Indexed OCR Text

Pages 381-400

ما أمر به الرسول عائشة في حيضها:
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه القاسم بن محمد، عن
عائشة، قالت: لا يذكر ولا يذكر الناس إلاّ الحَجّ، حتى إذا كان بسَرِف وقد ساق رسولُ
اللهِ وَّ معه الهَذي وأشرافٌ من أشراف الناس، أمر الناس أن يُحِلّوا بعُمْرَةٍ، إلاّ مَنْ ساق
الهَذي؛ قالت: وحِضْت ذلك اليوم، فدخل عليّ وأنا أبكي، فقال: «ما لك يا عائشة؟
لعلّكِ نُفِسْتِ؟)) قالت: قلت: نعم، والله لوددت أني لم أخرج معكم عامي في هذا
السفر؛ فقال: ((لا تقولِنَّ ذلك، فإنكِ تَقْضِين كلّ ما يقضي الحاجّ إلاّ أنك لا تطوفين
بالبيت)). قالت: ودخل رسولُ اللهِ وَ ل﴿ مكّة، فحلّ كُلُّ من كان لا هَذي معه، وحلّ
نساؤه بعُمرة، فلما كان يوم النحر أُتيتُ بلحم بقر كثير، فطُرِح في بيتي، فقلت: ما هذا؟
قالوا: ذبح رسولُ اللهِ وَ ◌ّر عن نسائه البقر، حتى إذا كانت ليلة الحَضْبة، بعث بي رسولُ
الله ◌َّ مع أخي عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرني من التَّنعيم، مكان عُمرتي التي
فاتتني.
قال ابن إسحاق: وحدّثني نافع، مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر،
عن حَفْصَة بنت عمر، قالت: لما أمر رسولُ الله وَلِّ نساءَه أن يُحلِلن بعُمرة، قُلْن: فما
يمنعك يا رسول الله أنْ تُحلّ معنا؟ فقال: ((إني أهديتُ ولبَّدْت، فلا أُحلّ حتى أنحر
هَذيي)).
حجّته وعُمْرَته طوافًا واحدًا))(١)، وقد اختلف عن عَلِيٍّ، فرُوي عنه أنه طاف عنهما طوافين،
ولم يختلف عنه أنه كان قارِنًا، وكذلك حديث عمران بن حُصَيْن، في أنه عليه السلام كان
قارنًا، وأما حديثُ أنس فصَرَّح فيه بأنه كان قارِنًا، وقال: ما تَعُدُّونا إلاَّ صِبْيَانًا سمعت رسول
اللهِ وَهُ يصرخ بهما جميعًا يعني الحجّ والعُمْرَةِ(٢)، فاختلفت الروايات في إحرام رسولٍ
اللهِ وَلَِّ كما تَرى: هل كان مُفْرِدًا أو قَارِنًا، أو مُتَمَتْعًا، وكلّها صِحَاحٌ إلاَّ مَنْ قال: كان
مُتَّمَتِّعًا، وأراد به أنه أهَلَّ بعُمْرَةٍ، وأما من قال: تَمَنَّع رسولُ الله - وَلّهِ - أي: أمر بالتمتع،
وفَسْخِ الحَجِّ بالعُمْرَةِ، فقد يصحّ هذا التأويلُ، ويصحّ أيضًا أن يُقَالَ: تَمَتَّع إذا قرن، لأن القران
ض رَّبٌ من المُتْعَةِ لما فيه من إسقَاط أحَدِ السَّفَرَيْن. والذي يرفع الإشكال حديثُ البخاري(٣)
(١) أخرجه أحمد (٣٨٨/٣) والترمذي (٩٤٧). وقد أورد الإمام ابن القيم في الزاد (١٠٧/٢) أكثر من
عشرين دليلاً في القرآن فانظره هناك.
(٢) أخرجه مسلم في الحجّ (١٢٣٠) والنسائي (١٥٠/٥).
(٣) أخرجه البخاري (٣١٠/٣).
٣٨١

موافاة عليٍّ في قفوله من اليمن رسول الله في الحجّ:
به ما أمر الرسول عليًّا من أمور الحجّ:
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي نَجيح: أن رسول الله وَّر كان بعث عليًّا
رضي الله عنه إلى نجران، فلقيه بمكّة وقد أحرم، فدخل على فاطمة بنت رسول الله والده
ورضي عنها، فوجدها قد حلَّت وتهيَّأت، فقال: ما لك يا بنت رسول الله؟ قالت: أمرنا
رسول الله وَلّ أن نَحِلّ بعمرة فحللنا. ثم أتى رسول الله وَّر، فلما فرغ من الخَبر عن
سَفره، قال له رسولُ الله وَلجر: ((انطلق فطُف بالبيت، وحِلّ كما خلّ بأصحابك)). قال: یا
رسول الله إني أهللتُ كما أهللتَ؛ فقال: ((ارجع فاحلِلْ كما حلّ أصحابك))؛ قال: یا
رسول الله، إني قلت حين أحرمتُ: اللهم إني أَهِلّ بما أهَلّ به نبيُّك وعبدك ورسولك
محمد بَّر؛ قال: ((فهل معك من هَذي؟)) قال: لا. فأشركه رسول الله وَّل في هَذيه،
وثبت على إحرامه مع رسول اللّهِ وَّر، حتى فرغا من الحجّ، ونحر رسولُ اللهِ وَل ل الهدي
عنهما .
أنه أهلّ بالحجّ، فلما كان بالعَقِيقِ أتاه جبريلُ، فقال له: إنك بهذا الوادي المبارَكِ، فقل:
لَبَّيْكَ بحَجِّ وعُمْرَةٍ مَعًا، فقد صار قارِنًا بعد أن كان مُفْرِدًا، وصحّ القولان جميعًا، وأمرهُ
لأصحابه أن يَفْسَخُوا الحجَّ بالعُمْرَةِ خُصُوصٌ لهم، وليس لغيرهم أن يَفْعَلَه، وإنما فعل ذلك
لِيُذْهِبَ من قُلوبهم أَمْرَ الجَاهِلِيَّة في تَحْرِيمهم العُمْرَةَ في أَشْهُر الحَجِّ، فكانوا يرون العُمْرَةَ في
أَشْهُر الحَجِّ من أكبر الكبائر، ويقولون: إذا بَرَأَ الدَّبَرِ(١)، وَعَفَا الأَثَرُ، وانْسَلَخَ صَفَرُ حَلَّت
العُمْرَةُ لمن اعْتَمَر، ولم يَفْسَخ رسولُ اللهِ وَِّ حَجَّه كما فعل أصحابُه، لأنه ساق الهَدْيَ،
وقَلَّده، والله سبحانه يقول: ﴿حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾ [البقرة: ١٩٦] وقال حين رأى
أصحابه قد شَقَّ عليهم خلافه: لو اسْتَقْبَلْتُ من أَمْرِي ما اسْتَذْبَرْتُ لجعلتها عُمْرَةً، ولَمَا سُقْتُ
الهَذيّ(٢)، قال شيخُنا أبو بكر رضي الله عنه: إنما نَدِم على تَرْك ما هو أَسْهَلُ، وأَرْفَقُ، لا
على تَرْكُ ما هو أَفْضَلُ، وأَوْفَقُ، وذلك لما رأى من كَرَاهة أصحابِهِ لمخالَفَتِهِ، ولم يكن ساق
الهَذْيَ من أصحابه إلاّ طَلْحَةَ بن عبَيْدِ الله، فلم يَحِلَّ حتى نَحَر، وعَليّ أيضًا أتى من اليَمَن
وساق الهدي فلم يَحِلّ إلاَّ بإخلاَلٍ رسول الله وَله.
(١) الدبر: جرح يكون في ظهر البعير.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٦/٢) ومسلم في الحجّ (١٤١١) وأبو داود (١٧٨٤ - بتحقيقي) والنسائي
(١٤٣/٥) وأحمد (٢٥٣/١).
٣٨٢

