Indexed OCR Text

Pages 161-180

جيوش المسلمين تدخل مكّة
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح أن رسول الله وَل ـحين فرّق جيشه
من ذي طُوّى، أمَر الزّبير بن العوّام أن يدخل في بعض الناس من، كُدّى، وكان الزّبير
على المُجَنّة اليسرى، وأمر سعد بن عُبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء.
فالجواب: أنه لما تُوُنِّي خَضَبَ مَنْ كان عنده شيءٌ من شَعْرِه تلك الشعرات ليكونَ
أبقى لها، كذلك قال الدَّارَقُطْني في أسماء رجال الموطأ له، وكان أبو بكر يَخضِبُ
بالحِناء، والكَتم، وكان عمر يَخْضِب بالصُّفْرَةِ، وكذلك عُثْمانُ وعبدُ الله بن عُمَرَ، وكان
فيهم من يَخْضِبُ بالخِطْرِ، وهو الوَسْمَةُ، وأما الصُّفْرَةُ، فكانت من الوَزْسِ، أو الكُرْكُم
وهو الزَّغْفَرانُ، والوَرْسُ ينبُت باليَمَنِ يقال لجِيِّدِه: بادِرَة الوَرَسِ، ومن أنواعه: العسف
والحَبَشِيّ وهو آخره، ويقال منِ الحِثَّاء: حَنَّأَ شَيْبَه ورَقَّنَه، وجمع الحِنَّاءَ حِنَّن على غير
قياس، قال الشاعر :
سَوْدَاءَ قد رُوِيَتْ من الحِنَّان
ولقد أَرُوحُ بِلِمَّةٍ فَينَانَةٍ
من كتاب أبي حنيفة، وبعضُ أهل الحديث يزيد على رواية ابن إسحق في شَيْب أبي
قُحَافَةَ: وجَنْبوه السَّوادَ، وأكثرُ العلماء على كراهة الخِضَابِ بالسَّوَاد من أجل هذا الحديث،
ومن أجل حديث آخر جاء في الوعيد والنهي لمن خَضَب بالسَّواد، وقيل: أوّل من خَضَب
بِالسَّوادِ فرْعَوْنُ، وقيل: أوّل من خَضَبَ به من العربِ عبدُ المطّلب، وتَرَخَّص قومٌ في
الخِضَابِ بالسَّوادِ منهم محمد بن عليّ، ورُوي عن عُمَرَ أنه قال: أخْضِبوا بالسواد، فإنه أَنْكى
للعدوّ، وأحَبُّ للنساء. وقال ابن بَطَّال في الشرح: إذا كان الرجُل كَهلاً لم يبلغ الهرم جاز له
الخِضَابُ بالسَّواد، لأن في ذلك ما قال عمر رضي الله عنه من الإزهَابِ على العَدُوِّ والتحبُّبِ
إلى النِّساء، وأما إذا قَوَّس واحدُودَبَّ فحينئذ يُكرَه له السوادُ، كما قال رسولُ الله - بَله ـ
في أبي قحافة: ((غَيِّروا شيبَه، وجَنْبُوه السوادَ)).
كداء وكدى
فصل: وذكّر كَدَاء بفتح الكاف والمدّ، وهو بأعلى مَكَّة، وكُدَى وهو من ناحية عَرَفَةً،
وبمكّة موضع ثالث يقال: كُدَا بضم الكاف والقصر، وأنشدوا في گداء وگُدَىّ:
أقْفَرَتْ بعد عَبْد شَمْسٍ كَدَاءُ فَكُدَيٍّ فَالرُّكْنَ والبَطْحَاءُ
والبيتُ لابن قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ يذكر بَنِي عَبْدٍ شَمْسٍ بن عَبْدٍ وُدُ العامِرِيِّن رَهْط سُهَيْل بن
عَمْرو.
١٦١
الروض الأنف/ ج ٤ / ٢ ١١

المهاجرون وسعد
قال ابن إسحاق: فزعم بعض أهل العلم أن سعدًا حين وُجه داخلاً، قال: اليومُ يومُ
المَلْحمة، اليوم تُسْتَحَلّ الحُرمة، فسمعها رجلٌ من المهاجرين - قال ابن هشام: هو
عمر بن الخطّاب - فقال: يا رسول الله: اسمع ما قال سعد بن عُبادة، ما نأمَن أن يكون
له في قُرَيْش صَوْلة، فقال رسولُ اللهِ وَ ل﴿ لعليّ بن أبي طالب: ((أدركه، فخُذ الراية منه
فكُن أنت الذي تدخُل بها)).
موقف إبراهيم بكداء:
وبكَدَاء وَقَفَ إبراهيم عليه السلام حين دعا لذرّيته بالحرَم، كذلك رَوى سعيد بن جُبَيْر
عن ابنِ عَبَّاسٍ، فقال: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةٌ من النّاسِ تَهْوِي إليهم﴾ فاستجيبت دعوتُه، وقيل له:
أَذْن في النّاس بالحَجْ يأتوك رِجَالاً، ألا تراه يقول: يأْتُوك، ولم يقل: يأْتُونِي، لأنها استجابة
لدعوته، فمن ثَمَّ - والله أعلم - اسْتَحَبَّ النبيَّ وَّ إذا أتى لمكّة أن يدخلها مِنْ كَدَاء، لأنه
الموضُع الذي دعا فيه إبراهيمُ بأن يجعل أفئدةٌ من النّاس تَهْوي إليهم.
موقف الرّسول وَالقر من سعد
فصل: وذكر نزْع الرايةِ من سعد حين قال: اليوم يوم المَلْحَمَةِ. وزاد غير ابن إسحق
في الخبر أن ضِرَارَ بن الخطّابِ قال يومئذ شعرًا حين سمع قول سعدٍ استعطف فيه النبيَّ وَّ
على قريشٍٍ، وهو من أجود شِغْرٍ له:
يا نَبِيَّ الهُدَى إليكِ لَجَاحْـ
حِينَ ضَاقَتْ عليهُمُ سَعَةُ الأز
والْتَقَتْ حَلْقِتَا البِطَانِ على القَـ
إن سَعْدًا يريد قاصِمَةَ الظَّهْـ
خَزْرَجِيٍّ لو يَسْتَطِيعُ من الغَيْـ
فلئن أَقْحَمَ الْلواءَ، ونادى
لَتَكُونَنَّ بالبِطَاحِ قريشٌ
ـيُّ قُرَيْشٍ، ولاتَ حِينَ لَجاءِ
ضٍ وَعادَاهُم إلهُ السَّماءِ
ـوْم ونُودُوا بالصَّيْلَم الصَّلْعَاءِ
ـر بأَهْلِ الحَجُونِ والبَطْحَاءِ
ـظِ رَمَانَا بالنَّسْرِ والعَوَّاءِ
يا حُمَاةَ الْلوَاءِ أهلَ الْلواءِ
بَقْعة القَاعِ في أَكُفُ الإِمَاءِ(١)
فحينئذِ انْتَزَعِ النبيُّ وَّهِ الرايةَ من سَعْد بن عُبَادَةً فيما ذكروا، والله أعلم، ومدَّ في هذا
الشعر العَوَّاء، وأنكر الفارسيّ في بعض كتبه مَدَّها، وقال: لو مدّت لقيل فيها: العَيَّاء، كما
(١) انظر المواهب اللدنية (٢٩٥/٤).
١٦٢

