Indexed OCR Text
Pages 261-280
شعر حسَّان في الرد على أبي سُفيان: فأجابه حسَّان بن ثابت، فيما ذكر ابن هشام، فقال: ولَسْتَ لزُورٍ قُلْتَه بمُصِيبٍ ذَكَزْت القُروم(١) الصَّید من آل هاشم نجيبًا وقد سَمَّيْتَه بنَجيب أتعجَب أن أقصدْت حمزةً منهمُ وشَيْبة والحجَّاجِ وابنَ حَبيب ألم يقتُلُوا عَمرًا وعتْبة وابنه بِضَرْبةٍ عَضْب بَلَّه بخَضِیبٍ غداةَ دَعا العاصِي عليًّا فَرَاعَه قال ابن إسحاق: وقال ابنُ شَعُوب يذكُر يدَه عند أبي سُفيان فيما دفع عنه، فقال : لأُلْفِيت يوم النَّعْف(٢) غيرَ مُجیبٍ ولولا دِفاعي يا ابن حَرْب ومَشْهَدي ضبَاعْ علَيْه أو ضِرَاء كليب ولولا مَكرّي المُهْرَ بالنَّعف قزقرت قال ابن هشام: قوله: ((عليه أو ضراء)» عن غير ابن إسحق. وأمَّا قولُ حَسَّان: جَدَايَةُ شُرْكٍ مُعْلَمَاتِ الحَواجِبِ إذا عَضَلٌ سِيقَتْ إلينا كأنها شُرْك: جَمْعِ شِرَاكِ. والجدَايةُ: جدايةُ السَّرْج، على أن المعروفَ جَدِيَةُ السَّرْج، لا جدابته في أقربَ من هذا المعنى أن يريد الجِدَاية من الوخشِ، وبالشُّركِ الأشراكُ التي تُنصَب لها، ولذلك قال: دَامِياتَ الحواجب، وهذا أَصَحُّ في معناه، فقد ذكر أبو عُبَيْدٍ أن الجَدَايَة يقال للواحِد والجميع والذكر والأنثى من أَوْلاَد الظّباء، ويبعد أن تكون الجَدَاية جمع جَدِيَّة، وهي جَدِيَّة السَّرْج والرَّخل، وإن كان قد يقال في الجَمْعِ فِعال وفِعَالَة نحو جِمَال وجِمالَة، ولكنه ها هنا بعيد من طريق المعنى والله أعلم. ويُروى شِرْك بكسر الشين، وأقرب ما يقال في معنى هذا البيت: أنه أراد الجَدَاية من الوَخْشِ، وهي أولادُ الظَّباءِ ونحوها، وقد ذكر أبو عُبَيْدٍ أنه يقال: جِدَايةٌ للواحدِ والجَمْعِ والذَّكَرِ والأُنثى، فيكون الشرّكُ على هذا في معنى الأشْرَاكِ التي يُصَادُ بها، وقد قيل: إنَ شُرْكًا اسمُ مَوْضِعٍ، والله أعلم، وعَضَلٌ قَبِيلَةٌ من خُزَيْمَة غَادِرَةٌ، وسيأتي ذكر غَدْر عَضَلٍ (١) القروم: الأسياد. (٢) النعف: المكان المرتفع. ٢٦١ شعر الحارث في الرد على أبي سُفيان أيضًا: قال ابن إسحاق: وقال الحارث بن هشام يُجيب أبا سُفيان: على سابحٍ ذي مَيْعَةٍ وشَبِيبٍ جَزَيتهم يومًا ببَدْر كمِثْله علیك ولم تَخْفِل مُصاب حبيب لَدَى صَخْن بَذْرٍ أو أقمت نوائحًا لأبْتَ بقَلْب ما بقيتُ نَخِيب وإنَّك لو عاينت ما كان منهمُ قال ابن هشام: وإنما أجاب الحارث بن هشام أبا سُفيان لأنه ظنَّ أنه عرّض به في قوله : وما زال مُهري مَزْجَرَ الكلب منهم لفِرار الحارث يوم بدر. حديث الزبير عن سبب الهزيمة قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نَصْرَه على المسلمين وصدَقهم وَعْدَه، فحسُّوهم بالسيوف حتى كَشَفوهم عن العَسْكر، وكانت العزيمة لا شكّ فيها. قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، أنه قال: والله لقد رأيتني أنظرُ إلى خَدَم هِنْد بنت عُتبة وصَواحبها مشمَّرات هوارب، ما دون أخذهن قليلٌ ولا كثيرٌ إذ مالت الرّماةُ إلى العسكر، حين كَشَفنا القومَ عنه وخلّوا ظهورنا للخيل، فأتِينا مِن خَلْفنا، وصَرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قُتل؛ فانكفأنا وأانكفأ علينا القوم بعد أن أصَبْنا أصحابَ اللُّواء حتى ما يَذْنو منه أحدٌ من القوم. قال ابن هشام: الصارخ: أزبّ العقبة، يعني الشيطان. والقَارة. وقوله: مُعْلمَاتِ الحواجِب، يعني: بالدماء، ويجوز أن يريدَ سَوادَها ما بَيْن أَعْيُنها، كما أنشد سيبويه [للأغشى]: ما حَاجِبيْهِ مُعَيَّن بِسَوَادٍ وكأنه لَهَقُ السَّرَاةِ كأنّه الصارخ يوم أُحد فصل: وذكر الصارخَ يوم أُحُدٍ بقتلِ رسول الله - وََّ - وقولُ ابن هشام: الصارِخُ إِزْبُ العَقَبَةِ، هكذا قيد في هذا الموضع بكسر الهمزة وسكون الزاي، وذكرنا في بيعة ٢٦٢ شجاعة صواب وشعر حسان في ذلك: قال ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ أهل العلم: أن اللّواء لم يزل صَريعًا حتى أخَذتْه عَمْرة بنت عَلْقمة الحارثيّة، فرفعته لقُريش، فلاتُوا به. وكان اللّواء مع صواب، غلامٌ لبني أبي طلحة، حبشيّ وكان آخر من أخذه منهم، فقاتَل به حتى قُطِعت يداه، ثم بَرك عليه، فأخذ اللواء بصَذْره وعُنقه حتى قُتل عليه، وهو يقول: اللهمَّ هل أغزرت - يقول: أعذرت - فقال حسَّان بن ثابت في ذلك: لواءٌ حين رُدَّ إلى صُؤابِ فَخَرْتُم بالْلواء وشَرُّ فَخْرٍ: وألأم مَنْ يَطا عَفَر التراب جَعلتم فَخَركم فيه بعَبْدٍ وما إن ذاك من أمر الصَّوَاب ظننتم، والسَّفيه له ظُنون بمكّة بَيْعُكم حُمْرِ العِياب(١) بأنّ جِلادنا يومَ الثَّقَيْنا أقرّ العينَ أن عُصِبت يدَاه وما إن تُعصَبان على خِضَاب قال ابن هشام: آخرُها بيتًا يُروى لأبي خراش الهُذليّ، وأنشَد فيه خَلَفْ الأحمر: وما إن تُعصبان على خِضاب أقرّ العينَ أن عُصبت يدّاها في أبيات له. يعني امرأته. في غير حديث أُحد. وتروى الأبيات أيضًا لمَعْقل بن خُويلد الهُذليّ. العقبة ما قاله ابن ماكولا في أم كُرْز بنْتِ الأَزَبِّ بن عَمْرو بن بَكِيل، وأنه قال: لا يُعْرَفُ الأَزْبَ في العرب إلاّ هذا، وأَزَبُّ العَقَبَةِ، وذكرنا حديثَ ابن الزبير الذي ذكره القُتَبِيُّ إذ رأى رجلاً طوله شبران على بَرْذَعَةِ رَحْلِه، فنفضها منه، ثم عاد إليه، فقال: ما أنت؟ قال: أنا أزَبُّ، قال: وما أَزَبُّ قال: رَجُلٌ من الجنِّ وذكر باقي الحديث، ففي هذا الحديث ما يدل على أنه أَزَبُّ مع قول يَعْقُوبَ في الألفاظ: الإزْبُ: الرجُل القَصير، والله أعلم هل الإزْبُ: والأَزَبُّ شيطانٌ واحدٌ أو اثنان، ويقال: الموضع الذي صرخ منه الشيطان جَبَلُ عينين، ولذلك قيل لعثمان رضِي الله عنه: أَفَرَرْتَ يوم عَيْنَيْن، وعَيْنَان أيضًا: بَلَدٌ عند الحِيّرة، وبه عُرِف خُلَيْدُ عَيْنَيْنِ الشاعر. (١) العياب: الثياب ملطخة بالدم. ٢٦٣ شعر حسَّان في عمرة الحارثية: قال ابن إسحق: وقال حسَّان بن ثابت في شأنَ عمْرة بنت عَلقمة الحارثيَّة ورَفْعها اللواء: جَدَاية شُرْكٍ مُعْلَماتِ الحواجِبِ إذا عَضَلٌ(١) سِيقَتْ إِلَيْنا كأنها وُزْناهُم بالضَّرْب من كلّ جانب أقَّمْنا لهُم طَعْنًا مُبِيرًا مَنَكِّلا يُباعون في الأسواق بيع الجَلائب فلَوْلا لواء الحارثيَّة أصبَحُوا قال ابن هشام: وهذه الأبيات في أبيات له. ما لقيه الرسول يوم أحد: قال ابن إسحق: وانكشف المسلمون، فأصابَ فيهم العدوّ، وكان يومَ بلاء وتَمْحيص، أكرم الله فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، حتى خلص العدوّ إلى رسول اللهِ وَِّ. فَدُثْ بالحجارة حتى وقع لشِقُه، فَأُصيبت رَباعِيَتُه، وشُجّ في وجهه، وكُلّمت شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقّاص. قال ابن إسحاق: فحدّثني حُميد الطّويل، عن أنس بن مالك، قال: كُسِرَتَ رَبَاعِيَّةُ النبيّ ◌ََّ يوم أُحد، وشُجُ في وجهه، فجعل الدمُ يَسيل على وجهه، وجعل يَمْسح الدم وهو يقول: كيف يُفلح قَوْم خَضَبوا وجه نبيِّهم، وهو يدعوهم إلى ربهم! فأنزل الله عزّ وجلّ في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٍ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾(٢). حال من رموا النبيّ: فصل: وذَكَر ابن قَمِئَةَ، واسمُه عبدُ الله، وهو الذي قتل مُصْعَبَ بن عُمَيْرٍ، وجَرَحَ وَجْهَ رسولِ اللهِ - رَ﴿َ - وعُثْبَةُ بن أبي وَقَّاصٍ أخو سَعْدٍ، هو الذي كَسَرَ رَبَاعِيَّتَه - عليه السلام - ثم لم يولد من نَسْلِه وَلَدٌ، فَبَلَغَ الحُلُمَ إلاَّ وهو أَبْحُر أو أَهْتَمُ يُعْرَف ذلك في عقبه . وممن رماه يومئذ عبدُ الله بن شِهَابٍ جَدُّ شيخ مالكِ مُحمَّدٍ بن مُسْلِم بن عبدِ الله بنِ شهاب، وقد قيل لابن شهابَ: أكان جَدَّكَ عبد الله بن شهاب مِمَّن شَهِد بدرًا؟ قال: نعم، (١) عضل: رجال دهاة. (٢) سورة آل عمران آية رقم (١٢٨). ٢٦٤ قال ابن هشام: وذكر رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبي سَعيد الخُذريّ عن أبيه، عن أبي سَعيد الخُذريّ: أن عُتبة بن أبي وقّاص رمى رسولَ الله وَّهِ يومئذ، فكَسَر رَباعيته اليُمنى السُّفلى، وجرح شفته السُّفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجَّه في جبهته، وأن ابن قَمِئَة جَرح وَجْنته فدخلت حلقتان من حَلَق المغفر في وجنته، ووقع رسول اللهِ وَّ في حُفْرة من الحُفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المُسلمون، وهم لا يعلمون؛ فأخذ عليّ بن أبي طالب بيد رسول الله وَّه، ورَفعه طَلحة بن عبيد الله حتى استوَى قائمًا، ومصَّ مالك بن سِنَانٍ، أبو أبي سعيد الخُدري، الدمّ: عن وجه رسول الله وَلقوله ثم ازدرده؛ فقال رسول الله وَالرّ: ((من مَسَّ دمي دمَه لم تُصبه النار)). ولكن من ذلك الجانب يعني مع الكُفَّار، وعبدُ الله هذا هو عبدُ الله الأصغر، وأما عبد الله بن شِهَابٍ، وهو عبد الله الأكبرُ، فهو من مُهَاجِرَةِ الحَبَشَةِ، تُوُفِّي بمكةً قبل الهجرة، وقد اختلف فيهما أيّهما كان المهاجرُ إلى أرضِ الحبشةِ، فقيل: الأكبر، وقيل: الأصغرُ، وكان أحدهما جَدَّ الزُّهْرِيِّ لأبيه، والآخرُ لأُمُّه، وقد أسلم الذي شَهِد أُحُدًا مع الكُفَّار، وجَرَحَ رسولَ الله - ێ - فالله ينفعه بإسلامه. أسماء أجزاء الليل: وذكر مالِك بن سِنَانٍ والدَ أبي سَعِيدِ الخُذْرِيِّ مِنْ بَنِي خُذْرَةً، وهو الحارِثُ بن الخَزْرَج، والخُدْرَةُ في اللغة: نحو من خُمْسِ اللَّيْلِ، وبعده اليَعْفُور، وهو خُمْسٌ آخر من الليل، وبعده الجَهْمَةُ والسُذْقَةُ، والذي قبل الخُذْرَةِ يقال له: الهَزِيعُ، كل هذا من كتابٍ ◌ُرَاع. عن الدم والبول: وذكر أن ابن مالكَ سِنَانٍ مَصَّ دَمَ رسول الله - ◌َ ﴿ - وازْدَرَدَهُ، وقد فعل مثلَ ذلك ابنُ الزُّبَيْرِ، وهو غُلاَمٌ حَزَوَّرُ حين أعطاه رسولُ الله - وََّ ـ دَمَ مَحَاجِمِه لِيَدْفِئَه فَشَرَبَه، فقال له النبيُّ ◌ََّ - كما قال لمالِكِ حين ازْدَرَدَ دَم جُرْجِه: (مَنْ مَسٌ دَمُه دَمِي، لم تُصِبْه النَّارُ))(١). لكنه قال لابن الزَّبَيْر: وَيْلٌ لَكَ من الناسِ وَوَيْلٌ للناسِ منك. ذكره الدَّارَقُطْنِي فِي السَّنَن، وفي هذا من الفِقْهِ أن دَمَ رسولِ الله - رَّه - يخالف دَمَ غيرِه في التَّخْرِيم وكذاك بَوْلُه قد شَرِبَتْهُ أُمَّ أَيْمَنَ حين وجدته في إناء من عِيدانِ تحت سَرِيرِهِ، فلم يُنْكِر ذلك عليها، وذلك والله أعلم للمعنى الذي بَيِّنَاه في حديث نزول المَلَكين عليه حين غَسَلاَ جوفَه بالثّلْج في (١) أخرجه ابن عساكر في تهذيبه (١١٢/٦). ٢٦٥ قال ابن هشام: وذكر عبدُ العزيز بن محمد