شكا عليًّا جنده إلى الرّسول لانتزاعه عنهم حللاً من بزّ اليمن:
قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن
يزيد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة، قال: لما أقبل عليٍّ رضي الله عنه من اليمن ليلقى
رسولَ الله وَلّه بمكّة، تعجّل إلى رسول اللهِ وَ له، واستخلف على جُنده الذين معه رجلاً
من أصحابه، فعَمد ذلك الرجل فكسا كلَّ رجل من القوم حُلَّة من البَزّ الذي كان مع عليّ
رضي الله عنه. فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحُلل؛ قال: ويلك! ما هذا؟
قال: كسوت القوم ليتجمَّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهيّ به
إلى رسولِ اللهِ وَّر. قال: فانتزع الحُلل من الناس، فردّها في البزِّ، قال: وأظهر الجيش
شكواه لما صُنِع بهم.
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن
سليمان بن محمد بن كعب بن عُجْرة عن عَمّته زينب بنت كَعْب، وكانت عند أبي سعيد
الخُذْرِيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: اشتكى الناسُ عليًّا رضوانُ الله عليه، فقام رسولُ
الله ◌َّ فينا خطيبًا، فسمعته يقول: أيّها الناس، لا تشكوا عليًّا، فوالله إنه لأخشن في
ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يشكي(١).
خطبة الرّسول في حجّة الوداع:
قال ابن إسحاق: ثم مضى رسول الله ◌َلچر على حجِّه، فأرى الناس مناسِکھم،
وأعلمهم سُنَن حَجْهم، وخَطَب الناسَ خُطْبَتَه التي بيَّن فيها ما بَيَّن، فحمد الله وأثنى
عليه، ثم قال: أيّها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلّي لا ألْقاكم بعد عامي هذا
بهذا الموقف أبدًا، أيّها الناس، إن دماءكم وأموالَكم عليكم حرام إلى أن تَلْقَوْا رَبَّكم،
كحُرْمَة يومِكم هذا، وكحُرْمَةٍ شهركم هذا، وإنكم ستَلْقون ربَّكم، فيسألكم عن أعمالكم،
وقد بلَّغت، فمن كان عنده أمانة فَلْيُؤَدِّها إلى من اثْتَمَنَه عليها، وإن كُلَّ رِبًا مَوْضوعٌ،
ولكن لكم رُؤوس أموالكم، لا تَظْلِمون ولا تُظلَمون. قضى الله أنه لا رِبًا، وإن رِبا
عبَّاس بن عبد المطّلب موضوع كله، وأن كل دَم كان في الجاهلية موضوع، وإن أوّل
وقوله عليه السلام في خُطْبَةِ الوَدَاعِ(٢): ورجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمَادَى وشَعْبَان، إنما
قال ذلك لأن رَبِيعَةَ كانت تُخْرِم في رَمَضَان، وتسمّيه: رَجَبًا من رَجِبْتُ الرجل ورَجَّبْتُه إذا
عظّمته، ورَجَبْتُ النَّخْلَة إذا دَعَمْتُها، فبيَّن عليه السلام أنه رَجَبُ مُضَر لا رَجَبُ رَبيعَة، وأنه
(١) أخرجه أحمد (٨٦/٣) والحاكم (١٣٤/٣). (٢) انظر البيهقي (١٥١/٥).
٣٨٣

دمائكم أضع دمُ ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، وكان مُسترضعًا في بني ليث،
فقتلته هذيل فهو أوّل ما أبدأ به من دماء الجاهلية. أما بعد أيّها الناس، فإن الشيطان قد
يَئِس من أن يُعْبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنَّه إن يُطَع فيما سوى ذلك فقد رَضي به بما
تَحْقِرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، أيّها الناس: إن النَّسيءَ زِيادَة فِي الكُفْر،
يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا، يُحِلُونَهُ عامًا ويُحَرّمُونَهُ عامًا، لِيُوَاطِئُوا عدَّةَ ما حَرَّمَ اللهِ، فَيُحِلُوا ما
حَرَّمَ الله، ويُحَرّمُوا ما أَحَلَّ الله. إن الزَّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات
والأرضَ، وإن عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حُرُمٌ، ثلاثة متوالية؛
ورَجَب مُضَرَ، الذي بين جُمادَى وشَعْبَان. أما بعد أيّها الناس، فإن لكم على نسائكم
حقًّا، ولهنّ عليكم حقًّا، لكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكُمْ أحدًا تكرهونه، وعليهنّ أن لا
يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن فإنّ الله قد أذن لكم أن تهجروهنّ في المضاجع وتَضربوهنّ
ضرْبًا غير مُبَرَّح، فإن انتهين فلهنّ رزقُهنّ وكُسوتهنّ بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا،
فإنهن عندكم عَوَانٍ لا يملكن لأنفسهنّ شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله،
واستحللتم فروجهنَّ بكلمات الله، فاعقلوا أيّها الناس قَوْلي، فإني قد بلَّغت، وقد تركت
فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدًا، أمرًا بيِّنًا، كتابَ الله وسنة نبيه. أيّها الناس،
اسمعوا قولي واعقلوه، تعلَّمُن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المُسلمين إخوة، فلا يحلّ
لامرىء من أخيه إلاّ ما أعطاه عن طيب نفس منه؛ فلا تظلِمُن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟
فذُكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسولُ الله ◌َّلتر: ((اللهم اشهد)).
اسم الصارخ بكلام الرّسول وما كان يردّده:
قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد قال:
كان الرجل الذي يصرخ في الناس بقول رسول الله و ﴿ وهو بعرفة، ربيعة بن أُميَّة بن
خلف. قال: يقول له رسولُ اللهِ وَله: ((قل يا أيها الناس، أن رسولَ اللهِ وَ له يقول: هلا
تدرون أيّ شهر هذا؟)) فيقول لهم، فيقولون: الشهر الحرام، فيقول: قل لهم: ((إن الله قد
حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحُرمة شهركم هذا))؛ ثم يقول: قل:
(يا أيّها الناس، إن رسول الله وَ﴿ يقول: هل تدرون أيّ بلد هذا؟)) قال: فيصرخ به،
الذي بين جُمَادَى وشَعْبَان وقد تقدّم تفسيرهُ قوله: إن الزَّمَانَ قد استَدَارَ، وتقدّم اسمُ ابن أبي
رَبيعة المُسْتَرْضَع في هُذَيْلٍ، وأن اسْمَّه آدمُ، وقيل: تَمَّام، وكان سَبَبَ قَتْلِه حَرْبٌ كانت بين
قبائل هُذَيْلٍ تقاذفوا فيها بالحِجَارة فأصاب الطفلَ حَجَرٌ وهو يَحْبُو بين البيوت، كذلك ذكر
الزُّبَيْر.
٣٨٤

قال: فيقولون: البلد الحرام، قال: فيقول: قل لهم: ((إن الله قد حرّم عليكم دماءكم
وأموالكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة بلدكم هذا)). قال: ثم يقول: قل: ((يا أيّها الناس،
أن رسول الله وَ﴿ يقول: هل تدرون أي يوم هذا؟)) قال: فيقوله لهم. فيقولون: يوم
الحج الأكبر؛ قال: فيقول: قل لهم: ((إن الله قد حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن
تلقَوا ربّكم كحُرمة يومكم هذا)).
رواية ابن خارجة عمّا سمعه من الرّسول في حجّة الوداع:
قال ابن إسحاق: حدّثني ليث بن أبي سُلَيم عن شَهْر بن حوشب الأشعري، عن
عمرو بن خارجة قال: بعثني عَتَّاب بن أَسَيد إلى رسول اللهِ وَّر في حاجة، ورسولُ
الله ◌َ﴿ر واقف بعَرفة، فبلغته، ثم وقفت تحت ناقة رسول الله وَلّر، وإن لُغامها ليقع
على رأسي، فسمعته وهو يقول: ((أيها الناس، إن الله قد أدّى إلى كلّ ذي حقّ حقّه،
وإنه لا تجوز وصيَّة لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحَجَر، ومن ادّعى إلى غير
أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه
صَرْفًا ولا عدلاً)).
بعض تعليم الرّسول في الحجّ:
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبدُ الله بن أبي نجيح: أن رسول الله ◌َّل حين وقف
بعرفة، قال: ((هذا الموقف، للجبل الذي هو عليه، وكل عرفة موقف)). وقال حين وقف
على قُزَح صبيحة المزدلفة: ((هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف)). ثم لما نحر بالمنحر
بِمِنَّى قال: ((هذا المنحر، وكلّ مِنى منحر)). فقضى رسولُ اللهِ وَّر الحجَّ وقد أراهم
مناسكهم وأعلمهم ما فرَض الله عليهم من حجّهم: من الموقف، ورَمي الجمار، وطواف
بالبيت، وما أُحلّ لهم من حجّهم، وما حُرّم عليهم، فكانت حِجة البلاغ، وحجّة الوداع،
وذلك أن رسول الله مثل﴿ لم يحجّ بعدها.
بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين
قال ابن إسحاق: ثم قفل رسولُ اللهِ وَّر، فأقام بالمدينة بقيَّة ذي الحِجَّة والمحرّم
وصفر، وضرب على الناس بعثًا إلى الشام، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه،
بعث أسامة
وَأَمَّرَ رسولُ اللهِ وَهِ أُسَامَةَ على جَيْشٍ كثيف، وأَمَرَه أن يغيّر على أُبْنِى صَبَاحًا، وأن
يحرف. وأُبْنَا، هي القريةُ التي عند مُؤْتَةً حيث قُتِل أبوه زَيْد، ولذلك أمَّره على حَدَاثة سِنَّه
٣٨٥
الروض الأنف/ ج ٤/ ٢ ٢٥

وأمرَه أن يُوطىء الخَيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، فتجهّز الناس، وأوعب
مع أسامة بن زيد المهاجرون الأوّلون.
خروج رسول الله إلى الملوك
تذكير الرّسول قومه بما حدث للحواربين حين اختلفوا على عيسى
قال ابن هشام: وقد كان رسولُ الله ◌َ له بعث إلى الملوك رسلاً من أصحابه، وكتب
معهم إليهم يدعوهم إلى الإسلام.
ليُذْرِكَ ثأره، وطعن في إمارته أهلُ الرَّيْب، فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وايم الله إنه لَخَلِيقٌ
بالإِمَارَةِ، وإن كان أبوه لَخَلِيقًا بها))(١)، وإنما طعنوا في إمْرَتِه، لأَنَه مَوْلى مع حَدَاثة سِنْه،
لأنه كان إذ ذاك ابنَ ثَمَانِ عَشْرَةَ سنةً، وكان رضي الله عنه أسودَ الجِلْدَةِ، وكان أبوه أبيضَ
صافِي البياض، نَزَع في اللون إلى أُمْه بَرَكة، وهي أُم أَيْمَنَ، وقد تقدّم حديثُها، وكان رسولُ
اللهِ وٌَّ يُحِبُّه ويمسح خَشَمَه، وهو صغير بثوبه، وعثر يومًا فأصابه جرح في رأسِه، فجعل
رسولُ اللهِ وَ﴾ِ يمصّ دمَه ويَمُجُّه، ويقول: ((لو كان أُسَامَةُ جَارِيةً لحلَّيْنَاهَا، حتى يُرْغَبَ
فتها))(٢)، وكان يسمى الحِبَّ من الحُبّ.
عدّة الغزوات:
وذكر ابن إسحقِ عدّة الغَزَوَات، وهي ست وعشرون، وقال الواقدي: كانت سَبْعًا
وعشرين، وإنما جاء الخلاف، لأن غَزْوة خَيْبَر اتصلت بِغَزْوَة وادي القرى، فجعلها بعضُهم
غزوةً واحدةً، وأما البعوثُ والسَّرايا فقيل: هي ست وثلاثون كما في الكتاب، وقيل: ثمان
وأربعون وهو قول الواقدي، ونسب المسعودي إلى بعضهم أنَّ البُعوثَ والسَّرَايا كانت ستين.
قاتل رسولُ اللهِ وَ﴿ في تِسْع غزوات، وقال الواقدي: قاتل في إحدى عَشْرَة غزوةً، منها
الغابة ووادي القرى والله أعلم.
إرسال رسول الله صل إلى الملوك
الحواريون
ذكر فيه إرسال عيسى ابن مريم الحَوَارِيِّين، وأصحّ ما قيل في معنى الحَوارِيِّينَ أن
(١) أخرجه البخاري (٢٩/٥) ومسلم (ص ١٨٨٤) وأحمد (٢٠/٢) والبيهقي (١٢٨/٣) وانظر الفتح
(٨٦/٧) (١٥٢/٨) (١٧٩/١٣).
(٢) أخرجه ابن سعد في الطبقات (٤١/٣/٤) وابن ماجة (١٩٧٦) وأحمد (١٣٩/٦) وابن عساكر
(٣٩٨/٢).
٣٨٦

قال ابن إسحاق: حدّثني من أثق به عن أبي بكر الهُذَليّ قال: بلغني أن رسول
الله ◌َيّر خرج على أصحابه ذات يوم بعد عُمرته التي صدّ عنها يوم الحديبية، فقال: ((أيّها
الناس، إن الله قد بعثني رحمة وكافَّة، فلا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريون على
عيسى ابن مريم))؛ فقال أصحابه: وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله؟ قال: ((دعاهم
إلى الذي دعوتكم إليه، فأما من بعثه مَبعثًا قريبًا فرَضي وسَلِم، وأما من بعثه مَبعثًا بعيدًا
فكره وجهه وتثاقل، فشكا ذلك عيسى إلى الله، فأصبح المتثاقلون وكلّ واحد منهم يتكلّم
بلغة الأُمَّة التي بُعث إليها))(١).
الحَوَارِيَّ هو الخُلْصانُ، أي: الخالصُ الصافي من كل شيء، ومنه الحَواريُّ، والخور، وقول
المفسرين هو: الخُلْصَان كلِمة فَصيحة، أَنشد أبو حنيفة:
خَلِيليَّ خُلصَانِيَّ لم يُبْقِ حُسُها من القلب إلاَّ عُوَّذًا سببًا لها
قال: والعُوَّذُ ما لم تُذْرِكُه الماشية لارتفاعه، أو لأنه بأهداف، فكأنه قد عاذ
منها .
معنی المسيح ونهايته:
وأصحّ ما قيل في معنى المسيح على كثرة الأقوال في ذلك أنه الصُّدِيق بلغتهم، ثم
عَرَّبَتْه العربُ. وكان إرسالُ المَسِيح للحواربين بعد ما رُفِع وصُلب الذي شُبِه به، فجاءت
مريمُ الصِّدِيقة والمرأة التي كانت مَجْنُونَةً، فأبرأها المسيحُ، وقعدنا عند الجذع تبكيان، وقد
أصاب أُمَّه من الحزن عليه ما لا يعلم علمه إلاّ الله، فأهبط إليهما، وقال: عَلى مَ تَبْكيان؟
فقالتا: عليك، فقال: إني لم أُقْتَل، ولم أُضْلَبْ، ولكن الله رفعني وكرّمني، وشَبَّه عليهم في
أمري، أبلغا عني الحَوَارِيِّين أمري، أن يَلْقَوْني في مَوْضِع كذا ليلاً، فجاء الحَوَارِيُّون ذلك
الموضعَ، فإذا الجبلُ قد اشتعل نورًا لنزوله به، ثم أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه وعبادة
ربّهم، فوجههم إلى الأمم التي ذكر ابن إسحاق وغيره، ثم كُسِي كُسْوَة الملائكة، فَعَرَج
معهم، فصار مَلَكِيًّا إنْسِيًّا سَمَائيًّا أرضيًا(٢).
(١) فيه مجهول وهو مرسل أيضًا.
(٢) لا صحّة لقصّة كسوة الملائكة وعروجه وكونه أصبح ملكيًا وإنسيًا سمائيًا أرضيًا، بل في هذا
مشابهة لقول - النصارى عليهم لعائن الله المتتالية - أن المسيح نصفه لاهوت ونصفه ناسوت،
وانظر في قصّة دفنه وما فيها من كذب. كتاب ((مَن دَحرج الحجر)) لأحمد ديدان حفظه الله
وأمتع به.
٣٨٧

فصل: وذكر في الأمم: الأُمَّةَ الذين يأكلون الناس، وهم من الأَسَاوِدَةِ فيما ذكره
الطبري .
أسطورة زريب:
وذكر في الحَوَارِيِّينِ زُرَيْب بن بَرْتُمْلِي وهو الذي عاش إلى زمن عُمَرَ وسمع نَضْلَة بن
معاوية أذَانَه في الجبل فكلّمه، فإذا رجل عظيم الخَلْقِ رأسه كَدُور الرَّحى، فسأل نَضْلَةَ
والجيشَ الذين كانوا معه عن رسولُ اللهِ وَلَّ، فقالوا: قُبِضَ، وعن أبي بكر، فقالوا: قُبِض،
ثم سألهم عن عُمَرَ، فقالوا: هو حَيٍّ، ونحن جيشُه، فقال لهم: ((أقرءوه مني السَّلامَ ثم
أمرهم أن يبلغوا عنه وصايا كثيرة، وأن يُحَذّرَ الناسَ من خِصال إذا ظهرت في أُمّة محمدٍ،
فقد قرب الأمر، ومنها لبس الحرير، وشرب الخمر، وأن يكتفي الرجالُ بالرجال والنساءُ
بالنساء)» .
وذكر فيها أيضًا المعازِف والقِيَانَ وأشياءَ غير هذه، فقالوا له: مَنْ أنت يرحمك الله؟
فقال زُرَيْبُ بن بَرْثُمْلِي حَوَارِيُّ عيسى ابن مَرْيَمَ عليه السلام دعوتُ الله أن يُخْيَيني، حتى أرى
أُمةَ محمد، أو نحو هذا الكلام، وقد أردت الخلوص إلى أُمّة محمد نبّ، فلم أستطع، حال
بيني وبينه الكفار(١).
وذكر الدَّارَقُطْنِي في هذا الحديث من طريق مالك بن أنس مرفوعًا أن عمر قال لنضلة
إن لقيته فأَقرِثْهُ مني السلامَ، فإن رسولَ اللهِ وَه قال: ((إن بذلك الجَبَل وَصِيًّا من أوصياءٍ
عيسى عليه السلام، والخبر بهذا مشهورٌ عنه))(٢)، وفيه طولٌ فاختصرناه، ويقال: إنه الآن
حَيٍّ. ومن قال: إن الخَضِر وإلْيَاسَ قد ماتا، فمن أصله أيضًا أن زُرَيْبًا قد مات، لأنهم
يحتجُون بالحديث الصحيح: إلى رأس مائة سنةٍ، لا يبقى على الأرضَ ممَّن هو عليها
أحدٌ.
(١) خرافة لا أصل لها، هذا وقد كان هو أفضل منه بل أفضل الخلق - محمد ◌َّطير - فكيف بمن
هو دونه، وقيل مثل هذا عن الخضر وأنه لا زال حيًّا حتى اليوم وأنه يجتمع في غار حراء
مع إلياس وأنه يفعل كذا وكذا. وكل هذا وأكثر إنما هو من وضع زنادقة الصوفية
وفعفیلهم . .
(٢) مشهور شهرة الباطل والغلال.
٣٨٨

