Indexed OCR Text
Pages 61-80
قال ابن هشام: أبو أُتيس أشعريّ . شعر موهب في وذي أبي بصير: أتانِي عَنْ سُهَيْل ذَرْءُ قَوْلٍ فإنْ تَكُنِ العِتابَ تُرِيدُ منّي أتُوعدني وعبدَ مَنافَ حَوْلي فإنْ تغْمِز قَناتي لا تجذْني أُسامِي الأَكْرَمين أبًا بِقَوْمِي همُ مَنَعوا الظَّواهِرَ غيرَ شَكّ بكُلُ طِمِرّة وبِكُلّ نَهْدٍ لهم بالخَيْف قد عَلِمَتْ مَعد ابن الزبعرى يردّ على موهب: فأيقظني وما بيّ مِنْ رُقادٍ فعاتِبْني فمَا بكَ من بعادي بِمَخْزوم ألهَفا مَنْ تُعادي ضَعيف العُود في الكُرَبِ الشّداد إذا وَطِىء الضَّعَيفُ بهم أُرادي إلى حيثُ البَواطِنُ فالعَوادي سَوَاهِمَ قَدْ طُوِين من الطَّراد رِوَاق المَجْدِ رُفِّع بالعِماد فأجابه عبد الله بن الزَّبَغْرَى، فقال: وأمْسَى مَوْهَب كَحِمار سَوْء أجازَ ببلدةٍ فيها يُنادِي من مواقف عمر في الحديبية: فصل: وقولُ عُمَر للنبيِّ - وَّهِ: أَلَمْ تَعِدْنَا أَنَّا تَأْتِي البيتَ، ونطوفُ به؟ فقال: ((نعم))، وذكر الحديث. كان النبيُّ - وَ لَّ - قد أَرِيَ ذلك في مَنامِه، ورُؤْيا الأنبياءِ وَخيّ، ثم أنزل الله تعالى: ﴿لقد صَدَقَ الله رَسُولَه الرُّؤْيا بالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] الآية , ويُسْأَلُ عن قوله: إن شاء الله آمِنِين: ما فائدة هذا الاستثناءِ، وهو خَبَرٌ واجبٌ؟ وفي الجواب أقوال: أحدُها: أنه راجعٌ إلى قوله: آمِنين، لا إلى نفس الدُّخُولِ، وهذا ضَعِيفٌ، لأن الوعدَ بالأمانِ قد انْدَرَجَ في الوَعْدِ بالدخول. الثاني: أنه وَعْدٌ على الجملة، والاستثناء راجع إلى التَّفصِيل، إذ لا يَذْرِي كلُّ إنْسَانٍ منهم: هل يعيش إلى ذلك، أم لا، فرجع الشكُّ إلى هذا المعنى، لا إلى الأَمْرِ الموعود به، وقد قيل: إنما هو تعليم للعبادِ أن يقولوا هذه الكلمة، ويستعملونها في كل فعل مُسْتَقْبَلٍ أعني: إن شاء الله(١). (١) وكقوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يشاء الله﴾. ٦١ فإِن العبدَ مِثلك لا يُناوي فأقْصِر يا ابنَ قَيْنِ السُّوءِ عنْه ولا تذكُر عِتاب أبي يزيدٍ سُهَيلاً ضَلَّ سَغيكَ من تُعادي وعَدْ عَن المقالة في البلاد فهَيهات البُحور من الثّماد أمر المُهاجرات بعد الهدنة: الرسول وَ ﴿ يأبى ردّ أم كلثوم: (قال ابن إسحق): وهاجرت إلى رسول الله وَ﴿ أُمّ كُلْثوم بنت عُقْبة بن أبي مُعَيط في تلك المدة، فخرج أخَوَاها عُمارة والوليد ابنا عُقْبة، حتى قَدِما على رسول اللهِ وَ ◌ّ ر يسألانه أن يردّها عليهما بالعَهْد الذي بينه وبين قُريش في الحُديبية، فلم يفعل، أبى الله ذلك. حول آية المهاجرات المؤمنات: قال ابن إسحق: فحدّثني الزُّهري، عن عروة بن الزُبير، قال: دخلتُ عليه وهو يَكْتب كتابًا إلى ابن أبي هُنَيْدَةَ، صاحبِ الوليد بن عبد الملك، وكتب إليه يسأله عن قول الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمٍُ بإِيمَانِهِنَّ فإِنْ عَلِمْتُمُوهُن مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفَّارِ لا هُنَّ حِلِّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ وآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكُوَافِ﴾. بيعة الشجرة وأوّل من بايع: فصل: وذكر بَيْعَة الشجرة، وسبَّها، ولم يذكر أوّلَ من بايع، وذكر الواقدي أن أوّل مَنْ بايع بَيْعَة الرضوان سِنَان بن أبي سِنَانِ الأَسَدِيّ. وقال موسى بن عُقْبَةَ: أوّل من بَايَع أبو سِنَان، واسمه: وَهْبُ بن مِخْصَن أخي عُكّاشة بن مِحصن الأسَدِيِّ، وقال الواقدي: كان أبو سِنَانٍ أَسَنَّ من أخيه عُكَّاشة بعشر سنين، شَهِد بدرًا، وتُوُفِي يوم بني قُرَيظَةَ، ويُروى أنه حين قال للنبيّ وَّهِ ابْسُطْ يدك أُبايعك، قال: ((عَلَاَمَ تُبَايِعُني؟)) قال: على ما في نفسك يا رسول الله، وأما سِنَانُ ابنُه، فهو أيضًا بَذْرِيٌّ، مات سنة ثلاثٍ وثلاثين، وأمَّا مبايعتُهُمْ رسولَ الله ◌َ﴿ تحت الشجرة، وكانوا ألفًا وأربعمائة في إحدى الروايتين عن جابر وألفًا وخمسمائة في الرواية الأخرى عنه، فبايعوه في قول جابر على أن لا يَفِرُّوا. قال: ولم يبايعوه على الموت. وقال سَلَمَةُ بن الأَكْوَع: بايَعْنا رسولَ اللهِوَ لِّ على المَوْتِ، قال الترمذي: وكلا الحديثين صحيحٌ، لأن بعضَهم بَأَيَع على أن لا يَفِرُّوا، ولم يذكروا الموتَ، وبعضُهم قال: أبايعك على الموت. ٦٢ - قال ابن هشام: واحدة العَصم: عِصْمة، وهي الحبل والسَّبب. قال: عشي بني قيس بن ثعلبة : إلى المَرْءِ قَيْسٍ نُطيلُ السُّرَى ونأخذ من كُلِّ حَيٍّ عِصَم وهذا البيت في قصيدة له. ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمُ حُكُمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ . قال: فكتب إليه عُروة بن الزُّبير: إن رسولَ الله وَّرَ كان صالح قُرَيشًا يوم الحُدَيبية على أن يردّ عليهم مَنْ جاء بغير إذن وليِّه، فلما هاجر النساءُ إلى رسول اللهِ وَّل وإلى الإسلام أتَى الله أنْ يُزْدَدْنَ إلى المُشْركين إذا هنّ امتُحِنّ بِمِخنة الإسلام، فعَرفوا أنهنّ إنما جِثْن رغبة في الإسلام، وأمرَ بردّ صَدُقاتهنّ إليهم إن احتَبَسن عنهم، إن هم ردّوا على المسلمين صداقَ من حُبِسوا عنهم من نسائهم، ذلكم حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم، فأمسك رسولُ اللهِ وَّ النساء وردَّ الرجال، وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدُقات نساءِ مَن حُبسوا منهنّ، وأن يردّوا عليهم مثل الذي يردّون عليهم، إن هم فعلوا، ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لردّ رسولُ اللهِ وَ ل ل النساء كما ردّ الرجال، ولولا الهُدنة والعَهد الذي كان بينه وبين قُريش يوم الحُديبية لأمسك