Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
لأبى سعيد الأعرابى
وقد وصفهم أبو نعيم الأصبهانى أحسن وصف فقال: ((أهل الصفة هم
أخيار القبائل والأقطار ، أُلبسوا الأنوار، فاستطابوا الأذكار، واستراحت لهم
الأعضاء والأطوار، واستنارت منهم البواطن والأسرار، بما قدح فيها المعبود من
الرضا والأحبار، فأعرضوا عن المشغوفين بما غرهم ، ولهوا عن الجامعين لما
ضرهم من الحطام الزائل البائد .. لم يعدلوا إلى أحد سواه ، ولم يعولوا إلا على
محبته ورضاه))(١) .
وكان أهل الصفة فى فقر شديد ، فلم يجتمع لأحد منهم ثوبان . فعن أبى
هريرة رضى الله عنه قال : رأيت سبعين من أهل الصفة يُصلون فى ثوب ،
فمنهم من يبلغ ركبتيه ، ومنهم من هو أسفل من ذلك ، فإذا ركع أحدهم قبض
عليه مخافة أن تبدو عورته)) (رواه أحمد بن حنبل) .
وعن واثلة بن الأسقع قال : «كنت من أصحاب الصفة ، وما منا أحد
عليه ثوب تام ، قد اتخذ العراق فى جلودنا طوقا من الوسخ والغبار، إذ خرج
علينا رسول الله له فقال: ((ليبشر فقراء المهاجرين)) ثلاثا .
وعن عبد الرحمن بن أبى بكر أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء ، وأن
رسول الله ﴾ قال: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، ومن كان عنده
طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس)) أو كما قال . وأن أبا بكر جاء بثلاثة ،
﴿ُ بعشرة)) (متفق عليه) .
وانطلق نبى الله هـ
ـ فقال : أباهر .
وعن مجاهد أن أبا هريرة قال : مربى رسول الله ـ
فقلت: لبيك يا رسول الله. قال: ((إلحق أهل الصفة فادعهم)). قال: وأهل
الصفة أضياف الإسلام ، لا يأوون على أهل ولا مال ، إذا أتته صدقة بعث بها
إليهم، ولم يتناول منها شيئا ، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، وأصاب منها ،
وأشركهم فيها» (متفق عليه) .
(١) المرجع السابق ، ص ٣٤٤.

٢٢
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
لقد كانوا من أشد المسلمين فقرا وخصاصة وحاجة ، لدرجة أن بعضهم
لم يكن فى قدرته أن يصلب قامته أثناء صلاته فيترنح فى وقفته ، لمابه من
خصاصة ، فعن حميد بن هانئ الخولانى ، أن رسول الله يه كان إذا صلى
بالناس يخر رجال من قامتهم فى صلاتهم لما بهم من الخصاصة ، وهم
أصحاب الصفة - حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين)).
وكان أبو هريرة عريف من يسكن الصفة من القاطنين ، ومن نزلها من
الطارقين ... وكان أحد أعلام الفقراء والمساكين .. فارق المنقطع المحدود ،
منتظرا للمنتفع به من تحف المعبود ، زهد فى لبس اللين والحرير ، فعوض من
حكم الفطن)»(١) .
وعن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: والله الذى لا إله إلا هو، إن كنت
لأعتمد على كبدى من الجوع ، وإن كنت أشد على بطنى من الجوع ، ولقد
قعدت يوما على طريقهم الذى يخرجون منه ، فمر بى أبو بكر فسألته عن آية
من كتاب الله ، ماسألته إلا ليستتبعنى ، فمر ولم يفعل ، ثم مربى عمر ، فسألته
عن آية من كتاب الله تعالى ، ماسألته إلا ليستتبعنى ، فمر ولم يفعل ، ثم مر أبو
القاسم ، وتبسم، وعرف ما فى نفسى وما فى وجهى، ثم قال: ((يا أباهر)»،
قلت: ليبيك يارسول الله! قال: ((إلحق))، ثم مضى واتبعته، فدخل،
واستأذنت ، وأذن لى ، فدخلت فوجدت لبنا فى قدح ، فقال: ((من أين هذا
اللبن؟))، فقالوا: أهداه لك فلان - أوفلانة - فقال: ((يا أباهر)) فقلت: لبيك
يارسول الله. قال: ((إلحق أهل الصفة فادعهم)) قال: وأهل الصفة أضياف
الإسلام لا يأوون على أحد ولا مال ، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ، ولم يتناول
منها شيئا ، وإذا أتته هدية أرسل إليهم ، وأصاب منها ، وأشركهم فيها)) .
(١) أبو نعيم الأصبهانى، الحلية ، جـ١ ص ٣٧٧.

