Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦٠ الرازي، ونُقل أيضاً عن مالك والثوري والأوزاعي، أعني وجوبَها في العمر مرة واحدة، لأن الأمرَ مطلقٌ لا يقتضي تكراراً، والماهيةُ تحصل بمرة. قال عياض وابن عبد البر: وهو قول جمهور الأمة. انتهى. وممن قال به ابن حزم أيضاً. وقال القرطبي المفسِّر: لا خلاف في وجوبها في العمر مرّة، وأنها واجبة في كل حين وجوبَ السنن المؤكَّدة، وسبقه ابن عطية فقال: الصلاة على النبي ◌َّ في كل حال واجبة وجوبَ السنن المؤكدة التي لا يَسَعُ تركُها ولا يُغْفِلها إلا من لا خير فيه. رابعها: تجب في القعود آخرَ الصلاة بين قول التشهد وسلام التحليل، قاله الشافعي ومن تبعه. وتُعُقب من احتج لوجوبها في هذا المحل من الشافعية، كابن خزيمة والبيهقي، بحديث أبي مسعود الآتي، حيث قال فيه - في بعض طرقه -: ((إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا)) بأنَّه لا دلالة فيه على ذلك، بل إنما يفيدُ إيجابَ الإتيان بهذه الألفاظ على من صلى على النبي ◌َّ في التشهد، وعلى تقدير أن يدلّ على إيجاب أصل الصلاة، فلا يدل على هذا المحل المخصوص. ولكن قرَّب البيهقي ذلك بأن الآية لما نزلت وكان النبي ◌َ ◌ّ قد علَّمهم كيفية السلام عليه في التشهد، والتشهدُ داخل الصلاة، فسألوا عن كيفية الصلاة فعلَّمهم، فدلّ على أن المراد بذلك إيقاعُ الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدَّم تعليمه لهم. وأما احتمال أن يكون ذلك خارجَ الصلاة: فهو بعيد، كما قال عياض وغيره، لكن قال ابن دقيق العيد: ليس فيه تنصيصٌ على أن الأمر به مخصوص بالصلاة. قال: وقد كثُر الاستدلال به على وجوب الصلاة عليه في الصلاة. وقرّر بعضهم الاستدلال بأن الصلاة عليه واجبة بالإجماع، وليست ٦٢ الصلاةُ عليه خارجَ الصلاة واجبةً بالإجماع، فتعين أنْ تجب في الصلاة. قال: وهذا ضعيف، لأنّ قوله: ((لا تجب في غير الصلاة بالإجماع)): إنْ أراد به عيناً، صحيحٌ، لكن لا يفيد المطلوب، لأنه يفيد أنه يجب في أحد الموضعين لا بعينه. وزعم القَرَافي في ((الذخيرة)) أن الشافعي هو المستدِلُّ بذلك، وردّ بنحو ما رَڈَّ به ابن دقيق العيد. قال شيخنا: ولم يُصب في نسبة ذلك للشافعي، والذي قاله الشافعي في ((الأم)): فرض الله الصلاة على رسول الله وَ ل بقوله: ﴿إن الله وملائكته يصلُّون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليماً﴾ فلم يكن فرضُ الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبي ◌َّ بذلك. ثم ساق حديث أبي هريرة وكعب الآتي ذكرُهما (١)، ثم قال الشافعي: فلمّا رُوِي أن النبي ◌َِّ كان يعلِّمهم التشهد في الصلاة، ورُوي عنه أنه علَّمهم كيف يصلّون عليه في الصلاة: لم يَجُزْ أن نقول: التشهدُ في الصلاة واجب، والصلاة عليه فيه غير واجبة !. وقد تعقَّب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه: أحدها: ضعفُ شيخ الشافعي في حديثِ أبي هريرة المشارِ إليه. الثاني: على تقدير صحته، فقوله فيه (يعني في الصلاة)) لم يُصَرَّح بقائل ((يعني)). الثالث: قوله في حديث كعب الآتي(٢): ((أنه كان يقول في الصلاة)): (١) ص ١٠٢ . وكعب: هو كعب بن عُجْرة رضي الله عنه. (٢) ص١٠٣ . ٦٢٠ وإنْ كان ظاهرُه أن المراد الصلاة المكتوبة، لكنه يَحتمل أن يكون المراد بقوله ((في الصلاة)) أي: في صفة الصلاة عليه، وهو احتمالٌ قوي، لأن أكثر الطرق عن كعب تدلُّ على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة، لا عن محلها . الرابع: أنه ليس في الحديث ما يدل على تعيّن ذلك في التشهد خصوصاً بينه وبين السلام من الصلاة. وقد أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ، منهم أبو جعفر الطبري، وعبارته: أجمع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة عليه غير واجبة في التشهد، ولا سلفَ للشافعي في هذا القول ولا سُنَّةَ يتَبعها. وكذا قال أبو جعفر الطحاوي، وأبو بكر ابن المنذر، والخطَّبي. وأورد عياضٌ في ((الشفا)) مقالاتِهم، وقال شارح ((العمدة)) من كتب الحنفية: قيل: لم يَقُلْه أحدٌ قبله، وذكر ابن بطال في شرحه على البخاري أَن كل من رَوى التشهد من الصحابة