النساء، ولم يردُذْ لهنّ صداقًا، وكذلك كان يصنع بمَنْ جاءه من المسلمات قبل العهد. قال ابن إسحاق: وسألت الزُّهْري عن هذه الآية، وقول الله عزّ وجلّ فيها: ﴿وإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إلى الكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْوَاجُهُم مِثْلَ ما أَنْفَقُوا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنونَ﴾ فقال: يقول: إن فات أحدًا منكم أهلُه إلى الكفّار، ولم تأتكم امرأة تأخذون بها مثل الذي يأخذون منكم، فعوّضوهم في فَيّءٍ إن أصبتموه، فلما نزلت هذه الآية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِرَاتٍ﴾ ... إلى قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾، كان ممن طلَّق عمرُ بن الخطّاب، طلَّق امرأته ما قاله أبو جندل: فصل: ومما قاله أبو جَنْدَلٍ بن سُهيل أيّام كونه مع أبي بَصِير بسِيفِ البَحْرِ: أنا بِذِي المَزوةِ فالسَّاحِلِ أَبْلغ قُرَيْشًا عن أبي جَنْدَلٍ بالبِيضِ فيها والقَنَا الذَّابِلِ في مَغْشَرٍ تَخْفُقُ أَيْمَانُهم من بعد إسلامِهِم الواصِل يأْبَوْنَ أن تَبْقى لهم رُفْقَةٌ ٦٣ قُريبة بنت أبي أُميَّة بن المُغيرة، فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سُفيان وهما على شركهما بمكّة، وأُمّ كلثوم بنت جَزُول أُمّ عبيد الله بن عمر الخُزاعيَّة، فتزوّجها أبو جَهْم بن حُذيفة بن غانم، رجل من قومه، وهما على شركهما. بشرى فتح مكّة وتعجيل بعض المسلمين : قال ابن هشام: حدّثنا أبو عبيدة: أنّ بعضَ منْ كان مع رسول الله بَّه قال له لما قدم المدينة: ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكّة آمنًا؟ قال: ((بلى، أفقلت لكم مِنْ عامي هذا؟)) قالوا: لا، قال: ((فهو كما قال لي جبريل عليه السلام)). والحَقُّ لا يُغْلَبُ بالباطل أو يجعل الله لهم مَخْرَجًا . أو يُقْتَل المرءُ ولم يأتلِ فيَسْلَم المرءُ بِإِسْلاَمِه ٦٤ ذكر المسير إلى خيبر في المحرم سنة سبع بسم الله الرحمن الرحيم قال: حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام، قال حدّثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحق المطلبي قال: ثم أقام رسولُ الله - وَلّر - بالمدينة حين رجَع من الحُدَيْبِيَةِ، ذا الحجّة وبعضَ المحرّم، ووَلِي تلك الحِجَّة المشركون، ثم خرج في بقيَّة المحرّم إلى خَيبر. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة نُمَّيْلَة بن عبد الله الّليثي، ودَفع الراية إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وكانت بيضاء. قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التَّيْمِي عن أبي الهيثم بن نصر بن دُهْر الأسلمي أنّ أباه حدّثه: أنه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَ لَه - يقول في مسيره إلى (١) غزوة خيبر (١) ذكر البَكْرِيُّ أن أرضَ خَيْبَر سُمْيَتْ باسْم رَجُلٍ من العَمَالِيقِ. نَزَلها وهو خَيْبَرُ بن قَانِية بن مَهْلاَيِلَ، وكذلك قال في الوَطِيح، وهو من حُصونها أنه سُمِّي بالوَطِيحِ بن مازِن، رجلٍ من ثمُودَ ولفظُه مأخوذ من الوَطْح، وهو ما تَعَلَّق بالأظافر، ومخالب الطير من الطین. (١) انظر البداية والنهاية (١٨١/٤) الطبري (٩/٣) الكامل (٩٩/٢) الطبقات (٧٧/١/٢) المنتظم (٢٩٣/٣) الاكتفاء (٢٥١/٢) الواقدي (٦٣٣/٢) ابن حزم (٢٥٣) أنساب الأشراف (١٦٩/١) فتوح البلدان (٢٩) شرح المواهب (١٧٣/١) الزاد (٣١٦/٣) وانظر البخاري (١٣٠/٥). الروض الأنف/ ج ٤/ ٢ ٥ ٦٥ خَيبر لعامر بن الأكوع، وهو عمّ سَلمة بن عمرو بن الأكوع، وكان اسم الأكوع سِنان: ((انزل يا ابن الأكوع، فخُذ لنا من هَنَاتِك))، قال: فنزلَ يرتجز برسول الله وَيه فقال : ولا تَصَدَّقْنا وَلا صَلَّينا والله لولا الله ما اهْتَّدَيْنا وإن أرادوا فِتْنة أبَيْنا إِنَّا إذا قَوْمٌ بَغَوْا عَلَيْنَا وثَبِّتِ الأقْدام إنْ لاقَينا فأنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنا شرح هنة والحداء: وذكر ابن إسحق قوله عليه السلام لِسَلَمَة بن الأَْوَعِ: خُذْ لنا من هَنَاتِك. الهَنَةُ: كناية عن كُلِّ شيء لا تَعْرِف اسمَه، أو تَعرِفُه، فتَكْنِي عنه، وأصلُ الهَنَة: هنهة وَهَنْوة. قال الشاعر : (أَرَى ابنَ نَزارٍ قد جَفَانِي وقلَّني] على هَنَوَاتٍ شأْنُها مُتَتَابِعُ وفي البخاري(١): أن رَجُلاً قال لابن الأَكْوَعِ: ألا تَنْزِلُ فتُسْمِعُنا من هُنَيْهَاتِكِ، صَغَّره بالهاء، ولو صغره على لغةٍ من قال: هَنَوَاتٍ، لقال: هُنَيَّاتِك، وإنما أراد - وَ لَه ـ أن يَخْدُو بهم، والإِبِلُ تُسْتَحَثُ بالحُدَاءِ، ولا يكون الحُدَاءُ إلاّ بِشِعْرٍ أو رَجَزٍ، وقد ذكرنا أوّلَ من سَنَّ حُدَاء الإبل، وهو مُضَرُ بن نِزَارٍ، والرَّجز شِعْرٌ، وإن لم يكن قَرِيضًا، وقد قيل: ليس بشعر، وإنما هي أشطار أبيات، وإنما الرَّجَزُ الذي هو شِغْرٌ سُداسِيُّ الأجزاءِ، نحو مَقْصورَةِ ابن دُرَيدِ أو رباعي الأجزاءِ نحو قول الشاعر: نَازَعْتَ دَرَّ الحَلْمَةْ يا مريا خيرَأخٍ واحتجّ من قال في مَشْطُورِ الرَّجز أنه ليس بِشِغْرٍ أنه قد جرى على لسان النبيّ - وَّر - وكان لا يجري على لسانه الشعر، وقد رُوي أنه أنشد هذا الرجز الذي قاله ابن الأكوع في هذا الحديث، وقال أيضًا إمَّا مُتَمَثْلاً وإما مُنشِئًا: وفي سَبِيلِ الله ما لَقِيتِ هل أَنْتِ إلَّ إِصْبَعْ دَمِيتِ وفي هذا الرجز من غير رواية ابن إسحق مما وقع في البُخاري وغيره: فاغْفِزْ فِداء لك ما أبْقَيْنا (١) البخاري (٣٥٦/٧). ٦٦ فقال رسول الله وَلقر: ((يرحمك الله))؛ فقال عمر بن الخطّاب: وَجبت والله يا رسول الله، لو أمْتَعْتنا به! فقُتل يوم خَيبر شهيدًا، وكان قَتْله، فيما