٢٣
لأبى سعيد الأعرابى
الزُّهد والتصوُّف :
يتحدث ابن خلدون فى مقدمته عن نشأة الزهد فى الإسلام ، وعلاقته
الوثيقة بالتصوف ، فيقول: «هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة الملة ، وأصلها
العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من
لذة ومال وجاه،. والإنفراد عن الخلق بالخلوة والعبادة . وكان ذلك عاما فى
الصحابة والسلف . فلما فشا الإقبال على الدنيا فى القرن الثانى الهجرى ، وما
بعده ، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة)) (١) .
فالزهد : كان المدخل الطبيعى إلى التصوف فى الإسلام ، ولقد وجد
الصوفية الأوائل فى نماذج الزهاد السابقين صورة صادقة ، ومثلا للحياة الروحية
فى الإسلام ، ووجدوا فى أهل الصفة ضوءا ودليلا على زهدهم ، وأهل الصفة -
من فقراء المسلمين ، الذين كانوا
كما ذكرنا - كانوا من صحابة رسول الله
فى المدينة .
يرابطون فى مسجد رسول الله
وقال الإمام أبو القاسم القشيرى - رحمه الله - : اختلف الناس فى الزهد
من حيث متعلق حكمه ، فمنهم من قال : الزهد فى الحرام ، لأن الحلال مباح
من قبل الله تعالى .. ومنهم من قال : الزهد فى الحرام واجب ، وفى الحلال
فضيلة ، فإن إقلال المال - والعبد صابر فى حاله ، راض بما قسم الله تعالى له ،
قائع بما يعطيه - أتم من توسعه ، وتبسطه فى الدنيا ، فإن الله تعالى زهّد الخلق
فى الدنيا بقوله : ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى﴾ (النساء: ٧٧) .
ومنهم من قال : إذا أنفق العبد ماله فى الطاعة ، وعلم من حاله الصبر،
وترك التعرض لما نهاه الشرع عنه فى حال العسر ، فحينئذ يكون زهده فى المال
الحلال ، أتم .
(١) ابن خلدون، المقدمة، ص ٣٩٨.

٢٤
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
ومنهم من قال : ينبغى للعبد أن لا يختار ترك الحلال بتكلفه، ولا طلب
الفضل مما لا يحتاج إليه ، ويراعى القسمة ، فإن رزقه الله ، سبحانه وتعالى،
مالا من حلال ، شكره ، وإن وقفه الله تعالى على حد الكفاف لم يتكلف فى
طلب ما هو فضول المال ، فالصبر أحسن بصاحب الفقر ، والشكر أليق بصاحب
المال الحلال»(١) .
وأهل الزهد على معان شتى فى نظر أبى سعيد الخراز، فمنهم من زهد
لفراغ القلب من الشغل ، وجعل همه فى طاعة الله تعالى وذكره وخدمته ،
فكفاه الله عند ذلك ، ومنهم من زهد لخفة الظهر ، وسرعة الممر على الصراط ،
إذا حُبس أصحاب الأثقال للسؤال ، ومنهم من زهد رغبة فى الجنة واشتياقا
إليها .. وأعلى درجات الذين زهدوا فى الدنيا ، هم الذين وافقوا الله تعالى فى
محبته ، فكانوا عبيدا عقلاء عن الله عز وجل أكياسا ، سمعوا الله - جل ذكره -
ذم الدنيا ووضع من قدرها ، ولم يرضها دارا لأوليائه ، فاستحيوا من الله عز وجل
أن يراهم راكنين إلى شئ ذمه ولم يرضه. وجعلوا ذلك على أنفسهم فرضا ، لم
يبتغوا عليه من الله عز وجل جزاء، ولكن وافقوا الله فى محبته كرما منه
سبحانه وتعالى. فأهل الموافقة لله تعالى فى الأمور: هم أعقل العبيد وأرفعهم
عند الله قدرا»(٢).
وكما يقول الطوسى فى اللمع: (( من لم يحكم أساسه فى الزهد، لم يصح
له شىء مما بعده ، لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، والزهد فى الدنيا رأس
كل خير وطاعة))(٣) .
(١) القشيرى، الرسالة، ج١، ص ٣٦٦.
(٢) الخراز، أبو سعيد، الطريق إلى الله أو الصدق، تحقيق: د. عبد الحليم محمود، نشر دار الإنسان بالقاهرة ، ١٩٧٢، من
ص ٧٥ إلی ص ٨٠ ، باختصار.
(٣) الطوسى ، أبو نصر السراج، اللمع، تحقيق: عبد الحليم محمود وطه عبد الباقى سرور، ١٣٨٥ هـ / ١٩٦٠م، ط دار
الكتب الحديثة بمصر، والمثنى ببغداد ، ص٧٢ .