لم يذكروا الصلاة على النبي ◌َّ، وعَلَّم أبو بكر وعمرُ التشهدَ على المنبر كذلك بحضرة المهاجرين والأنصار من غير نكير، فمن أوجب ذلك فقد رَدَّ الآثار، وما مضى عليه السَّلف، وأجمع عليه الخلف، وروته الأمة عن نبيها وَيات . انتھی . وكلُّ ذلك ليس بجيد، فقد قال شيخ شيوخنا الحافظ أبو الفضل العراقي: قد سمعت غير واحد من مشايخنا ينكرون على القاضي عياض إنكارَه على الشافعي، ونسبتَه إلى الشذوذ بذلك في كتابٍ موضوعُه شرفُ المصطفى، مع كونه يحكي في ((الشفا)) الخلافَ في طهارة بوله ودمه، واستُحْسن ذلك منه لزيادة شرفه بذلك، فكيف يُنْكِر قولَه بوجوب الصلاة ٦٤ علیه وهو زیادةُ شرف له؟! انتهى. على أنه قد انتصر جماعة للشافعي فذكروا أدلة نقليةً ونظريةً، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم مِن فقهاء الأمصار رضي الله عنهم. فأما المحكيُّ عن الصحابة والتابعين: فأصُّ ماورد في ذلك عنهم ما سيأتي في الباب الأخير عن ابن مسعود موقوفاً، فإن ابن مسعود ذكر أن النبي وَّ علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: ((ثُمَّ لْيتخيَّر من الدعاء ماشاء)) فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء، دلّ على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ماذهب إليه الشافعي، مثلُ ماذَكَر عياض حيث قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علَّمه له النبي ◌َّ ليس فيه ذكر الصلاة عليه. وكذا قال الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود: ((إذا قلت هذا فقد قضيتَ صلاتَك)). لكن رُدَّ عليه بأن هذه الزيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها فيُحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهد، ويتقوىّ ذلك بحديث عمر: إن الدعاء موقوفٌ حتى يُصلَّى على النبي ◌َّ، وبقول ابن عمر: لا تكون صلاةٌ إلا بالصلاة على النبي بََّ، وبقول الشعبي(١)، كما سأذكر جميع ذلك في الباب الأخير إن شاء الله تعالى. وذكر الماوردي عن محمد بن كعب القُرَظي، وهو من التابعين، كقول الشافعي، بل قال شيخنا رحمه الله ما نصه: لم أرَ عن أحدٍ من الصحابة والتابعين التصريحَ بعدم الوجوب إلا ما نُقِل عن إبراهيمَ النخعيِّ، مع أنه (١) الآتي ص ٣٤٥، وضعَّفه. ٦٥ يُشعر بأن غيره كان قائلاً بالوجوب، فإنه عبّرَ بالإِجزاء كما سيأتي، والله أعلم. وأما فقهاء الأمصار فلم يتفقوا على مخالفة الشافعي في ذلك، بل جاء عن أحمد روايتان، والظاهر أن روايةَ الوجوب هي الأخيرة، فإن أبا زرعة الدمشقي نقل في (مسائله)) عنه قال: كنت أتهيَّب ذلك، ثم تبيَّنت فإذا الصلاةُ على النبي ◌ِّر واجبة. انتهى. قال صاحب ((المغني)): فظاهرُ هذا أنه رجع عن قوله الأول إلى هذا. وعن إسحاقَ بن راهُوْيَه الجزمُ به في العَمْدِ، فقال: إذا تركها عمداً بطلت صلاته، أو سهواً رجوت أن تُجزئه، وهي آخر الروايتين عنه، كما أشار إليه حرب في ((مسائله)). والخلاف أيضاً عند المالكية، ذكرها ابن الحاجب في سنن الصلاة ثم قال: ((على الصحيح)) فقال شارحه ابن عبدالسلام: ((يريد أن في وجوبها قولين، وهو ظاهر كلام ابن المَوَّاز منهم، واختاره القاضي أبو بكر ابن العربي. وأجاب ابن أبي زيد: بأن قول ابن المَوَّاز بفرضيتها، يريد أنها ليست من فرائض الصلاة. وقد حكى ابن القصار والقاضي عبد الوهاب أن ابن المَوّاز يراها فريضةً في الصلاة كقول الشافعي رضي الله تعالى عنه. وحكى أبو يعلى العبْدي المالكي عن مذهبهم فيها ثلاثة أقوال: الوجوب، والسنة، والندب. وألزم العراقيُّ في ((شرح الترمذي)) له أن من قال من الحنفية بوجوب الصلاة عليه كلّما ذُكر - كالطحاوي، ونقل السَّرُوجي في ((شرح الهداية)) تصحيحه عن أصحاب ((المحيط)) و(التحفة)) و((المفيد)) و ((الغُنْية)) من كتبهم -: أن يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدم ذكره في آخر التشهد. قال شيخنا: ولهم أن يلتزموا ذلك لكن لايجعلونه شرطاً في صحة ٦٦ الصلاة، ورَوَى الطحاوي أنّ حَرمَلة انفرد عن الشافعي بإيجاب ذلك وانتصروا له، وناظروا له. انتهى. وقد نقل ابن عبدالبر في ((الاستذكار)) عن حرملة أنه حَكَى عن الشافعي أن محلَّها