أسماء الرسل ومَن أُرسلوا إليهم:
فبعث رسولُ اللهِ وَ﴿ه رسلاً من أصحابه، وكتب معهم كتبًا إلى الملوك يدعوهم فيها
إلى الإسلام. فبعث دِخية بن خليفة الكلبي إلى قيصر، ملك الرّوم؛ وبعث عبدَ الله بن
حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ إلى كَسرى، ملك فارس، وبعث عمرو بن أَميَّة الضَّمْري إلى النَّجاشي،
ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبي بَلْتعة إلى المُقَوْقِس، ملك الإسكندرية، وبعث
عمرو بن العاص السَّهمي إلى جَيْفَر وعَيَّد ابْنَيْ الجُلُندِيِ الأَزْدِيَّيْنِ، مَلِكَيْ عُمَان، وبَعث
سَلِيط بن عمرو، أحد بني عامر بن لؤي، إلى ثُمامة بن أثال، وهَوْذَة بن عليّ الحنفيين،
مَلكي اليمامة، وبعث العَلاء بن الحَضْرمي إلى المُنْذر بن ساوىّ العَبْدي، ملك البحرين،
وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شِمْر الغسَّاني، ملك تخوم الشام.
قال ابن هشام: بعث شُجَاعَ بن وهب إلى جَبَلَةَ بن الْأَيْهَمِ الغَسَّاني، وبعث
المهاجرَ بن أبي أُميَّة المخزوميّ إلى الحارث بن عبد كُلال الحِمْيَرِي، ملك اليمن.
قال ابن هشام: أنا نسيت سَلِيطا وثُمامة وهَوْذَة والمنذر.
رسوله إلى النجاشي وقيصر(١):
فصل: وذكر إرسال عَمْرٍو بن أُمَيَّة إلى النَّجَاشِيَّ، وقد قدّمنا ذكر ما قال وما قيل له،
وكذلك ذكرنا خَبَر سَلِيط مع هَوْذَةَ(٢)، وما قال له، وخبر عبد الله بن حُذَافَةً مع كِسْرَى(٣)،
وكلامه معه، ونذكر هنا بقية الإرسال، وكلامهم فمنهم: دِخْيَةُ بن خَلِيفة الكَلْبي، فقَدم دِخْيَةٌ
على قَيْصرَ، وقد ذكرنا معنى هذا الاسم، أعني اسمَ دِخْيَةَ، واسم قَيْصَر فيما مضى من
الكتاب، فلما قدم دحيةُ على قَيْصر، قال له: ((يا قَيْصَرُ أرسلني إليك مَنْ هو خَيْرٌ منك، والذي
أرسله هو خيرٌ منه ومنك، فاسمه بذُلِّ، ثم أجب بنُصْحِ، فإنك إن لم تَذْلِلْ لم تَفْهَم، وإن لم
تَنْصَحِ لم تُنْصِفْ، قال: هات، قال: هل تعلم أكان المسيحُ يُصَلِي؟ قال: نعم، قال: فإني
أدعوك إلى من كان المسيحُ يُصَلِّي له، وأدعوك إلى من دَبَّر خَلْقَ السَّموات والأرض
والمسيحَ في بطن أمه، وأدعوك إلى هذا النبيّ الأُمِّيّ الذي بشّر به موسى، وبشّر به عيسى
ابن مَزْيم بعده، وعندك من ذلك إثَارَةٌ مِنْ عِلْم تكفي من العِيَانِ وتَشْفِي من الخَبَرِ، فإن أَجَبْتَ
(١) انظر كتابه ول﴿ إلى النجاشي وقيصر في صحيح مسلم في الجهاد (١٧٧٤) والمنتظم (٢٧٥/٣)
وأحمد (٢٦٢/١).
(٢) انظر ابن سيد الناس (٢٩٩/٢) وشرح المواهب (٣٥٥/٣).
(٣) انظر ابن سيّد الناس (٢٦٢/٢) وشرح المواهب (٣٤٠/٣) وانظر البخاري (٩٦/٨).
٣٨٩

T
كانت لك الدنيا والآخرةُ، وإلاّ ذهبت عنك الآخرةُ وشُورِكت في الدنيا، واعلم أنَّ لك ربًا
يَقْصِم الجَبَابِرَةِ، ويغَيِّرُ النِّعم))، فأخذ قيصرُ الكتابَ فوضعه على عينيه ورأسِه وقَبَّله، ثم قال:
أما واللهِ ما تركت كتابًا إلاّ وقرأته، ولا عالماً إلاّ سألته، فما رأيت إلاَّ خَيْرًا، فأمْهِلْني حتى
أنظر مَنْ كان المسيحُ يُصَلِّي له، فإن أكره أن أُجِيبُك اليومَ بأمْرٍ أرى غَدًا ما هو أحسن منه،
فأرجِعَ عنه، فيُضرَّني ذِلك، ولا ينفعني، أقِمْ حتى أَنظُرَ، فلم يلبث أن أتاه وفاةُ رسولٍ
الله - رَ - وفي غزوة تَبُوكٍ بقيةُ حديث قَيْصَرَ، فانظره هنالك.
رسوله إلى المقوقس(١):
وأما حاطَبٌ فقدم على المُقَوْقِس، واسمه: جُرَيْجٌ بن مِينَاء، فقال له: ((إنه قد كان
رجُلٌ قبلك يزعم أنه الرَّبُّ الأعلى، فأخذه الله نَكَالَ الآخِرَةِ، والأولى، فانتقم به، ثم انْتَقَم
مِنْه، فاعْتَبِرْ بغيرك، ولا يَعْتَبِرْ بك غيرُك، قال: هات، قال: إن ذلك دِينًا لن تَدَعَه إلاَّ لما
هو خَيْرٌ منه، وهو الإسلام، الكافي به الله فَقْدَ ما سِوَاهُ. إن هذا النبيَّ - نَِّ ـــ دعا الناسَ،
فكان أشدَّهم عليه قُرَيشٌ، وأعداهم له يَهُودُ، وأقربهم منه النصارى، ولعَمْرِي ما بشَارةُ
موسى بعيسى إلاَّ كبشارة عيسى بمحمد - رَّهِ - وما دعاؤنا إيَّاكَ إلى القرآن إلاَّ كدعائك أَهْلَ
التَّوْرَاةِ إلى الإنجيل، وكُل نَبِيِّ أدرك قومًا فَهُمْ من أُمَّتِه فالْحَقُّ عليهم أن يُطِيعوه، فأنت ممَّن
أدركه هذا النبيُّ، ولسنا نَنْهاك عن دين المسيح، ولكن نأمرُك به)) قال المُقَوْقِسُ: ((إني قد
نظرت في أمر هذا النبيِّ، فوجدته لا يأمر بمزْهُودٍ فيه، ولا يَنْهَى إلاّ عن مَرْغُوب عنه، ولم
أجده بالساحر الضَّالْ، ولا الكاهِنِ الكاذب، ووجدت معه آلة النبوّة بإخراج الخَبِءَ والإخبار
بالنَّجْوَى، وسأنظر فأهدي للنبِيِّ وَِّ أُمَّ إبراهيمَ القِبْطِيَّةِ، واسمها: مَارِيَةُ بنتُ شَمْعُون، وأختها
معها، واسمها سِيرِين وهي أُمُّ عَبْدِ الرَّحمن بن حَسَّان بن ثَابِتٍ، وغلامًا اسمه مأبُور، وبغلة
اسمُها دُلْدُلٌّ، وكُسْوَة، وقدحًا من قَوَارِيرَ كان يشرب فيه النبيُّ ◌َّ، وكاتبه.
رسوله إلى المنذر بن ساوى(٢):
وأما العَلاَءِ بن الحَضْرمِي، فقدم على المُنْذِر بن سَاوِى فقال له: ((يا مُنْذِرُ إنك عظيمُ
العقل في الدنيا، فلا تَصْغُرَنَّ عن الآخِرِة، إن هذه المَجُوسِيَّة شَر دينٍ ليس فيها تَكْرُّم العرب،
(١) انظر ابن سيّد الناس (٢٦٥/٢) شرح المواهب (٣٤٨/٣) الطبقات (١٦/٢/١) الطبري (٦٤٥/٢)
المنتظم (٢٧٤/٣).
(٢) انظر ابن سيد الناس (٢٢٦/٢) شرح المواهب (٣٥٠/٣).
٣٩٠