٢٥
لأبى سعيد الأعرابى
والحقيقة أنه يكاد يكون الزهد سمة عامة ، وملمح أساسى من ملامح
التصوف الإنسانى فى كل العصور ، فعن طريق الزهد يستطيع الصوفى أن يسيطر
على نوازع نفسه ورغباتها ، كما يمكنه أن يقهر شهواته الدنية ويهزم لذاته
الرخيصة .
وقد سئل أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبى عن الزهد فى الدنيا :
أفرض أم نفل؟ فقال: ((فرض الله تعالى على العباد الزهد فى حرامه ، ونفلهم
الزهد فى حبس حلاله ، لموضع الفضل ، وأمرهم بالرغبة فيما فيه رغبهم ،
وبالزهد فیما فیه زهّدهم .
فإذا كان الرجل يحسن التمييز بين الفرض والنفل ، لم يقدم على الحرام ،
ولم يزهد فى الحلال. إلا أن الله تعالى لم يغفل أن يزهد الإنسان فى حلاله)»(١)
وذلك لفهم المحاسبى جيدا لقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ
لِعِبَادِهِ وَالطَّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: ٣٢).
فواجب الإنسان أن لا يحبس ماله الحلال عن الإنفاق فى أوجه الخير
المختلفة ، وفى سبيل الله .. فالإنسان كما يرى المحاسبى ((إن أعطى الدنيا لم
يمنعه حلول النعمة عن أداء شكرها ، وإن منع لم يمنعه نزول البنية عن النظر
إلى موضع الخيرة)) (٢) أى الاختبار.
ويقول المحاسبى : ((لرب مقل قد ظهر الزهد على ظاهر بدنه ، وقلبه
مشغول بالرغبة ، فقد استقل كل ما صار إليه من الدنيا ، وإن كان فى العدد
كثيرا ، ويستكثر ما بيد غيره ، وإن كان فى العدد قليلا .. أما الزاهد فقد طهر
قلبه من الدنيا ، واستراح من ضيق الرغبة ، فعلاه الوقار، وصار من الراحة إلى
ما صار، فمن علم عاقبة الزهد ، هان عليه فى الابتداء مؤنة الشدة ، ومن خلع
الهوى، جانب عيش الدنيا، إذا وزن الأشياء بمعيار العدل)) (٣).
(١) المحاسبى، المسائل فى الزهد، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، مكتبة التراث الإسلامى، القاهرة، ١٩٩٢، ص ٢٤.
(٢) المرجع السابق ، ص ٢٦.
(٣) المرجع السابق، ص ٣٠، ٣١.

٢٦
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
وكان الحسن البصرى (ت ١١٠ هـ) سيد التابعين ، زاهدا من كبار الزهاد ،
تأثر تأثرا بالغا بكلمات الله فى قرآنه المجيد . ويقال إنه إذا قرأ الآية
١٠٫٠٠٠٠
الشريفة ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ (آل عمران: ١٠٦) أخذ فى البكاء
بكاء شديدا . وكان يعظ فى مجلسه دائما بذكر قول الله تعالى: ﴿من كان يريد
حَرَثَ الآخِرَةَ نزِدَّ لَهُ فِي حَرَّتِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرَّثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي
الآخرةِ مِن نَصِيبٍ﴾ (الشورى: ٢٠).
إن الزهد الحقيقى عندنا هو ترك كل ما يشغل القلب والعقل عن الله
تعالى ، فيكون مع الله فى سائر سكناته وحركاته .
ويفهم بعض الناس خطأ أن الزهد يعنى تجنب المال بالكلية ، إنما الزهد
الحقيقى أن يتساوى عندك وجود المال وعدمه ، وألا يشغل قلبك المال وحب
الدنيا ، فالدنيا لا تذم لذاتها فإنها مزرعة الآخرة ، فمن أخذ منها مراعيا للقوانين
الشرعية أعانته على آخرته ، ومن ثم قيل : ((لا تركن إلى الدنيا ، فإنها لاتبقى
على أحد، ولا تتركها، فإن الآخرة لاتنال إلا بها)) (١).
وليس الزهد خمولا وكسلا وتواكلا ، وإنما هو قوة إيمان ورضا بعطاء الله
فى حالة بسطه أو قبضه . وليس الزهد حرمانا من الطعام والشراب ، ولكن
الزاهد يهتدى بهدى رسول الله يخ فى الطعام. يقول رسول الله مخلية: «ما ملأ
آدمي وعاء شرا من بطنه ، فحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا
محالة فثلث لطعامه ، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه)) (الترمذى) .
· وهنا لابد لنا من وقفة ، فلا زهد فيما أحله الله سبحانه وتعالى من
طيبات ، فللزاهد أن يأخذ منها دون إسراف ، وليس له أن يحرم نفسه فيضعف
جسده مما قد يؤدى إلى عجزه عن السعى على نفسه أو من يعول . والله
سبحانه وتعالى يقول: ◌َّ﴾ ﴿ولا تقتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: ٢٩).
(١) المناوى، فيض القدير شرح الجامع الصغير، طبع مطبعة مصطفى محمد بالقاهرة ، ١٤٥٦ هـ، ص ٥٤٥.

٢٧
لأ بى سعيد الأعرابى
ويقول أيضا: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: ١٨٥)،
فلا زهد من ترك مطعم ولا مشرب ، وتاركه قاتل لنفسه ومن يعول ، وهو من أهل
النار ، والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه ويعجز عن القيام بما يجب عليه
القيام به من طاعة أو سعى على نفسه أو على من يعول ، مخالفا لما أمر الله به
وأرشد إليه(١) .
وليس الزهد فى أن يحرم الإنسان نفسه من متعة حلال ، كالنكاح ،
ورسول الله ﴿ي يقول: ((النكاح من سنتى فمن رغب عن سنتي فليس منى.
[رواه ابن ماجة] .
ويقول الإمام أحمد بن حنبل : ((ليس العزوبة من أمر الإسلام فى
شىء .. لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولن يحجوا ولم يكن كذا . وقد كان
ـيلة يختار النكاح ويحث عليه وينهى عن التبتل ، فمن رغب عن فعل
النبی
فهو على غير الحق)) (٢).
النبى
أن الزاهد الحقيقى قلبه معلق بربه ولا يتعلق به سواه ، وهذا هو زهد خاصة
الخاصة ، فالزهد على مراتب ثلاث كما قال ابن عجيبة : ((فزهد العامة : ترك
ما فضل عن الحاجة فى كل شئ ، وزهد الخاصة : ترك ما يشغل عن التقرب
إلى الله فى كل حال، وزهد خاصة الخاصة: ترك النظر إلى ما سوى الله فى
جميع الأوقات))(٣).
والزهد ليس إنهزاما ولا ضعفا ولا سلبية فى الحياة ، وإنما هو قوة روحية
عظيمة ، وإيمان صادق ، وما أحوج إنسان هذا العصر الذى يعيش فى مادية
محضة أن يتنسم عبق الحياة الروحية ، فيتعرف على الإيثار، ويلوذ بالإيمان ،
ويتدثر بالأخلاق ، وتطمئن نفسه القلقة حين يدرك ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ
الْمُنْتَهَى﴾ (النجم: ٤٢) .
(١) الشوكانى، زبدة التفسير من فتح القدير، اختصار محمد سليمان الأشقر، ط الكويت ١٤٠٨ هـ/ ١٩٨٨م.
(٢) ابن الجوزى ، أبو الفرج، تلبيس إبليس، طبعة المنيرية، ١٣٦٨ هـ، ص٢٩٤.
(٣) ابن عجيبة ، معراج التشوف إلى حقائق التصوف ، مطبعة الاعتدال، ١٣٥٥هـ، ص ٧.