في التشهد الأخير، وأنه إذا صلى قبل ذلك لم تجزئه. قال: ولايكاد يوجد هذا القول عن الشافعي إلا من رواية حرملة، وغيرُ حرملة إنما يروي عنه: أن الصلاة على النبي ◌َّ فرضٌ في كل صلاة، وموضعُها التشهد الأخير قبل التسليم، ولم يذكر إعادةً فيمن وضعها قبل التشهد الأخير، إلا أن أصحابه قد تَقلَّدوا رواية حرملة، ومالوا إليها، وناظروا علیھا . قلت: واستدل ابن خزيمة ومن تبعه - كالبيهقي - للوجوب بحديث فَضَالة الآتي في الباب الأخير(١)، وطعن ابن عبدالبر في الاستدلال به لذلك فقال: لو كان كذلك لأَمر المُصَلَِّ بالإعادة، كما أمر المُسِيء صلاتَه، وكذا أشار إليه ابن حزم، وأُجيب باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه !!. وبكفي التمسكُ بالأمر في دعوى الوجوب. وقال جماعة، منهم الجُرجاني من الحنفية: لوكان فرضاً للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأنه عَلَّمهم التشهد وقال: ((فليتخيَّرْ من الدعاء ماشاء))، ولم يذكر الصلاة عليه. وأُجيبَ باحتمال أن لاتكون فُرضت حينئذ، وقال العراقي أيضاً: وقد وردَ في الصحيح بلفظ ((ثم لْيتخيّر)) و (ثم)) للتراخي، فدلّ على أنه كان هناك شيء بين التشهد والدعاء، وأن الدعاء لايَعْقُب التشهد، بل أمرُه بما (١) ص ٣٥٣. ٦٧ يُعجبُ المصليَ من الدعاء مُقتضٍ لتقديم الصلاة على النبي وَلّ عليه، كما ثبت ذلك في حديث فَضَالة المشار إليه. واستدلّ بعضهم بما ثبت في ((صحيح مسلم)) من حديث أبي هريرة رَفَعه: ((إذا فرغَ أحدُكم من التَّشهد الآخِرِ فليستعِذْ بالله من أربع)) الحديثَ. وعلى هذا عَوَّ مَن جزم بإيجاب هذه الاستعاذة في التشهد(١)، ويكَوْن الصلاة على النبي وَلهو مستحبةً عقب التشهد لا واجبة، وفيه ما فيه !. وممن انتصر للشافعي ابنُ القيم رحمهما الله(٢)، فقال: أجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد، وإنما اختلفوا في الوجوب والاستحباب، وفي تمُّك من لم يوجبه بعمل السلف الصالح: نظرٌ، لأنّ عملهم بِوِفاقه، إلا إنْ كان يريدُ بالعمل الاعتقاد، فيُحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب، قال: وأنَّى يوجدُ ذلك؟ قال: وأما قولُ عياض: إن الناس شنَّعوا على الشافعي فلا معنى له، فأيُّ شناعةٍ في ذلك؟ لأنه لم يخالف نصاً ولا إجماعاً ولا قياساً ولا مصلحةً راجحةً، بل القول بذلك من محاسِن مذهبه، ولله درّ القائل: إذا محاسِنِيَ اللاتي أُدِلُّ بها كانتْ ذنوباً، فقل لي كيف أعتذرُ(٣) وأما نقله للإجماع: فقد تقَّدم ردُّه. وأما دعواه أن الشافعي اختار تشهد ابن مسعود: فيدل على عدم معرفته باختيارات الشافعي، فإنه اختار تشهد ابن عباس. ثم إن ما احتجّ به جماعة من الشافعية من الأحاديث المرفوعة المصرِّحة في ذلك هي ضعيفة، كحديث سهل بن سعد وعائشة وأبي مسعود وبُريدةَ وغيرهم، يريد ابن حزم. ((المحلی)) ٢٧١:٣ (٣٧٣). (١) (٢) في ((جلاء الأفهام)) ص٢٥١-٢٧٦ . (٣) البيت للبحتري، وأُقحم أولَه في ب: إذا كانت محاسني ... ٦٨ وقد استوعبها البيهقي في ((الخلافيات))، ولا بأس بذكرها للتقوية، لا أنها تنهضُ بالحجة. انتهى. والأحاديث المشار إليها ستأتي في محلّها إن شاء الله تعالى(١). تنبيه: ما قدّمناه من وجوبها في التشهد الأخير هو المشهور. وقد أغرب الجرجاني في ((الشافي)) و ((التحرير)) فحكى قولين للشافعي في وجوبها، وقال بعدم الوجوب ابن المنذر أيضاً - وهو معدود من الشافعية - . وقال أبو اليمن ابن عساكر: ادّعى أحد أئمة العصر من مُنْتَحِلي مذهب الإمام(٢) - ولم أسمع ذلك منه - أنه: ليس على وجوب الصلاة على رسول الله وَّل في تشهد الصلاة دلالة، وأشاعت شِيعته ونَقَلت قائلته عنه هذه المقالة، ودعواه يَخدِش وجه تقليده الإمامه، ويفُتُّ في عَضُد اقتدائه به وائتمامه، كيف وقد أورده الإمام في ((مسنده)) مسنداً، وأوردنا سياق طُرُق حديثه المصرِّح به، مما رواه أبو حاتم(٣) في (صحيحه)) وأبو الحسن الدارقطني في ((سننه)» وحكم فيه بتصحيحه، مما ازداد به دليله في - (١) ص ٣٥٤. هذا، وللإمام القطب الخيضري رحمه الله جزء سماه «زهر الرياض في ردّ ما شتَّعه القاضي عياض على من أوجب الصلاة على البشير النذير في التشهد الأخير)) طبع بتحقيق الأستاذ أحمد حاج محمد عثمان. وقد أتى بزبدته وخلاصته الشهاب الخفاجي الشافعي في ((شرح الشفا)) ٤٥٣:٣-٤٥٦، ثم قال: ((إذا أمعنت النظر علمت أنه - أي عياضاً - ناقل لما قاله الطحاوي ومن تبعه، وما على الناقل إلا تصحيح نقله، وما على الرسول إلا البلاغ، ففيما قالوه أيضاً تحامل عليه، لكن الجزاء من جنس العمل)). يعني الإمام الشافعي رضي الله عنه. (٢) (٣) يريد ابن حبان رحمه الله. ٦٩ ذلك تأيُداً وتأكُّداً، وتكثيرُ الأدلة من المستنبط من الحديث لأول وَهْلَة: ليس من عمل الراسخين في العلم، بل السبيلُ إلى معرفة صحة ذلك: أن تُجمع طُرُق الحديث المصرِّح بذلك الحكم، فإذا جُمعت طرقه بمتصِلات ألفاظه وزوائده، ومتابعاته وشواهده صحت الدلالة به، مع صحة مخارجه وظهرت بظهور فوائده، والله أعلم. خامسها: تجب في التشهد، وهو قول الشعبي، وإسحاق بن راهويه. سادسها: تجب في الصلاة من غير تعيين المحلِّ، نُقِل ذلك عن أبي جعفر الباقر. سابعها: يجب الإكثار منها من غير تقييدٍ بعدد، قاله أبو بكر بن بكير من المالكية، وعبارته: افترض الله تعالى على خلقه أن يصلُّوا على نبيه ويسلِّموا، ولم يجعل ذلك لوقت معلوم، فالواجب أن يُكثرَ المرء منها ولا يغفل عنها. قلت: استحسن هذا الشيخُ أبو عبد الله ابن النعمان (١) حيث قال: فما أحسنَ هذا الكلامَ من هذا الإمام، وأقربَه إلى الأفهام، وأنفعَه لأهل الإسلام، فالصلاةُ على النبي بَّه بإجماع أهل العلم من أفضل الأعمال، وبها ينالُ المرء الفوزَ في الحال والمآل. انتهى. وعن بعض المالكية قال: الصلاة على النبي وَّ فرض إسلاميُّ جُمليٍّ غير متقيد بعدد، ولا وقت معين، والله أعلم. ثامنها: كلَّما ذُكر، قاله الطحاويُّ وجماعة من الحنفية، والحَليمي (١) هو أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان المُزالي التلمساني القاهري، ولد سنة ٦٠٦، وتوفي سنة ٦٨٣ رحمه الله تعالى، ترجمه الذهبي في ((العبر)) ٣٥٤:٣، والصفدي في ((الوافي)) ٨٩:٥، والمقريزي في ((المقفَّى الكبير)) ٢٢١:٧. ٧٠ والشيخ أبو حامد الإسفرايني وجماعة من الشافعية، وقال ابن العربي من المالكية: إنه الأحوط(١). قلت: وعبارة الطحاوي: تجبُ كلما سَمِع ذكرَ النبيّ مَل من غيره، أو ذَكَره بنفسه. انتهى. وجعل الحَليمي في ((شُعَب الإيمان)) له(٢): أن تعظيم النبي ◌َّ من شُعب الإيمان، وقرّر أن التعظيمَ منزلةٌ فوق المحبة، ثم قال: فحقٌ علينا أن نُحبَّه ونُجِلَّه ونعظّمه أكثرَ وأوفرَ من إجلال كلِّ عبدٍ سيِّدَه، وكلِّ ولدٍ والدَه . قال: وبمثل هذا نطق الكتابُ ووردت أوامر الله تعالى، ثم ذكر الآياتِ والأحاديثَ وما كان من فعل الصحابة معه الدالِّ على كمال تعظيمه وتبجيله في کل حال وبکل وجه. ثم قال: وهذا كان من الذين رُزقوا مشاهدته، وأما اليوم فمن تعظيمه: الصلاةُ والسلامُ عليه كلما جَرَى ذكره، قال الله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية. فأمرَ عباده بها بعد إخبارهم أن ملائكته يصلون: لتنبيههم بأن الملائكة - مع انفكاكهم عن التقيُّد بشريعته - يتقرَّبون إلى الله تعالى بالصلاة والتسليم عليه، فنحن أولى وأحقُّ، وأحرى وأخلق. قلت: وما قاله من انفكاك الملائكة عن التقيد بشريعته قد أقرَّه البيهقي(٣)، وليس بمتفق عليه، نعم، نقل الإمام فخر الدين الرازي في ((أسرار التنزيل)) له (٤) الإجماعَ على أنه ◌َّ لم يكن مرسَلاً إلى الملائكة، (١) ومثله الزمخشري في ((الكشاف)) ٢٤٦:٣. (٢) ((المنهاج)) له ٢: ١٢٤، ١٣٠ -١٣١ . (٣) ((شعب الإيمان)) ١: ١٩٤ طبعة بيروت، ١: ٤٦٧ طبعة الهند. (٤) وهو في ((تفسيره)) أول سورة الفرقان. ٧١ وهذا قاله النسفي(١)، لكن نُوزِعا في هذا النقل، بل رجَّح السُّبْكي(٢) أنه كان مرسَلاً إليهم، واحتج بأشياء ليس هذا محلّها، والله أعلم. ومما استُدِلَّ به لهذا المذهب - أعني وجوب الصلاة على النبي كلما ذُكر -: الآيةُ الكريمة، فإن الأمر للوجوب، ويُحمَل على التكرار أبداً ، بناءً على أن الأمر يدل عليه، كما هو أحد الأقوال في الأمر المطلق. والله أعلم. وقد أنشد الشهاب ابن أبي حَجَلة من قصيدة له(٣): صلُّوا عليه كلَّما صلَّيتمُ لتَرَوْا به يوم النَّجاة نجاحاً