كيد دخل الجيش مكّة؟:
قال ابن إسحاق: وقد حدّثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه: أن رسولَ اللهِ وَله
أمر خالد بن الوليد، فدخل من الْليط، أسفلَ مكّة، في بعض الناس، وكان خالد على
المُحَتَّبَةِ اليُمنى، وفيها أسلمُ وسُلَيم وغِفار ومُزينة وجُهينة وقبائل من قبائل العرب. وأقبل
أبو عُبيدة بن الجرّاح بالصفّ من المسلمين يَنصبّ لمكّة بين يدي رسول الله أَّر، ودخل
رسولُ اللهَ وَّل من أذاخِر، حتى نزل بأعلى مكّة وضُربت له هنالك قُبَّته.
الذين تعرّضوا للمسلمين:
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر: أن
صَفْوان بن أُميَّة وعِكْرِمة بن أبي جهل وسُهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسًا بالخَندمة
ليُقاتلوا، وقد كان حماس بن قَيْس بن خالد، أخو بني بكر، يُعدّ سلاحًا قبل دُخول
رسول الله وَّر، ويُصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعِدّ ما أرى؟ قال: لمحمد
وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: والله إني لأرجو أن
اُخدِمَك بعضهم، ثم قال:
إِن يُقبِلوا اليومَ فما لي عِلَّة هذا سلاحٌ كاملٌ وألَه
وذو غِرَارين سريع السّلَّه
ثم شهد الخَندمة مع صَفوان وسُهيل وعِكْرِمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب
خالد بن الوليد، ناوشوهم شيئًا من قتال، فقتل كُرز بن جابر، أحد بني محارب بن فِهْر،
وخُنَيْس بن خالد بن ربيعة بن أَصْرَم، حليف بني مُنقَّذ، وكانا في خيل خالد بن الوليد
قيل في: العَلْيَاء، لأنها ليست بصفة كالعَشْوَاء، قال: وإنما هي مَقْصُورة كَالشَّرْوَى والنَّجْوَى،
وغفل عن وجه ذكره أبو عليّ القالي، فإنه قال: عن مدّ العَوَّاء فهي عنده فَعَّال من عَوَيْت
الشّيء إذا لويت ظَرَفَه، وهذا حسن جدًا لا سِيَّما، وقد صحّ مدَّها في الشعر الذي تقدّم،
وغيره، والأصحّ في معناها: أن العَوَّاء من العُوَّةِ، والعُوَّةُ هي الدُّبُرُ، فكأنهم سَمَّوْها بذلك،
لأنها دُبُرُ الأسد من البُرُوجِ.
خنيس بن خالد:
فصل: وذكر خُنَيْسَ بنَ خَالِدٍ، وقولَ ابنِ هِشَامٍ: خُنَيْسُ من خُزَاعَة، لم يختلفوا عن
ابن إسحق أنه خُنَيْسُ بالخاء المنقوطة والنون، وأكثر مّن ألّف في المُؤْتلِفِ والمُختَلِف يقول:
الصواب فيه: حُبَيْش بالحاء المهملة والباء والشين المنقوطة، وكذلك في حاشية الشيخ عن
١٦٣
ـبة

فشذًا عنه فسلكا طريقًا غير طريقه فقتلا جميعًا قُتل خُنَيْس بن خالد قبل كُرْز بن جابر،
فجعله كُرْز بن جابر بين رجليه، ثم قاتَل عنه حتى قُتل، وهو يَرْتَجِزُ ويقول:
نَقِيَّة الوَجْه نقيَّة الصَّدْر
قد علمتْ صَفْراءُ من بني فِهِزْ
لأضرِبنَّ اليومَ عن أبي صَخُرْ
قال ابن هشام: وكان خُنيس يُكنى أبا صخْرٍ، قال ابنُ هشام: خُنيس بن خالد، من
خُزاعة .
أبي الوليد أن الصوابَ فيه حُبَيْش، وأبوه خَالِد هو الأشْعَرِ بنُ حُنَيْفٍ، وقد رفعنا نسبه عند
ذكر أُم مَعْبَدٍ، لأنها بنتُه، وهو بالشين المنقوطة، وأما الأسْعَرُ بالسين المهملة، فهو الأسْعَرُ
الجُعْفِيُّ، واسمه: مَرْئَد بن عِمْرَانَ، وسُمِّي الأسعر لقوله:
لئن أنا لم أَسْعَزْ عليهم وأُثْقِبٍ
فلا يَدْعُنِي قَوْمِي لسَعْدِ بن مَالِكِ
يعني بمالك: مَذْحِج.
وذكر الرَّجز الذي لكُزز:
قد عَلِمَتْ صَفْرَاءُ من بني فِهِزْ
أشار بقوله: صَفْرَاءَ إلى صُفْرةِ الخَلُوقِ، وقيل: بل أراد معنى: قول امْرَىء القيس:
غَذَاها نَمِيرُ الماء غير مُحَلَّلٍ
كَبِكْرِ مُقَانَاةِ البَياضُ بصُفْرَةٍ
وكقول الأعشى:
نُرْضيك مِنْ دَلِّ ومِنْ
حُسْنٍ مُخَالِطُه غَرَارَة
اءُ العَشِيَّةِ كالعَرَارَة
حَمْرَاءُ غَذْوتُها، وصَفرَ
وقوله: من بني فِهِرْ بكسر الهاء، وكذلك الصَّدِرْ في البيت الثاني، وأبو صَخْرِ هذا على
مذهب العَرب في الوقف على ما أَوْسَطُه ساكن، فإنَّ منهم من ينقل حركة لام الفِعْل إلى عَيْن
الفِعْل في الوقْفِ، وذلك إذا كان الاسمُ مَرْفوعًا أو مَخْفوضًا، ولا يفعلون ذلك في النَّصْبِ،
وعِلَلهُ مُسْتَقْصاةٌ في النحو.
حول: لماذا وموقمة:
وذكر خَبَر حِمَاسٍ وقولَ امرأتِه له: لماذا تُعِدُّ السلاحَ بإثبات الألِفِ، ولا يجوز حذفُها
من أجل تركيب ذا مَعَها، والمعروفُ في ما إذا كانت استفهامًا مجرورة أن تحذف منها
الألف، فيقال: لِمَ، وبِمَ، قال ابن السراج: الدليلُ على أن ذا جُعلَتْ مع ما اسمًا واحدًا
أنهم اتفقوا على إثبات الألف مع حرف الجر، فيقولون: لماذا فعلت، وبماذا جئت، وهو
معنی قول سيبويه.
١٦٤

قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح وعبد الله بن بكر، قالا: وأُصيب
من جُهينةَ سَلَمة بن المَيْلاء، من خيل خالد بن الوليدَ، وأَصيب من المشركين ناسٌ قريبٌ
من اثني عشر رجلاً، أو ثَلاثَةَ عَشَرَ رجلاً، ثم انهزموا، فخرج حَماسٌ منهزمًا حتى دخل
بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي عليّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:
إذ فرّ صَفْوَانُ وفرّ عِكْرِمةُ
إِنَّكِ لو شهدتِ يومِ الخَندَمْة
واستقبلتُهُمْ بالسُّيوف المُسْلِمة
وأبو يَزِيدَ قائم كالمُوتَمة
حول رجزي حماس :
وقوله :
وذو غِرَارَيْنِ سريع السّله
بكسر السين هو الرواية، يريد الحالة من سَلُ السيف، ومن أراد المصدر فَتَح.
وقوله :
وأبو يزيدَ قائم كالمُؤْتِمَة
يريد: المرأةَ لها أيتَامُ، والأعرف في مثل هذا مُؤْتِم مثل مُطْفِل، وجمعها مياتِمٌ، وقال
ابن إسحق في غير هذه الرواية: المُؤْتِمة: الأسطوانة، وهو تفسير غريب، وهو أصحّ من
التفسير الأوّل، لأنه تفسير راوي الحديث، فعلى قول ابن إسحق هذا يكون لفظ المُؤْتِمة من
قولهم: وَتَم، وأَتَم إذا ثبت، لأن الأسطوانة تثبت ما عليها، ويقال فيها على هذا مُؤْتِمَةٌ
بالهمز، وتجمع مآتم، وموتمة بلا همز، وتجمع: مواتم.
وقوله: وأبو يَزِيدَ بقلب الهمزة من أبو ألفًا ساكنة، فيه حجةٌ لوَزْش [واسمه: عثمان بن
سعيد بن عبد الله حيث أبدل الهمزةَ ألفًا ساكِنَةً، وهي متحرّكة، وإنما قياسُها عند النحويين
أن تكون بَيْن بَيْن.
ومثل قوله: وأبو يزيد، قول الفرزدق:
فازْعَيْ فَزَارَةُ لا هَنَاكِ المَرْتَعِ
وإنما هو هَنَأَكَ بالهمز وتسهيلها بَيْنِ بَيْنَ، فقلبها ألفًا على غير القياس المعروف في
النحو، وكذلك قولُهم في المِنْسَاة، وهي العصا، وأصلها الهمز، لأنها مِفْعَلَة من نَسأتُ،
ولكنها في التنزيل كما ترى، وأبو يَزِيدَ الذي عنى في هذا البيت، هو سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو
خطیبُ قریشٍ.
١٦٥