٢٨
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
وإن حياة الزهاد الأوائل قطعة ناصعة من تاريخنا الإسلامى العظيم . فهم
كوكبة نيرة أضاءوا الحضارة الإسلامية وصنعوا مجد الإسلام بزهدهم وجهادهم
العظيم . إنهم أسماء نابهة أشرقت فى سماء الإسلام لتصنع أمة عظيمة ، كان
أبرز خصائصها إعلاء شأن الروح . لقد صنعوا أسمى العلاقات الإنسانية والسمو
الروحى الصادق ، وضربوا أروع المثل الإنسانية العالية ، وارتفعوا بالإنسان عن
أدران المادية الزائلة .
هذه الكوكبة الخالدة العظيمة من الزهاد الأوائل ، منهم أبو بكر الصديق ،
وعمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعلى بن أبى طالب ، وطلحة بن
عبيدالله ، وأبو ذر الغفارى ، وسلمان الفارسى ، وأبو هريرة ، والزبير بن العوام ،
وأبو الدرداء ، وحذيفة بن اليمان ، ومعاذ بن جبل ، وأبوعبيدة بن الجراح ،
وعبدالله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والأحنف بن قيس ، ووهب بن منبه،
وطاووس بن كيسان ، وسعيد بن المسيب ، ومجاهد بن جبير، وعطاء بن
رباح ، وسعيد بن جبير ، وأويس القرنى ، وسفيان الثورى ، وعاصم بن هبيرة ،
والحسن البصرى ، وأبو حنيفة النعمان ، وأبو سليمان الدارانى ، وسهل
التسترى ، وأحمد بن أبى الحوارى ، وعمر بن عبد العزيز ، والأوزاعى ، وأبو
مسلم الخولانى ، والسرى السقطى ، ومعروف الكرخى ، والجنيد ، والشافعى ،
وأحمد بن حنبل ، وإبراهيم بن أدهم ، وعبد الله بن المبارك، والفضيل بن
عياض ، وأبو عثمان الحيرى النيسابورى ، والمحاسبى ، والحكيم الترمذى ..
مئات من الزهاد العظام الذين أثروا الإنسانية بأروع نفحات روحهم الزكية
الطاهرة المباركة ، وتركوا لنا تراثا روحيا نابضا بالحياة ، يشهد لهم بأن الزهد لم
يكن إنهزاما فى الحياة ولا سلبية وخمولا ، بل كان إرتفاعا بالإنسان ، وسموا
بالمبادئ والمثل الإنسانية الرفيعة .
ولقد ساعد العصر الذى عاش فيه أبى سعيد بن الأعرابى على ظهور الزهد
كرد فعل لحياة الترف التى عاشها العباسيون . فقد ماجت الخلافة الإسلامية
ببغداد ببذخ لا حدَّله، وعاش الولاء والخلفاء والأمراء، وعمالهم، فى

