة من ربّ طاهر على نبي طاهر، كذا في المَرْغيناني.
(١)
انتھی(١).
ونحو ذلك منقول عن النيسابوري في كتابه ((اللطائف والحكم)) فإنه
قال: لا يكفي العبدَ أن يقول في الصلاة: صليت على محمد، لأن مرتبة
العبد تقصر عن ذلك، بل يسأل ربَّه أن يصلي عليه لتكون الصلاة على
لسان غيره(٢)، وحينئذ فالمصلي في الحقيقة هو الله، ونسبةُ الصلاة إلى
العبد مجازية بمعنى السؤال. انتهى.
وقد أشار ابن أبي حَجَلة إلى شيء من ذلك فقال: الحكمة في تعليمه
الأمةَ صيغةَ: اللهم صل على محمد: أنّا لما أُمرنا بالصلاة عليه ولم نبلغ
قدر الواجب من ذلك أحلْناه عليه، لأنه أعلم بمايليق به، وهو كقوله: لا
أُحصي ثناء عليك.
وسبقه أبو اليمن ابن عساكر فقال: حَسُنَ قول من قال: لما أمر الله
سبحانه بالصلاة على رسول الله وَ له لم نبلُغ معرفة فضيلة الصلاة عليه،
ولم ندرك حقيقة مراد الله عز وجل فيه، فأحلْنا ذلك إلى الله سبحانه،
فقلنا: اللهم صلِّ أنت على رسولك، لأنك أعلمُ بما يليق به، وأعرفُ
بما أردته له ێ .
وسئل شيخنا - فيما بلغني - أيُّما أفضلُ: الصلاة بصيغة الخبر
الإفهامها وقوع الصلاة وتضمُّنها الطلب، أو بصيغة الطلب؟ فقال:
بصيغة الطلب، لأنها الواردة في الخبر، ولا يعلِّمهم إلا الأفضل، يشير
(١) كتب على حاشية ب بجانب هذا الجواب بخط كبير: ((ينظر)).
(٢) لو قال: لتكون الصلاة عليه من غيره: لكان أولى، إذ فيه إيهام نسبة اللسان
إلى الله عز وجل.

١٥٦
إلى الوارد عقب التشهد: ((قولوا: اللهم صل على محمد)).
فقيل لشيخنا: فلأيِّ شيء أَطبقَ أصحاب الحديث قديماً وحديثاً على
كَتْبهم إياها وقراءتها بصيغة الخبر: صلى الله عليه وسلم، أو: عليه
الصلاة والسلام، لايكادُ يوجد غير ذلك؟ فقال: لأنا أُمرنا بإفشاء العلم،
وبتحديث الناس بما يعرفون، وكُتب الحديث يجتمع عند قراءتها
الخواصُّ الذين يعرفون اللسان والعلوم الشرعية، والعوام، وهم الأكثر،
فَخِيف أن هؤلاء ربما فهموا من صيغة الطلب أن الصلاة عليه لم توجد
من الله سبحانه بعدُ، وأنا نطلب منه حصولَها له، فأتي بصيغة يتبادر إلى
أفهامنا منها الحصول، وهي من إبعادهم من هذه الورطة متضمِّنة للطلب
الذي أُمرنا به في الخبر. والله أعلم(١).
إذا عرفتَ ذلك كلَّه فلتكن صلاتك عليه كما أمرك بالصلاة عليه،
فبذلك تعظم حُظوتك لديه، وعليك بالإكثار منها والمواظبة عليها،
والجمع بين الروايات فيها، فإن الإكثار من الصلاة من علامات المحبة،
فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره، وصحَّ في الحديث: ((لا يكمُل إيمانُ
أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».
تنبيه: استُدل بحديث كعب وغيره على أن إفراد الصلاة عن التسليم
لا يكره، وكذا العكس، لأن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة،
فأُفرد التسليم مدةً في التشهد قبل الصلاة عليه.
وقد صرح النووي رحمه الله في ((الأذكار)) وغيره(٢) بالكراهة،
(١) من قوله ((وسئل شيخنا)) إلى هنا زيادة من ج، د.
(٢) أصل القول لابن الصلاح في مقدمته في ((علوم الحديث)) الأمر التاسع من
النوع الخامس والعشرين، وتبعه النووي في ((التقريب)) فصرّح بالكراهة في =