ولا علم أهلِ الكتاب، يَنْكَحُون ما يُستَحْيَا من نِكاحه، ويأكلون ما يُتَكَرَّم على أكله، ويعبدون
في الدنيا نارًا تأكلُهم يوم القِيَامَةِ، ولستَ بعدِيم عَقْلٍ، ولا رأيٍ، فانظُر: هل ينبغي لمن لا
يَكْذب أنْ لا تُصدِّقَه، ولمن لا يخونُ أن لا تَأْمَنه، ولمن لا يُخَلِفُ أنْ لا تَثِقَ به، فإن كان
هذا هكذا، فهو هذا النبيُّ الأُمِّيُّ الذي والله لا يستطيع ذُو عَقْلٍ أن يقول: ليت ما أمر به نَهَى
عنه، أو ما نَهَى عنه أَمَرَ به، أو لَيْتَ زاد في عَفْوِه، أو نقص من عقابه، إن كان ذلك منه على
أُمْنِية أهلِ العقل وفِكْر أهلِ الْبَصَر)).
فقال المنذِرُ: قد نظرتُ في هذه الأمرِ الذي في يدي، فوجدته للدنيا دون الآخرة،
ونظرت في دينكم، فوجدته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أُمنية الحياة وراحةٌ
الموت، ولقد عجبت أَمْسٍ، ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يَرُدُّه، وإن من إعْظَّامٍ مَنْ جاء به
أن يُعَظِّم رسولُه، وسأنظر.
مفتاح الجنّة(١):
فصل: ومما وقع في السيرة في حديث العَلاَءِ قولُ النبيّ عليه السلام له: ((إذا سُئِلْتَ
عن مُفْتَاح الجنّة فقل: مِفْتَاحها، لا إله إلاَّ الله))، وفي البخاري: قيل لوهب: أليس مفتاحُ
الجنّة لا إله إلاَّ الله؟ فقال: بلى، ولكن ليس من مِفْتَاح إلاّ وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له
أسنان فُتِح لك، وإلاَّ لم يُفْتَح لك، وفي رواية غيرهِ: أن ابن عَبَّاس ذكر له قول وَهْبٍ،
فقال: صَدَق وهبٌ، وأنا أخبركم عن الأسنان ما هي، فذكر الصّلاة والزكاة وشرائعَ الإسلام.
عمرو الجندي(٢):
وأما عمرو بن العاصي، فقدم على الجُلُنْدِي، فقال له: يا جُلُنْدِيُّ إنك وإن كنت مِنَّا
بعيدًا، فإنك من الله غيرَ بعيد، إن الذي تفرّد بخَلْقِك أَهْلٌ أن تُفْرِده بعبادَتِك، وأن لا
تُشْرِك به مَنْ لم يُشْرِكُه فيك، واعلم أنه يُمِينك الذي أحياك، ويِعيدك الذي بَدَأَكَ، فانظر
في هذا النبيِّ الأُمِّيِّ الذي جاء بالدنيا والآخرة، فإن كان يريد به أجرًا فامنعه، أو يميل به
هَوَى فَدَعْه، ثم أنظرُ فيما يجيء به: هل يُشْبِهِ ما يجيء به الناسُ، فإن كان يشبهه، فَسَله
العِيَانَ، وتَخَيَّر عليه في الخبر، وإن كان لا يُشْبهُه فاقبل ما قال، وخَفْ ما وَعَد، قال
الجُلُنُدِيُّ: إنه والله لقد دلّني على هذا النبيّ الأَمْيِّ أنه لا يأمر بخير إلاّ كان أَوَّلَ مَن أَخَذَ
(١) انظر الخطيب (٤٣٥/٨) وابن عساكر (٣٣٠/٥) وابن عديّ في الكامل (١٣٥٦/٤).
(٢) انظر ابن سيّد الناس (٢٦٧/٢) شرح المواهب (٣٥٢/٣) الزاد (٦٩٣/٣).
٣٩١
٠

به، ولا يَنْهَى عن شَرِّ إلاّ كان أَوَّلَ تارِكٍ له، وأنه يَغْلِب فلا يَبْطَرُ، ويُغْلَب فلا يَضْجَر وأنه
يفي بالعهد، ويُنْجِز الموعود، وأنه لا يزال سِرَّ قد اطّلع عليه يُساوي فيه أهلَه، وأشهد أنه
نبيّ .
شجاع وجبلة:
وأما شُجَاع بن وَهْبٍ، فقدم على جَبَلَةَ بن الأَيْهَم، وهو جَبَلَةُ بن الأيْهَم بن
الحارث بن أبي شِمْرٍ، وجَبّلَة، وهو الذي أسلم ثم تَنَصَّر مَن أجلِ لَطْمَةٍ حاكم فيها إلى
أبي عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ وكان طولُه اثْنَيْ عَشْر شِبْرًا، وكان يمسح برجليه الأرضَ، وهو
راكب، فقال له: يا جَبَلَةُ إن قومَك نَقَّلُوا هذا النبيَّ الأُمِّيَّ من داره إلى دارهم، يعني:
الأنْصَارَ، فَآَوَوْهُ، ومنعوه، وإن هذا الدينَ الذي أنت عليه ليس بدينٍ آبائك، ولكنك ملكتَ
الشامَ وجاورت بها الرّومَ، ولو جَاوَرْت كِسْرَى دِنْتَ بدين الفُرْسِ لملِكِ العراق، وقد أفرَّ
بهذا النبيِّ الأُمَّيِّ مِنْ أهلِ دينِكَ مَنْ إنْ فَضَّلْناه عليك لم يُغْضِبْك، وإن فَضَّلْناكَ عليه لم
يُرْضِكَ، فإن أسلمتَ أطاعتك الشامُ وهابتك الرّومُ، وإن لم يَفْعَلُوا كانت لهم الدنيا ولك
الآخرةُ، وكنت قد استبدلتَ المساجدَ بالبِيَع، والأذانَ بالنَّاقوس، والجُمَعَ بالشَّعَانِينَ(١)،
والقِبْلَة بالصَّليب، وكان ما عند الله خير وأَبْقَى، فقال له جَبَلَةُ: إني والله لَوَدِذت أن الناسَ
أجمعوا على هذا النبيّ الأَميّ اجتماعَهم على خَلْقِ السَّموات والأرض، ولقد سرّني
اجتماعُ قومي له، وأعجبني قتلُه أهل الأوثان واليهودِ، واستبقاؤُه النَّصَارى، ولقد دعاني
فَيْصَرُ إلى قتالِ أصحابه يوم مُؤْتَّةً، فأبيت عليه، فانتدبَ مالكَ بنَ نافِلة من سَعدِ العَشِيرَةِ
فقتله الله، ولكني لست أرى حَقًّا ينفعه، ولا باطلاً يَضُرُّه والذي يَمدُّني إليه أقوى من الذي
يَخْتَلِجُني عنه، وسأنظر.
المهاجر وابن کلال:
وأما المُهاجِرُ بن أبي أمَيَّة، فقدم على الحارِثِ بن عَبْدِ كُلاَلٍ، وقال له: يا حارثُ
إنك كنت أوّل مَنْ عَرَضَ عليه النبيّ وََّ نفسه، فَخُطّئْت عنه، وأنت أعظمُ الملوك قَدْرًا، فإذا
نظرت في غَلَبَة الملوك، فانظر في غالب الملوك، وإذا سرَّك يومُك فَخَفْ غَدَك، وقد كان
قبلكَ ملوكٌ ذهبت آثارُها وبقيت أخبارُها، عاشوا طويلاً، أمَّلوا بعيدًا وتَزَوَّدوا قليلاً، منهم من
أدركه الموتُ، ومنهم من أكلته النّقَمُ، وإني أدعوك إلى الرب الذي إن أدرتَ الهُدَى لم
(١) الشعانين: عيد من أعياد النصارى عليهم اللعنة.
٣٩٢