٢٩
لأبى سعيد الأعرابى
بحبوحة من العيش والسرف البالغ السفه ، فقد تدفقت على خزائن الدولة
ملايين الدنانير من كل حدب وصوب نتيجة لإزدهار التجارة والزراعة آنذاك ،
فخراسان مثلا كانت تصنع عشرين ألف ثوب فى السنة ، وطبرستان ونهاوند
ستمائة قطعة من الفرش ومائتين من الأكسية ، يضاف إلى هذا ألوف القناطير
من الزيت والعسل والتمر من سائر أنحاء المملكة)) (١) .
ولذلك فليس غريبا أن نعرف أن هارون الرشيد يموت عن تسعمائة مليون
درهم(٢) . وأن المقتدر كان فى داره أحد عشر ألف خادم خصى ، وكان فى داره
شجرة من الفضة وزنها خمسمائة ألف درهم(٣)، ويقال أن غلة الخيزران -
زوجة المهدى - من إقطاعاتها كانت تبلغ مائة وستين مليونا من الدراهم
سنويا)»(٤) .
وذكر أنه كان بدار الرشيد خاتم بأربعين ألف دينار نقش عليه أسمه (٥).
وكانت زوجة الرشيد ترتدى الثياب المرصعة بالوشى والجواهر ، وقيل إنها أول
من اتخذ الآلة من الذهب والفضة المكللة بالجواهر ، وصنع لها الرفيع من
الوشى حتى بلغ الثوب من الوشى الذى اتخذ لها خمسين ألف دينار(٦).
وكى نتصور مدى بذخ نساء قصر الخلافة يكفى أن نعلم أن امرأة منهن ،
هى أم المستعين ، أنفقت فى صنع بساط لها مائة وثلاثين مليون درهم(٧) .
وكان الخلفاء والأمراء يسرفون غاية السرف ، فقد قيل عن مجلس الرشيد
أنه كان يعبق بالطيب والزعفران والأفاويه من كل شكل)»(٨). وإن جعفر
(١) ابن خلدون ، المقدمة، ص ١٥٧.
(٢) الطبرى، تاريخ ، ج٦، ص ٥٤٤.
(٣) المسعودى ، مروج الذهب، جـ٢، ص ٤١٨.
(٤) المرجع السابق ، جـ٢، ص ٢٦٧ .
(٥) المسعودى ، مروج الذهب، ج٢، ص ٢٣٦.
(٦) المرجع السابق ، جـ٢ ، ص ٥٥٦ .
(٧) الخضرى ، التمدن الإسلامى، جـ٢، ص ١٣١.
(٨) الطبرى، تاريخ، ج٦ ، ص ٥٣٧ .

٣٠
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
البرمكى ساوم جوهريا على عقد من الجوهر بسبعة ملايين درهم(١)، وأنفق
المتوكل على قصوره التى بناها فى ((سر من رأى)) مائة ألف ألف وأربعة وتسعين
ألف ألف درهم(٢)، وكان المعتصم إذا أعجبه قول الشاعر فيه ملأ فمه
جواهرا (٣) .
أما حفلات الأمراء والخلفاء ووزرائهم فكانت مثالا للترف والبذخ الذى لا
حد له (٤) ، بينما كان العامة يعيشون فى شظف من العيش والحرمان ، فأحدث
ذلك رد فعل عنيف لدى النفوس الورعة التقية من المؤمنين .
أيضا أنتشرت فى ذلك الوقت حلقات الوعظ فى كثير من المساجد تذكر
الناس بأن الآخرة هى الأبقى ، وأن الحياة الدنيا متاع الغرور، والصبر والزهد فى
الدنيا طريق المؤمنين إلى النعيم الأبدى والفردوس المقيم ، فأثّر الوعاظ فى
بعض ذوى القلوب الرقيقة ورغبوهم فى الزهد .
ثم إن بعض الناس الذين تعبوا فى الدنيا ولم يجدوا أدنى نجاح فيها ،
أدى بهم فشلهم فى الدنيا وإحباطهم فيها إلى محاولة طلب الآخرة للفوز
بنعيمها . ولكن هذا التفسير يحتاج إلى نظر، فليس كل من فشل فى دنياه لجأ
إلى الزهد فيها ، وإنما قد يكون ذلك دافعا للإنسان لأن يلجأ إلى الله ، ففى
لحظة الفشل والضعف ، يشعر الإنسان أن لا ملجأ إلا إليه ، فيدفعه ذلك إلى
السير فى طريق الله تعالى .
والحقيقة .. أن الظروف الإجتماعية والنفسية والإقتصادية تلعب - أحيانا
- دروا هاما فى تغيير مسار الإنسان فى حياته .
ومن زاوية أخرى نجد أن كثيرا من الزهاد ، اتجهوا إلى الزهد والحياة
الروحية باختيارهم وإرادتهم الحرة ، طمعا فى القرب من الله تعالى ، فتعلقوا به
وزهدوا فى الدنيا الفانية ، أملا فى حب الله وإبتغاء مرضاته ورضوانه .
(١) الطبرى : تاريخ ، ح٦، ص٧٠٢ .
(٢) المسعودى، مروج، جـ٢، ص٤١٨.
(٣) الأصفهانى ، الأغانى ، جـ ٧، ص ١٧٢ .
(٤) لمن أراد الاستزادة فليرجع إلى تاريخ الطبرى، وابن كثير فى البداية والنهاية، والأغانى للأصفهانى، وتاريخ اليعقوبى،
وفيها أخبار زواج الخلفاء ، كالمأمون ببوران ، والمعتضد بقطر الندى بنت خمارويه .

٣١
لأ بی سعید الأعرابی
لكن من الملاحظ أنه بعد أن انفتحت الدنيا على المسلمين ، وأقبل كثير
منهم عليها يعبون من مالها وجمالها وبريقها وذهبها وزبرجدها ، زهد بعضهم
فيها لأنهم يعلمون أن بريق الدنيا سرعان ما يخبو ، وأن فناءها آت لا محالة ،
فزهدوا فيها طلبا لمرضاة الله تعالى ومحبته .
ومن أعلام الصوفية الزهاد فى الإسلام ، عبد الله بن المبارك، وإبراهيم
ابن أدهم ، وأبو سليمان الدارانى .