ضَرْبًا فلا يُسْمَع إلا غَمْغَمَة
يقطعنَ كلّ ساعد وجُمْجُمةْ
لهم نَّهِيتُ خَلْفَنا وهَمْهَمة
لم تنطِقي في اللّومِ أَذْنى كُلِمَة
قال ابن هشام: أنشدني بعض أهل العلم بالشعر قوله: ((كالموتَمة)) وتُروى للرعاش
الهذلي.
شعار المسلمين يوم الفتح:
وكان شِعار أصحاب رسول الله وَ ل﴿ يوم فتح مكّة وحُنين والطائف، شعارُ
المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا
بني عُبيد الله .
من أَمَر الرسول بقتلهم:
قال ابن إسحاق: وكان رسولُ اللهِ وَلِّ قد عَهِدَ إلى أُمرائه من المسلمين، حين
أمرهم أن يدخلوا مكّة، أن لا يُقاتلوا إلاّ من قاتلهم، إلاّ أنه قد عَهِد في نفر سمّاهم
أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن سعد، أخو بني عامر بن
لؤيّ .
وقوله: لهم نَهيثٌ: النهيتُ: صوتُ الصَّذْرٍ، وأكثر ما توصف به الأُسدُ، قال ابن
الأَسْلَت:
كأنهم أسْدٌّ لَدَى أَشْبُلٍ يَتْهِثْنَ في غِيلٍ وَأَجْزَاع
والغَمْغَمَةُ: أصواتٌ غيرُ مفهومة من اختلاطها.
طرف من أحكام أرض مكّة:
ونذكر هاهُنا طَرَفًا من أحكام أرض مَكَّةَ، فقد اختلف: هل افتتحها النبيُّ نَّ عَنْوَة أو
صُلْحًا، ليبتني على ذلك الحكم: هل أرضُها مِلْكٌ لأهلها أم لا؟ وذلك أن عُمر بن الخطّاب
رضي الله عنه كان يأمر بنزع أبواب دور مكّة إذا قدم الحاجُ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى
عامله بمكّة أن يَنْهى أهلَها عن كِرَاء دورها إذا جاء الحاجُ فإن ذلك لا يحلّ لهم. وقال مالكَ
- رحمه الله - إن كان الناسُ لَيَضْرِبُونَ فَسَاطِيطَهُم بدُور مكّةَ لا ينهاهم أحدٌ، ورُوي أن دور
مَكَّة كانت تُدْعَى السَّوائب، وهذا كُلُّه منتزع من أصلين أحدُهما: قوله تبارك وتعالى:
﴿والمسجدِ الحَرَامِ الذي جَعَلْناهُ للنَّاسِ سَوَاءَ العاكِفُ فيه والبَادِ﴾ [الحجّ: ٢٥] وقال ابنُ عُمَر
وابنُ عباس: الحرَم كلَّه مسجد، والأصل الثاني: أن النبيَّ ◌َِّ دخلها عَنْوَةً غير أنه مَنَّ على
١٦٦

وإنما أمر رسولُ اللهِ وَّل بقتله لأنه قد كان أسلم، وكان يكتب لرسول الله وَ ليقول
الوحي، فارتدّ مُشركًا راجعًا إلى قُريش، ففرّ إلى عثمان بن عفَّان، وكان أخاه للرضاعة،
فَغَيَّبه حتى أتى به رسولَ الله وَّله بعد أن اطمأنّ وأهل مكّة، فاستأمن له: فزعموا أن
رسولَ الله وَّر صمت طويلاً، ثم قال: ((نعم))؛ فلما انصرف عنه عثمان، قال رسولُ
الله وَّجُ لمن حوله من أصحابه: ((لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه)). فقال
رجل من الأنصار: فهلاّ أومأت إليّ يا رسول الله؟ قال: ((إنّ النبيّ لا يقتل بالإشارة)).
قال ابن هشام: ثم أسلم بعد، فولاه عمر بن الخطّاب بعض أعماله، ثم ولاه
عثمان بن عفان بعد عمر.
قال ابن إسحاق: وعبد الله بن خَطَلِ، رجل من بني تَيْم بن غالب: إنما أمر بقتله
أنه كان مسلمًا، فبعثه رسولُ الله ◌َّهِ مصدّقًا، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه
مولى له يخدمه، وكان مسلمًا، فنزل منزلاً، وأمر المولى أن يذبح له تَيْسًا، فيصنع له
طعامًا، فنام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتدّ مشركًا.
وكان له قَيْنتان: فَرْتَنَى وصاحبتها وكانتا تغنيّان بهجاء رسول الله وَلِّ، فأمر رسولُ
الله وَ له بقتلهما معه.
أهلِها بأنفسهم وأموالهم، ولا يُقاس عليها غيرُها من البلاد، كما ظنّ بعضُ الفقهاء فإنها
مخالفة لغيرها من وجهين، أحدهما: ما خصّ الله به نبيَّه، فإنه قال: ﴿قُلِ الأنفالُ لِلَّهِ
والرَّسولِ﴾ [الأنفال: ١] والثاني فيما خَصَّ الله تعالى به مكّةً فإنه جاء: لا تَحِلُ غَنَائِمُها، ولا
تُلْتَقطُ لُقَطَتُها، وهي حرم الله تعالى وأَمْنُهُ، فكيف تكون أرضُها أرضَ خَرَاج، فليس لأحدٍ
افْتَتَحَ بلدًا أن يَسْلُك به سَبِيلَ مكّة، فأرضُها إذًا ودُورُها لأهلِها، ولكن أوجب الله عليهم
التوسعةَ على الحجيج إذا قدموها، ولا يأخذوا منهم كِراءً في مساكنها، فهذا حكمُها فلا
عليك بعد هذا، فُتِحَتْ عَنْوَةً أو صُلحًا، وإن كانت ظواهرُ الحديث أنها فُتِحَتْ عَنْوَةً.
الهذلي القتيل :
وذكر الهُذَلِيَّ الذي قُتِل، وهو واقف، فقال: أَقَدْ فَعَلْتُمُوها يا مَعْشَر خُزَاعَة، ورَوى
الدَّارَقُطْنِي في السُّنَن أن النبيّ وَّ قال: ((لو كنت قائلَ مُسْلِم بكافر لقتلت خِرَاشًا
بالهُذَلِيِّ»(١)، يعني بالهذلي: قاتلَ ابنِ أَثْوَعَ، وخِرَاشٌ هو قَاتِله، وهوَ من خُزَاعَةً .
(١) أخرجه الدارقطني (١٣٧/٣ - بتحقيقي) والطبراني في الكبير (١١٠/١٨).
١٦٧

والحُوَيرث بن نُقِيذُ بن وهب بن عبد بن قُصَيّ، وكان ممن يؤذيه بمكّة.
قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطّلب حمل فاطمة وأُمّ كلثوم، ابنتي رسول
اللهِ وَلّ من مكّة يريد بهما المدينة، فنخَس بهما الحُوَيرث بن نُقَيذ، فرمى بهما إلى
الأرض.
قال ابن إسحاق: ومِقْيَسُ بن حُبابة [أو ضُبابَة، أو صُبابَة] وإنما أمر رسولُ اللهِ وَيه
بقتله، لقتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قُريش مُشركًا وسارَة،
مولاة لبعض بني عبد المُطّلب، وعكرمة بن أبي جهل. وكانت سارة ممن يؤذيه بمكّة،
فأما عِكْرِمة فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أُمّ حَكِيم بنتُ الحارثِ بن هشام.
فاستأمنت له من رسولِ اللهِ وَّرَ، فأمَّنه فخرجت في طلبه إلى اليمن، حتى أتت به رسولَ
الله ◌َلّ، فأسلم. وأما عبد الله بن خَطَل، فقتله سعيد بن حُرَيث المخزومي وأبو بَرْزة
الأسلمي، اشتركا في دمع؛ وأما مِقْيَسُ بن حُبابة فقتله نُمَيْلة بن عبد الله، رجل من
قومه، فقالت أُخت مِقْیَس في قتله : .
وفَجَّع أضيَافَ الشّتاء بمِقْيَسٍ
لعَمْري لقد أخْزَى نُمَيْلة رَهْطَه
إذا النَّفَساء أصبحت لم تُخَرَّس
فَلِلَّه عينًا مَنْ رأى مِثْلَ مِقْيَسٍ
هل تعيذ الكعبة عاصيًا؟
فصل: وذكر قِصَّة ابن خَطَلِ، واسمه: عبدُ الله، وقد قيل في اسمه: هِلال، وقد قيل:
هلال كان أخاه، وكان يقال لهما: الخَطَلاَن، وهما من بني تَيْم بن غَالِبٍ بنِ فِهْرِ، وأن
النبيّ وَّر أمر بقتله، فقُتِل وهو متعلق بأستار الكعبة، ففي هذا أن الكعبةَ لا تُعيذ عاصيًا، ولا
تَمْنَع من إقامة حَدِّ واجب، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دخله كان آمنًا﴾ إنما معناه الخبر
عن تعظِيم حُرْمَةَ الحَرَم في الجاهليّة نعمة منه على أهل مكّة، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ
الكَعْبَةَ البيتَ الحَرَامَ قِيامًا للنّاس﴾ إلى آخر الآية، [المائدة: ٩٧] فكان في ذلك قِوَامٌ للناس،
ومصلحةٌ لذريّة إسماعيلَ - رَّهِ - وهم قُطَّانُ الحرَم، وإجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام حيث
يقول: اجْعَلْ أفْئِدَةً من الناسِ تَهْوِي إليهم، وعندما قَتَل النبيُّ وََّ ابنَ خَطَلٍ قال: ((لا يقتل
قُرَشِيٍّ صَبْرًا بعد هذا))(١)، كذلك قال يونس في روايته.
(١) أخرجه مسلم في الجهاد (٨٨) وأحمد (٤١٢/٣) والدارمي (١٩٨/٢) والطبراني (١٨٨/٧) وابن
عساكر في تهذيبه (٦/ ٦٣).
١٦٨