١٥٧
واستدل بورود الأمر بهما معاً في الآية.
قلت: الظاهر أن محل ذلك فيما لم يرد الاقتصار على الصلاة فيه،
كالقنوت(١)، على أن شيخنا توقّف في إطلاق الكراهة، فقال: وفيه
نظر، نعم، يكره أن يُفرِد الصلاة ولا يسلم أصلاً، أما لو صلَّى في وقت
وسلَّم في وقت آخر، فإنه یکون ممتثلاً. انتهى.
ويتأيد بما وقع في خطبتيْ ((مسلم)) و((التنبيه)) وغيرهما من مصنفات
أئمة السنة من الاقتصار على الصلاة فقط.
وقد كان عبد الرحمن بن مهدي يَستحبُّ أن يقول: وَّةٍ، ولا يقول:
الفرع الثالث من النوع الخامس والعشرين، وكذا في أول شرحه لمقدمة
مسلم ٤٤:١، وجاء كلامه في ((الأذكار)) ٣٣١:٣ - بشرحه-، وفي
((الإرشاد)) الأمر التاسع من النوع ٢٥: محتملاً. انظر كلام ابن عَلّن إلى
آخر التنبيه. وأصل هذا التنبيه من كلام ابن حجر في «الفتح» ١١ :١٦٧
(٦٣٥٧)، لكن كان كلامه أدقَّ، إذْ لم يحدِّد مصدراً لكلام النووي، لا
((الأذكار)) ولا غيره.
ثم، إن المصنف نقل في ((فتح المغيث)) ٦:١ عن شيخه ابن حجر أنه
خصّ الكراهة بمن جعل إفراد الصلاة عن السلام دَيْدَناً له.
وزاد في النقل ٧٢:٣: أما ((إن كان يصلِّي تارة ويسلّم أخرى من غير إخلال
بواحدة منهما: فلم أقف على دليل يقتضي كراهته، ولكنه خلاف الأولى،
إذ الجمع بينهما مستحب لا نزاع فيه. قال - ابن حجر -: ولعلّ النووي
رحمه الله اطلع على دليل خاص لذلك؟ وإذا قالت حَذَامِ فصدِّقوها.
انتهى)). وانظر إلى العلم والأدب كيف تكافآً في هذا النص، ورضي الله عن
علماء الإسلام.
(١) يشير رحمه الله إلى حديث سيدنا الحسن السبط ابن علي رضي الله عنهما
في دعاء القنوت: ((اللهم اهدني فيمن هديت))، ففي آخره في رواية النسائي
الكبرى (١٤٤٣)، والصغرى (١٧٤٦): «تباركت وتعاليت، وصلَّى الله على
محمد النبي)) فقط، دون: وسلَّم، وانظر ماسيأتي ص ٣٥٧.
=

١٥٨
عليه السلام، لأن ((عليه السلام)) تحية الموتى، رواه ابن بشگُوال وغيره،
وفيه نظر، فقد جاء الأمر بقول زائر القبور: ((السلام عليكم دار قوم
مؤمنين)) إلى آخره.
وأسند البيهقي(١) من طريق الشافعي قال: يكره للرجل أن يقول: قال
الرسول، ولكن يقول: قال رسول الله وَ ل، تعظيماً. والله الموفق.
(١) في ((مناقب الشافعي)) ١: ٤٢٤-٤٢٥، ومراده رضي الله عنه: أنه يكره ذكر
الرسول و # دون الصلاة والسلام عليه، لا أنه يكره ذكر كلمة ((الرسول))
مفصولة عن إضافتها إلى ((الله)) عز وجل، ولو قرنها بالصلاة والسلام عليه.
وقد قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في ((المهذَّب)) وهو يعدِّد فرائض خطبة
الجمعة: ((وفرضها أربعة أشياء: أحدها: أن يحمد الله تعالى، لما روى
جابر أن النبي ◌َّه .. ، والثاني: أن يُصلِّ على النبي وَّر، لأن كل عبارة
افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر الرسول وَالله، كالأذان
والصلاة .. )).
وعلَّق النووي رحمه الله على هذا في ((المجموع)) ٥١٩:٤ فقال: ((قوله
((الرسول)): هكذا هو في ((المهذَّب))، وكذا يقوله كثير من العلماء. وقد
روى البيهقي في ((مناقب الشافعي)) بإسناده عن الشافعي أنه كره أن يقول:
قال الرسول، بل يقال: قال رسول الله، أو نبي الله. فإن قيل: ففي القرآن:
﴿يا أيها الرسول﴾؟ فالجواب أن نداء الله سبحانه وتعالى نبيَّه وَّل تشريف له
وتبجيل بأيّ خطاب كان، بخلاف كلامنا)).
قلت: الظاهر من كلمة الإمام الشافعي ماقدّمته، والله أعلم. وكتب السنة
طافحة مشحونة بقول الصحابي، أو الراوي: سمعت النبي ◌َّ، وقال
النبي، ويقول النبي، ورأيت النبي، وهكذا، وتراه كذلك في نصّ الإمام
الشيرازي الذي نقلته، وفي التشهد: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله
وبركاته)). ولا فرق - هنا - بين النبي والرسول، فما وجه التنبيه إلى مافي
هذا التعبير، والسكوت عن ذلك؟.