٣٢
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
١ - عبد الله بن المبارك
من أبرز زهاد القرن الثانى الهجرى ، عبد الله بن المبارك [١١٨ - ١٨١هـ ]
كان تاجرا صالحا ، وعالما ورعا ، وكان محبا للترحال طلبا للعلم والتجارة .
وقد تلقى العلم عن كثير من العلماء ، منهم يحيى بن سعيد الأنصارى ،
والأوزاعى ، وروى الموطأ عن مالك بن أنس(١). ولم يكن أشد منه حبا لحديث
رسول ، وكان أبو سلمة يقول عنه : ابن المبارك فى الحديث مثل أمير
المؤمنين فى الناس (٢).
فابن المبارك أحد المحدثين الثقات ، وعلم من أعلام الرواية فى الحديث
النبوى ، وحافظ من حفاظ وقته للحديث الشريف . ويعد عبد الله بن المبارك ،
نموذجا رائعا للزهاد المجاهدين العظام ، فقد عرف عنه أنه كان يحج عاما ،
ويغزو عاما . وقد شارك بنفسه فى غزو الروم ، كما كان ينفث فى روع
المجاهدين روح القتال ، ويعظهم ويدعوهم للشهادة فى سبيل الله تعالى . وكان
يكسب مالا كثيرا من تجارته ينفقه كله فى سبيل الله وعلى فقراء المسلمين
وطلبة العلم .
ويؤكد عبد الله بن المبارك على أهمية الاعتكاف عن الناس من
وقت لآخر، فينبغى على المؤمن الصادق أن يقسم وقته بين الخلق
وخالقهم ، قيل له مرة : ما دواء القلب ؟ فقال : قلة الملاقاة للناس ، وقال : إذا
أراد الله أن ينقل العبد من ذل المعصية إلى عز الطاعة، آنسه بالوحدة ، وأغناه
بالقناعة ، وبصره بعيوب نفسه ، فمن أعطى ذلك ، فقد أعطى خير الدنيا
والآخرة»(٣) .
(١) اليافعى ، مرآة الجنان ، ص ٣٧٩ .
(٢) البغدادى ، تاريخ بغداد ، ج١٠، ص ١٥٦.
(٣) القشيرى ، الرسالة القشيرية ، ص ٥٥ .

٣٣
لأ بی سعید الأعرابی
وكان يرى أن الجهاد من أعظم القربات إلى الله ، لأن الشهداء أحياء عند
ربهم يرزقون كما قال الله تعالى: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا
بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)) (آل عمران: ١٦٩). فكان يرفع من شأن الجهاد
عن أى عبادة من العبادات .
يقول ابن المبارك :
لعلمت أنك فى العبادة تلعب
یاعابد الحرمين لو أبصرتنا
فتحورنا بماءنا تتخضب
من کان یخضب جيده بدموعه
فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
أو كان يتعب خيله فى باطل
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا
وهج السنابك والغبار الأطيب
قول صحیح صادق لا يكذب
ولقد أتانا من مقال نبينا
أنف إمرئ ودخان نار تلهب
لا تستوى أغبار خیل الله فی
ليس الشهيد بميت لا يكذب(١)
هذا کتاب الله ينطق بيننا
ومن خلال حياة ابن المبارك يستطيع أى باحث أن يستشف بسهولة
كيف كان الرجل إيجابيا فى الحياة ، يعيش فى قلب الحياة ، لا ينفصل عنها ،
فقد كان تاجرا ، وكان عالما ، وزاهدا من كبار الزهاد ، وضع كل ثروته فى خدمة
العلم ، وطلبته ، وأنفق ماله كله على فقراء المسلمين وذوى الخصاصة
والحاجة .
ومن سلوكه العملى الرائد استطاع أن يصحح المقولة الخاطئة حول الزهد
فى الإسلام بأنه خمول وسلبية وبعد عن المجتمع ، وعن الجهاد فى سبيل
الله ، فقد كان يحج عاما ويغزو عاما . ويدعو بسلوكه العظيم إلى فهم الحياة
الروحية فى الإسلام فهما صحيحا ، فكان إلى جانب زهده العظيم وورعه
المعروف ، وكثرة إنقطاعه للخلوة والعبادة ، كان يعرق ويعمل بالتجارة . قال له
الزاهد الكبير الفضيل بن عياض مرة : يا ابن المبارك : أنت تأمرنا بالزهد
(١) ابن تغرى بردى، النجوم الزاهرة، ج ٢، ص ١٠٣.