وأما قينتا بن خَطَل فقُتلت إحداهما، وهربت الأخرى، حتى استُؤمن لها رسولُ
اللهِ وَّ بعد، فأمَّنها. وأما سارَة فاستُؤمن لها فأمَّنها، ثم بقيت حتى أوطأها رجلٌ من
الناس فرسًا في زمن عمر بن الخطّاب بالأبطح فقتلها. وأما الحُوَيرث بن نُقَيذ فقتله
عليّ بن أبي طالب.
أُم هانیء تؤمن رجلین
قال ابن إسحاق: وحدّثني سعيد بن أبي هِنْد، عن أبي مُرّة، مولى عَقيل بن أبي
طالب، أن أُمّ هانىء بنت أبي طالب قالت: لما نزل رسولُ اللهِ وَّر بأعلى مكّة، فرّ إليَّ
رجلان من أحمائي، من بني مخزوم، وكانت عند هُبَيرة بن أبي وَهْب المخزومي،
قالت: فدخل عليَّ عليّ بن أبي طالب أخي، فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما بابَ
بيتي، ثم جئتُ رسولَ الله وَّه وهو بأعلى مكّة، فوجدته يغتسل من جَفْنةٍ إنَّ فيها لأثر
العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشّح به، ثم صلّى ثماني
ركعات من الضحى ثم انصرف إليّ، فقال: ((مرحبًا وأهلاً يا أَمّ هانىء، ما جاء بك؟))
فأخبرته خبرَ الرجلين وخبر عليّ، فقال: ((قد أجرنا من أجرتِ، وأمَّنا من أمَّنت، فلا
يقتلهما)).
صلاة الفتح:
فصل: وذكر صَلاَةَ النبيّ ◌َّهَ في بيت أُمْ هانىءٍ، وهي صَلاَةُ الفَتْح، تُعْرَف بذلك عند
أهل العلم، وكان الأَمَرَاءُ يصلّونها إذا افتتحوا بلدًا. قال الطبري: صَلَّى سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ،
حين افتتح المدائن، ودخَلَ إيوان كسرى، قال: فصَلَّى فيه صَلاَةَ الفَتح، قال: وهي ثماني
رَكَعاتٍ لا يُفْصَلِ بَيْنَها، ولا تُصَلَّى بإمام، فبين الطبري سُنَّةَ هذهِ الصلاةِ وصِفَتَها، ومِن سُنَّتِها
أيضًا أن لا يُجُهَر فيها بالقراءة، والأصل ما تقدّم من صلاة النبيّ - وَّر - في حديث أُمّ هانىء
وذلك ضحی(١).
أُم هانىء
وأُم هانىء اسمها: هِنْدُ تكنى بابنها هانِىءٍ بن هُبَيْرَةَ، ولها ابنٌّ من هُبَيْرَةَ اسمُه يوسُف،
وثالث وهو الأكبر اسمه: جَعْدَةَ، وقيل: إِيَّه عَنَتْ في حديث مالِكِ، زعم ابن أُمي على أنه
قاتل رجلاً أَجَرْته فلان بن هُبَيْرَة، وقد قيل في اسم أُمّ هانِىءٍ: فاخِتَة.
(١) انظر البخاري (١٩٥/٦) ومسلم في المسافرين (٨٢) ومالك (١٥٢/١).
١٦٩

قال ابن هشام: هما الحارث بن هشام، وزُهيرُ بن أبي أُميَّة بن المُغيرة.
طواف الرسول بالكعبة :
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزّبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن
أبي ثَوْر، عن صَفِيَّة بنت شَيْبة، أن رسولَ اللهِ وَ ل ◌َ لما نزل مكّة، واطمأنّ الناس، خرج
حتى جاء البيتَ، فطاف به سبعًا على راحلته، يستلم الركن بمِخْجَن في يده، فلما قضى
طوافه، دعا عثمانَ بن طلحة، فأخذ منه مِفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها
حَمامة من عِيدانٍ، فكَسَرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد اسْتَكَفَّ له
الناس في المسجد.
عبد الله بن سعد:
فصل: وذكر عبدَ الله بن سَعْدٍ بن أَبِي سَرْح أحد بني عامر بن لُؤَيٍّ يُكنى أبا يحيى،
وكان كاتبَ النبيّ - ◌َّ - ثم ارتدّ ولحق بمكّة، ثم أسلم وحسن إسلامُه، وعُرف فضلُه
وجهادُه، وكان على مَيْمَنَة عمرو بن العاصي حين افتتح مصر، وهو الذي افتتح إفْرِيقِيَّة سنة
سَبْع وعِشْرين، وغزا الأساوِدَ من النُّوبَةِ، ثم هادنهم الهُدْنَةَ الباقية إلى اليوم، فلما خالف
محمدُ بن أبي حُذَيْفة على عُثمان - رضي الله عنه - اعتزل الفِتْنَةَ، ودعا الله عزّ وجلّ أن
يقبضَه، ويجعل وفاتَه بأثرِ صلاةِ الصبح، فصلّى بالنّاس الصبحَ، وكان يسلم تسليمتين عن
يمينهِ، وعن شِماله، فلما سَلَّم التسليمةَ الأولَى عن يمينه، وذهب ليسلُم الأخرى، قُبِضت
نفسُه، وكانت وفاته بعُسْفَان، وهو الذي يقول في حِصَار عثمان:
وأَنْصَارُنا بالمَكَّتَيْن قليلٌ
أرى الأمر لا يَزْدَادُ إلاَّ تفَاقُما
إلى أهلٍ مِصر والذّليلُ ذَلِيلٌ
وأسلمنا أهلُ المدينة والهوى
نميلة :
وأما نُمَيْلَة بن عبدِ الله الذي ذكره ابن إسحق فهو ليثي أحد بَنِي كعب بن عامر بن
لَیْث، صَحِب رسولَ الله ێے، وشهد کثیرًا من مشاهده وغزواته.
عن ابن نقيذ والقينتين:
وأما الحُوَيْرِثُ بن نُقَيْذِ الذي أَمَر بقتله مع ابن خَطَلٍ، فهو الذي نَخَسٍ بِزَيْئَبَ بنتٍ
رسول الله وَّ﴿ حين أدركها، هو وهَبَّارُ بن الأسود، فسقطت عن دَابَتِها، وألقت جَنِينَها.
وأما القَيْنَتَان اللَّتان أمر بقتلهما، وهما سَارَّة وفَرْتَنَى فأسلمت فَرْتَنَى، وآمنت سَارَّةٌ
وعائشة إلى زمن عمر رحمه الله، ثم وَِئها فَرَسٌ، فقتلها.
١٧٠