صلُّوا عليه كلَّ ليلةٍ جمْعةٍ صلُّوا عليه عِشِيَّةً وصباحاً صِلُّوا عليه كلَّما ذُكِر اسمه في كلِّ حينٍ غَدْوةً ورواحاً فعلى الصَّحيح صلاتكم فرضٌ إذا ذكِر اسمُه وسمعتُموه صُراحاً (١) كذلك في تفسير أول سورة الفرقان، لكن ليس في عبارته تصريح بدعوى الإجماع، والمصنف متابع للمحلّي في نسبة ذلك إليه، وتبعه أيضاً السيوطي في ((تزيين الآرائك في إرسال النبي ◌َّله إلى الملائك)) المطبوع ضمن ((الحاوي)) ٢: ١٤٠. وقرّر السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه المذكور عموم رسالته ◌َيّر للملائكة الكرام. وعلى الأخذ بهذا القول فإن رسالته وَل# إليهم رسالة تشريف لا تكليف: لينالوا شرف كونهم من أمة محمد وَّ لا ليُكَلَّفوا بأحكامها التشريعية. (٢) ((في جمع الجوامع)) ٤١٦:٢ بحاشية البَنّاني، و٢: ٤٧٣ بحاشية العطار. (٣) هو أحمد بن يحيى التلمساني نزيل دمشق، ثم مصر (٧٢٥-٧٧٦)، ترجمه أبو زرعة العراقي في ((ذيل العبر)) ٣٨٣:٢، وابن حجر في ((الدرر الكامنة)) ٣٢٩:١، و((إنباء الغمر)) ١٠٨:١، والمصنف في ((وجيز الكلام)) ٢١٠:١، وليس في ترجمته ما يفيد تأهُّله للترجيح بين الأقوال واختيار وجه منها ليقول: فعلى الصحيح صلاتكم فرض .. ؟، والأبيات في كتابه ((دفع النقمة بالصلاة على نبي الرحمة)) وَّر، الورقة ١٤. ٧٢ صلَّى عليهِ الله ما شبَّ الدُّجى وبدا مَشِيبُ الصُّبح فيه وَلاحا انتھی . ولمّا ذَكَر الفاكِهاني حديثَ ((البخيلُ من ذُكِرتُ عنده فلم يُصَلِّ عليَّ)) قال: هذا يُقَوِّي قولَ من قال بوجوب الصلاة عليه كلَّما ذُكِر، وهو الذي أمیل إلیه. قلت: ونقل ابن بَشْكُوال عن محمد بن فرج الفقيه، أنه كان ينشد بيت حسان : هجوتَ محمداً وأجبْتُ عنه وعندَ الله في ذاك الجزاءُ ويزيد فيه (الَّ) فيقال له: ليس يَتَّزِنُ هكذا؟! فيقول: أنا لا أترك الصلاة على النبي ◌َّةِ، ثم عقَّبه ابن بشكُوال بقوله: فرحمه الله لقد كان يعجبني ما كان يفعله، نفع الله بنيته في ذلك. انتهى. وقال أبو اليمن ابن عساكر: أقولُ - والله يقول الحقّ -: الذي ينتهي إليه علمي، ويتعلّقه من مفهوم هذه النصوص فهمي: أن الصلاة على رسول الله وَّ سيد البشر، واجبةٌ على المكلَّف إذا سمع ذِكره كلما ذُكر، لا كما قال من ادّعى: إن مَحْمَل الآية على النّدب، ولا كمن زعم أنها تجب مرة في العمر، وقائلُ هذه المقالة وإن كان قد فرّع ذلك عن أصل أصيل، قد قرَّره في الأمر المطلقِ أئمةُ أهل الأصول، فإن ما نحن بسبيله يتأكد وجوبُ تكراره بنصوص أُخَر، وقد ذُكر في هذا المختصر منها ما ذُكر. والدليل على ما قلته: الحديثُ الذي قدَّمته في أمر جبريل للنبي وَّلـ بالتأمين على الدعاء بالإبعاد لمن ترك الصلاة عليه عند ذِكره، تعظيماً لقدر رسول الله ◌َّ وتفخيماً لأمره، فإن معنى الإبعاد عن الله تعالى إبعاد من ٧٣ رحمته، أو إبعاد من زُلفتِهِ، وإثابتُه إذا أَزْلف المصلّي عليه بتقديمه(١): برفع درجاته وتكفير سيئاته، وتضعيف حسناته، وغير ذلك من أنواع كرامته، وفي فوات ذلك فواتُ مراتبِ الإنعام. ومَن اسْتُؤثر عليه في الآخرة بهذه المآثر فقد قام من الحِرمان أسوأ مَقام، وحَجْبُ العبد عن الرّبّ سبحانه، وبعدُه عنه: أقصى رُتب الانتقام، لذلك قدَّمه على ذكر العذاب للاحتفال بذكره والاهتمام، قال الله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لَمحجوبون. ثم إنهم لَصَالوا الحجيم﴾ [المطففين: ١٥- ١٦]. ويؤكدُ ذلك أن تارك الصلاة على رسول الله ﴿ ﴿ كلَّما ذُكر: قد نُظِم في سلك عقوقِ الأبويْن، والمستحلِّ لانتهاك حرمة شهر الصوم الذي صومُه وتعظيمُه فرضُ عيْن، وفي ذلك من تأكُّد الأدلة على ما قلتُه لمن أنعم النظر قرَّةُ عیْن. وقد نبأني شيخنا(٢) أبو الحسن الهَمَذاني إمام وقته في فنونه رحمه الله تعالى، عن شيخه إبراهيم بن جُبارة الإمام الأصولي، عن شيخه إمام أهل عصره ومُظهِر مذهب السنة في أمصاره وقُطره أبي بكر الطُّرْطُوشي: أن الأمر في ذلك يقتضي التكرار، فيجب أن يُصلَّى على النبي ◌ِّ كلما ذكر، وهو مذهب الشيخ أبي إسحاق الإسفرايِني. انتهى. ومن النكت الغريبة: مارواه الخطيب في ((جامعه)) من طريق الفِرَبْري، عن علي بن خَشْرَم قال: سمعت الفضل بن موسى يقول لرجل: (١) هذه الكلمة من ج، د، هـ، وتحرفت في ب - مع وضوح رسمها - إلى: تبعدته! والنص كله ليس في أ. (٢) ما يزال الكلام لأبي اليمن ابن عساكر. ٧٤ ما كنيتُك؟ قال: أبو محمد، وَّهِ، فقال له: وَيْحك وضعتَ الصلاة على النبي ◌َّ في غير موضعها! والله الموفق. قلت: وقد اختلف القائلون بالوجوب كلما ذُكر: هل هو على العين فتجبُ على كل فردٍ فردٍ؟ أو الكفاية، فإذا فَعل ذلك البعضُ سقط عن الباقين؟ فالأكثرون قالوا بالأول، ومن القائلين بالثاني أبو الليث السَّمَرْ قَندي من الحنفية في ((مقدمته)) المعروفة. قال شيخنا: وقد تمسك القائلون بالوجوب كلّما ذُكر: من حيثُ النقلُ: بأن الأحاديث - يعني الآتية - التي فيها الدعاءُ بالرَّغم والإبعاد والشقاء والوَصْف بالبخل والجَفاء، وغير ذلك: مما يقتضي الوعيد، فإن الوعيد على الترك من علامات الوجوب. ومن حيثُ المعنى: بأن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأتُه على إحسانه، وإحسانُه مستمرٌّ، فيتأكد إذا ذُكِر. وتمسكوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاءَ الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور: ٦٣]. فلو كان إذا ذُكر لا يُصلَّى عليه لكان كآحاد الناس، ويتأكَّد ذلك إذا كان المعنيُّ بقوله ﴿دعاءَ الرسول﴾: الدعاءَ المتعلّق بالرسول. قال الحَليمي: وإذا قلنا بوجوب الصلاة كلما ذكر، فإنِ اتّحد المجلس، وكان مجلسَ علمٍ وروايةٍ سننٍ، احتُمل أن يقال: الغافل عن الصلاة عليه كلما جرى ذكره إذا خَتَم المجلس بها أجزأه، لأنَّ المجلس إذا كان معقوداً لذِكْره كان كلّه حالةً واحدة كالذِّكْر المتكرر، وإن لم يكن المجلسُ كذلك فإني أرى كلَّما ذكر أن يُصَلَّى عليه، ولا أرخِّص في تأخير ذلك، إذْ ليس ذكرُه بأقلَّ من حقّ العاطس! قال: ومن ترك الصلاة عليه عند ذِكره ثم صلّى عليه في المستقبل بعد التوبة والاستغفار رجونا ٧٥ أن يُكَفَّر عنه، ولا يُطلق عليه اسم القضاء، والله أعلم. وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها: أنه قولٌ لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين، فهو قول مخترَع. ولو كان ذلك على عمومه لَلَزِمِ المؤذنَ إذا أذّن، وكذا سامعَه. وللزم القارىء إذا مرَّ ذكره في القرآن. وللزم الداخلَ في الإسلام إذا تلفّظ بالشهادتين. ولكان في ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه. ولكان الثناءُ على الله كلَّما ذُكر أحقَّ بالوجوب، ولم يقولوا به. قلت: وفي هذا الأخير نظر، فقد صرّح بوجوبه أيضاً منهم جماعة، ففي بعض شروح ((الهداية)): أنه لو تكرر اسم الله في مجلس واحد يكفيه ثناء واحد، وفي مجلسين: يجب لكل مجلس، وكذا لو تكرر ذكره وَال في المجلس كفاه أيضاً مرّة على الصحيح، لكن في ((المجتبى)): يكرَّر الوجوب. وفَرَّق بينه وبين تكرر ذكر الله حيثُ يكفي ثناء واحد: بأنه مأمورٌ بالصلاة، غيرُ مأمورٍ بالثناء، ولذلك لو تركه لا يبقى دَيناً عليه، بخلاف الصلاة فإنها تصير ديناً. كذا قيل !. قال: والفرق الصحيح أن يقال: إن كل وقتٍ وقتٌ لأداء الثناء، لأنه لا يخلو عن تجدُّدِ نِعَم الله تعالى الموجبةِ للثناء، فلا يكون وقتاً للقضاء، كقضاء الفاتحة في الأخريين، بخلاف الصلاة . قلت: وهذا الفرق ليس بظاهر، كما صرّح به بعض شراح ((الهداية)) من محققي شيوخنا، وفي ((الجامع الكبير)) من كتبهم لفخر الإسلام: تكرارُ اسمه واجبٌ لحفظ السنّة، إذْ به قِوام الدين والشرائع، وفي إيجاب ٧٦ الصلاة في كل ذلك حرجٌ، فوجب وَضْعُه، ولأنه لو وجب عند ذكره: لا نجدُ فراغاً عن الصلاة عليه مدَّة العُمُر، إذِ الصلاةُ عليه لم تخلُ عن ذكره. وأجيب منهم أيضاً عن هذا: بأنه إذا اتحدَ المجلسُ يجبُ التداخل، كما في سجدة التلاوة، إلا أنه يُستحبُّ - والحالة هذه - تكرارُ الصلاة دون السجود. انتهى . ونُسِب إلى المتقدمين منهم القولُ بالوجوب مع التداخل، وفرقوا بينها وبين السجود: بأن السجود حقُّ الله، فساغ فيها التداخل، بخلاف الصلاة، فإنها حقُّ العبد، فلم يَسُغْ فيها التداخل، لأن العبد - وإن عظُمت منزلتُه - لا يوازي حقُّه حقَّ الله تعالى في وضع الحرج، لحاجته، وغنى