يَمنَعْكَ، وإن أرادك لم يَمْنَعْه منك أحدٌ، وأدعوك إلى النَّبيّ الأُمّيّ الذي ليس له شيء أحسن
مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك رَبًّا يُمِيت الحيَّ ويُخيي الميّت، ويعلم
خائنة الأعين، وما تُخْفِي الصُّدورُ، فقال الحارث: قد كان هذا النبيُّ عَرَض نفسه عليّ
فخُطُّئْتُ عنه، وكان ذُخْرًا لمن صار إليه، وكان أمرُه أمرًا سَبَق، فحضره الياسُ وغاب عنه
الطَّمَعُ، ولم يكن لي قَرَابة أحْتَمِلُه عليها، ولا لي فيه هوى أتبعه له، غير أني أرى أمرًا لم
يُوسْوِسْهُ الكذبُ، ولم يسنده الباطلُ. له بَدْءٌ سَار، وعاقِبَةٌ نافِعَةٌ، وسأنظر. ومما قاله
دِخْيَةٍ بن خَلِيفَةَ في قُدومه على قَيْصَر:
قَدِمْتُ على قَيْصَر
أَلاَ هَلْ أَتَاها على نَأيِها
فقدرته بصلاة المسيـ
وتدبيرٍ رَبِّك أَمْرَ السما
وقلت: تقرّ ببُشْرَى المسيـ
فكان يُقِرَّ بأمرِ الرسو
فَشَكَّ وجاشت له نفسُه
على وَضْعِه بيديه الكتا
فأصبح فَيْصَرُ من أمرِهِ
يريد بالفرس الأشْقَر مثلاً للعرب يقولون:
ـح وكانت من الجَوْهَرِ الأَحْمَرِ
ءِ والأرضِ فأغْضَى ولم يُنْكِر
ـح، فقال: سأنْظُر، قلت: انْظُرٍ
لِ فمال إلى البَدَل الأَغْوّر
وجاشَت نفوسُ بني الأَصفَرِ
بَ على الرَّأس والعَيْنِ وَالمَنْخِرِ
بمنزلة الفَرَس الأشْقَرِ
أَشْقَرُ إن يَتَقَدَّمْ ينحر
وقال الشاعر في هذا المعنى:
وإِن يَتَأخّر يُغْقَرِ
وهل كنتُ إلاَّ مِثْلَ سَيِّقَهِ العِدا
إن استَقْدَمَتْ نَخْرٌ، وإنْ جَبَأَتْ عَقْرُ
وفي حديث دِخْيَةَ من رواية الحارِث في مُسْنَدِهِ أن رسولَ اللهِ وَلِّ ـ قال: ((مَنْ يَنْطَلِقِ
بكتابي هذا إلى قَيْصَرَ وله الجنّة))، فقالوا: وإن لم يقتل يا رسول الله؟ قال: ((وإن لم يقتل))،
فانطلق به رجل يعني دحية))(١)، وذكر الحديث.
(١) أخرجه ابن حبان (١٦٢٨ - موارد).
٣٩٣

رواية ابن حبيب عن بعث الرسول رسله:
قال ابن إسحاق: حدّثني يزيد بن أبي حبيب المصري: أنه وجد كتابًا فيه ذكر من
بعث رسول الله 38 إلى البلدان وملوك العرب والعجم، وما قال لأصحابه حين بعثهم.
قال: فبعثت به إلى محمد بن شهاب الزهريّ فعرفه؛ وفيه: أن رسول الله وَّر خرج على
أصحابه فقال لهم: ((إن الله بعثني رحمةً وكافّة؛ فأدوا عني يرحمكم الله، ولا تختلفوا
عليّ كما اختلف الحواريون على عيسى ابن مريم»، قالوا: وكيف يا رسول الله كان
اختلافهم؟ قال: ((دعاهم لمثل ما دعوتكم له، فأمَّا مَن قَرَّب به فأحبّ وسلّم، وأمَّا من
بعد به فكره وأبى، فشكا ذلك عيسى منهم إلى الله، فأصبحوا وكلّ رجل منهم يتكلّم بلغة
القوم الذين وُجِّه إليهم)).
أسماء رُسُل عيسى:
قال ابن إسحاق: وكان مَنْ بعَث عيسى ابن مريم عليه السلام من الحواريين
والأتباع، الذين كانوا بعدَهم في الأرض: بُطْرُسُ الحَوارِيُّ، ومعه بُولُس، وكان بولُسُ من
الأتباع، ولم يكن من الحواريين، إلى رُومية، وأنْدِرَائِس ومَنْتا إلى الأرض التي يأكل
أهلُها الناس، وتُوماس إلى أرض بابل، من أرض المَشرق؛ وفِيلِّس إلى أرض قَرْطاجَنَّة،
وهي إِفْرِيقيةٍ، ويُحَنَّسَ إلى إفسوس، قرية الفِتْية، أصحاب الكهف، ويعقُوبُسُ إلى
أورَاشَلِمَ، وهي إيْليَاءُ، قرية بيت المقدس، وابن ثَلْماءَ إلى الأعرابية، وهي أرض
الحِجاز، وسِيمُنَ إلى أرض البَربر، ويهوذا، ولم يكن من الحواريين، جُعل مكان يُودِس.
ذكر جملة الغزوات
بسم الله الرحمن الرحيم
قال: حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال: حدّثنا زياد بن عبد الله البكائي
عن محمد بن إسحق المُطَّلبي: وكان جميع ما غزا رسول الله وَلتر بنفسه سبعًا وعشرين
غزوة، منها غزوة وَدَّان، وهي غَزْوة الأبواء، ثم غزوة بُواط، من ناحية رَضْوَى، ثم غزوة
العُشَيْرة، من بطن يَنْبُع، ثم غزوة بدر الأولى، يطلب كُرْزَ بن جابر، ثم غزوة بدر
الكبرى، التي قتل الله فيها صَنَادِيدَ قُرَيش، ثم غَزْوة بني سُلَيم، حتى بلغ الكُذر، ثم
غزوة السَّوِيق، يطلب أبا سفيان بن حرب، ثم غزوة غَطَّفَان، وهي غزوة ذي أمِر، ثم
غزوة بَخران، معدن بالحجاز، ثم غزوة أُحُدٍ، ثم غزوة حَمْراءِ الأسَد؛ ثم غزوة بني
٣٩٤

النَّضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نخل، ثم غزوة بدر الآخِرة، ثم غزوة دُومة الجندل،
ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قُرَيْظة، ثم غزوة بني لِخيان، من هُذَيْل، ثم غزوة ذي
قَرَد، ثم غزوة بني المصْطَلِقِ من خُزَاعة، ثم غزوة الحُدَيْبِية، لا يريد قتالاً، فصدّه
المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم عُمْرة القضاء، ثم غزوة الفَتْح، ثم غزوة حُنَين، ثم غزوة
الطائف، ثم غزوة تَبُوك. قاتل منها في تسع غَزَوات: بدر، وأحد، والخندق، وقُرَيظة،
والمُصْطَلق، وخَيْبر، والفتح وحُنَين، والطائف.
ذكر جملة السرايا والبعوث
وكانت بعوثه وَلّ وسَراياه ثمانيًا وثلاثين، من بين بَعْثٍ وسَرِيّةٍ: غزوةُ عُبَيْدة بن
الحارث أسفل من ثَنِيَّة ذي المَرْوَة، ثم غزوة حَمْزة بن عبد المطّلب ساحل البحر، من
ناحية العيص؛ وبعض الناس يقدم غَزْوَة حمزة قبل غزوة عُبَيْدة؛ وغزوةُ سعد بن أبي
وقاصِ الخَرّارَ، وغزوة عبد الله بن جَخْش نَخْلة، وغزوة زيد بن حارثة القَرَدَة، وغزوة
محمد بن مَسْلَمة كَعْبَ بن الأشرف، وغزوة مَرْئَد بن أبي مَرْئَدِ الغَنَوي الرجيع، وغزوة
المُنذِرِ بن عمرٍو بِثْرَ مَعُونة، وغزوة أبي عُبَيْدةً بن الجَرّاحِ ذا القَصَّة، من طريق العراق،
وغزوة عمر بن الخَطَّاب تُرَبَةً من أرض بني عامر، وغزوة عليّ بن أبي طالب اليَمَن،
وغزوة غالبٍ بن عبد الله الكَلْبِي، كَلْبٍ لَيْث، الكَدِيد، فأصاب بني الملَوّح.
خبر غزوة غالب بن عبد الله الليثي بني الملوح:
شأن ابن البرصاء:
وكان من حديثها أن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، حدّثني عن مُسلم بن
عبد الله بن خُبَيْب الجُهَنِيّ، عن المُنْذِرِ، عن جُنَذَبِ بنِ مَكِيثِ الجُهَنِيّ، قال: بعث
رسولُ الله ◌َ﴿ غالب بن عبد الله الكلبي، كَلْب بن عوف بن لَيْث، في سرية كنت فيها،
غزوة عمر(١)
(١)
فصل: وذكر غَزْوَةَ عُمَرَ إلى تُرَبّةً، وهي تُرَبَةُ بفتح الرّاء أرضٌ كانت لخَتْعَم وفيها جاء
المثل: صادف بطنُه بَطْنَ تُرَبَةَ، يريدون الشّبَعِ والخِصْبَ. قال البكْرِيُّ: وكذلك: عُرَنَةُ بفتح
الرّاء يعني التي عند عَرَفَةً.
(١) انظر الطبري (٢٢/٣) الطبقات (٨٥/١/٢) الكامل (١٠٦/٢) الواقدي (٧٢٢/٢) المنتظم
(٣٠١/٣).
٣٩٥