٣٤
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
والتقلل والبلغة ، ونراك تأتى بالبضائع من بلاد خراسان إلى البيت الحرام
وكيف ذلك؟ فقال : إنما أفعل ذلك لأصون ماء وجهى ، وأكرم به عرضى ،
وأستعين به على طاعة ربى . لا أرى لله حقا إلا سارعت إليه حتى أقوم به ،
فقال الفضيل: يا ابن المبارك، ما أحسن ذا إن تم ذا))(١).
ولهذا ليس غريبا أن يقول إسماعيل بن عياش: ((ما على وجه الأرض
مثل عبد الله بن المبارك))(٢) وأن يقول فيه سفيان الثورى: لو جهدت جهدى
أن أكون فى السنة ثلاثة أيام على ما عليه ابن المبارك لم أقدر)»(٣).
٢ - إبراهيم بن أدهم
إبراهيم بن أدهم [ت سنة ١٦٢ هـ] ، كان أميرا من أمراء بلخ ، ولكنه
شعر أن زخارف الدنيا لا تساوى شيئا عند الله ، وأن الآخرة هى المقام ، فزهد
فى الإمارة والحكم ، وارتدى ثياب الصوفية من الصوف ، وارتحل إلى بلاد
الشام، وعمل بيده فى أعمال مختلفة .
وقد سئل ابن أدهم مرة لم هجرت الناس؟ فقال : ((أمسكت بدينى بين
صدرى ، وبرزت من بلد إلى بلد ، أرض ترفعنى ، وأرض تضعنى ، فمن رآنى
ظننى راعيا أو مجنونا ، أفعل ذلك لعلى أصون دينى من وساوس الشيطان وأمر
بإيمانى سالما من باب الموت (٤) .
يقول إبراهيم بن أدهم فى إحدى مواعظه محذرًا من الدنيا ، وداعيا إلى
. الزهد فيها : ((تريدون أن تجاوروا الله فى داره ، وتحطوا رحالكم بقربه بين
أوليائه وأصفيائه وأهل ولايته ، وأنتم غرقى فى بحار الدنيا ، حيارى ترتعون فى
زهواتها وتتمتعون فى لذاتها ، وتتنافسون فى غمراتها ، فمن جمعها ما تشبعون ،
(١) البغدادى، تاريخ بغداد، جـ١٠، ص١٠٣.
(٢) المرجع السابق ، ج١٠، ص ١٥٧ .
(٣) الأصبهانى، حلية الأولياء، ج٨، ص ١٦٣.
(٤) نيكولسن، فى التصوف الإسلامى وتاريخة ، تعريب وتعليق : الدكتور أبو العلا عفيفى، ص ٤٨ .

٣٥
لأبى سعيد الأعرابى
ومن التنافس فيها ما تملون . كذبتم والله أنفسكم ، وغرتكم ومنتكم الأمانى،
وعللتكم بالتوانى .. أما تعلمون أنه لا تُنال جنته إلا بطاعته ، ولا تُنال ولا يته
إلا بمحبته ، ولا تُنال مرضاته إلا بترك معصيته ، فإن الله تعالى قد أعد المغفرة
للأوابين ، وأعد الجنة للخائفين)) (١) .
وإبراهيم بن أدهم نموذج للزاهد المجاهد ، فقد كان يعمل ويعرق ليأكل ،
ومات وهو يغزو فى بلاد الروم .
ومن أبرز تلاميذ ابن أدهم شقيق بن إبراهيم البلخى (ت ١٩٤ هـ) وله
كلام طيب فى الزهد والزاهدين ، قال : ((الزاهد هو الذى يقيم زهده بفعله ،
والمتزهد هو الذى يقيم زهده بلسانه (٢) .
٣ - أبو سليمان الدارانى
أبو سليمان الداراني [ت ٢١٥هـ]، أصله من أهل واسط بالعراق ، ولكنه
أرتحل إلى بلاد الشام، واستوطن منطقة ((دارايا)) التى تقع غربى مدينة دمشق
وإليها ينتسب .
يقول الدارانى عن حقيقة الزهد : ((لا يزهد فى شهوات هذه الدنيا ، إلا
من وضع الله فى قلبه نورا يشغله دائما بأمور الآخرة))(٣).
وكان الدارانى ، من أكثر الزهاد حبالله تعالى، وكم تمنى رؤيته يوم
القيامة . حدث أحمد بن أبى الحوارى قال : دخلت على أبي سليمان
الدارانى ، وهو يبكى ، فقلت له : ما يبكيك؟ فقال: ((يا أحمد ولم لا أبكى،
وإذا جن الليل ، ونامت العيون ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، وافترش أهل
المحبة أقدامهم ، وجرت دموعهم، وتفطرت فى محاريبهم ، أشرف الجليل
(١) الأصيهانى، حلية الأولياء، ج٨، ص ٢٤.
(٢) القشيرى ، الرسالة ، ص ١٦، ١٧.
(٣) فريد الدين العطار، تذكرة الأولياء، جـ١، ص ٢٣٢.

٣٦
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
سبحانه وتعالى فنادى: يا جبريل : بعينى من تلذذ بكلامى، واستراح إلى
ذكرى ، وإنى لمطلع عليهم فى خلوتهم أسمع أنينهم ، وأرى بكاءهم ، فلم لا
تنادى فيهم؟ ياجبريل ما هذا البكاء . هل رأيتم حبيبا يعذب أحباءه ؟ أم كيف
يجمل بى أن آخذ قوما إذا جنهم الليل تملقوا لى ، فبى حلفت أنهم إذا وردوا
على القيامة لأكشفن لهم عن وجهى الكريم حتى ينظروا إلىّ وأنظر إليهم (١) .
وقال الدارانى محذرًا من غرور الدنيا وضرورة الزهد فيها : ((من ترك الدنيا
للآخرة ربحهما ، ومن ترك الآخرة للدنيا خسرهما ، وكل أم يتبعها بنوها ، وبنو
الدنيا تسلمهم إلى خزى شديد ، ومقامع من حديد ، وشراب الصديد ، وبنو
الآخرة تسلمهم إلى عيش رغد ونعيم ، فى ظل ممدود ،وماء مسكوب ، وأنهار
تجرى بغير أخدود ... من نظر إلى الدنيا مولية صح عنده غرورها ، ومن نظر
إليها مقبلة بزينتها شاب فى قلبه حبها))(٢) .
رحم الله الدارانى ، فقد كان مثلا صادقا للزاهد الحق .
أ. د . عامر النجار
(١) القشيرى ، الرسالة القشيرية، ص١٥.
(٢) الأصبهانى ، حلية الأولياء، جـ٩، ص ٢٧٨.