الله تعالى. ويُحتاج إلى تأمل، مع أن الأصح عندنا تكرير السجود بتكرير آية السجدة في المجلس الواحد(١). وقد أطلق القُدوري وغيره من الحنفية أن القول بوجوب الصلاة عليه كلّما ذُكر مخالفٌ للإجماع المنعقِد قبل قائله، لأنه لايُحفَظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبي ◌َّ- فقال: يا رسول الله صلى الله عليك. قلت: سيأتي في حديث أبي مسعود في أوائل الباب الأول(٢)، قولُه: فكيف نصلّي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا، صلى الله عليك، وقولُ واثلة في أواخر الباب المذكور أيضاً: فقلت: وأنا يا رسول الله مِن أهلك، صلى الله عليك. (١) من قوله ((مع أن الأصح)) إلى هنا زيادة ألحقها المصنف بقلمه على حاشية ١٧/ ب من الأصل ج. (٢) ص ١٠١، وحديث واثلة ص ١٢٤. ٧٧ وكذا(١) في حديث أم سُنبلة لما أهدتْ اللبنَ للنبيِ بَّ، فقال لها: ((ماهذا معكِ؟)) قالت: لبنٌ أهديته لك يارسول الله صلى الله عليك، الحديثَ، أخرجه أبو إسحاق الحربي في ((الهدايا)) وغيره. وفي حديث المسيء صلاتَه أنه قال في الثالثة: فعلُّمني يارسول الله صلى الله عليك وسلم. أخرجه ابن ماجه من حديث عُبيدالله بن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة (٢) . وفي حديث أيوب بن هانىء، عن مسروق، عن ابن مسعود: أنه وَال لما أتى قبر أمه وبكى، تلقاه عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله صلى الله عليك ما الذي أبكاك؟ الحديثَ، أخرجه البيهقي في ((الدلائل))(٣). وكذا عنده فيها من طريق ابن إسحاق في قصة تخييره وَله أصحابه لما بلغه مجيء المشركين إلى أحد أنهم قالوا له وَّ ر: فإن شئت فاقعد صلى الله عليك (٤). وفيها أيضاً في أول قصة تبوك: أن الجدَّ بن قيس لما استأذن رسول الله وَلير في التخلُّف عنها قال: فأذَنْ لي يارسول الله صلى الله عليك؟(٥) بل فيها أيضاً في وفد بني تميم من أول وفود العرب، قول قيس بن (١) من هنا إلى آخر النقل عن ابن العربي زيادة من د، هـ، ومن هنا إلى قوله ((وكفى بدون هذا رداً ... )) ثابت في ج يشترك مع د، هـ. (٢) الحديث في سنن ابن ماجه (١٠٦٠)، وطرف منه في (٣٦٩٥)، وليس فيهما محل الشاهد، فكأن هذا ثابت في أصل المصنف من ((السنن)). (٣) ١ :١٨٩. ٣ :٢٢٦. (٤) ٥ :٢١٣-٢١٤. (٥) ٧٨ عاصم: يا رسول الله عليك السلام(١). وكفى بدون هذا رداً. ووقع للقاضي أبي بكر ابن العربي في ((شرح الترمذي))(٢) نحو ماوقع للقدوري، وذلك أنه قال: كان أصحابه إذا كلَّموه ونادوه لا يقول له أحد منهم: صلى الله عليك، وصار الناس اليوم لايذكرونه إلا قالوا: صلى الله عليه، ثم قال: والسُّ فيه: أن أولئك كانت صلاتهم عليه ومحبتهم له اتباعَهم له وعدمَ مخالفتهم، ولما لم يتَبعه اليومَ أحدٌ من الناس - يعني غالباً - وخالفه جميعهم في الأقوال والأفعال: خدعهم الشيطان بأن يصلوا عليه في كل ذكر، وأن يكتبوه في كل رسالة، ولو أنهم يتبعونه ويقتدون به ولا يصلون عليه في ذكره، ولا في رسالة إلا حال الصلاة كانوا على سيرة السلف !! انتهى(٣). (١) ٥ :٣١٥. (٢) ٢٧٢:٢-٢٧٣. (٣) قلت: في هذا تنطُّع واضح في التجرد للإنكار على واقع الناس! وهل يجوز الحكم على المسلمين - وهم في النصف الأول من القرن السادس الهجري - أنه لا أحد منهم متبع لرسول الله بَّر، وأنهم مخالفون له ◌َّر في أقوالهم وأفعالهم !!. ثم إنه رحمه الله راح يصرف ظاهرةَ خيرٍ فيهم إلى أنها من خدع الشيطان !! وكلمة ((غالباً)) التي وضعتها بين خطين معترضين زادها المصنف ليلطّف كلام ابن العربي، وإن كنت لا أرى أيضاً أن يُحكم بهذا الحكم على غالب المسلمين. وأين هذا من قول الحَليمي رحمه الله الذي تقدم ص ٧٠: ((فحقٌّ علينا أن نُحبَّه ونُجلَّه ونعظُّمه أكثر وأوفَر من إجلال كل عبدٍ سيدَه، وكلِّ والدٍ ولدَه .. ، وهذا كان من الذين رُرقوا مشاهدته، وأما اليوم: فمن تعظيمه الصلاة والسلام عليه كلما جرى ذكره)) ! . ويستغرب من الأستاذ أحمد شاكر رحمه الله قوله - وقد نقل كلام ابن العربي هذا في تعليقه على سنن الترمذي الحديث (٤٥٨) -: ((هذا الذي قاله ابن العربي فقه في السنة واضح جيد، أوافقه عليه كلِّ)) !!. والهَدْي الصحيح - إن شاء الله -: أن نقول: هذا الإكثار من الصلاة على النبي ◌َلقر = ٧٩ 11 حقٌ وصحيح وهُدى، ولهم فيه الأجر والمثوبة، وأن نلفت الأنظار والعقول والقلوب إلى اتباع النبي ◌َّر في الأحوال كلها. ونسأل الله تعالى العدل في الرضا والغضب. وانظر التعليق على ص ٢٩١. ثم إن مما يزاد على الأدلة التي ذكرها المصنف رحمه الله، وفيها مخاطبة الصحابة للنبي وَّ بالصلاة والتسليم عليه: ١- حديث أم سلمة رضي الله عنها، عند ابن حبان ٥٦٥:١١ (٥١٦٠)، وقولها: دخل عليَّ رسول الله وَّل وهو ساهم الوجه - أي: متغيِّر - قالت: حسبتُ ذلك من وجع، قلت: ما لي أراك صلى الله عليك ساهمَ الوجه؟ قال: ((من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا بالأمس، ولم نقسمها)). ولفظها في ((موارد الظمآن)) (٢١٤٠): مالي أراك صلى الله عليك وسلم ساهمَ الوجه؟. ٢- وحديث جابر في استشهاد والده، وقضاء دينه، وفيه قول امرأته للنبي وَّ: ((يا رسول الله صلِّ عليَّ وعلى زوجي صلى الله عليك))، هذا لفظ أحمد ٣٩٨:٣، وإسناده صحيح. ٣- وحديث أم بُجَيد الأنصارية عند أصحاب السنن إلا ابن ماجه، ولفظ أبي داود (١٦٦٤) قالت: يارسول الله صلى الله عليك إن المسكين ليقوم على بابي فما أجد له شيئاً أعطيه إياه، فقال لها: ((إن لم تجدي له شيئاً تعطينه إياه إلا ظِلْفاً مُحْرَقاً فادفعيه إليه في يده))، ورواه الترمذي (٦٦٥) وقال: حسن صحيح. ٤- وحديث أم مالك الأنصارية الذي ذكره الهيثمي في ((المجمع)) ١٠ :١٠٢ أنها جاءت بعُكَّةِ سمنٍ إلى رسول الله بَّرَ، فأمر بلالاً فعصرها، ثم دفعها إليها، فرجعت فإذا هي ممتلئة، فأتت النبي ◌َّر فقالت: نزل فيّ شيء يارسول الله صلى الله عليك وسلم؟ قال: ((وما ذاكِ يا أم مالك؟)) في قصة، ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عطاء بن السائب ثقة ولكنه اختلط، وفيه راوٍ لم يسمّ، وبقية رجاله رجال الصحيح. قلت: رواه الطبراني في «الكبير)) ٢٥: ١٤٥ (٣٥١) عن مطيَّن، عن ابن أبي شيبة، - وهو في ((مصنفه)) (٣٢٤٠٦) بتحقيقي - عن ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، وابنُ فضيل ممن روى عن عطاء بعد اختلاطه. وليس في هذين المصدرين - ولا غيرهما - اللفظ المراد إلا عند الهيثمي، فكأنه كان هكذا في نسخته من ((المعجم الكبير)»؟. ٥- وفي ((مغازي)) الواقدي ١ :٤١١ في غزوة المُريسيع، لما أُسِرت السيدة جويرية ٨٠ قال - أعني القدوري -: ولأنه لو كان كذلك لم يتفرَّغ السمع لعبادةٍ أخرى. وأجابوا عن الأحاديث بأنها خرجت مَخْرَج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وفي حقِّ من اعتاد ترك الصلاة عليه دَيْدَناً. وفي الجملة: لا دلالة على وجوب تكرر ذلك بتكرُّر ذِكْرِهِ مَّ في المجلس الواحد. واحتج الطبريُّ لعدم الوجوب أصلاً مع وُرود صيغة الأمر بذلك: بالاتفاق من جميع المتقدِّمين والمتأخرين من علماء الأمة، على أن ذلك غيرُ لازم فرضاً، حتى يكون تاركه عاصياً. قال: فدلَّ ذلك على أن الأمر فيه للندب، ويحصُل الامتثال لمن قاله، ولو كان خارج الصلاة. وما ادّعاه من الاجماع معارضٌ بدعوى غيره الإجماعَ على مشروعية ذلك في الصلاة، إمّا بطريق الوجوب، وإما بطريق الندب، ولا يُعرف بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها، جاءت إلى النبي وضّ وقالت له: كاتبني = ثابت بن قيس بن شماس على مالا طاقة لي به ولا يدان، وما أكرهني على ذلك، إلا أني رجوتك صلى الله عليك، فأَعِنّي في مكاتبتي ... ٦- وفي ((سيرة ابن هشام)) ٥٩٢:٤ أن خالد بن الوليد رضي الله عنه كتب إلى رسول الله جملة: ((من خالد بن الوليد، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد يارسول الله، صلى الله عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث .. )). ٧- وفيها أيضاً ٦٣١:٤ في غزوة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه لدومة الجَنْدل: أقبل فتى من الأنصار فسلّم ثم جلس ثم قال: يارسول الله صلى الله عليك وسلم: أيُّ المؤمنين أفضل؟ فقال: ((أحسنهم خُلُقاً)). ٨- وعند الدارمي (٢٢٣١) من حديث ابن عمر في أول من سأل عن أمر اللعان قال: يا رسول الله صلى الله عليك أرأيت لو أن أحدنا رأى ... =