وأمَره أن يَشُنّ الغارةَ على بني المُلَوَّح، وهم بالكَديد، فخرجنا، حتى إذا كنا بقُدَيْد لقينا
الحارث بن مالك، وهو ابن البَرْصاء الليثيّ، فأخذناه، فقال: إني جئت أريد الإسلام، ما
خرجت إلّ إلى رسول الله وَّل، فقلنا له: إن تكُ مسلمًا فلن يَضيرك رِباطُ ليلة، وإن تكُ
على غير ذلك كنا قد استوثقنا منك، فشددناه رِباطًا، ثم خَلَّفْنا عليه رجلاً من أصحابنا
أسود، وقلنا له: إن عازْك فاحتزّ رأسه.
بلاء ابن مكيث في هذه الغزوة:
قال: ثم سرنا حتى أتينا الكَدِيد عند غروب الشمس، فكنّا في ناحية الوادي،
وبعثني أصحابي رَبيئة لهم، فخرجت حتى آتي تَلاَّ مُشرفًا على الحاضر، فأسندت فيه،
فعلوتُ على رأسه، فنظرت إلى الحاضر، فوالله إني لمنبطح على التلّ، إذ خرج رجل
منهم من خِبائِهِ، فقال لامرأته: إني لأرى على التلّ سوادًا ما رأيته في أوّل يومي، فانظري
إلى أوْعيتك هل تَفْقدين منها شيئًا، لا تكون الكلاب جرَّت بعضها، قال: فنظرتْ،
فقالت: لا، والله ما أفقد شيئًا، قال: فناوليني قوسي وسهمين، فناولته، قال: فأرسل
سهمًا، فوالله ما أخطأ جنبي، فأنزِعُه، فأضعه، وثَبَّتُ مَكاني، قال: ثم أرسل الآخر،
فوضعه في مَنْكِبِي، فأنزِعُه فأضعه، وثَبَّتُّ مكاني. فقال لامرأته: لو كان ربيئة لقوم لقد
تحرّك، لقد خالطه سَهْماي لا أبالك، إذا أصبحتِ فابتغيهما، فخُذيهما، لا يمْضُغُهما عَليَّ
الكلاب. قال: ثم دخل.
نجاء المسلمين بالنعم:
قال: وأمْهلْناهم، حتى إذا اطمأنّوا وناموا، وكان في وجه السَّحر شَنَنًّا عليهم
الغارةَ، قال: فقتلنا، واستقنا النَّعَم، وخرج صَريخ القوم، فجاءنا دَهم لا قِبَل لنا به،
ومضينا بالنَّعَم، ومَرَزْنا بابن البَرْصاء وصاحبه، فاحتملناهما معنا، قال: وأدركنا القوم حتى
قربوا منا، قال: فما بيننا وبينهم إلاّ وادي قُدَيد، فأرسل الله الواديَ بالسيل من حيث شاء
تبارك وتعالى، من غير سحابة نراها ولا مطر، فجاء بشيء ليس لأحد به قوّة، ولا يقدر
على أن يُجاوزه، فوقفوا ينظرون إلينا، وإنَّا لنسوقُ نَعَمَهُم، ما يستطيع منهم رجل أن
يُجيز إلينا، ونحن نَخدوها سِراعًا، حتى فُتْناهم، فلم يقدِرُوا على طلبنا.
شعار المسلمين في هذه الغزوة:
قال: فقدمنا بها على رسول الله آل﴾.
٣٩٦

قال ابن إسحاق: وحدّثني رجل من أسْلَم، عن رجل منهم: أنّ شِعار أصحاب
رسولِ اللهِ وَّ كان تلك الليلة: أمِتْ أمِتْ. فقال راجزٌ مِن المسلمين وهو يَخْدُوها:
في خَضِلٍ نَباتُه مُغْلَوْلِبٍ
أبي أبو القاسم أن تَعَزَّبي
صُفْرٍ أعاليهِ كَلَوْنِ المِذْهَبِ
قال ابن هشام: ويُروى: ((كلون الذّهب)».
تمّ خبر الغزاة، وعُدت إلى ذكر تفصيل السرايا والبُعوث.
تعريف بعدّة غزوات:
قال ابن إسحاق: وغزوة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بني عبد الله بن سعد من
أهل فَدَك، وغزوة أبي العَوْجاء السُّلَمِيّ أرض بني سُلَيم، أصيب بها هو وأصحابه جميعًا،
وغزوة عُكاشة بن مِخْصَن الغَمرة، وغزوة أبي سَلَمَة بن عبد الأسد قَطًَّا، ماء من مياه بني
أُسد، من ناحية نَجْد، قُتِل بها مسعود بن عُروة، وغزوة محمد بن مَسْلَمَة أخي بني
حارثة، القُرَطَاءَ من هَوَازن، وغزوة بَشير بن سَعْد بني مُرَّة بفَدَك، وغزوة بشير بن سعد
ناحية خَيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجمومَ من أرض بني سُلَيم، وغَزوة زيد بن حارثة
◌ُذام، من أرض خُشَيْن.
قال ابن هشام: عن نفسه، والشافعي عن عمرو بن حبيب عن ابن إسحق: من
أرض حسمَی.
غزوة زيد بن حارثة إلى جذام:
سببها:
قال ابن إسحاق: وكان من حديثها كما حدّثني من لا أنّهم، عن رجال من جُذام
كانوا عُلماء بها، أن رفاعة بن زيد الجُذَامي، لما قَدِم على قومه من عند رسول الله وَه
بكتابه يدعوهم إلى الإسلام، فاستجابوا له، لم يلبث أن قَدِمِ دِخْيَةٌ بن خليفة الكَلْبِيُّ من
عند قَيْصَر صاحب الرّوم، حين بعثه رسولُ الله وَلَو إليه ومعه تجارة له، حتى إذا كانوا
بوادٍ من أوديتهم يقال له: شَنار، أغار على دِخية بن خَليفة الهنيدُ بن عُوص، وابنه
عُوْص بن الهُنيد الضُّلَعِيَّان. والضُّلَيعُ. بطن من جُذام، فأصابا كلّ شيءٍ كان معه، فبلغ
ذلك قومًا من الضبَيْب، رهط رفاعة بن زيد، ممن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهُنيد
٣٩٧

وابنه، فيهم من بني الضُّبيب النُّعمان بن أبي جعال، حتى لقُوهم، فاقتتلوا، وانتمى يومئذ
قُرَّة بن أشقر الضَّناوي ثم الضُّلَعيّ، فقال: أنا ابن لُبْنَى، ورمى النُّعمان بن أبي جِعالٍ
بسهم، فأصاب ركْبته؛ فقال حين أصابه: خُذها وأنا ابن لُبْنَى، وكانت له أُمّ تُدعى لُبْنَى،
وقد كان حسَّان بن مَلَّة الضبّنْيِيّ قد صحب دِخية بن خليفة قبل ذلك، فعلَّمه ◌ُمَّ الكتاب.
قال ابن هشام: ويقال: قُرَّة بن أَشْقَرَ الضَّفاري، وحَيَّان بن مِلَّة.
تمكّن المسلمين من الكفّار:
قال ابن إسحاق: حدّثني من لا أتّهم، عن رجال من جُذام، قال: فاستنقذوا ما كان
في يد الهُنيد وابنه، فردّوه على دِخية، فخرج دحية، حتى قَدم على رسول الله وَلَّه
فأخبره خبره، واستسقاه دم الهُنيد وابنه، فبعث رسولُ الله وَّهِ إليهم زيد بن حارثة،
وذلك الذي هاج غزوةً زيدٍ جُذَامَ، وبعث معه جيشًا، وقد وَجَّهَتْ غَطَفانُ من جُذامَ ووائلٌ
ومن كان من سَلامانَ وسعد بن هُذَيمْ، حين جاءهم رفاعة بن زيد، بكتاب رسول
اللهِ وََّ، حتى نزلوا الحَرَّة، حرَّة الرَّجْلاء، ورِفاعة بن زيد بكُراع رِبَة، لم يعلم، ومعه
ناس من بني الضُّبَيْب، وسائر بني الضُبَيْب بوادي مَدَان، من ناحية الحَرَّة، مما يسيل
مُشَرّقًا، وأقبل جيش زيد بن حارثة الأولاج، فأغار بالماقِص من قِبلِ الحَرة، فجمعوا ما
وجَدوا من مال أو ناس، وقتلوا الهُنَيْد وابنه ورجلين من بني الأجنف.
قال ابن هشام: من بني الأختف.
شأن حسَّان وأنيف ابني ملّة:
قال ابن إسحق في حديثه: ورجلان من بني الخَصيب. فلما سَمَعتْ بذلك بنو
الضُّبَيْب والجيش بفَيْفاءِ مَدَانٍ ركب نفرٌ منهم، وكان فيمن ركب معهم حَسَّان بن مِلَّة،
على فرس لسُويد بن زيد، يُقال لها: العَجاجة، وأُنيف بن مِلَّة على فَرَسٍ لملَّة يقال لها:
رِغال، وأبو زيد بن عمرو على فرس يقال لها: شَمِر، فانطلقوا حتى إذا دنوا من
الجيش، قال أبو زيد وحسَّان لأنيف بن مِلَّة: كُفُّ عَنَّا وانصرِفْ، فإنَّا نَخْشَى لسانك،
فوقف عنهما فلم يَبْعدَا منه حتى جعلت فَرَسُه تبحث بيديها وتَوَثَّب، فقال: لأنا أضَنُّ
بالرجلين منك بالفَرَسَين، فأرخَى لها، حتى أدركهما، فقالا له: أما إذا فَعَلْتَ ما فعلتَ
فكُفَّ عنَّا لسانَك، ولا تشأمْنا اليومَ، فتواصَوْا أن لا يتكلّم منهم إلاّ حَسَّان بن مِلَّة،
وكانت بينهم كلِمَة في الجاهلية قد عرفها بعضهم من بعض، إذا أراد أحدهم أن يضرب
٣٩٨