خطبته على باب الكعبة
قال ابن إسحاق: فحدّثني بعض أهل العلم أن رسولَ الله وَله قام على باب الكعبة،
فقال: ((لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب
وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يُدَّعى فهو تحت قَدَمَيَّ هاتين إلاَّ سَدَانة البيت وسِقايةً
الحاج، ألا وقتيلُ الخطأ شبهِ العمْد بالسَّوْط والعصا، ففيه الديّةُ مُغَلَّظَة، مائة من الإبل،
أربعون منها في بطُونها أولادها. يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نَخْوَةَ الجاهلية،
وتعظُّمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية: ﴿يا أيُّها النَّاسُ إِنَّا
خَلَقْناكم مِنْ ذَكَرٍ وأَنْثَى وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾))
[الحجرات: ١٣]. الآية كلها. ثم قال: ((يا معشر قريش، ما تُرَون أني فاعل فيكم؟))
قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم. قال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).
إقرار الرسول عثمان بن طلحة على السدانة:
ثم جلس رسُول الله وَّر في المسجد، فقام إليه عليّ بن أبي طالب ومفتاح الكعبة
في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحِجَابَةَ مع السِّقاية صلّى الله عليك؛ فقال رسولُ
عن الديّات في خطبة الرسول وَلِيمٍ(١)
فصل: وذكر خطبَةَ النبيِّ - وَ لَـــ وفيها ذِكرُ الدِّيَّاتِ، وذكر قتيل الخطأ، وذكر شِبْهِ
العَمْد وتغليط الدِيَّة فيه، وهي أن يُقْتَل القتيلُ بسَوْطٍ أو عصا، فيموت، وهو مذهب أهل
العراق: أنّ لاَ قَوَد في شِبْه العَمْدِ، والمشهور عن الشافعي أن فيه الدِّيَّةَ مُغَلَّظَةً أثلاثًا، وليس
عند فقهاءِ الحجَازِ إلاّ قَوَدّ في عَمْدٍ في خَطٍ تؤخذٍ أَخْمَاسًا على ما فَسَّر الفقهاءُ. وهو قول
الليث، وكذلك قال أهلُ العِراق إن القَوَد لا يكون إلاّ بالسيف، واحتجْوا بأثَرِ يُروى عن ابن
مَسْعُودٍ مرفوعًا أن لا قَوَدَ إلاَّ بحَدِيدَةٍ، وعن عَلِيٍّ مَرْفُوعًا أيضًا: لا قَوَدَ إلاَّ بالسيف، ومن
طريق أبي هُرَيْرَة لا قَوَد إلاَّ بحديدةٍ، وهو يدور على أبي مُعَاذ سُلَيمَان بن أَرْقَمَ، وهو
ضعيف بإجماع، وكذلك حديث ابن مَسْعود يدور على المُعَلَّى بن هِلال، وهو ضعيفٌ
مَتُروكُ الحديثِ، وكذلك حديث عَلِيٍّ لا تقوم بإسناده حُجَّةٌ، وحجّة الآخرين في أن القاتل
يُقْتَل بما قُتِل به قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اغْتَدَى عليكُمْ فَاغْتَدُوا عليهِ بمثل ما اغْتَدى عَلَيْكُمْ﴾
[البقرة: ١٩٤]، وحديثُ اليهوديّ الذي رَضَخَ رأسَ الجارية على أَوْضَاحِ لها، فأمر النبيّ ◌َُّ
أن يُرْضَخ رأسُه بین حَجَرین.
(١) أخرجه أبو داود (٤٥٤٧) وابن ماجة (٢٦٢٧) وأحمد (٦٥٣٣).
١٧١

اللهِ وَلَهُ: ((أين عثمان بن طَلحة؟)) فدُعِي له، فقال: ((هاكَ مِفتاحَك يا عثمان، اليومُ يومُ بِرٌ
ووفاء)) .
قال ابن هشام: وذكر سُفيان بن عُيَيْنَة أن رسول الله وَله قال لعليّ: ((إنما أُعطيكم
ما تُرْزَؤُون لا ما تَرْزَؤون)).
طمس الصور التي بالبيت:
قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العلم، أن رسول الله وَّ ر دخل البيت يوم
الفتح، فرأى فيه صُوَرَ الملائكةِ وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مُصَوَّرًا في يده
الأزلامُ يَسْتَقْسِم بها، فقال: ((قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم
والأزلام! ﴿ما كانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ
المُشرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] ثم أمر بتلك الصُّوَر كلها فطُمِسَت.
دخول الكعبة والصّلاة فيها
قال ابن هشام: وحدّثني أن رسول الله وَ ر دخل الكعبة ومعه بلال، ثم خرج
رسولُ اللهِ وَلَه وتخلَّف بلال، فدخل عبد الله بن عمر على بلال، فسأله: أين صلّى
رسولُ الله ◌َّ﴾؟ ولم يسأله كم صلّى، فكان ابن عمر إذا دخل البيت مشى قِبَل وجهه،
وجعلَ الباب قِبَل ظهره، حتى يكون بينه وبين الجدار قَدْر ثلاث أذرع، ثم يصلّ يتوخّى
بذلك الموضع الذي قال له بلال.
الصلاة في الكعبة
وأما دخوله عليه السلام الكعبةَ وصلاته فيها، فحديث بلالٍ أنه صلّى فيها، وحديثُ ابن
عباس أنه لم يُصَلّ فيها، وأخذ الناسُ بحديث بلال، لأنه أثبت الصلاةَ وابن عباس نفى،
وإنما يؤخذ بشهادة المثبت، لا بشهادة النافي، ومن تأوَّلَ قول بلالٍ أنه صلَّى، أي: دعا،
فليس بشيء، لأن في حديث عمر أنه صلّى فيها ركعتين، ولكن رواية ابن عباس وروايةَ بلال
صحيحتان، لأنه عليه السلام دخلها يوم النَّخْر فلم يصَلِّ، ودخلها من الغد فصلّى، وذلك في
حجّة الوداع، وهو حديث مروي عن ابن عمر بإسناد حَسَن، خرّجه الدارقطني(١)، وهو من
فوائده .
(١) أخرجه الدار قطني.
١٧٢

إسلام عتاب والحارث بن هشام
قال ابن هشام: وحدّثني أن رسول الله وَ لّر، دخل الكعبة عام الفَتح ومعه بلال،
فأمره أن يُؤَذِّن، وأبو سفيان بن حَرب وعَتَّاب بن أَسِيد والحارث بن هشام جلوس بفناء
الكعبة، فقال: عَتَّبُ بن أسِيدٍ: لقد أكرم الله أَسِيدًا ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما
يغيظه. فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه مُحِقٌّ لاتَّبعته، فقال أبو سُفيان: لا
أقول شيئًا: لو تكلَّمت لأخبرَتْ عني هذه الحصَى، فخرج عليهم النبيّ وَّرَ، فقال: ((قد
علمتُ الذي قُلتم))، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارثُ وعَتَّاب: نَشْهد أنَّك رسولُ الله،
والله ما اطَلَع على هذا أحَدْ كانَ معَنا، فنقُول: أخْبرك.
خراش وابن الأثوع:
قال ابن إسحاق: حدّثني سعيد بن أبي سَنْدَرَ الأسلمي، عن رجل من قومه. قال: كان
معنا رجل يقال له: أحمر بأسًا، وكان رجلاً شجاعًا، وكان إذا نام غَطَّ غطيطًا مُنكرًا لا يخفى
مكانه، فكان إذا بات في حيّه بات مُعْتَنِزًا، فإذا بُيِّت الحيُّ صرخوا يا أحمر، فيثور مثل
الأسد، لا يقوم لسبيله شيء. فأقبل غَزِيٍّ من هِذَيل يريدون حاضره، حتى إذا دنوا من
الحاضر، قال ابنُ الأَنْوَع الهُذَلي: لا تعجلوا عليَّ حتى أنظر، فإن كان في الحاضر أحمر
فلا سَبيل إليهم، فإن له غطيطًا لا يخفى، قال: فاستمع، فلما سمع غطيطه مشى إليه
عن إسلام أبي سُفيان وصاحبيه
فصل: وذكر كَسْرَ الأصنام، وطَمْسَ الثَّماثيلِ، ومقالةَ الحارثِ بنِ هِشَامٍ حين اجتمع
هو وأبو سُفيان، وعَتَّاب بن أَسِيد، فتكلّموا فأخبرهم النبيُّ وَلَّ، كما أخبره جبريلُ عليه
السلام بالذي قالوه، فصحّ بذلك يقينهُم وحَسُن إسلامهم، وفي الترمذي عن عبد الله بن عمر
قال: لعن النبيّ وَّ الحارثَ وأبا سُفيان بن حَرْبٍ وصَفْوَان بن أُميَّةَ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْس
لك من الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عليهم﴾ الآية [آل عمران: ١٢٨] قال: فتابوا بعدُ، وحَسُن
إسلامُهم (١)، وروينا بإسنادٍ مُتَّصِلٍ عن عَبْدِ الله بن أبي بكر، قال: خرج النبيُّ - وَالرِ - على
أبي سُفْيَانَ، وهو في المسجد، فلما نظر إليه أبو سفيان قال في نفسه: ليت شِعْرِي بأيّ شيءٍ
غلبتني، فأقبل النبيّ وَله، حتى ضرب بيده بين كتفيه، وقال: ((بالله غلبتك يا أبا سفيان))،
فقال أبو سُفيان: أشهد أنك رسول الله. مِنْ مُسْنَد الحارثِ بن أبي أُسَامَةَ، ورَوى الزّبَيْرُ
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٠٤).
١٧٣