بلغني، أنّ سيفه رَجع عليه وهو يُقاتِل، فكلَمه كلْمًا شديدًا، فمات منه؛ فكان المسلمون قد شكُوا فيه، وقالوا: إنما قتله سلاحُه، حتى سأل ابنُ أخيه سلمةُ بن عمرو بن الأكوع رسولَ الله وَلّر عن ذلك، وأخبره بقول الناس، فقال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((إنه لشهيدٌ))، وصلَّى عليه، فصلّى عليه المسلمون . ويُروى ما اقْتَفَيْنَا أي: ما تَتَبَعْنَا من الخطايا، من قَفَوْتُ الأثر، واقْتَفَيْتُه. وفي التنزيل: ﴿ولا تَقْفُ ما ليس لك به عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأما قوله: ما أبقينا، أي: ما خَلَّفْنَا مِمَّا اكْتَسَبْنا، أو يكون معناه: ما أَبْقَيْنَا من الذنوب، فلم نُحَقِّقْ التوبةَ منه كما ينبغي. وقوله: فداءً لك قد قيل: إن الخطابَ للنبيّ - رَ﴿ه ـ أي: اغفِر لنا تقصيرَنا في حقّك وطاعتك، إذ لا يتصور أن يُقال الله تبارك وتعالى مثلُ هذا الكلام، وذلك أن معنى قولهم: فداءً لك أي: فداءً لك أنفسُنا وأهلُونا، وحذف الاسم المبتدأ لكثرة دوره في الكلام مع العلم به، وإنما يَفْدي الإنسانُ بنفسه مَنْ يجوز عليه الفناءُ. استعمال الكلمة في غير موضعها : وأقرب ما قيل فيه من الأقوال إلى الصّواب أنها كلمةٌ يتَرْجَم بها عن مَحَبّة وتعظيم، فجاز أن يخاطَب بها مَنْ لا يجوز في حَقُّه الفداءُ، ولا يجوز عليه الفناءُ قصدًا لإظهار المحبّة والتعظيم له، وإن كان أصلُ الكلمة ما ذكرنا، فَرُبَّ كلمةٍ تُرك أصلُها، واستُعْمِلَتْ في غير ما وُضِعَتْ له أَوَّلُ، كما جاءوا بلفظ القَسَم في غير موضع القسم، إذا أرادوا تعجّبًا واستعظامًا لأمر، كقوله عليه السلامُ في حديث الأعرابي من رواية إسماعيل بن جعفر: (أَفْلَحَ وأَبِيه إن صَدَق))(١)، ومُحَالٌ أن يَقْصُد وَّر القسمَ بغير الله تبارك وتعالى، لا سِيَّما برجلٍ مات على الكفر، وإنما هو تعجّب من قول الأعرابي، والمتعجّب منه هو مُسْتَعْظَمْ، ولفظ القَسَم في أصل وضعِه لما يُعَظّم، فاتُّسِع في اللفظ حتى قيل: على الوجه. وقال الشاعر: فإن تَكُ لَيْلى اسْتَوْدَعَثْنِي أمانة فلا وأَبي أَعْدَائها لا أَخُونُها (١) أخرجه البخاري (١٨/١) ومسلم في الإيمان (٩/٨) وأبو داود (٣٢٥٢/٣٩٢ - بتحقيقي) والنسائي (٢٢٨/١) وابن خزيمة (٣٠٦) والطحاوي في المشكل (٣٥٦/١) وانظر الفتح (١٠٧/١). ٦٧ قال ابن إسحاق: حدّثني من لا أتّهم، عن عطاء بن أبي مَزوان الأسلمي، عن أبيه، عن أبي مُعتّب بن عمرو: أنّ رسول الله وَّ لما أشرف على خَيبر قال لأصحابه، وأنا فيهم: ((قِفُوا))، ثم قال: ((اللهمّ ربّ السمواتِ وما أظْلَلن وربّ الأرضين وما أقلَلْنَ، وربّ الشَّياطين وما أضلَلْنَ، وربَّ الرّياح وما أذْرَين، فإنَّا نسألك خيرَ هذه القَرْية وخيرَ أهلها وخيرَ ما فيها، ونعوذُ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها، أقدِموا بسم الله)). قال: وكان يقولُها عليه السلام لكلّ قَرْيَةٍ دَخَلَها. لم يُرد أن يُقْسِم بأبي أعدائها، ولكنه ضَرْبٌ من التعجّب، وقد ذهب أكثرُ شرَّاح الحديث إلى النسخ في قوله: أفلح وأبيه، قالوا: نَسخَه قوله عليه السلام: ((لا تَخْلِفُوَاَ بآبائكم))(١)، وهذا قولٌ لا يصحّ، لأنه لَمْ يثبُتْ أن النبيَّ ◌َِّ - كان يَخْلِف قبل النَّسْخ بغير الله، ويُقْسِم بقوم كُفَّارٍ، وما أبعد هذا من شِيمتِه - وَ ﴿ـــ تالله ما فعل هذا قَط، ولا كان له بخلقٍ. وقال قومٍّ: رواية إسماعيل بن جعفر مُصَحَّفَه، وإنما هو أَفْلَح والله إن صدق. وهذا أيضًا مُنْكَرٌ من القول، واعتراض على الإِثْبَاتِ العُدُول فيما حفِظوا، وقد خرج مسلم في كتاب الزكاة قوله عليه السلام لرجل سأله: أيُّ الصَّدَقَةِ أفضل؟ فقال: ((وأبيك لأَنَبْتُك أو قال: لأخْبِرَنَّك))، وذكر الحديث، وخرج في كتاب البرِّ والصِّلَة قوله لرجل سأله: مَنْ أَحَقُّ الناسِ بأن أَبَرَّهُ، أو قال: أَصِلُه؟ فقال: ((وأبيك لأُنُبُّئُك، صِلْ أُمَّك، ثم أباك ثم أذنَاك فأذْنَاك))، فقال في هذه الأحاديث كما ترى وأبيك، فلم يأت إسماعيل بن جعفر إذًا في روايته بِشَيْءٍ إِمْرٍ، ولا بِقَوْلٍ بدع، وقد حمل عليه في روايته رجلٌ من عُلَمَاء بلادنا وعظماءِ مُحَدِّثيها، وغفل - عفا الله عنه - عن الحديثين اللذين تقدّم ذكرهما، وقد خَرَّجهما مُسْلِمُ بنُ الحَجَّاج. وفي تراجم أبي داود في كتاب الإيمان في مصنفه ما يدلّ على أنه كان يذهب إلى قول من قال بالنسخ، وأن القَسَم بالآباء كان جائزًا، والذي ذكرناه ليس من باب الحِلفِ بالآباء كما قدمنا، ولا قال في الحديث: وأبي، وإنما قال: وأبيه، أو وأبيك بالإضافة إلى ضمير المخاطب أو الغائب، وبهذا الشرط يخرُج عن معنى الحَلِفِ إلى معنى التعجّب الذي ذكرناه. الإسناد عن عطاء بن أبي مروان: وذكر ابنُ إسحق حديثَه عليه السلام حين أشرف على خَيْبَر، وقال: في إسنادِه عن عَطَاءِ بن [أبي] مَرْوَانَ، وهذا هو الصحيح في هذا الإسناد، لأن عطاء بن أبي مَرْوَان الأسْلَمِيّ معروفٌ في أهل المدينة يكنّى أبا مُصْعَب، قاله البخاري في التاريخ، وبعض من (١) أخرجه البخاري (٥٣/٥) ومسلم في الإيمان (٤) وأبو داود (٣٢٤٨ - بتحقيقي) وابن ماجة (٢١٠١) والنسائي وأحمد (١٧/١). ٦٨ قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتّهم عن أنس بن مالك، قال: كان رسولُ الله وَلَّ إذا غَزا قومًا لم يُغرّ عليهم حتى يُصبح، فإن سَمِع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار. فنزلنا خيبر ليلاً، فبات رسولُ اللهِ وَلَّ، حتى إذا أصبح لم يَسْمع أذانًا، فركب ورَكبنا معه، فركبتُ خلف أبي طلحة، وإن قَدَميّ لتمسّ قَدم رسول اللهِ وََّه واستقبلنا عُمَّال خيبر غادين، قد خرجوا بمساحِيهم ومَكاتِلهم، فلما رأوا