أبو سعيد الأعرابى
مؤلف الكتاب

٣٩
لأبى سعيد الأعرابى
أبو سعيد بن الأعرابى .
(٢٤٦ هـ - ٣٤٠ هـ = ٨٦٠م - ٩٥٢م)
هو أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم ، أبو سعيد بن الأعرابى ،
زاهد صوفى من أيمة العارفين بالله تعالى ، وكان عالما بالحديث والطبقات .
والأعرابى من أهل البصرة بالعراق حيث كان مولده سنة نيفّ وأربعين
ومائتين .
ثم انتقل إلى الحجاز وأصبح شيخا للحرم المكي ، وفى مكة كانت وفاته
حيث توفى بها فى شهر ذى القعدة سنة أربعين وثلاث مائة ، وله أربع وتسعون
سنة .
قال عنه الذهبى فى سير أعلام النبلاء : ((هو الإمام المحدّث القدوة
الصدوق الحافظ ، شيخ الإسلام ، أبوسعيد الأعرابى البَصْرى الصوفى ، نزيل
مكة ، وشيخ الحرم)»(١) .
وقد أخذ العلم عن عدد كبير من العلماء ، منهم : الحسن بن محمد بن
الصبّاح الزعفرانى ، وعبد الله بن أيوب المخرمى ، وسعدان بن نصر، ومحمد
ابن عبد الملك الدقيقى ، وأباجعفر محمد بن عبد الله أُلمنّادى ، وعباساً
الترقفى ، وعباس بن محمد الدُّودى ، وإبراهيم بن عبد الله القبْسى ، وأمما
سواهم ، خَرَّج عنهم معجما كبيرا ، ورحل إلى الأقاليم ، وجمع وصنف ، وتعبدٌ
وتأله ، وألّف مناقب الصوفية ، وحمل السنة عن أبى داود ، وله فى غضون
الكتاب زيادات فى المتن والسنة)»(٢).
ومن المعروف أن أبا سعيد الأعرابى صحب طاووس الصوفية الجنيد ،
كذلك صحب أبا حامد القلانسى الصوفى .
(١) الإمام الذهبى ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان ، سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب أرناؤط ، ابراهيم الذيبق ،
مؤسسة الرسالة بيروت ، جـ ١٥، ص٤٠٧.
(٢) المرجع السابق ، ص٤٠٨ .

٤٠
كتابٌ فيه معنى الزهد والمقالات وصفة الزاهدين
وكان متسننا عالما بحديث رسول الله نت عالى الإسناد ، يعد من ثقات
المحدثين روى عنه : أبو عبد الله بنُ خفيف ، وأبوبكر بنُ المقرئ ، وأبو عبد
الله بن مَندة ، والقاضى أبو عبد الله بن مفرج، وعبد الله بن يوسف
الأصبهانى ، ومحمد بن أحمد بن جُمَيع الصيداوى ، وعبد الله بن محمد
الدِّمشقى القطان ، وصدقة بن الدلم ، وعبد الرحمن بن عمر بن النحاس ، وعبد
الوهاب بن منير المصريان ، ومحمد بن عبد الملك بن ظنيغون ، شيخ أبى عمر
بن عبد البر، وعدد كبير من الحجاج والمجاورين(١) .
تصوفه وطريقته الصوفية :
طريقته الصوفية مقيدة بالكتاب والسنة ، وذلك لأن ابن الأعرابى كان
عالما بالآثار والسنة . فكان لا يأخذ إلا عن أصل صحيح من السنة أو عن
عليه وسلم ، وكان يرى ((إنما التصوف والتأله والسلوك
أصحاب رسول الله
والسير والمحبة ، ماجاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من الرضا
عن الله ، ولزوم تقوى الله ، والجهاد فى سبيل الله، والتأدب بآداب الشريعة من
التلاوة بترتيل وتدبر، والقيام بخشية وخشوع ، وصوم وقت ، وإفطار وقت ، وبذل
المعروف، وكثرة الإيثار، وتعليم العوام ، والتواضع للمؤمنين ، والتعزز على
الكافرين ، ومع هذا فالله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، والعالم إذا عرى
من التصوف والتألة فهو فارغ، كما أن الصوفى إذا عرى من علم السنة ، زل عن
سواء السبيل . وقد كان ابن الأعرابى من علماء الصوفية ، فتراه لا يقبل شيئا من
اصطلاحاتٌ القوم إلا بحجة))(٢) .
وقال ابن الأعرابى: ((المعرفة كلها الاعتراف بالجهل ، والتصوف كله ترك
الفضول ، والزهد كله أخذ ما لابد منه ، والمعاملة كلها استعمالُ الأوْلى
فالأولى ، والرّضى كله ترك الاعتراض ، والعافية كلها سقوط التكلف بلا
تكلف))(٣) .
(١) الذهبى: سير أعلام النبلاء، حـ١٥، ص ٤٠٨ .
(٢) الذهبى ، سير أعلام النبلاء، جـ١٥ ، ص ٤١٠.
(٣) السُّلمِى ، أبو عبد الرحمن، طبقات الصوفية ٤٢٨ .