حتى وضع السيفَ في صَذْره، ثم تحامل عليه حتى قتله، ثم أغاروا على الحاضر،
فصَرخوا يا أحمر ولا أحمر لهم، فلما كان عام الفتح، وكان الغدُ من يوم الفتح، أتى ابنُ
الأَثْوَع الهُذلي حتى دخل مكّة ينظر ويسأل عن أمر الناس، وهو على شِرْكه، فرأتْه
خُزاعة، فعَرَفوه، فأحاطوا به وهو إلى جنب جدار من جُدُر مكّة، يقولون: أأنت قاتل
أحمر؟ قال: نعم، أنا قاتل أحمر فَمَّه؟ قال: إذْ أقبلَ خِرَاشُ بن أُميَّة مُشتملاً على
السَّيف، فقال: هكذا عن الرجُل، ووالله ما نظن إلاّ أنه يريد أن يُفْرِجَ الناسُ عنه. فلما
انفَرَجْنا عنه حَمَلَ عليه، فَطَعنه بالسيف في بطنه، فوالله لَكَأَنِّي أنظر إليه وحِشْوَتَهِ تَسيل من
بطنه، وإن عينيه لَتُرَنِّقَانٍ في رأسه، وهو يقول: أقد فعلتموها يا مَعْشَرَ خُزاعة؟ حتى
انْجَعَفَ فوقع. فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((يا معشر خُزَاعَةَ، ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد كثر
القتل إن نفع، لقد قتلتم قتيلاً لأَدِيَنَّه)).
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الرحمن بن حَزملة الأسْلمي، عن سعيد بن
المسيّب، قال: لما بلغ رسولَ اللهِ وَ لَّ ما صنع خِراش بن أُميَّة، قال: إن خِراشًا لقَتَّال،
يعيبه بذلك.
بإسناد يرفعه إلى من سمع النبيَّ وَ لِّ يمازح أبا سفيان في بيت أُم حَبِيبة وأبو سفيان يقول له:
تركْتُكَ، فتركتك العربُ، ولم تَنْتَطخ بعدها جمَّاءُ ولا قَرْنَاءُ، والنبيّ بَّ يضحك، ويقول:
((أنت تقول هذا يا أبا حَنْظلَةَ)). وقال مجاهد في قوله جلّ وعزّ: ﴿عَسَى اللَّهُ أن يجْعَلَ بينكم
وبين الذين عَادَيْتُمْ منهم مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] قال هي معاهدة النبيّ وََّ لأبي سُفْيَانَ. وقال
أهلُ التفسير: رأى النبيّ وَّرَ في المنام أَسِيد بن أبي العِيصِ واليًا على مكّة مسلمًا، فمات
على الكُفْرٍ، فكانت الرؤيا لولده عَثَّابٍ حين أَسْلم، فولاه رسولُ اللهِ وَّر مكّة، وهو ابن
إحدى وعشرين سنة، ورزقه كل يوم دِرْهَمًا، فقال: ((أيّها النّاس أجاعَ الله كَبِدَ مَنْ جاع على
دِزْهَم))، الحديث، وقال عند موته: والله ما اكتسبْتُ في ولايتي كلِّها إلاّ قميصًا مُعَقَّدًا كَسَوْتُه
غلامَي كَيْسَان، وكان قد قال قبل أن يُسْلِم وسمع بلالاً يُؤَذِّن على الكعبة، لقد أكرم الله
أُسِيدًا، يعني: أباه أن لا يكونَ سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه، وكانت تحت عَتَّابِ جُوَيْرِيَةُ
بنتُ أبي جَهْلٍ بن هِشَامِ، وهي التي خَطَبها عَلِيٍّ عَلَى فاطِمَةَ، فَشَقَّ ذلك على فَاطِمَةً، فقال
النبيّ وَّ: ((لا آذن ثم لا آذن، إن فاطِمَةَ بَضْعَةٌ مني)) (١)، الحديث، فقال عَنَّابٌ: أنا أُرِيحُكم
منها فتزوّجها، فولدت له عبدَ الرَّحمن المقتول يوم الجمل، يُروى أن عُقَابًا طارت بكَفْه يوم
قُتِل، وفي الكَفِّ خَاتمُه، فطرحتها باليَمَامَةِ في ذلك اليوم، فعُرِفَتْ بالخاتم.
(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (٩٦) وأحمد (٣٢٦/٤) وابن ماجة (١٩٩٩).
١٧٤

بین أبي شریح وابن سعد:
قال ابن إسحاق: وحدّثني سعيد بن أبي سعيد المَقَبُريُّ، عن أبي شُرَيح الخُزاعي،
قال: لما قدِم عَمْرو بن الزبير مكّة لقتال أخيه عبد الله بن الزَّبير، چِئته، فقلت له: يا
هذا، إنا كنا مع رسول الله وَلَّ، حين افتتح مكّة، فلما كان الغد من يوم الفتح عَدَت
خُزاعة على رجل من هُذَيل فقتلوه وهو مُشرك، فقام رسولُ اللهِ وََّ فينا خطيبًا، فقال:
(يا أيها الناس، إنّ الله حرَّم مكّة يوم خلَق السَّموات والأرض، فهي حرام من حرام إلى
يوم القيامة، فلا يحِلُّ لامرىء يُؤْمِن بالله واليوم الآخر، أنْ يَسْفِك فيها دَمًا ولا يَعْضِدَ فيها
شجرًا، لم تُحلَلْ لأحد كان قبلي، ولا تَحِلّ لأحد يكون بعدي، ولم تُحلَلْ لي إلاّ هذه
الساعة، غضبًا على أهلها ألاَ: ثم قد رَجَعَتْ كحُرمتها بالأمس، فَلْيُبَلِّغِ الشّاهدُ منكم
الغائب، فمن قال لكم: أن رسول الله قاتل فيها، فقولوا: إن الله قد أحلّها لرسوله، ولم
يُخْلِلْها لكم، يا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارفعوا أيديكم عن القتل، فلقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم
قتيلاً لأَدينَّهُ، فمن قُتِل بعد مَقَامي هذا فأهله بخير النَّظَرَين: إن شاءوا قدَمُ قاتله وإن شاءوا
فَعَقْلُهُ)). ثم وَدَى رسولُ اللهِ وَّر ذلك الرجل الذي قتلته خُزاعة، فقال عمرو لأبي شُريح:
انصرف أيها الشيخ، فنحن أعلم بحُزْمتها منك، إنها لا تمنع سافكَ دم، ولا خالِعَ طاعة،
ولا مانع جِزْية، فقال أبو شُريح: إني كنتُ شاهدًا وكنتَ غائبًا، ولقد أمَرَنا رسولُ الله ◌َّه
أن يُبَلِّغ شاهدُنا غائبَنا، وقد أبلغتُكَ، فأنت وشأنك.
أوّل من ودی يوم الفتح:
قال ابن هشام: وبلغني أن أوّل قتيل وَدَاه رسولُ اللهِ وَلَه يوم الفتح جُنَيْدب بن
الأكوع، قتلته بنو كعب، فوَدَاهُ بمائة ناقة.
الحنفاء بنت أبي جهل :
وكانت لأبي جَهْلٍ بنتٌ أُخرى، يقال لها: الحَتْفَاء كانت تحت سُهَيْل بن عَمْرٍو، يقال:
إنها ولدت له ابنه أَنَسّاً الذي كان يضعف(١)، وفيه جَرَى المثلُ: أساء سَمْعًا فأساء إجَابَةً
ويقال: إنه نظر يومًا إلى رَجُلِ على ناقةٍ يتبعها خَرُوفٌ فقال: يا أَبَتِ أَذَاكَ الخَرُوفُ من تلك
الناقة؟ فقال أبوه: صدقت هِنَّدُ بنتُ عُثْبَةَ، وكانت حين خطبها قالت: إن جاءت منه حليلتُه
بولد أَحْمَقَتْ، وإن أَنْجَبَتْ فعَنْ خَطأٍ ما أنْجَبَتْ، وقد قيل في بنت أبي جَهْل: الحَنْفَاء: إن
اسمَها صَفِيَّةُ فالله أعلم.
(١) أي قليل الذكاء والفطنة.
١٧٥