رسولَ الله وَلَه والجيشَ، قالوا: محمدٌ والخَمِيسُ معه! فأذْبروا هُرَّابًا، فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((الله أكبر، خَرِبَتْ خيبر، إنَّا إذا نَزَلْنَا بساحَةٍ قومٍ، فساء صَبَاحُ المُنذَرِين)). قال ابن إسحاق: حدّثنا هارون عن حُميد، عن أنس بمثله. يَزْوي السيرة يقول في هذا الإسناد عن عَطّاء بن أبي رَبَاحِ، عن مَرْوَان الأسْلَمي والصحيح ما قدمناه. المكاتل: فصل: وذكر حديثَ أنَسِ حين اسْتَقْبَلتُهُم عُمَّالُ خَيْبَر بمسَاحِيهم ومَكَاتِلهم المكَاتِل: جمع مَكْتَلٍ وهي القُفَّةُ العظيمةِ، سُمِّيَتْ بذلك لتَكَثُّلِ الشيءِ فيها، وهو تلاصُقُ بعضِه ببعض، والكُتْلَةُ ومَن التمر ونحوه فصيحة، وإن ابْتَذَلَتْها العامَّةُ. خربت خيير : وقول النبيّ وَّه حين رآهم: ((الله أكبر خَرِبَت خَيْبَرُ))(١). فيه إباحة التَّفَاؤُل وقوةٌ لمن استجاز الرَّجَزَ، وقد قدّمنا في ذلك قَوْلاً مُقْنِعًا، وذلك أنه رأى المَسَاحِيَ والمَكَاتِلَ وهي من آلة الهَدْم، والحفر مع أن لفظ المِسْحاةِ من سَحَوْتُ الأرض إذ قَشَرْتُها، فدلّ ذلك على خرَابِ البَلْدَةِ التي أشرف عليها، وفي غير رواية ابن هشام قال: حين ذكر المساحي: كانوا يُؤَثُّونَ الماءَ إلى زَرْعهم معناه: يَسُوقُونَ. والأَتَيُّ هي الصافية. الخميس : وقولُ اليهود: محمدٌ والخميس، سمي الجيشُ العظيمُ خَمِيسًا، لأن له ساقَةً ومُقَدِّمة، وجناحين وَقَلْبًا، لا من أجْلِ تخميس الغنيمة، فإن الخُمُسَ من سُنَّةِ الإسلام، وقد كان الجيشُ يُسَمَّى خَمِيسًا في الجَاهِليَّةِ، وقد ذكرنا الشاهد على ذلك فيما تَقَدَّم. (١) أخرجه البخاري (٣٥٩/٧) ومسلم في الجهاد (١٣٦٥) والترمذي (١٥٥٠) والنسائي (٢٧٢/١) وأحمد (١٠٢/٣). ٦٩ : قال ابن إسحاق: وكان رسولُ الله وَلّر حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على عِصْر فبنى له فيها مَسجد، ثم على الصَّبهاء، ثم أقبل رسولُ الله ێو بجيشه، حتى نزل بوادٍ يقال له: الرَّجِيع، فنزل بينهم وبين غَطّفَان، لِيَحُول بينهم وبين أن يُمِدّوا أهل خيبر، وكانوا لهم مُظاهِرِين على رسولِ اللهِ وَّه. فبلغني أنّ غَطفان لَمَّا سَمِعت بمَنْزِل رسولِ الله وَّر من خيبر جَمعوا له ثم خرجوا ليُظاهِروا يَهُودَ عليه، حتى إذا ساروا مَنْقَلَّةً سمعوا خَلْفهم في أموالهم وأهْلِيهم حسًّا ظَنُوا أن القَوم قد خالفوا إليهم، فرجعوا على أعقابهم، فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلّوا بين رسولِ الله 14َه وبين خيبر. وتُدَنَّى رسولُ اللهِ وَلِّ الأموال يأخذها مالاً مالاً، ويفتتحها حِصْنًا حِصْنًا، فكان أوّل حُصونهم افتُتح حِصْن ناعم، وعنده قُتل محمود بن مَسْلمة، أُلْقِيَت عليه منه رحًا فقتلته، ثم القَموص، حِصْن بني أبي الحُقيق، وأصاب رسولُ اللهِ وَلِّ منهم سَبايا، منهنَّ صَفيَّة بنتُ حيي بن أخطب، وكانت عندَ كنانَة بن الرَّبيعِ بن أبي الحُقَيق، وبِنْتَي عَمّ لها، فاصطفى رسولُ اللهِ وَّ صِفِيَّة لنفسه. وكان دِخيةُ بن خليفة الكَلْبِيّ قد سأل رسولَ الله وَاللّه صَفية، فلما أصفاها لنفْسه أعطاه ابنَتيْ عمِّها، وفَشَت السَّبايا من خَيْبر في المُسلمين. ما نهى عنه الرسول ◌َ﴾ في خيبر وأكل المُسلمون لُحوم الحُمر الأهليَّة من حُمرها، فقام رسولُ اللهِ وَّرَ، فنهى الناسَ عن أُمور سمَّاها لهم. تدني الحصون : وقوله: يَتَدَنَّى الحصون، أي: يأخذ الأدنى فالأدنى. حكم أكل لحوم الحمر الأهلية والخيل(١) وذكر نهيه عليه السلام عن أكل لحوم الحمر الأهلية، وحديثُ جابر أنه نهى عليه السلام يوم خَيْبَر عن أكل لحوم الحُمُر الأهْلِيَّة، وأَرْخَصَ لهم في لحوم الخيل، أما الحُمُر الأهليةُ فمجْتَمَعٌ على تحريمها إلاّ شيئًا يُرْوَى عن ابنِ عبَّاسٍ وعائشة، وطائفةٍ من التابعين. (١) انظر البخاري (٧/ ٣٧٠) (٩/ ٥٦٤/ ٥٦٥ - فتح). ٧٠ قال ابن إسحاق: فحدّثني عبدُ الله بن عمرو بن ضمْرة الفَزاري عن عبد الله بن أبي سَليط، عن أبيه. قال: أتانا نهيُ رسولِ الله وَِّ عن أكل لحوم الحُمُرِ الإنْسَيَّة، والقُدور تَفُور بها، فكَفأناها على وجوهها. قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي نَجِيح، عن مَكْحُول: أنَّ رسول الله وَل نهاهم يومئذٍ عن أربع: عن إتيان الحَبَالَى من السَّبايا، وعن أكل الحمار الأهلي، وعن أكل كلّ ذي ناب من السباع، وعن بيع المغانم حتى تُقسم. قال ابن إسحاق: وحدّثني سَلاَّم بن كِزْكِرة، عن عَمْرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، ولم يشْهَد جابر خَيْبر: أن رسولَ اللهِ وَلّ حين نهَى الناس عن أكل لُحوم الحُمر، أذِن لهم في أكل لحوم الخَيْل. وحُجَّةُ من أباحها قولُه تعالى: ﴿قُل لا أَجِدُ فيما أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيةُ وهي مَكْيةٌ، وحديثُ النهي عن الحُمرِ كان بخَيْبر فهو المبين للآية، والنَّاسِخُ للإِبَاحَةِ، ومن حُجَّتِهم أيضًا قوله وَله لرجل استفتاه في أكل الحمار الأهلي، يقال في اسمه: غالب بن أَبْحَرِ المُزَني: ((أطْعِم أهلَك من سَمِين مالِك))(١)، وهو حديثٌ ضعيفٌ لا يُعارَض بمثله حديثُ النهي مع أنه مُخْتَمِلٌ لتأويلين، أحدهما: أن يكون الرجلُ ممن أصابته مَسْغَبَةٌ شديدةٌ، فأرخَصَ له فيه، أو يكون ذلك منسوخًا بالتحريم، على أن بعضَ رُوَاةٍ الحديث زاد فيه بيانًا، وهو قوله عليه السلام للرجل: ((إنما نهيت عن حوالى القَرْيَةِ أو جوالي(٢) القرية على اختلافٍ في الرواية، وأما حديثُ جابِرٍ في إباحة الخيل، فصحيح ويُعَضِّدُه حديثُ أسماءَ أنها قالت: ضَحَّيْنا على عهد رسول الله - بَّهِ - بفرَسِ. وقال بإباحة لحومِ الخيلِ الشافِعِيُّ والليثُ وأبو يُوسُفَ وذهب مالكٌ والأوْزَاعِيُّ إلى كَرَاهَةِ ذلك، وقد رُوِي من طريقِ خالد بن الوليد أنه عليه السلام نهى عن أَكْلِ لُحُوم الحُمُرِ الأَهْلِيَّة والبغالِ والخيلِ، وقد خَرّجه أبو داود، وحديث الإباحة أصَحُّ غير أن مالكًا رحمه الله نَزَعَ بآيةٍ من كتابِ الله، وهي أن الله جلَّ ذِكرُهُ ذكر الأنعام، فقال: ﴿ومنها تأكلون﴾ ثم ذكر الخيل والبغال والحمير فقال: ﴿لِتَرْكُبُوها وزِينَةٌ﴾ هذا انْتِزَاعْ حَسَنٌّ. ووجْه الدليل من الآية أنه قال: ﴿والأنعامَ خَلَقَها لَكُمْ فيها دِفْءٌ ومَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥] فذكر الدِّفْء والمنافع والأكل، ثم أفرد (١) أخرجه أبو داود (٣٨٠٩ - بتحقيقي) بلفظ ((حمرك)) والبيهقي (٣٣٢/٩) وابن سعد (٣١/٦) والطبراني في الكبير (٢٦٥/١٨) وابن أبي شيبة (٨٧/٨). وانظر الفتح (٦٥٦/٩) والزاد (٣٤٢/٣). (٢) الجوالي: دابة تأكل العذرة. ٧١ قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق مولى تُجِيب، عن حنش الصَّنعاني، قال: غزونا مع رُويفع بن ثابت الأنصاري المغرب، فافتتح قرية من قُرى المغرب يقال لها: جَرْبَةَ، فقام فينا خطيبًا، فقال: يا أيها الناس، إني لا أقول فيكم إلاّ ما سمعت من رسول الله - ◌َ﴾ - يقوله فينا يومَ خيبر، قام فينا رسولُ اللهِوَلَه فقال: ((لا يحلّ لامرىءٍ يُؤْمن بالله واليوم الآخر أن يَسْقِيَ ماؤه زرعَ غيره، يعني إتيانَ الحبالى من السَّبايا، ولا يحلّ لامرىء يُؤمن بالله واليوم الآخر أن يُصيب امرأة من السَّبي حتى يستبرئها، ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مَغْنمًا حتى يُقسم، ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابَّة مِنْ فَيْء المسلمين حتى إذا أعْجَفَها رَدَّها فيه، ولا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَلْبس ثوبًا من فَيْء المسلمين حتى إذا أخلقه ردّه فیه))(١). الخيلَ والبغالَ والحميرَ بالذكر، ثم جاء بلاَم العِلَّة والنَّسَبِ، فقال: لتركَبُوها، أي: لهذا سَخَّرْتُها لكم، فوجب أنْ لا يَتَعَدَّى ما سُخْرت له، وأما نَهْيُه يوم خَيْبَرَ عن لُحُوم الجَلاََّةِ وعن رُكُوبِها، فهي التي تأكل الجَلَّةَ وهو الرَّوْثُ والبَعْرُ، وفي السُّنَنِ للدَارَ قُطْنِيِّ(٢) أنه عليه السلامُ نهى عن أكل الجَلاَّلَةِ، حتى تُعْلَفَ أربعين يومًا، وهذا نحوٌ مما رُوِي عنه عليه السلام أنه كان لا يأكل الدَّجَاجَ المُخَلاَّةُ، حتى تُقْصَر ثلاثةَ أَيَّام. ذكره الهَرَوِيُّ. الورق : وذكر في الحديث نهيَه عليه الصلاة والسلام عن: ((بَيْعِ الفِضْهِ بالفِضَّةِ (٣)، وإباحَة بَيْعِ الذَّهَب بالوَرِقِ))، فدلّ على أن الوَرِقَ والفِضَّةَ شَيْءٌ واحدٌ، وقد فرّق بينهما أبو عُبَيْدٍ في كتاب الأموال، فقال: الرِّقَةُ والوَرِق ما كان سكّةً مَضْرُوبَةً، فإن كان حُلِيًّا أو حلّيةً، أو نُقَرًا (٤) لم يُسَمَّ وَرِقًا، يريد بهذه التفرقة أن لا زَكَاةَ في حُلِيُّ الفِضَّة والذَّهَبِ، لأن النَّبِيّ - نَُّ - حين ذكر الزَّكَاةَ قال: ((في الرُّقَةِ الخُمْسُ))(٥)، وحين ذكر الرِّبا قال: ((الفِضَّةُ بالفِضَّة)). قال المؤلّف: وفي هذا الحديث الذي ذكره ابن إسحقٍ، وفي أحاديث سواه قد تتبعتها ما يدلّ على خلافٍ ما قال، منها قوله عليه السلام في صفة الحَوْض: ((يَصُبُّ فيه مِيزَابَانٍ من (١) أخرجه أبو داود (٢١٥٩/٢١٥٨ بتحقيقي) وأحمد (١٠٨/٤) والدارمي (٢٥٠/٢). (٣) أخرجه النسائي (٧/ ٢٨٠). (٢) الدارقطني (٤/ ٢٨٧ - بتحقيقي). (٤) نقرًا: أي مخلوطًا مسبوكًا من ذهب وفضّة. (٥) أخرجه أبو داود (١٥٦٧ - بتحقيقي) بلفظ ((في الرقّة ربع العشر)). ٧٢ قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيدُ بن عَبْدِ الله بن قُسَيْطٍ، أنه حُدِّث عن عُبَادَةَ بن الصامت، قال: نهانا رسولُ اللهِ وَ﴿ يوم خَيْبَر عن أن نَبِيع أو نَبْتاع تِبْرِ الذّهبِ بالذهبِ العَيْنِ، وتبر الفضَّة بالوَرِق العَيْنِ، وقال: ((ابتاعوا تَبْرَ الذهبِ بالورِق العَيْنِ، وتِبْرَ الفِضَّةِ بالذهب العَيْنِ)) . قال ابن إسحاق: ثم جَعَل رسولُ اللهِ وَلّه يَتدَنَّى الحُصُونَ والأموال. شأن بني سهم: فحدّثني عبدُ الله بن أبي بَكْر أنه حدّثه بعضُ أسْلم: أن بني سَهْم من أسْلم أتَّوْا رسولَ اللهِ وَل﴿، فقالوا: والله يا رسول الله لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء؛ فلم يَجِدوا عند رسولِ اللهِ وَّرَ شيئًا يُعطيهم إياه؛ فقال: ((اللهمّ إنك قد عَرَفت حالَهم وأن لَيْست بهم قوّة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إيّاه، فافتح عليهم أعظم حُصونها عنهم غناء، وأكثرها طَعامًا ووَدْكًا))(١)، فغدا الناسُ ففتح الله عزّ وجلّ حِصْنَ الصَّعْب بن مُعاذ، وما بخَيبر حِصْن كان أكثر طَعامًا ووَدكًا منه. مقتل مرحب اليهوديّ: قال ابن إسحاق: ولمَّا افتتح رسولُ اللهِ وَ ﴿ من حُصونهم ما افتتح، وجاز من الأموال ما جاز، انتهوا إلى حِصْنيهم الوَطِيح والسَّلالِم، وكان آخر حصون أهل خيبر افتتاحًا، فحاصره رسولُ اللهِ وَلّ بضع عشرة ليلة. قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله وَ﴿ ﴿ يوم خيبر، يا منصور، أمِت أمت. الجَنَّة أحدُهما [من ذهب والآخر] من وَرِقٍ))(٢)، وفي حديث عَرْفَجَةَ حين أُصيب أنفُه يوم الكُلاَب قال: فاتخذتُ أَنْفًا من وَرِقٍ الحديث، في شواهد كثيرةٍ تدلّ على أنَّ الفِضَّةَ تُسَمَّى وَرِقًا على أيّ حال كانتْ. وقوله: بالذَّهَبِ العَيْن والورق العَيْن، يريد النقد، لأنَّ الغائبَ تُسَمَّى ضِمَارًا، كما قال، وعَيْنُه كالكَالىء الضُّمَار، وسُمي الحاضر: عَيْئًا لموضع المُعَايَنَةِ، فالعَيْنِ في الأصلِ مَصْدَرُ عِنْته أَعينُه إذا أبصرتَه بعينك، وسُمّي المفعولُ بالمصدَرِ، ونَحْوٌ منه الصَّيدُ، لأنه مصدر (١) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢٢٣/٤) والطبري في تاريخه (١٣٥/٢). (٢) تقدم. وهو عند مسلم وغيره. ٧٣ قال ابن إسحاق: فحدّثني عبدُ الله بن سَهل بن عبد الرحمن بن سهل، أخو بني حارثة، عن جابر بن عبد الله، قال: خرج مَزحب اليهوديّ من حِضْنهم، قد جمع سلاحه، يرتجز وهو يقول: شاكي السّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّب قد عَلِمَتْ خَيْبَر أنّي مَرْحَبْ إذا الْليوث أقْبَلَتْ تَخَرَّب أَطْعُنُ أَخيانًا وحِينًا أضْرِبْ إن حِماي للحِمى لا يُقرب وهو يقول: من يُبارز؟ فأجابه كعب بن مالك، فقال: مُفَرْجُ الغَمَّى جَرِيءٌ صُلْبُ قد عَلِمَتِ خَيْبر أنّي كَعْبُ مَعِي حُسام كالعَقِيقِ عَضْبُ إِذْ شَبَّتِ الحَرْبُ تَلَتها الحَرْبُ نُعْطِي الجَزاءَ أو يَفيَ الثَّهْبُ نَطُؤْكم حتى يَذِلّ الصَّغْب بكفُ ماضٍ ليس فيه عَثْبُ قال ابن هشام: أنشدني أبو زيدٍ الأنصارِي: وأنَّنِي مَتى تُشَبُّ الحَربُ قد عَلِمَتْ خَيْبِرُ أنّي كَعْبُ معي حُسام كالعَقيق عَضْبُ ماضٍ على الهول جريءٌ صُلْب نَدُكُكُمْ حتى يَذِلَّ الصَّعْبُ بِكَفِّ ماضٍ لَيْس فيهِ عَثْبُ قال ابن هشام: ومَزْحب من حِمْیر. قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن سَهْل، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: فقال رسولُ الله ◌ِوَّ: ((مَن لهذا؟)) قال محمد بن مَسْلمة: أنا له يا رسول الله، أنا والله المَوتور الثائر، قُتل أخي بالأمس؛ فقال ((فقم إليه)) اللهمّ أعِنْهُ عليه. قال: فلما دنا أحدُهما من صاحبه، دخلت بينهما شجرة عُمْرية من شجر العُشَر فجعل أحدُهما يلوذ بها من صاحبه، كلَّما لاذ بها منه اقتطع صاحبه بسيفه ما دونه منها، حتى برز كلُّ واحد منهما صِدْت أَصِيدُ، وقد جاء في التنزيل: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] فَسمَّاه بالمصدر، ولعلّك أن تلحظ من هذا المطلع معنى العَيْنِ من قوله تعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ على عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] فقد أمْلَيْنَا فيها، وفي مَسْأَلَة اليدِ مَسْألتيْن لا يُعْدَل بقيمتهما الدنيا بحذافيرِها. ٧٤ لصاحبه، وصارت بينهما كالرَّجل القائم، ما فيها فَنن، ثم حملَ مَرْحبٌ على محمد بن مَسْلمة، فضربه، فاتَّقاه بالدَّرقة، فوقع سيفه فيها، فعضّت به فأمْسكته، وضربه محمدُ بن مَسْلمة حتى قتله(١). مقتل ياسر أخي مرحب: قال ابن إسحاق: ثم خرج بعد مَرْحب أخوه ياسر، وهو يقول: مَن يبارز؟ فزعم هشام بن عروة أن الزبير بن العوّام خرج إلى ياسر، فقالت أُمه صفيَّة بنت عبد المطّلب: يقتل ابني يا رسول الله! قال: ((بل ابنُك يقتله إن شاء الله)). فخرج الزُّبير فالتَقيا، فقتله الزُّبیر. قال ابن إسحاق: فحدّثني هشام بنُ عروة: أن الزّبير كان إذا قيل له: والله إن كان سيفك يومئذ لصارمًا عَضْبًا، قال: والله ما كان صارمًا، ولكني أكرهتُه. متى حرّم نكاح المتعة(٢)؟ فصل: ومِمَّا يَتَّصِل بحديث النهي عن أكل الحُمُر تنبيةٌ على إشْكَال في رواية مالكِ عن ابن شهابٍ، فإنه قال فيها: نهي النبيُّ وَّر عن نِكاح المُتْعَةِ يوم خَيْبَر، وعن لُحُوم الحُمُر الأهْلِيَّة، وهذا شيءٌ لا يعرفه أحدٌ من أهلِ السِّيرِ، ورواة الأثَرِ، أن المُتْعَةَ حُرِّمَتْ يوم خيبر، وقد رواه ابن عُيَيْنَةً عن ابن شهابٍ عن عبد الله بن محمد، فقال فيه: إن النبيَّ وَّهِ - نهى عن أكل الحُمُر الأهلية عامَ خَيْبَر، وعن المُتْعَةِ، فمعناه على هذا اللفظ: ونَهَى عن المُتْعَةِ بعد ذلك، أو في غير ذلك اليوم، فهو إذًا تقديمٌ وتأخير، وقع في لفظ ابن شهاب، لا في لفظ مالك، لأن مالكًا قد وافقه على لفظه جماعةٌ من رُوَاةِ ابن شِهَابٍ، وقد اخْتُلِفَ في تحريم نِكَاحِ المُتْعَةِ فأغْرَبُ ما رُوي في ذلك روايةُ مَنْ قال: إن ذلك كان في غَزْوةٍ تَبُوك، ثم رواية الحسنِ أن ذلك كان في عُمْرَةِ القَضَاءِ، والمشهورُ في تحريم نِكَاحِ المُتْعَةِ روايةُ الربيع بن سَبْرَةً عن أبيه أن ذلك كَان عامَ الفَتْحِ. وقد خَرَّجَ مُسلِم الحديث بطوله وفي هذا الحديث أيضًا حديثٌ آخرُ خرجه أبو داود أن تحريمَ نِكَاحِ المُتْعَة كان في حجّة الوداع، ومن قال من الرُّواة كان في غزوة أَوْطَاس، فهو موافِقٌ لمن قال عام الفتح، فتأمَّله والله المُسْتَعَانُ. (١) أخرجه أحمد (٣٨٥/٣) والحاكم (٤٣٦/٣). (٢) حرم نكاح المتعة عام الفتح. انظر مسلم (١٤٠٦) والزاد (٣٤٣/٣). ٧٥ شأن عليٍّ يوم خيبر: قال ابن إسحاق: وحدّثني بُريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي، عن أبيه سفيان، عن سلمة بن عمرو بن الأكوع، قال: بعث رسولُ الله وَّ أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه برايته، وكانت بيضاء، فيما قال ابن هشام، إلى بعضٍ حصون خَيْبر، فقاتل، فرجع ولم يك فَتْحٌ، وقد جهد؛ ثم بعث الغد عمرَ بن الخطّاب، فقاتَل، ثم رجع ولم يك فتح، وقد جهد، فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((لأعطينّ الرّايةَ غدًا رجلاً يحبّ الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفَرَّار)). قال: يقول سلمة: فدعا رسولُ اللهِ وَّرِ عليًّا رضوان الله عليه، وهو أرمد، فتَفل في عينه، ثم قال: ((خُذ هذه الراية، فامض بها حتى يفتَح الله عليك)). قال: يقول سلمة: فخرج والله بها يَأْنِحُ، يُهَزْول هَزْولة، وإنا لَخَلْفِه نَتْبَعُ أَثَرَه، حتى ركّز رايته في رضم من حجارة تحت الحِضْن، فاطّلع إليه يهوديّ من رأس الحِضْن، فقال: من أنت؟ قال: أنا عليّ بن أبي طالب. قال يقول اليهودي: عَلَوتم، وما أُنزل على موسى، أو كما قال. قال: فما رجع حتى فتح الله على يَدَیه. وذكر قوله - عليه السلام -: ((لَأَعْطِيَنَّ الرايةَ غَدًا رَجُلاً يُحبُّ الله ورسوله وَيَفْتَحُ على يَديْه))، وفي غير رواية ابن إسحق: ((فبات الناسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعْطَاهَا))(١) ومعناه من الدُّوكَةِ، والدَوْكَةُ، وهو اخْتِلاطُ الأصْوَاتِ. عليّ ودعاء الرسول مليون: وذكر أن عَلِيًّا - رضي الله عنه - انطلق بالرّاية يَأْنِح، وفي غير رواية ابن إسحقٍ يَؤُجُ، فمن رواه يَأْنِح، فهو من الأنِيح وهو عُلُوُّ النَّفَسِ، يقال: فَرَسٌ أَنْوَحُ من هذا، ويُروى عن عُمَرَ - رضي الله عنه - أنه رأى رجلاً يَأْنِجِ بَبَطْنِهِ، فقال: ما هذا؟ فقال: بَرَكَةٌ من الله، فقال: بل هو عذابٌ عَذَّبك به. ومن رواه يَؤُجُّ، فمعناه: يُسْرع، يقال: أجَّتْ الناقةُ تَؤُجُّ إِذا أسرعت في مَشْيِها، وزاد الشَّيْبَانِيُّ عن ابن إسحق في هذا الحديث حين ذكر أنَّ عَلِيًّا كان أَزْمَدَ، وأن النبيِّ نَّه ـ تَفَل في عَيْنَيْه فَبَرَأَ، قال: ((فما وَجِعَتْ عينُه حتى مضى سبيله))، قال: وكان عَلِيٍّ يلبس القَبَاءَ المَخْشُوَّ الثَّخِين في شِدَّةِ الحَرِّ، فلا يُبالي بالحَرِّ، ويلبس الثوبَ الخفيفَ في شِدَّة البَرْد، فلا يُبالي بالبرد، وسُئل عن ذلك فأخبر أن النبيَّ - وَّـــ دعا له يوم خَيْبَرَ حین رَمَدَتْ عينه أن يَشْفِيه الله، وأن يُجَنِّه الحرَّ والبردَ، فكان ذلك. (١) أخرجه البخاري (٣٦٥/٧) ومسلم (١٨٠٧) وأحمد (٥٢/٤). ٧٦ : قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن الحسن، عن بعض أهله، عن أبي رافع، مولى رسول الله وَّة، قال: خرجنا مع عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، حين بعثه رسولُ الله ◌َوَ برايته؛ فلما دنا من الحِصْن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضَربه رجلٌ من يهود فطاح تُرْسُه من يده، فتناول عليّ عليه السلام بابًا كان عند الحصن فترَّس به عن نفسه، فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الله عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نَّفَر سبعة معي، أنا ثامنهم، نَجهد على أن نَقْلب ذلك الباب، فما نقبله. أمر أبي اليَسَر: قال ابن إسحاق: وحدّثني بُرَيدة بن سُفْيَان الأَسْلَمِيّ، عن بعض رجال بني سلمة عن أبي اليَسَرِ كَعْب بن عَمْرو، قال: والله إنَّا لمع رسول الله وَ لَ بخيبر ذات عشيّة، إذ أقبلت غِنم لرجل من يَهود تريد حِصْنهم، ونحن مُحَاصِرُوهم فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: «مَنْ رجلٌ يُطعمنا من هذه الغنم))؟ قال أبو اليسر: فقلت: أنا يا رسول الله؛ قال: فافعل، قال: فخرجت أشتدّ مثل الظّليم، فلما نظَر إليَّ رسولُ اللهِ وَرَ مولّيًا قال: ((اللهمّ أمْتِعنا به))؛ قال: فأدركتُ الغنم وقد دخلت أولاها الحِضْن فأخذت شاتين من أُخْراها، فاحتضنتهما تحت يديّ، ثم أقبلت بهما أشتدّ، كأنه ليس معي شيء، حتى ألقيتهما عند رسول الله وَ﴿، فذَبحوهما فأكلوهما، فكان أبو اليَسَرِ من آخر أصحاب رسول الله وَلهول هلاكًا، فكان إذا حدّث هذا الحديث بكى، ثم قال: ((أَمتِعوا بي، لعمري، حتى كنت من آخرهم ملكًا». صفية أم المؤمنين قال ابن إسحاق: ولما افتتح رسولُ اللهِ وَّرَ القَمُوصَ، حصنَ بني أبي الحُقَيْقِ، أَتِيَ رسولُ اللهِ وَ﴿ بصفية بنت حُييٍّ بن أخْطَبَ، وبأخرى معها، فمرّ بهما بلال، وهو الذي صاحب المغانم وابن مغفل: فصل: وذكر حديثَ عبدِ الله بن مُغَفّلٍ حين احْتَمَلَ جِرَابَ الشَّخْم، وأراد صاحبُ المغانم أخذَه منه، ولم يذكر اسم صاحبِ المغانم، ورُوي عن ابن وَهْبٍ أنه قال: كان على المغانم يوم خَيْبَر أبو اليَسَر كَعبُ بن عَمْرو بن زيد الأنصاري هكذا وجدتُه في بعض كتبٍ الفقه مَزْوِيًّا عن ابن وَهْبٍ، ولم يتّصل لي به إسناد. الصفي والمرباع فصل: وَذَكَر صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ، وأُمُها بُرْدَةُ بنت سَمَوْأل، أُخت رِفَاعَةَ بن سَمَوْأل ٧٧ جاء بهما على قَتْلى من قَتْلى يهود، فلما رأتهم التي مع صفيَّة صاحت، وصكَّت وَجْهَها وحثَت الترابَ على رأسها؛ فلما رآها رسولُ اللهِ وَّه قال: «أَغْزِبوا عني هذه الشَّيْطَانَةَ، وأمر بصفِيَّة فحِيزَت خلفه، وألقى عليها رِدَاءَه، فعرف المسلمون أن رسولَ الله وَلِّ قد اصطفاها لنفسه. فقال رسول الله وَ ط ﴿ لبلال، فيما بلغني حين رأى بتلك اليَهُوديَّة ما رأى: (أُنزَعَتْ منك الرحمةُ يا بِلاَلُ، حين تمرّ بامرأتين على قَتلى رجالهما؟))(١) وكانت صفيَّة قد رأت في المنام وهي عروس بكِنَانة بن الربيع بن أبي الحُقَيْق، أن قمرًا وَقَع في حِجْرِها، فعرضت رُؤياها على زَوْجها، فقال: ما هذا إلاّ أنك تَمَنَّيْن مَلِكَ الحجازِ محمدًا، فلطَم وجهَها لَطْمَةً خضَّر عينها منها. فأتى بها رسولُ اللهِ وَّر وبها أثر منه، فسألها ما هو؟ فأخبرته هذا الخبر. المذكور في المُوطَّأ، وأنه اصطفاها لنفسه، وفي حديث آخر عن عائِشَةً قالت: كانت صَفِيَّةُ من الصَّفِيِّ، والصَّفِيُّ ما يصطفيه أمير الجيش لنفسه قال الشاعر [عبدُ الله بن غَنَمَةَ الضَّبِيُّ يُخاطب بسْطَامَ بنَ قيس]: [وحكمك والنشيطة والفُضول] لك المِزْبَاعُ منها والصَّفَابًا فالمِربَاعُ رُبْع الغَنِيمة. والصَّفِيُّ ما يُصْطَفَى للرئيس، وكان هذا في الجاهلية، فنُسِخَ المِزْباعُ بالخُمُس وبقي أمرُ الصَّفِيِّ. مصدر أموال النبيّ بَّر، وزواجه من صفيّة: وكانت أموالُ النبيّ ◌َلّهِ من ثلاثةٍ أوجُهٍ: من الصَّفِيِّ، والهَدِيَّة تُهْدَى إليه، وهو في بيته لا في الغَزْو من بلاد الحزبِ، ومن خُمسِ الخُمُسِ، ورَوى يُونسُ عن إبراهيمَ بن إسماعيل بن مُجَمِّعِ الأنْصَارِيِّ، قال: حدثني عُثْمانُ بن كَعْبِ القُرَظِيُّ، قال: حدّثني. رجلٌ من بني النَّضير، كان في حِجْر صَفِيَّة بنت حُيَيٍّ مِنْ رَهْطِها يقال له: ربيع، عن صَفِيَّة بنت حُيَيٍّ قالت: ما رأيت أحدًا قَطُ أحسن خُلُقًا مِنْ رسولِ الله وََّ، لقد رأيته رَكِبَ بي من خَيْبَر حين أفاءَ الله عليه على ناقته ليلاً فجعلت أَنْعُسُ فيضربُ رأسِي مُؤْخِرَةَ الرَّحِلِ، فَيَمَسُنِي بيده، ويقول: ((يا هذِهِ مَهْلاً يا ابنَةَ حُيّيٍّ))، حتى إذا جاء الصَّهْبَاءِ(٢)، قال: ((أَمَا إني أَعْتذِر إليك يا صَفِيَّةُ مما صنعتُ بقومِك، إنهم قالوا لي: كذا، وقالوا لي: كذا))(٣). وحديثُ (١) أخرجه البغوي (٢٠٠/٦). (٢) الصهياء: موضع قبل خيبر. (٣) أخرجه أبو يعلى بأسانيد ورجال الطريق الأوّل رجال الصحيح، إلاّ أن حميد بن هلال لم يدرك صفية، ومن رجال هذه ربيع ابن أخي صفية ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. قاله الهيثمي في المجمع (٢٥٢/٩). ٧٨ بقيّة أمر خيبر: وأُّتِي رسولُ اللهِ وَلَّ بكنانة بن الربيع، وكان عنده كَثْز بني النَّضير، فسأله عنه، فجحد أن يكون يعرف مكانه، فأتى رسولَ الله وَلهو رجل من يهود، فقال لرسول الله وَله: إني رأيت كنانة يطيف بهذه الخَرِبة كلّ غداة؛ فقال رسولُ الله وَلَو لكنانة: ((أرأيت إن وجدناه عندك، أأقتلك؟)) قال: نعم، فأمر رسول الله وَ ل﴿ بالخربة فحُفِرت، فأخرج منها بعض كَثْزهم، ثم سأله عما بقي، فأبى أن يُؤَدّيه، فأمر به رسولُ اللهِ نَّ هِ الزّبيرَ بن العوّام، فقال: عذّبه حتى تَسْتأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزَنْدٍ في صَدره، حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسولُ اللهَ وَّهَ إلى محمد بن مَسْلمة، فضرب عُنقه بأخيه محمود بن مَسْلمة . صلح خيبر: وحاصر رسولُ اللهِ وَّهِ، أهلَ خيبر في حصنيهم الوَطِيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهَلكة، سألوه أن يُسَيِّرهم وأن يحقِن لهم دماءهم، ففعل، وكان رسولُ الله بَله قد حاز اصطِفائه صفيةً يعارضُه في الظاهر الحديثُ الآخر عن أنس أنها صارت لدخية فأخذها منه، وأعطاه سَبْعَةً أَرْسٍ، ويُروى أنه أعطاه بِنْتَي عَمِّها عِوَضًا منها، ويُروى أيضًا أنه قال له: ((خُذ رأْسًا آخر مكانَها))(١)، ولا مُعَارَضَةَ بين الحديثين، فإنما أخذها من دِخْيَةً قبل القَسْم: وما عَوَّضهِ منها ليس على جِهَةِ البَيْع، ولكن على جِهَة النَّفْل والهِبَةِ، والله أعلم. غير أن بعض رُواةِ الحديث في المسند الصحيح يقولون فيه: إنه اشترى صَفِيَّة من دِخْيَةً، وبعضهم يزيد فيه: بعد القَسْم، فالله أعلم أي ذلك كان. وكان أمر الصَّفِيّ أنه كان عليه السلام إذا غزا في الجيشِ اختار من الغَنِيمَة قبل القَسْم رأسًا وضُرب له بسَهْم مع المُسلِمِين، فإذا فَعَدَ، ولم يخرج مع الجيش ضُربَ له بِسَهْمٍ، ولَمَ يكن له صَفِيٌّ، ذكره أبو داود، وأَمْرُ الصَّفِيّ بعد الرسول عليه السلام لإمام المسلمين في قول أبي ثَوْرٍ، وخالفه جمهورُ الفقهاء، وقالوا: كان خُصُوصًا للنبيّ عليه السلام. صداق صفية : وقوله: أَغْتَقها، وجَعَل ◌ِثْقَها صَدَاقَها، هو صَحيحٌ في النقل، وقال به كثير مِن العلماء، ومَنْ لم يَقُلْ به من الفقهاء تأوَّله خُصوصًا بالنبيّ نَِّ أو منسوخًا، وممَّن لم يَقُلْ به مالكُ بن أَنَسٍ، وجماعةٌ سواه لاَ يَرونَ مُجَرَّد العتق يُغْنِي عن صَدَاقٍ. (١) انظر البخاري ومسلم السابق. ٧٩ الأموال كلّها: الشّق ونَطَاةَ والكتيبة وجميع حصونهم، إلاّ ما كان من ذَيْنك الحِضْنين. حنش الصنعاني: وذكر حديثَ حَنَشِ الصَّنْعَانِي عن رُوَيْفع بن ثابت. هو حَنَشُ بن عَبْدِ اللهِ السَّبَائِي جاء إلى الأندلس مع مُوسى بن نُصَيْر، وهو الذي ابْتَنَى جامِعَ سَرَقُسْطَةَ، وأسَّسَ جامعَ قُرْطُبَةً أيضًا، فيما ذكروا، وتوهّم البخاري أنه حَتَشُ بن عَلِيٍّ، وأن الاختلافَ في اسم أبيه، وقد فَرَّق بينهما عَلِيُّ بن المَدِينِيِّ فقال: حَتَشُ بن عَلِيِّ السَّبَائِيّ من صَنْعَاء الشَّامِ، ومنها أبو الأشعثِ الصَّنْعَانِي، وحَتَشُ بن عَبْدِ اللهِ السَّبَائِيّ من صَنْعَاءِ اليَمن، وكلاهما يُروى عن عَلِيِّ، فمن ههُنا دَخل الوهمُ على البُخَارِي، هكذا ذكر أبو بكر الخطيب، ويَروى عن عليّ أيضًا حنشُ بن ربيعةَ، وحَتَشُ بن المُعْتَمِر وهما غيرُ هذين. وطأ منهيٌّ عنه: وفيه: أن لا تُوطَأَ حَامِلٌ من السبايا حتى تَضَعَ، وذكر باقي الحديث، وقد ثبت عن النبيّ - وَّر في حديث آخر أنه نظر إلى أَمَةٍ مُجِحِّ أي: مُقْرِبٍ، فسأل عن صاحبها، فقيل: إنه يُلِمُّ بها، فقال: «لقد هَمَمتُ أن أَلْعَنِه لَغْنةً تدخُل معه في قبره))(١). وذكره الحديث. فهذا وجه في معنى قوله: لا يَحلّ لامْرِىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسْقِي ماؤُه زرعَ غيره، معنى إتيان الحَبَالَى من السَّبَايا، فإن فعل فالولَدُ مختلف في إلحاقه به، فقال مالك والشافعي: لا يُلْحَق به، وقال الليث: يُلْحَق به لقول النبيّ وَّ: «كيف يَسْتَعْبِدُه، وقد غذّاه في سَمْعِه وبَصَرہ)) . عليَّ يقتل مرحبًا: فصل: ومما يتّصل بقصّة مَرْحَبِ اليَهُودِي مع عَلِيّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - من غير روايةِ الكِتاب قول علي: أنا الذي سَمَّثْنِي أُمْي حَيْدَرَة أَضْرِب بالسَّيْفِ رؤوسَ الكَفَرَة أكيلهم بالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَة أي: أُجْزِيهم بالوَفاء، والسَّنْدَرَةُ: شجرةٌ يُصْنَع منها مكاييلُ عِظَامٌ. (١) أخرجه مسلم في النكاح (١٣٩) وأبو داود وابن أبي شيبة في مصنفه (٣٧١/٤). ٨٠