بسيفه قال: بُوري أو ثُوري، فلما برَزوا على الجيش، أقبل القوم يبتدرونهم، فقال لهم
حسَّانِ: إِنَّا قومٌ مُسْلمون، وكان أوّل من لقيهم رجل على فَرَس أدهم، فأقبل يسوقهم،
فقال أُنيف: بُورِي، فقال حسَّان: مَهْلاً، فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حَسَّان: إنَّا
قوم مسلمون، فقال له زيد: فاقرؤوا أُمّ الكتاب، فقرأها حَسَّان، فقال زيد بن حارثة:
نادوا في الجَيْش: أن الله قد حَرَّم علينا ثُغْرةَ القوم التي جاءوا منها إلاّ مَن خَترَ.
قدومهم على الرّسول وشعر أبي جعال:
قال ابن إسحاق: وإذا أخت حَسَّان بن ملّة، وهي امرأة أبي وَبْر بن عَدِيّ بن
أُميَّة بن الضُّبَيْب في الأُسارى، فقال له زيد: خُذها، وأخَذَتْ بحَقْوَيْهِ، فقالت أُمّ الفِزْز
الضَّلَعِيةِ، أَتَنْطَلِقون بيناتكم وتَذَرُون أُمَّهاتِكم؟ فقال أحد بني الخَصيب: إنها بنو الضُّبَيْب
وسِخْرُ ألْسِنَتنهم سائرَ اليوم، فسَمِعها بعض الجيش، فأخبر بها زيد بن حارثة، فأمر بأُخت
حسَّان، ففُكَّت يداها من حِقْويْهِ، وقال لها: اجلسي مع بنات عمّك حتى يحكم الله فيكنَّ
حُكْمَه، فَرَجعوا، ونَهَى الجيش أن يَهْبِطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه، فأمْسَوا في
أهْلِيهم، واستعتَموا، ذَودًا لسُويد بن زيد، فلما شربوا عَتَمَتَهُمْ، ركبوا إلى رفاعة بن زيد،
وكان ممن ركب إلى رفاعة بن زيد تلك الليلة، أبو زيد بن عمرو، وأبو شمّاس بن
عمرو، وسويد بن زيد، وبَعْجَةُ بن زيد، وبَرْذع بن زيد، وثعلبة بن زيد، ومُخَرّبة بن
عَدِيّ، وأُتَيْفُ بن مِلَّة، وحسَّان بن مِلَّة، حتى صَبحوا رِفاعة بن زيد بكّراعٍ رَبَّة، بظهر
الحَرّة على بئر هنالك من حرة لَيْلى، فقال له حسَّان بن مِلَّةٍ: إنك لجالس تحَلُب المِعْزَى
ونساء ◌ُذامٍ أُسارَى قد غَرَّها كتابك الذي جئت به، فدعا رفاعة بن زيد بجمل له، فجعل
یشُدّ علیه رحله وهو يقول:
هَلْ أنْتَ حَيّ أوْ تُنادِي حَیا
ثم غدا وهم معه بأَميَّة بن ضَفارة أخي الخَصِيبِيّ المقتول، مبكّرين من ظهر الحَرّة،
فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال؛ فلما دخلوا المدينة، وانتهوا إلى المسجد، نظر
إليهم رجل من الناس، فقال: لا تُنيخوا إبلَكمْ، فَتُقَطَّعَ أيديهنّ، فنزلوا عنهنّ وهن قيام:
فلما دخلوا على رسول الله بَّه ورآهم، ألاح إليهم بيده: أن تعالُوا من وراء الناس فلما
استفتح رِفاعة بن زيد المَنُطِق، قام رجل من الناس فقال: يا رسول الله، إن هؤلاء قوم
سَحَرَة، فردَّدَها مرّتين، فقال رفاعة بن زيد: رحم الله من لم يَخْذُنا في يومه هذا إلاّ
٣٩٩

خیرًا. ثم دفع رفاعة بن زید کتابه إلى رسولِ الله ګ الذي کان کتبه له. فقال: دونك یا
رسول الله قديمًا كتابُه، حديثًا غَدْره فقال رسولُ اللهِ وَالَ: ((اقرأه يا غلام، وأعْلِنْ))؛ فلما
قرأ كتابه استخبره فأخبروهم الخبر، فقال رسولُ اللهِ وَله: ((كيف أصنع بالقَتْلى؟)) (ثلاث
مرّات). فقال رفاعة: أنت يا رسول الله أعلم، لا نحرّم عليك حلالاً، ولا نُحلِّل لك
حَرَمًا، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلق لنا يا رسول الله من كان حَيًّا، ومن قُتِل فهو تحت
قَدَمي هذه. فقال له رسول الله وَّر: ((صدق أبو زيد، اركب معهم يا عليّ)) فقال له عليّ
رضي الله عنه: إن زيدًا لن يُطيعني يا رسول الله، قال: ((فخُذ سيفي هذا»، فأعطاه سيفه،
فقال عليٍّ: ليس لي يا رسول الله راحلة أركبها، فحملوه على بعير لثعلبة بن عمرو، يقال
له: مِكْحال، فخرجوا، فإذا رسول لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وَبْر، يُقال لها:
الشّمِر، فأنزلوه عليها، فقال: يا عليّ، ما شأني؟ فقال: ما لهم، عَرَفوه فأخذوه، ثم
ساروا فلقُوا الجَيْش بفَيفاء الفَحلتين، فأخذوا ما في أيديهم، حتى كانوا ينزعون لُبَيدَ المرأة
من تحت الرحل، فقال أبو جعال حين فرغوا من شأنهم:
ولولا نحنُ حُشَّ بها السَّعيرُ
وَعَاذِلةٍ وَلَمْ تَغْذُلْ بِطِب
ولا يُرْجَى لهَا عِتْق يَسير
تُدَافِعُ في الأسارَى بابْنَتَيْها
لحَارَ بها عَنِ العِثْقِ الأُمُورُ
ولو وُكِلَت إلى عُوصٍ وأوْسٍ
تُحاذِرُ أنْ يُعَلَّ بها المَسيرُ
ولو شَهِدَتْ رَكائِبَنا بِمِصْرٍ
لرَبْع إنَّهُ قَرَب ضَرِيرُ
وَرَذْنا ماءَ يَثْرِبَ عَنْ حِفاظٍ
عَلى أقْتادِ ناجِيَّةٍ صَبُورُ
بِكُلّ مُجَرَّب كالسِّيد نَهْدٍ
بِيَثْرِبَ إِذْ تَناطَحَتِ النُّحُورُ
فِدَى لأبي سُلَيْمَى كلُّ جَيْش
خِلافَ القَوْم هامَتّهُ تَدُورُ
غداةً تَرَى المُجَرَّب مُسْتِكِينًا
قال ابن هشام: قوله: ﴿وَلا يُرْجَى لها عِثْقٌ يَسيرُ﴾. وقوله: ﴿عن العِثْقِ الأُمُورُ﴾
عن غير ابن إسحق.
تمَّت الغزاة، وعُدنا إلى تفصيل ذكر السَّرايا والبُعوث.
قال ابن إسحاق: وغزوة زيد بن حارثة أيضًا الطرَفَ من ناحية نَخْل. من طريق
العراق.
٤٠٠