الأنصار يتخوّفون من بقاء النبيّ وَّر في مكّة:
قال ابن هشام: وبلغني عن يحيى بن سعيد: أن النبيّ وَلّ حين افتتح مكّة
ودخلها، قام على الصفا يدعو الله، وقد أحدقت به الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أتُرَون
رسولَ الله وَ لهر، إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: ((ماذا
قلتم؟)) قالوا: لا شيء يا رسول الله، فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال النبيّ وَّو: ((مَعاذ
الله المَخيا محياكم، والممات مماتکم)).
كسر الأصنام:
قال ابن هشام: وحدّثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له، عن ابن شهاب
الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس، قال: دخل رسول الله وَل#ر مكّة يوم
الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبيّ وَل
يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان
زهوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلاّ وقع لقفاه، ولا أشار إلى
قفاه إلاّ وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلاّ وقع؛ فقال تميم بن أسد الخزاعي في
ذلك:
وفى الاصنام معتبر وعلم
لمن يرجو الثواب أو العقابا
إسلام الحارث بن هشام:
وقال الحارثُ بن هِشَام، وقد قيل له: ألا تَرَى ما يَصْنَعُ مُحَمَّدٌ من كَسْرِ الآلهة، ونداء
هذا العبد الأسود على الكعبةً فقال: إن كان الله يكره هذا، فسيغيِّره، ثم حَسُن إسلامُه رضي
الله عنه بعد، وهاجر إلى الشام، فلم يزل جَاهِدًا مُجَاهِدًا، حتى استشهد هنالك رحمه الله.
إسلام بنت أبي جهل :
وأما بنتُ أبي جهل، فقالت حين سمعت الأذان على الكعبة، فلما قال المؤذنُ: أشهد
أن مُحَمَّدًا رسولُ الله، قالت: عَمْرِي لقد أكرمك الله ورفع ذِكْرَكَ، فلما سمعت: حَيَّ على
الصّلاة، قالت: أمَّ الصَّلاةُ فَسَنُؤَدِّيها، ولكن والله ما تحبّ قلوبُنا مَنْ قَتَلَ الأحبَّةَ، ثم قالت:
إن هذا الأمر لَحَقٌّ، وقد كان الملَكَ جاء به أبي، ولكن كَرِهِ مُخَالَفَة قومِه ودينَ آبائه.
وأما أبو مَخْذُورَةَ الجُمَحِيّ، واسمه: سَلَمَةُ بن مِغْيَر، وقيل: سَمُرةُ، فإنه لما سَمِع
الأَذَانَ، وهو مع فِتْيَةٍ من قُرَيْشٍ خارج مكّة أقبلوا يستهزؤون، ويحكون صوت المؤذن غَيْظًا،
فكان أبو مَخْذُورَةَ من أحسنهم صوتًا، فرفع صوته مُسْتهزئًا بالأذان، فسمعه النبيّ وََّ، فأمر
١٧٦
٩

قضّة إسلام فضالة:
قال ابن هشام: وحدثني أن فضالة بن عمير بن الملوّح الليثي أراد قتل النبيّ وَّل
وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله وَ لجر: ((أفضالة؟)) قال: نعم
فضالة يا رسول الله؛ قال: ((ما كانت تحدّث به نفسك؟)) قال: لا شيء، كنت أذكر الله،
به فمثل بين يديه، وهو يظنّ أنه مقتول، فمسح النبيُّ وَّ ناصيتَه وصدره بيده، قال: فامتلأ
قلبي والله إيمانًا ويقينًا وعلمت أنه رسولُ الله، فألقى عليه النبيُّ - وَ لَ - الأذانَ، وعلَّمه إيَّه،
وأمره أن يؤذِّن لأهل مكّة، وهو ابن سِتَّ عَشرَةَ سنةً، فكان مُؤذنُهم حتى مات ثم عَقِبُه بعده
يتوارثون الأذان كابرًا عن كابر، وفي أبي مَخْذُورة يقول الشاعر:
وما تلا مُحَمَّدٌ مِنْ سُورة
أَمَا وَرَبِّ الكَعْبَةِ المَسْتُورة
لأَفْعَلَنَّ فعلة مَذْكُورَة
والنَّغَمَاتِ من أبي مَخْذُورَة
هند بنت عتبة :
وأمَّا هِندُ بنت عُتْبَةَ امرأةٌ أبي سُفْيَانَ، فإن مِنْ حَدِيثها يوم الفتح أنها بايعت النبيَّ ◌َِّ،
وهو على الصفا، وعُمَرُ دونه بأعلى العقبة، فجاءت في نِسْوَةٍ من قريش يُبَايِعْنَ على الإسلام،
وعُمَّرُ يكلّمهن عن رسولِ اللهِ وََّ، فلما أَخذ عليهن أَنْ لاَ يُشْرِكْنَ بالله شيئًا قالت هند: قد
علمت أنه لو كان مع الله غيرُه لأغنَى عنًّا، فلما قال: ولا يَسْرِقن قالت: وهل تَسْرِق الحُرَّةُ،
لكن يا رسولَ الله أبو سُفْيان رجُلٌ مَسِيكٌ ربما أخذتُ من ماله بغير علمه ما يُصْلِح ولده،
فقال النبيّ ◌َ﴿: ((خذي ما يكفيكِ وولدكِ بالمعروف))، ثم قال: ((إنكِ لأَنْتِ هند؟)) قالت:
نعم يا رسول الله اغْفُ عنّي، عفا الله عنك، وكان أبو سُفيان حاضرًا، فقال: ((أنتِ في حِلّ
مما أخذتِ))، فلما قال: ((ولا يَزْنِينَ))، قالت: وهل تَزْني الحُرَّةُ يا رسولَ الله، فلما قال:
(ولا يَعْصينَك في معروف)»، قالت: بأبي أنتَ وأُمِّي ما أكرمَك، وأحسنَ ما دَعَوْت إليه، فلما
سمعت: ((ولا يقتلن أولادهن))، قالت: والله قد رَبَّيْناهُمْ صِغارًا، حتى قتلتَهم أنتَ وأصحابك
ببدر كبارًا، قال: فضحك عُمَرُ من قولها حتى مال(١).
عمرو بن سعيد لا عمرو بن الزبير:
فصل: وذكر حديثَ أبي شُرَيْحِ الخُزَاعي، واسمه: خُوَيْلِدُ بن عَمْرو، وقيل: عَمْرو بن
خُوَيْلد، وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانىء بن عَمْرو، قال: لما قَدم عَمْرُو بن الزُّبَيْر
(١) أخرجه البخاري (٧/ ٨٥) ومسلم في الأقضية (٧) وابن ماجة (٢٢٩٣) وأحمد (٣٩/٦).
الروض الأنف/ ج ٤/ م ١٢
١٧٧

قال: فضحك النبيّ وَّر، ثم قال: ((استغفر الله))، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه؛
فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما مَنَّ خلق الله شيءٌ أحبّ إلي
منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدّث إليها، فقالت: هَلُمَّ إلى
الحديث، فقلت: لا. وانبعث فَضالة يقول:
يَأْبَى عَلَيْك الله والإسلامُ
قالت هَلمَّ إلى الحديث فقلت لا
بالفتح يومَ تَكسِّزْ الأصنام
لَوْ ما رأيتٍ محمَّدًا وقَبِيلَه
والشّرْكُ يغشَى وجهَه الإظلامُ
لرأيتٍ دينَ أضْحَى بَيَّنًا
مكّة لقتال أخيه عبدِ الله بن الزبير بمكّة، هذا وَهُم من ابن هشام، وصوابه: عَمْرُو بن
سعيد بن العاصي بن أُمَيَّة، وهو الأشْدَقُ، ويكنى أبا أُمَيَّة، وهو الذي كان يُسمّى لَطِيمَ
الشيطان، وكان جَبَّارًا شديد البأس، حتى خافه عبدُ الملك على مكّة، فقتله بحيلةٍ في خبر
طويل، ورأى رجل عند موته في المنام قائلاً يقول:
وللعاجزِ المَوْهُونِ والرَّأيِ ذِي الأَفْنِ
أَلَاَ يا لَقَومِي للسَّفَاهَةِ والوَهْنِ
على قَدَمَيْه خَرَّ للوجْهِ والبَطنِ
ولابنِ سَعِيدٍ بَيْئَما هو قَائِمٌ
إليه، فزارته المَنِيَّةُ في الحِصْنِ
رأى الحِصْنَ مَنْجَاةً من الموت فالتجا
فقصَّ رؤياه على عبد الملك، فأمره أن يكتُمَها، حتى كان مِنْ قَتْله ما كان، وهو الذي
خَطَبَ بالمدينة على مِنْبَرِ رسول اللهِ وَ ﴿ فَرَعَف حتى سال الدمُ إلى أسفلِه فعُرِف بذلك معنى
حديثه عليه السلام الذي يُروى عنه: ((كأني بجَبَّارِ من بنِي أُمَيَّةَ يَزْعفُ على مَنْبَري هذا حتى
يسيلَ الدم إلى أسفله))(١)، أو كما قال ◌َّرَ، فعُرِف الحديثُ فيه، فالصوابُ إذَا عَمْرو بن
سَعِيدٍ لا عَمْرو بن الزبير، وكذلك رواه يونسُ بن بكير عن ابن إسحق، وهكذا وقع في
الصَّحِيحينْ. ذكر هذا التنبيه على ابن هشام أبو عُمَر - رحمه الله - في كتاب الأجوبة عن
المسائل المُسْتَغْرَبة، وهي مسائل من كتاب الجامع للبخاري تكلّم عليها في ذلك الكتاب،
وإنما دخل الوهمُ على ابن هشام أو على البَكْائِي في روايته من أجل أن عَمْرو بن الزَّبَيْرِ،
كان معاديًا لأخيه عبدِ الله ومُعِينًا لبني أُمَيَّة عليه في تلك الفتنة، والله أعلم.
أُم حكيم بنت الحارث:
فصل: وذكر أُمَّ حَكِيم بنت الحارث، وكانت تحت عِكْرَمة بن أبي جهل، وأنها اتبعته
(١) لا أصل له كما يبدو عليه واضحًا جليًّا.
١٧٨