١٥٩
وهذه فصول نختم بها الباب الأول
الفصل الأول منها: أن المراد بقولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه
فكيف نصلي عليك؟: ما علَّمهم إياه في التشهد من قولهم: السلام
عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فيكون المراد بقولهم: فكيف
نصلّي عليك؟ أي: بعد التشهد، قاله البيهقي.
قال شيخنا: وتفسير السلام بذلك هو الظاهر، وحكى ابن عبد البر
فيه احتمالاً، وهو أن المراد به السلام الذي يُتحلّل به من الصلاة،
وقال: إن الأول أظهر، وكذا ذكر عياض وغيره، وردّ بعضهم الاحتمال
المذكور بأن سلام التحلل لا يُتَقيد به اتفاقاً - كذا قيل ! -.
قال شيخنا: وفي نقل الاتفاق نظر، فقد جزم جماعة من المالكية بأنه
يستحبُّ للمصلي أن يقول عند سلام التحلل: السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم، ذكره عیاض وغيره. انتهى.
قلت: وحكاية الاتفاق إنما هي في الوجوب دون الاستحباب فيما
يظهر، والله أعلم.
وقد وردت أحاديث في فضل السلام على النبي وَّ، فنشير إلى شيء
منها سوى المتقدِّم والآتي، منها:
١- حديث جابر رضي الله عنه سمعت رسول الله وَل يقول: ((لمَّا
كانت ليلةَ بُعثت ما مررت بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك
يا رسول الله))(١).
(١) جابر: هو ابن عبدالله رضي الله عنهما، ولم أر هذا الحديث في مصدر
آخر. نعم، روى البيهقي في ((الدلائل)) ٦٩:٦ عن جابر قوله: ((كان في =

١٦٠
٢- وحديث يعلى بن مُرَّة الثقفي: بينما نحن نسير مع رسول الله وَال
ونزلْنا منزلاً، فنام رسول الله وَيه، فجاءت شجرة تشقُّ الأرض حتى
غشيتْه، ثم رجعتْ إلى مكانها، فلما استيقظ النبي ◌َّ ذكرتُ ذلك له،
فقال: ((هي شجرة استأذنتْ ربَّها عز وجل في أن تسلُّم عليَّ فأذِن
لها»(١) .
٣- وحديث جابر رَفَعه: ((إني لأعرفُ حجراً بمكة كان يسلُّم عليَّ قبل
أن أُبعث، إني لأعرفه الآن)) (٢).
وفي لفظ: ((إن بمكةَ لَحَجراً كان يُسلم عليَّ ليالي بُعثت، إني لأعرفه
رسول الله ◌َّ خصال: لم يكن في طريق فيتبعَه أحد إلا عرف أنه قد
=
سلكه، من طيب عرقه، أو ريح عرقه، ولم يكن مرَّ بحجر ولا شجر إلا
سجد له)).
(١) هذا طرف من حديث رواه الإمام أحمد ١٧٣:٤، وعبد بن حميد (٤٠٥)،
والبيهقي ٢٣:٦-٢٤، وأبو نعيم (٢٩٣) كلاهما في ((دلائل النبوة))، كلهم
من طريق عبدالرزاق، عن معمر، عن عطاء بن السائب، عن عبدالله بن
حفص، عن يعلى بن مرة رضي الله عنه. وعطاء: اختلط، ولم تتميز رواية
معمر عنه: قبل الاختلاط أو بعده، وعبدالله بن حفص: مجهول، لم يرو
عنه سوى عطاء.
وروى الحديث آخرون من وجوه أخرى إلا هذه المعجزة، فرويت على أنه
صلى الله عليه وسلم أراد قضاء حاجته، فأمر يعلى بن مرة أن يذهب إلى
شجرتين يأمرهما باجتماعهما ليكونا ساتراً له صلى الله عليه وسلم، فأمرهما
فاجتمعتا، ثم أمرهما بالافتراق والرجوع، ففعلتا. وقد ذكر الحافظ ابن كثير
هذه الوجوه معاً في ((البداية والنهاية)) ١٤٤:٦-١٤٧ وقال: ((هذه طرق
جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبخِّرين أن يعلى بن مرة
حدّث بهذه القصة في الجملة)).
(٢) هذا لفظ مسلم ١٧٨٢:٤ (٢) رواه عن ابن أبي شيبة، وهو في ((المصنف))
(٣٢٣٥٠) بتحقيقي. وجابر هو ابن سمرة.