أمان الرسول لصفوان بن أُميّة:
قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن جعفر، عن عروة بن الزّبير، قال: خرج
صفوان بن أمية يريد جُدَّة ليركب منها إلى اليمن، فقال عُمَير بن وَهَب يا نبيّ الله إن
صفوان بن أُميَّة سيِّدُ قومه، وقد خرج هاربًا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمِّنْه، صلّى الله
عليكَ؛ قال: ((هو آمن))؛ قال: يا رسول الله، فأعطني آية يعرف بها أمانك؛ فأعطاه
حين فَرَّ من الإسلام، فاسْتَأْمَنَتْ له رسول الله وَّرَ، واسْتَشْهد ◌ِكْرِمَةُ بالشام، فخطبها يزيدُ بن
أبي سُفْيَانَ. وخالدُ بن سعيد، فخطبت إلى خالد، فتزوّجها، فلما أراد البناءَ بها، وجموعُ
الزّومِ قد احتشدت، قالت له: لو أَمْهَلْتَ حتى يَفْضَّ الله جَمْعَهم، قال: إن نفسي تحدّثني
أني أصاب في جُموعهم، فقالت: دونك، فابْتَنى بها، فلما أصبح التقت الجموعُ وأخذت
السيوفُ من كُلِّ فَرِيقِ مأخذَها فَقُتِل خالد، وقاتلت يومئذ أُمُّ حَكِيم، وإن عليها للرَّذْعِ
الخَلُوق (١)، وقتلت سبعة من الرّوم بعمود الفُسْطَاطِ بقَنْطَرَة تسمى إلى اليوم بقنطرة أُمّ حَكِيمٌ
وذلك في غزوة أجْنَادَيْنِ.
دم ربيعة بن الحارث:
وذكر في خُطْبَة النبيّ وَِّ: ((ألا كُلُّ مَأْثُرَة أو دَم أو مَالٍ يُدعى، فهو تحت قدميَّ
هاتين))(٢)، وفي بعض روايات الحديثِ: وأوّلُ دم أضعهَ دمُ رَبِيعةً بن الحارثِ. كان لربيعةً
ابنّ قُتِل في الجاهلية اسمُه آدمُ، وقيل: تَمَّام، وهوّ ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب، مات
في خلافة عُمر رضي الله عنه سنة ثلاث وعشرين.
حول التخيير بين القصاص وبين الديّة:
فصل: وذكر في حديث ابن شُرَيْح قوله عليه السلام: ((فمن قُتِل بعد مَقَّامي هذا، فَأَهْلُه
بخير التَّظَرَيْن. إن شاءوا فَدَمُ قاتله، وإن شاءوا فَعَقْلُه))(٣)، وهو حديث صحيح، وإن اختلفت
فيه ألفاظُ الرُّوَاةِ وظاهره على هذه الرواية أنَّ وَليَّ الدَّم، هو المخيَّر إن شاء أخَذَ الديّة، وهو
العَقل، وإن شاء قتل، وقد اختلف الفقهاءُ في فصلٍ من هذه المسألة، وهو أن يختار وليَّ
المقتول أخذ الديّة، ويأبى القاتل إلاّ أن يُقْتَصَّ منه، فقالت طائفة بظاهر الحديث: ولا اختيار
للقاتل، وقالت طائفةٌ: يقتل القاتل، ولا يُجْبَر على إعطاء المال، وتأوّلوا الحديث، وهي
(١) الخلوق: الطيّب.
(٢) أخرجه مسلم في الحج (١٤٧).
(٣) أخرجه البخاري (١٦٥/٣) ومسلم في الحجّ (٤٤٥/٤٤٧) والترمذي (١٤٠٥) والنسائي (٣٨/٨)
وأبو داود (٤٥٠٥ - بتحقيقي) وابن ماجة (٢٦٢٤) والشافعي في مسنده (٢٤٣).
١٧٩

رسولُ اللهِ وَّ عِمامَته التي دخل فيها مكّة، فخرج بها عُمير حتى أدركه، وهو يريد أن
يركب في البحر، فقال: يا صفوان فِداك أبي وأمي، الله الله في نفسك أن تهلكها، فهذا
أمانٌ من رسول الله ◌ِ ◌ّه قد جئتك به؛ قال: ويحك! اغْرُب عني فلا تكلّمني؛ قال: أي
صفوان فِدَاك أبي وأُمي، أفضلُ النّاس، وأبرُّ الناس، وأخلم الناس، وخير النَّاس، ابن
عمّك، عزُّه عزُّك، وشَرفه شرفك، ومُلْكه مُلكك؛ قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو
أحلم من ذاك وأكرم: فرجع معه، حتى وقف به على رسول الله وَّر، فقال صفوان: إن
هذا يزعم أنك قد أمَّتْتَنِي، قال: ((صدق))؛ قال: فاجعلني فيه بالخِيار شهرين؛ قال: ((أنت
بالخيار فيه أربعة أشهر)).
قال ابن هشام: وحدّثني رجل من قُريش من أهل العلم أن صفوان قال لِعُمَير:
وَيُحَكِ! اغْرُبْ عنّي، فلا تكلّمْني، فإنَّك كذَّاب، لِما كان صنع به، وقد ذكرناه فى آخر
حدیث یوم بدر.
رواية ابن القاسم، وقال بها طائفةٌ من السَّلَفِ، وقال آخرون بظاهر الحديث، وهو قولُ
الشافعيّ، وأشهب، ومَنْشَأُ الاختلافِ من الاحتمال في قوله تعالى: ﴿فمن عُفِي له مِنْ أخيه
شَيْءٌ فاتُبَاعْ بِالمَعْروفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] فاحتملت الآية عند قوم أن تكون مِنْ واقعةً على وَلِيُّ
المقتول، ومن أخيه أي: مِنْ وَلِيُّه المقتول، أي: من ديّته، وعُفِي له أي: يُسّر له شيءٌ من
المال، واحتمل أن تكون مِنْ واقعةً على القاتلِ وعُفِي من العَفْو عن الدم، ولا خلاف أن
المتَّبِعَ بالمعروف، هو وَلِيُّ الدم، وأن المأمورَ بأداء بإحسانٍ هو القاتل، وإذا تدبّرت الآية،
عرفت مَنْشَأ الخلاف منها، ولاح من سِيَاقَةِ الكلام أي القولين أولى بالصواب.
وأما ما ذكرت من اختلافِ ألفاظِ النَّقلَةِ في الحديث، فيحصرها سبعةُ ألفاظ :
أحدها: إما أن يَقْتُلَ وإما أن يُفادِي.
والثاني: إما أَنْ يُعْقَل أو يُقَّاد.
الثالث: إما أن يَقْدِي وإما أن يُقْتَل.
الرابع: إما أن تُعْطَى الدِّيةُ أو يُقَادَ أهلُ القتيل.
الخامس: إما أن يَعْفُو أو يَقْتُلَ.
السادسُ: يُقْتَل أو يُفَادَى.
السابع: من قَتل مُتَعمِّدًا دُفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قَتَلُوا وإن شاءوا أخذوا
الدِيَّةَ. خرّجه الترمذي. ورواية ابن إسحق في السيرة ثامنةٌ، وفي بعض هذه الروايات قوة
لرواية ابن القاسم، وفي بعضها قوةٌ لروايةِ أَشْهَبَ فَتَأَمَّلها.
١٨٠