الدَّراوردي: أن النبيَّ وَّ قال: ((من أحبَّ أن يَنظُر إلى شَهيد يَمْشي على وجه الأرض فلينظر إلى طَلْحة بن عُبيد الله))(١). وذكر، يعني عبد العزيز الدَّرَاوَزْدِي، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة، عن عيسى بن طُلْحة، عن عائشة، عن أبي بكر الصدّيق: أن أبا عُبيدة بن الجرّاحِ نَزَع إحدى الحَلْقتين من وَجْه رسول اللهِ وَّ، فسقطت ثَنِيَّتُه، ثم نزع الأخرى، فسَقطت ثنَّيته الأخرى، فكان ساقطَ الثَِّيَّتين. شعر حسان في عتبة وما أصاب به الرسول: قال ابن إسحاق: وقال حسَّان بن ثابت لعُتبة بن أبي وقّاص : وضَرَّهم الرَّحمَن ربّ المَشارِقِ إِذَا الله جازَى مَعْشَرًا بِفِعالِهم ولقاك قَبْل الموت إحدى الصَّوَاعق فأخْزاك ربي يا عُتَيْبَ بن مالك فأدميت فاهُ، قُطّعَت بالبَوارق بَسَطْتَ يمينًا للنَّبيّ تَعَمُّدًا فهلاً ذكرتَ الله والمَنْزِل الذي تَصِير إليه عند إحدى البوائِق قال ابن هشام: تركنا منها بيتين أقذع فيهما. ابن السكن وبلاؤه يوم أحد: قال ابن إسحاق: وقال رسول الله وَّل، حين غَشيه القومُ: ((مَن رجلٌ يَشْري لنا نفسَه؟ كما حدّثني الحُصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن عمرو، قال: فقام زياد بن السَّكَن في نفر خَمْسة من الأنصار - وبعضُ الناس يقول: إنما هو عُمارة بن يزيد بن السَّكَن - فقاتَلوا دون رسولِ اللهِ وَّرَ، رجلاً ثم رجلاً، يُقْتَلون دونه، حتى كان آخرهم زياد أو عُمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فِئةٌ من المُسلمين، فأجْهَضُوهم عنه، فقال رسولُ الله بَرَ: ((أدْنُوه مني))، فأدنَوْه منه، فوسَّده قدَمه، فمات وخدُّه على قَدم رسول الله وَلَهُ. طَسْتِ الذَّهَبِ، فصار بذلك من المتطهِّرين، وبَيَّنَا أيضًا هنالك أنه من المُتَطَهْرِين كأُمَّتِه لِتَطِهْرِهِ من الأحداث، والحمد لله، إلاّ أن أبا عُمَر النَّمَرِيَّ ذكر في الاستيعابِ أن رجلاً من الصَّحابة اسمه: سَالمٌ حَجَمَ رسول الله - رَّهِ - ثم ازْدَرَدَ دَمَه، فقال له رسول الله وَّه: ((أما عَلِمْت أن (١) أخرجه الطبراني (٧٦/١) وابن أبي عاصم (٦١٤/٢) وابن عساكر (٨/٧). ٢٦٦ حديث أم سعد عن نصيبها في الجهاد يوم أحد: قال ابن هشام: وقاتلت أُمّ عُمارة، نُسيبة بنت كعب المازنيَّة يوم أُحد. فذكر سَعيد بن أبي زيد الأنصاريّ: أن أُم سعد بنت سَعْد بن الرَّبيع كانت تقول: دخلتُ على أُم عُمارة، فقلت لها: يا خالة، أخبريني خَبرك، فقالت: خرجتُ أوّل النهار وأنا أنظرُ ما يَصْنع الناس، ومعي سِقاء فيه ماء، فانتهيتُ إلى رسول الله وَّرَ، وهو في أصحابه، والدولةُ والريح للمُسلمين. فلما انهزم المُسلمون، انحزتُ إلى رسول الله وَتِه فقُمْت أُباشر القِتال، وأدبّ عنه بالسَّيف، وأزمي عن القَوْس، حتى خَلَصت الجراحُ إليّ. قالت: فرأيتُ على عاتقها جُرحًا أجْوَفَ له غَوْر، فقلت: من أصابك بهذا؟ قالت: ابن قَمِئَة، أقمأه الله! لما ولّى الناسُ عن رسول الله وَ لَّ أقبل يقول: دلّوني على محمد، فلا نّجَوْتُ إن نجا، فاعترضتُ له أنا ومُصْعَبُ بن عُمَيْر، وأُنَاسٌ ممَّن ثَبَت مع رسولِ الله ◌ََّ، فضَربني هذه الضَّربةَ، ولكن فلقد ضَربته على ذلك ضَربات، ولكنّ عدوّ الله کان علیه دِزعان. أبو دجانة وابن أبي وقاص يدفعان عن الرسول: قال ابن إسحق: وتَرّس دون رسول الله وَلَّ أبو دُجَانَةً بنفسه، يقع النَّلُ في ظهره، وهو مُنْحنٍ عليه، حتى كُثر فيه النَبلُ. ورمى سعدُ بن أبي وقّاصٍ دون رسولِ الله وَّ. قال سعد: فلقد رأيتُه يُناولني النَّبل وهو يقول: ارمٍ، فِداك أبي وأمي، حتى إنه ليناولني السّهم ما له نَضْل. فيقول: ارمٍ به. بلاء قتادة وحديث عينه: قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصمُ بن عمر بن قتادة أنَّ رسولَ الله بَّهِ رَمى عن قَوْسه حتى اندقَّت سِيَتُها، فأخذها قَتَادة بن النُّعْمَانِ، فكانت عنده، وأُصيبت يومئذ عينُ قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته. قال ابن إسحق: فحدّثني عاصم بن عُمَرَ بن قَتَادة: أن رسولَ الله وَلِّ رَدَّها بيده، فكانَتْ أَحْسَنَ عَيْنِيه وأَحَدَّهما. الدَّمَ كُلَّه حَرَامٌ؟)) غير أنه حديث لا يُعْرَفُ له إسْنَادٌ والله أعلم وحديث ابنُ الزُّبَيْر الذي تقدم ذكرُه روي الزُّبَيْر بن أبي بَكْرِ ما يَشُدُّه ويُتَمِّمُ معناه. قال في حديث أسنده: لما وُلد عبدُ الله بن الزُّبَيْر نظر إليه رسولُ اللهِ وَّرَ، فقال: هو هو، فلما سمعت بذلك أسماءُ أُمُّه، ٢٦٧ شأن أنس بن النضر: قال ابن إسحاق: وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عديّ بن النجَّار، قال: انتهى أنسُ بن النَّضر، عمّ أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطّاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقَوْا بأيديهم، فقال: ما يُجلسكم؟ قالوا: قُتْل رسولُ اللهِ وَل﴿، قال: فماذا تُصْنعون بالحياة بعده؟ (قوموا) فمُوتوا على ما مات عليه رسولُ اللهِ وَّةِ، ثم استقبل القومَ، فقاتل حتى قُتل، وبه سمّي أُنْس بن مالك. قال ابن إسحاق: فحدّثني حُميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: لقد وجدنا بأنس بن النَّضر يومئذ سَبعين ضربة، فما عَرفه إلا أختُه، عرفته ببناته. ما أصاب ابن عوف من الجراحات: قال ابن هشام: حدّثني بعض أهل العلم: أن عبد الرحمن بن عوف أُصيب فُوه يومئذ فهُتم، وجُرح عشرين جراحة أو أكثر، أصابه بعضُها في رِجله فعَرج. أوّل من عرف الرسول بعد الهزيمة: قال ابن إسحاق: وكان أوّل من عَرف رسولَ الله ◌ِ ﴿ بعد الهزيمة، وقولِ الناس: قُتل رسولُ اللهِ وَ﴿، كما ذكر لي ابنُ شهاب الزهريّ كعبُ بن مالك، قال: عرفت عينيه تزهران من تحت المَغْفر، فناديتُ بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله ◌َ﴿، فأشار إليّ رسول الله وَلثور: ((أن أنْصِت)). قال ابن إسحق: فلما عرف المُسلمون رسول الله وَ لّ نهَضوا به، ونهَض معهم نحو الشّعب، معه أبو بكر الصدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعليّ بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزُّبير بن العوّام، رضوان الله عليهم، والحارث بن الصمّة، ورهط من المسلمین. أمسكت عن إرضاعه، فقال لها - عليه السلام: أرْضِعِيه، ولو بماء عينيك، كَبْشٌ بين ذِئَابٍ، وذِئابٌ عليها ثِيَابٌ لَيَمْنَعَنَّ البيتَ، أو لَيُقْتَتَلَنَّ دونه(١). (١) انظر جامع المسانيد (٨٠٩/٢). ٢٦٨ قتل الرسول لأُبيّ بن خلف (قال): فلما أُسْنِد رسولُ اللهِ وَّهِ فِي الشّعْب أدركه أُبَّ بنُ خَلفٍ وهو يقول: أيْ محمد، لا نَجَوْتُ إن نَجَوْتَ، فقال القوم: يا رسول الله، أَيَعْطِف عليه رَجُلٌ مِنَّا؟ فقال رسولُ اللهِ وَِّ: ((دَعُوه))؛ فلمَّا دنا، تناول رسولُ اللهِ وَّهِ الحَرْبَة من الحارث بن الصِّمَّةِ يقول بعضُ القوم، فيما ذُكر لي: فلما أخذها رسولُ اللهِ وََّ منه انْتَفَضَ بها انْتِفَاضَةً، تَطَايَرْنا عنه، تَطَايُرَ الشَّغراء عن ظهر البعير إذا انتفض بها - قال ابن هشام: الشعراء: ذباب له لدغ - ثم استقبله فطَعَنه في عُنقه طَعنة تَدَأْدأ منها عن فَرَسه مرارًا. قتل الرسول لأُبيّ بن خلف(١) فصل: وذكر قتلَ رسول الله وَّهَ لأُبيِّ، وفيه: تَطَايَرْنا عنه تطَايُرْ الشَّعْرَاءِ عن ظَهْرٍ البَعِير. الشّعْراءُ: ذُبَابٌ صَغِيرٌ له لَذْغٌ، تقول العَرَبُ في أمثالها: قيل للذُتْبِ: ما تقول في غُنَيْمَةٍ تَحْرُسُها جُوَيْرِيَةٌ؟ قال: شُحَيْمَةٌ في حَلْقِي، قيل: فما تقول في غُنَيْمَةٍ يحسرها غُلَيْمُ؟ قال: شَعْرَاءُ في إبْطي أخشى خطَواتِه الخطوات: سِهَامٌ من قُضْبَان لَيْنَةٍ يتعلم بها الغِلَمان الرَّمْيَ وهي الجُمَّاحُ أيضًا قال الشاعر: بِسَهْمٍ غير جُمَّاحٍ أَصابَتْ حبَّةَ القَلْبِ من كتابٍ أبي حَنِيفَة، ورواه القُتَبِيُّ: تَطَايُرَ الشُّعْرِ، وقال: هي جَمْع شَعْراء، وهي ذُبَابٌ أَصْغَرُ من القَمَعِ(٢)، وفي الحديثِ من غير رواية ابنِ إسحقٍ فَزَجَلَه بالحَرْبَةِ، أي رَمَاه بها . (١) انظر الخبر في البداية (٣٣/٤) والطبري في تاريخه (٦٧/٢) ط. دار الكتب العلمية. وكلاهما مرسل. (٢) القمع: جمع قمعة. ضرب من الذباب الصغير. ٢٦٩ قال ابن هشام: تَداداً، يقول: تَقَلَّب عن فَرَسه، فجعلَ يَتَدَخْرِجُ. قال ابن اسحق: وكان أُبَيّ بن خلف، كما حدّثني صالحُ بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، يَلْقى رسولَ اللهِ وَل ◌َه بمكّة، فيقول: يا محمد إن عندي العَوْذَ، فَرَسًا أعْلفه كلّ يوم فَرَقًا من ذرة، أقتلك عليه؛ فيقول رسولُ اللهِ وَلّور: ((بل أنا أقتُلك إن شاء الله). فلما رجَع إلى قُريش وقد خَدَشه في عُنقه خَدْشًا غيرَ كبير، فاحتقَن الدمُ، فقال: قَتَلني والله محمد! قالوا له: ذهب والله فؤادك! والله إنْ بك من بأس؛ قال: إنه قد كان قال لي بمكّة: أنا أقتلك، فوالله لو بَصَق عليّ لقتَلني. فمات عدوّ الله بسَرف وهم قافلون به إلی مگّة. شعر حسَّان في مقتل أبيّ بن خلف: قال ابن إسحاق: فقال حسَّان بن ثابت في ذلك: لَقَدْ وَرِثَ الضَّلالةَ عَن أبيهِ أتَيت إليه تَحمِل ◌ِمَّ عَظُم(١) وقد قَتَلَتْ بنو النَّجَّارِ مِنكُم وتَبّ ابنا ربيعَة إِذْ أطاعا وأفلت حارثٌ لما شَغَلنا قال ابن هشام: أُسرته: قبيلته. وقال حسَّان بن ثابت أيضًا في ذلك: ألا مَنْ مُبْلِغْ عتّي أُبِيًّا تَمنَّى بالضّلالةِ من بَعيدٍ تَمَنِّيكَ الأمانِي مِنْ بَعِيدٍ فقْد لاقَتْك طعنةُ ذي حِفاظٍ له فَضْلٌ على الأحياءِ طُرًا(٣) أُبيّ يوم بارَزه الرسول وتُوعِده وأنتَ به جَهول أُمَيَّةَ إذ يَغوّثُ: يا عَقِيل أبا جَهْل، لأُمهما الهُبول(٢) بأسر القَوْم، أُسْرته فَليل لقد أُلقيت في سُحق السَّعير وتُقَسِم إِنْ قَدَرتَ مع النُذور وقَوْلُ الكفْرِ يَرجع في غُرور كريم البيتِ ليسَ بذي فُجور إذا نابَتْ مُلِمَّاتُ الأمُورِ (١) رمّ عظم: أي عظم بالي. (٣) طُرًا: جمعًا. (٢) الهبول: الثكلى. ٢٧٠ انتهاء الرسول إلى الشعب: (قال): فلما انتهى رسولُ الله ◌َّوَ إلى فَم الشّعب خرج عليّ بن أبي طالب، حتى ملأ دوقته ماءً من المِهْراس، فجاء به إلى رسول الله وَلو ليشرب منه، فوَجده له ريحًا، فعافه، فلم يَشْرب منه، وغسل عن وجهه الدم، وصبّ على رأسه وهو يقول: اشتدّ غَضبُ الله على من دمّى وجه نبيه(١) . حرص ابن أبي وقّاص على قتل عتبة: قال ابن إسحاق: فحدّثني صالح بن كيسان عمَّن حدّثه(٢) عن سَعد بن أبي وقّاص أنه كان يقول: والله ما حَرَصت على قَتْل رجل قطّ كحِرصي على قَتْل عُتبة بن أبي وقّاص، وإن كان ما علمتُ لسَيِّىءَ الخلق مبغَضًا في قومه، ولقد كَفاني منه قولُ رسول الله ◌َّهُ: ((اشتدّ غضبُ الله على من دمَّی وجه رسوله)). حول عين قتادة: وذكر قَتَادَةَ بن النّعمان بن زَيْدٍ، وهو أخو أبي سَعِيد الخُذْرِيّ لأُمه، وهو الرَّجلُ الذي سَمِعه رسولُ اللهِ وَ - يقرأ: ﴿قل هُوَ الله أَحَد﴾، يُرَدِّدُها، فقال: وَجَبَتْ، وحديثُه في المَوَطَّأ، وذكر أن عَيْنَه أُصيبت يوم أُحُدٍ. رُوي عن جابر بن عبد الله، قال: أَصيبت عينُ رَجُلٍ منّا يوم أُحُدٍ، وهو قَتَادَةُ بن الثُّعْمان، حتى وقعت على وَجُنتِه، فأتينا به رسول الله - رَّه - فقال: إن لي امرأةً أُحِبُّها، وأخشى إنْ رَأَتْنِي أَنْ تَقْذَرَنِي، فأخذها رسولُ الله - نَّهِ - بيده ورَدَّها إلى مَوْضِعِها، وقال: ((اللَّهُمْ اكْسُبه جَمَالاً، فكانت أَحْسَنَ عَيْنَيْه، وأحَدَّهُما نَظَرًا، وكانت لا تَرْمَدُ إذا رَمِدَت الأخرى)»(٣)، وقد وَفَد على عُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيز - رحمه الله - رجلٌ من ذُرِّيَّتِهِ، فسأله عمرُ من أنت؟ فقال: فَرُدَّتْ بكفِّ المُصْطَفَى أَيَّمَا رَدْ أنا ابنُ الذي سالت على الخَدِّ عَيْنُه فيا حُسْنَ مَا عَيْنٍ ويَا حُسْنَ مَا خَدِّ فعادت كما كانت لأوّل أمرها فقال عُمَرُ بنُ عَبْدِ العزيز رضي الله عنه : تلك المكارِمُ لا تَعْبانِ(٤) من لَبَنِ شَيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالاً (١) أخرجه الطبري في تاريخه (٦٧/٢) وابن حبّان (٢٢١٢) والبيهقي في الدلائل (٢٦٥/٣) والطبراني (٣٦٦/١) وأحمد (٢٨٨/١). (٢) مجهول. (٤) قعبان: القعب القدح الضخم. (٣) أخرجه البيهقي في الدلائل (٢٥٢/٣). ٢٧١ صعود قريش الجبل وقتال عمر لهم: قال ابن إسحاق: فبينا رسول الله وَ﴿ل بالشعب، معه أولئك النَّفر من أصحابه، إذ عَلَت عاليةٌ من قريش الجبلَ. قال ابن هشام: كان على تلك الخَيل خالد بن الوليد. قال ابن إسحاق: فقال رسولُ اللهِ وَلّر: ((اللهمّ إنه لا ينبغي لهم أن يَعْلونا!))(١) فقاتل عمرُ بن الخطّاب ورهَطَ معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل. ضعف الرسول عن النهوض ومعاونة طلحة له : قال ابن إسحاق: ونَهض رسولُ الله ◌َّله إلى صَخْرة من الجبل ليعلوها، وقد كان بَدَّن(٢) رسولُ اللهِ وَّ، وظاهر بين دِرْعين، فلما ذَهب ليَنْهض وَّ لم يَسْتطع، فجلس تحته طلحة بن عبيد الله، فنهض به، حتى استوَى عليها. فقال رسول الله وَ لّر، كما حدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، قال: سمعت رسولَ الله # يومئذ يقول: ((أوجب طلحة حين صنع برسول الله وَلِيمٍ ما صنع))(٣). قال ابن هشام: وبلغني عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رسول الله وَّ لم يبلغ الدَّرجة المبنيّة في الشّعب. صلاة الرسول قاعدًا: قال ابن هشام: وذكر عمر مولى غُفْرة: أن النبيّ وَّهِ صلّى الظهر يوم أُحد قاعدًا من الجراح التي أصابته، وصلّى المُسلمون خلفَه قُعودًا. فَوَصَلَه عُمَرُ، وأحسن جائزته، وقد رُوي أنَ عَيْنَيْه جميعًا سَقَطَتا، فردّهما النبيُّ - رَّ - رواه محمدُ بن أبي عثمان [أبو مَرْوان الأمَوِيّ] عن مَالكِ بن أنَسٍ عن مُحَمَّدٍ بن عَبْد الله بن أبي صَعْصَعَةً عن أبيه عن أبي سَعِيدٍ عن أخيه قَتَادَةَ بن النعمان قالَ: أُصيبت عَيْناي يوم أُحُدٍ، فسقطتا على وَجْنَتَيَّ، فأتيتُ بهما النبيَّ - نََّـــ فأعادهما النبيُّ - ◌ِِّ ـ مكَانَهُمَا، وبَصَقَ فيهما (١) أخرجه الطبري في تفسيره (٩٠/٤) والبيهقي في الدلائل (٢٣٨/٣). (٢) بَدَّن: أي كبر سنه. (٣) أخرجه الترمذي (٣٨٣٨) وأحمد (١٦٥/١) والحاكم (٢٥/٣) والبيهقي في الدلائل (٢٣٨/٣) وابن حبّان (٢٢/٢ - موارد) وابن سعد (١٥٥/١/٣) وابن أبي عاصم (٦١٢/٢). ٢٧٢ مقتل اليمان وابن وقش : قال ابن إسحاق: وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله وَل حتى انتهى بعضُهم إلى المُنقَّى، دون الأعوص. قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لَبيد، قال: لما خرج رسولُ اللهِ وَ إلى أَحد، رَفع حُسَيل بن جابر وهو اليمان أبو حُذيفة بن اليمان، وثابت بن وَقْش في الآطام مع النساء والصّبيان، فقال أحدهما لصاحبه، وهما شَيْخان كَبيران: لا أَبَالَكَ، ما تنْتَظِرِ؟ فوالله لا بَقِيَ لواحد منَّا من عمره إلا ظِمْء حِمار، إنما نحن هامةُ اليوم أو غدٍ، أفلا نأخذ أسيافَنا، ثم نَلْحق برسولِ الله وَ له، لعلّ الله يرزقنا شهادةً مع رسولِ اللهَ وَ﴿؟ فأخذَا أسيافهما ثم خَرجا، حتى دخلا في الناس، ولم يُعْلم بهما، فأمَّا ثابت بن وَقْش فقَتله المُشْركون، وأما حُسَيل بن جابر فاختلفت عليه أسيافُ المُسلمين، فعادتا تَبْرُقَان. قال الدَّارَقُطْنِي: هذا الحديثُ غَرِيبٌ عن مالكِ، تفرّد به عَمَّارُ بن نَصْرٍ، وهو ثِقةٌ ورواه الدَّارَقُطْنِي عن إبراهيم الحَرْبِيِّ عن عَمَّار بن نَصْر [السَّعْدِي أبو ياسر المَرْوزِيّ]. حول نسب حذيفة اليماني: فصل: وذكر ثابت بن وَقْشٍ، والوَقْشُ: الحركة، وحُسَيْل بن جابر والد حُذَيْفَة بن اليَمَانِ، وسُمِّي حُسَيْل بن جابر الْيَمَانِي، لأنه من ولد جِرْوَة بن مازن بن قُطَيْعَةَ بن عَبْس [بن بغيض] وكان جِرْوَةُ قد بَعُد عن أهله في اليَمَنِ زَمَنًا طويلاً، ثم رجع إليهم فسَمَّوْه اليَمَانِي، وحُذَيْفَةُ بن اليَمَانِ يُكْنَى أبا عَبْدِ الله حليف بني عبد الأشْهَلِ أَمُّهُ الرَّبَابُ بنتُ كَعْبٍ. قال ابن إسحق: فاخْتَلَفَتْ عليه: يَعْني اليَمَانِي أسيافُ المسلِمين. وفي تفسير ابن عباس: إن الذي قتله منهم خطأً هو عُثْبَةُ بن مَسْعُودٍ أخو عبدِ الله بن مَسْعُودٍ، وجَدُّ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ بن مَسْعُودٍ الفقيه، ذكره عَبْد بن حميد في التَّفْسِير، وعُثْبَةُ هو أوَّلُ من سَمَّى المُصْحَفَ مُصْحَفًا، فيما روى ابنُ وَهْبٍ في الجامع. الهامة والظمء: وقول ثابت بن وَقْشِ وحُسَيْل: إنما نحن هَامةُ اليوم أَوْ غَدٍ، يريد: الموتَ، وكان من مذهب العربِ في الميت أَنَّ رُوحَه تصير هَامةً، ولذلك قال الآخر: وكيف حَيَاةُ أَصْدَاءٍ وهَام وقوله: لم يَبْقَ من عُمْرِنا إلاَّ ظمء حمَارٍ. إنما قال ذلك، لأن الحمار أقْصَرُ الدَّوابُ ظِمِئًا، والإِبل أطولُها أظْمَاءً. ٢٧٣ الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ١٨ فقتلوه ولا يَعْرفُونه، فقال حُذيفة: أبي، فقالوا: والله إنْ عرفناه، وصدَقوا. قال حُذَيفة: يَغْفِر الله لكم وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله ﴿ ﴿ أَن يَدَيه؛ فتصدّق حُذيفة بدِيّته على المُسلمين؛ فزَاده ذلك عند رسول الله بَله خيرًا . مقتل حاطب ومقالة أبيه: قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصمُ بن عمر بن قتادة: أن رجلاً منهم كان يُدعى حاطب بن أُميَّة بن رافع، وكان له ابنٌ يقال له: يزيد بن حاطب، أصابته جراحةٌ يوم أُحد، فُأْتِي به إلى دار قومه وهو بالمَوْت، فاجتمع إليه أهلُ الدار، فجَعل المُسلمون يقولون له من الرجال والنساء: أبشر يا ابن حاطب بالجنَّة؛ قال: وكان حاطب شيخًا قد عسا في الجاهليَّة، فنجَمَ يومئذ نفاقُه، فقال: بأيّ شيء تبشِّرونه؟ بجَنَّة من حَرْمل! غررتم والله هذا الغلامَ من نفسه. مقتل قزمان منافقًا كما حدّث الرسول بذلك: قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: كان فينا رجلٌ أَتِيُّ لا يُدرَى ممَّن هو، يقال له: قُزْمَان، وكان رسولُ الله وَله يقول، إذا ذُكر له: إنه لمن أهل النار، قال: فلما كان يوم أُحد قاتلَ قتالاً شديدًا، فقتل وحدَه ثمانية أو سبعة من المشركين، وكان ذا بأس، فأثبتته الجراحة، فاحتُمِل إلى دار بني ظَفَر، قال: فجعل رجالٌ من المسلمين يقولون له: والله لقد أبلَيتَ اليوم يا قُزْمان، فأبشِر، قال: بماذا أبشر؟ فوالله إن قاتلتُ إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلتُ. قال: فلما اشتدّت عليه جراحته أخذ سَهمًا من کِنانته، فقتل به نفسه. حول بعض رجال أُحد: وذكر قُزْمَانَ، وهو اسم مأخوذٌ من القَزَم، وهو رُذَالُ المالِ، ويقال: القُزْمَان: الرَّدِيء من كُلِّ شيءٍ. وذكر الأُصَيْرِمَ، وهو عَمْرو بنَ ثابت بن وقُش، ويقال فيه: وَقَش بتحريك القاف. وقول حاطب المُنَافِقِ: الجَنَّةُ من حَرْمَلٍ، يريد الأرضَ التي دُفِن فيها، وكانت تُنْبِتُ الحَرْمَلَ (١) أي: ليس له جَنَّةٌ إلاَّ ذَاك. (١) الحرمل: ضرب من النبات. ٢٧٤ قتل مخيريق : قال ابن إسحاق: وكان ممن قُتل يوم أُحد مُخَيْرِيقٍ، وكان أحدَ بني ثَعْلبة بن الفِطْيون، قال: لما كان يوم أحد، قال: يا مَعْشَر يَهُودَ، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لَحَقٌّ، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سَبْتَ لكم. فأخذ سيفَه وعُدّته، وقال: إن أُصِبتُ فمَالي لمحمَّد يَصْنع فيه ما شاء، ثم غدا إلى رسول الله وَ﴿، فقاتل معه حتى قُتل؛ فقال رسولُ اللهِوَلّره - فيما بلغنا -: ((مُخَيريق خير یهود» . أمر الحارث بن سويد: قال ابن إسحاق: وكان الحارث بن سُوَيد بن صامت مُنافقًا، فخرج يوم أُحد مع المسلمين، فلما التقَى الناسُ، عدَا على المُحذَّر بن ذِياد البَلَوي، وقَيْس بن زيد، أحد بني ضُبَيعة، فقَتلهما، ثم لَحق بِمِكَّة بقُريش؛ وكان رسولُ اللهِ وَلَ - فيما يذكرون - قَد أمر عُمَر بن الخطّاب بقَتْله إنْ هو ظفر به، ففاتَه، فكان بمكّة؛ ثم بعث إلى أخيه الجُلاس بن سُويد يطلب التوبةَ، ليرجع إلى قومه. فأنزل الله تعالى فيه، فيما بلغني؛ عن ابن عبّاس: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانهمْ وشَهِدُوا أَنْ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيْنَاتُ وَاللَّه لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِين﴾(١) إلى آخر القصّة. تحقيق ابن هشام فيمن قتل المجذر: قال ابن هشام: حدّثني مَنْ أثق به من أهل العلم(٢): أنّ الحارث بن سُويد قَتل المُجذّر بن ذياد، ولم يَقْتل قيسَ بن زيد، والدليل على ذلك: أن ابن إسحق لم يذكره في قَتْلى أُحد؛ وإنما قَتل المُجذّر لأن المُجذّر بن ذياد كان قتل أباه سُويدًا في بعض الحروب التي كانت بين الأوس والخزرج، وقد ذكرنا ذلك فيما مضى من هذا الكتاب. فبّينا رسولُ اللهِ وَّرَ، في نفر من أصحابه، إذ خرج الحارث بن سُويد من بعض حَوائط المدينة، وعليه ثوبان مُضرَّجان، فأمر به رسول الله وَّ عثمانَ بن عفَّان، فضَرب عُنقه، ويقال: بعضُ الأنصار. (١) سورة آل عمران آية رقم (٨٦). (٢) مجهول. ٢٧٥ قال ابن إسحاق: قتل سويدَ بن الصَّامت معاذُ ابن عَفراء غيلةً، في غير حَرب رماه بِسَهْم فقَتله قبل يوم بُعاث. أمر أصيرم: قال ابن إسحاق: وحدّثني الحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سَعْد بن معاذ عن أبي سُفيان، مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هُرَيرة قال: كان يقول: حدّثوني عن رجل دَخَل الجنَّة لم يُصلّ قطّ، فإذا لم يعرفه الناسُ سألوه: من هو؟ فيقول: أصَيْرم، بني عبد الأشهل، عمرو بن ثابت بن وَقْش. قال الحُصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الأُصَيرم؟ قال: كان يأبى الإسلام على قومه. فلمَّا كان يوم خَرج رسولُ اللهِ وَلَه إلى أحد، بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفَه، فعدا حتى دخل في عُرض الناس، فقاتل حتى أثْبَتَتْه الجراحة. قال: فبينا رجالٌ من بني عبد الأشهل يَلْتمسون قَتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأُصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمُنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به، فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحَدَبٌ على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمتُ، ثم أخذت سَيْفي، فغدوتُ مع رسول الله وَّر، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم. فذكروه لرسول الله وَّر، فقال: ((إنه لمن أهل الجنة)). مقتل عمرو بن الجموح قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحقُ بن يسار، عن أشياخ من بني سلمة: أن عمرو بن الجموح كان رجلاً أعرج شديد العَرج، وكان له بَنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله وَّ ﴿ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حَبْسه، وقالوا له: إن الله ابن الجموع فصل: وذكر خبر عَمْرو بن الجَمُوح حين أراد بنوه أن يمنعوه من الخروج إلى آخر القصّة، وزاد غيرُ ابن إسحاق أنه لما خَرَجَ قال: اللَّهُمَّ لاَ تَرُدَّني، فاسْتشهد، فجعلوه بَنُوه على بَعير، ليحملوه إلى المدينة، فاسْتَصْعَبَ عليهم البعِيرُ، فكان إذا وَجَّهُوه إلى كُلِّ جهةٍ سارع إلاَّ جِهة المدينة، فكان يأبى الرجوع إليها، فلما لم يقدروا عليه ذكروا قوله: الّلهم لا تَرُدِّني إليها، فدفنوه في مَصْرَعَه(١). (١) لا صحة لقصة البعير. ٢٧٦ عزّ وجلّ: قد عَذَرَك، فأتى رسولَ الله وَّهِ، فقال: ((إن بنيّ يريدون أن يخبسوني عن هذا الوجه، والخُروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعَزْجتي هذه في الجنَّة))، فقال رسول الله وقالفيه: ((أمَّا أنت فقد عَذَرك الله فلا جهاد عليك، وقال لبنيه: ما عليكم أن لا تمنعوه، لعلّ الله أن يرزقَه الشهادة، فخرج معه فقُتل يوم أُحُد)). هند وتمثيلها بحمزة: قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة، كما حدّثني صالح بن كَيْسان، والنسوة اللاتي معها، يمثلن بالقَتْلى من أصحاب رسول الله وَّهِ، يجدّعن الآذان والأنُف، حتى اتخذت هند من آذان الرّجال وأنُفهمْ خَدَمًا وقلائد، وأعطت خَدَمها وقلائدها وقرَطتها وَخشيًا، غلام جُبير بنُ مطعم، وبقَرت عن كبد حمزة، فَلاكتها، فلم تستطع أن تُسيغها، فَلَفَظتها، ثم عَلت على صخرة مشرفة، فصَرَخت بأعلى صوتها فقالت: والحرب بعد الحَرْب ذات سُغْرٍ نحن جَزَيْناكم بيوم بَذْر ولا أخي وعمّه ويَكْري ما كان عن عُثْبة لي من صَبْر شَفَيتَ وَحْشِيّ غَليل صَدْري شَفَيتُ نفسي وقَضَيتُ نَذْري حتى تَرمَّ أعظُمي في قَبْري فشُكْر وَخْشِيّ عليّ عُمْري شعر هند بنت أثاثة في الرد على هند بنت عتبة: فأجابتها هند بنت أَثَاثَةَ بنِ عَبَّد بن المُطَّلِب، فقالت: يا بنتَ وقَّاعِ عظيم الكُفْرِ خَزِيتٍ في بدر وبعد بَذْر مِلْهَا شِمِيَّين الطُّوالِ الزُّهْرِ صَبَّحك الله غداةَ الفَجْرِ حكم (من) والساكن بعدها: فصل: وقول هند بنت أثَاثَة: مِلْ هاشِميّين الطُّوالِ الزُّهْرِ بِحَذْفِ النُّون من حَرْفِ مِنْ لالتقاءِ السَّاكِنَيْن، ولا يجوز ذلك إلاَّ في مِنْ وَخْدَها لكثرةِ استعمالها، كما خُصَّتْ نُونها بالفَتْح إذا التقت مع لام التعريف، ولا يجوز ذلك في نُونٍ ساكنةٍ غيرها، كرهوا تَوَالِيَ الكَسْرَتَيْن مع توالي الاستعمالِ، فإن التقت مع ساكِنٍ غير لام التعريف نحو مِنِ ابْنِك، ومِنِ اسْمِك، كسرت على الأصل، والقياس المُسْتَتِبُ. قال سيبَويْه: وقد فَتَحها قَومٌ فُصَحَاءُ يعني مع غير لام التعريف. ٢٧٧ حَمْزَةُ لَيْشي وعَلِيٍّ صَفْري بكلّ قُطّاعٍ حُسامٍ يَقْرِي فخَضبا منه ضواحي النّخر إذا رام شَيْبٌ وأبوك غَذري ونَذْرك السُّوء فَشرّ نَذْرٍ قال ابن هشام: تركنا منها ثلاثة أبيات أقذعتْ فيها. شعر لهند بنت عتبة أيضًا: قال ابن إسحاق: وقالت هند بنت عتبة أيضًا: حتى بَقَرْتُ بَطْنَه عن الكَبِدْ شَفَيتُ من حَمْزة نَفْسي بأُحد من لَذْعة الحُزنِ الشَّديد المُعْتمِد أَذْهَب عني ذاك ما كنتُ أجِد تُقْدِمِ إِقْدامًا عَليكم كالأسَد والحَرب تَعْلوكم بشُؤْبوب بَرِد تحريض عمر لحسان على هجو هند بنت عتبة: قال ابن إسحاق: فحدّثني صالح بن كَيْسان أنه حُدّث: أن عمرَ بن الخطّاب قال لحسَّان بن ثابت: يا ابن الفُرَيعة - قال ابن هشام: الفُريعة بنت خالد بن خنيس، ويقال: خُنيس: بنُ حارثة بن لَوْذان بن عبد ودّ بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج - لو سمعتَ ما تقول هِنْد، وأريت أشرَها قائمة على صخرة تَرْتجز بنا، وتذكر ما صنعتْ بحمزة؟ قال له حسَّان: والله إني لأنظر إلى الحَرْبةَ تَهْوِي وأنا على رأس فارع - يعني أُطْمَه - فقلت: والله إن هذه لسلاح ما هي بسلاح العَرب، وكأنها إنما تهوي إلى حَمْزة ولا أدري، لكن أسمِعْني بعض قَولها أكفكموها؛ قال: فأنشده عمرُ بن الخطّاب بعض ما قالت؛ فقال حسَّان بن ثابت : لُؤْمًا إذا أشرتْ مع الكُفْر أَشِرَتْ لَكاع وكان عادتُها قال ابن هشام: وهذا البيت في أبيات له تركناها، وأبياتًا أيضًا له على الدال. وأبياتًا أُخر على الذال، لأنه أقذع فيها. لكاع ولكع: وقول حَسَّان في هِنْدٍ: أَشِرَتْ لَكَاعٍ، جعله اسمًا لها في غير النِّداء، وذلك جائز، وإن كان في النِّداء أكثر، نحو يا غَدَارٍ ويا فَسَاقٍ، وكذلك لُكَعِّ، قد استعمل في غير النداء، نحو ٢٧٨ استنكار الحليس على أبي سُفيان تمثيله بحمزة: قال ابن إسحاق: وقد كان الحُليس بن زَبَّان، أخو بني الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيِّد الأبيش، قد مرّ بأبي سُفيان، وهو يضرب في شذق حمزة بن عبد المطّلب بزُجّ الرمح ويقول: ذُقْ عُقَقُ؛ فقال الحُلَيْس: يا بني كِنَانة، هذا سيِّد قُريش يصنع بابن عَمِّه ما تَرَون لحمًا؟ فقال: ويحك !! اكْتُمْها عني، فإنها كانت زلَّة. شماتة أبي سفيان بالمسلمين بعد أحد وحديثه مع عمر: ثم إن أبا سُفيان بن حَرْب، حين أراد الانصراف، أشرف على الجَبل، ثم صَرَخَ بأعلى صوته فقال: أنعمْتَ فعال، وإن الحرب سِجال يوم بيوم، أَعْلِ هُبَل، أي أظهر دينك، فقال رسول الله وَلهُ: قُمْ يا عُمر فَأَجِبْه، فقل: الله أعلى وأجلّ، لا سَوَاءَ، قَتلانا في الجنّة، وقَتْلاكم في النَّار. فلما أجاب عُمر أبا سُفيان، قال له أبو سُفيان: هَلُمّ إليّ يا عمر، فقال رسولُ اللهِ وَلَهُ لعُمر: ((ائته فانظر ما شَأْنُه؛ فجاءه، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا عمرُ، أقَتلْنا محمدًا؟ قال عمر: اللهمّ لا، وإنه ليسمع كلامَكَ الآن، قال: أنت أصدق عندي من ابن قَمِئَةَ وأبَرُّ؛ لقول ابن قَمِئة لهم: إني قد قتلت محمدًا. قال ابن هشام: واسم ابنِ قَمِئَةَ عبدُ الله. قوله عليه السلام: ((أين لكَعْ))(١) يعني: الحَسَن أو الحُسَيْن مُمَازِحًا لَهُمَا. فإن قيل: إن النبيَّ - وََّ ــ كان يَمْزَحُ، ولا يَقُول إلاَّ حَقًّا، فكيف يقول: أَيْنَ لُكَعْ وقد سمّاه سَيِّدًا في حديث آخر؟ فالجوابُ: أنه أراد التشبيهَ باللّكَع الذي هو الفَلُوّ أو المُهْرُ لأنه طفل كما أن الفَلُوَّ والمُهْر كذلك، وإذا قُصِد بالكلام قَصْدُ التشبيه، لم يكن كذبًا، ونحوه قوله عليه السلام: ((لا تَقُوم الساعةُ حتى يكون أسعدُ الناس في الدنيا لُكَعْ بنُ لُكَعِ))(٢)، واللُّكَعُ في اللغة: وَسَخُ الغُرْلَةِ، وهو أيضًا الفَلُوُّ الصَّغِيرُ، فمن أجل هذا جاز أن يُسْتَعْمِّل في غيرِ النِّداء، لأنه على هذا الوجه غيرُ مَعْدُولٍ كما عُدِل خُبَثُ عن خَبِيثٍ، وفُسَقُ عن فَاسِقٍ، وقال ابن الأَنْبَارِيِّ في الزَّاهر: اشتقاقُه من المَلاَكِعِ، وهو ما يخرج مع المولود من ماءِ الرَّحِم ودمِها، وأنشد : رَمَتِ الفَّلاَةَ بِمْعْجَلٍ مُتَسَزِيِلٍ غِرْسَ السَّلَى وَمَلاَكِعِ الأَمْشَاجِ (١) أخرجه البخاري (٢٠٥/٧) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٢٢) وأحمد (٥٣٢/٢) والبخاري في الأدب (١١٨٣). (٢) أخرجه الترمذي (٢٢٠٩) وأحمد (٣٨٩/٥) والبخاري في تاريخه (٩٦/٧). ٢٧٩ توعّد أبي سُفيان المسلمين: قال ابن إسحاق: ثم نادَى أبو سُفيان: إنه قد كان في قَتْلاكم مثل، والله ما رَضِيتُ، وما سَخِطْتُ، وما نَهَيْتُ، وما أَمَرْتُ. ولما انصرف أبو سُفيان ومن معه، نادى: إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله وَ﴿ لرجل من أصحابه: قُلْ: نعم، هو بيننا وبينكم موعد. خروج عليَّ في آثار المشركين: ثم بعث رسول الله # عليّ بن أبي طالب، فقال: اخرج في آثار القوم، فانظُر ماذا يَصْنعون وما يُريدون، فإن كانوا قد جئّبوا الخيل، وامتطوا الإبل، فإنهم يُريدون مكّة، وإن ركبوا الخيلَ وساقوا الإبل، فإنهم يُريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها، ثم لأناجزنهم. قال عليّ: فخرجت في آثارهم أنظُر ماذا يصنعون؛ فجَنَّبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ووجَّهوا إلى مكّة. قال: ويُقال في الواحد يا لُكَعُ، وفي الاثنين يا ذَوَيْ لَكِيعةَ، ولَكَاعَةٍ، ولا تُصْرَفُ لَكِيعَةً، ولكن تُصْرَفُ لَكَاعَةٌ لأنه مَصْدَرٌ وفي الجميع، يا ذَوِي لَكِيعَةً وَلَكَاعَةٍ وفي المؤنث على هذا القياس. قال المؤلّف: ولا يقال: يا لَكَاعَانٍ، ولا فُسَقَانٍ، لِسِرِّ شرحناه في غير هذا الكتاب. وتلخيص معناه: أن العَرَبَ قَصَدتْ بهذا النَّبٍ من النّداء قَصْدَ العَلَم، لأن الاسمَ العَلَمَ أَلْزَمُ لِلْمُسَمَّى من الوَصْفِ المُشْتَقُّ من الفِعْلِ نحو فَاسِق وغَادِر، كما قَالُوا: عُمَر، وعدلوا عن عَامِرٍ الذي هُو وصف في الأصْلِ تحقيقًا منهم للعَلَميَّة، ثم إن الاسمَ العَلَم لا يُثَنَّى ولا يُجْمَع وهو عَلَمْ، فإذا ثُنِّي زال عنه تعريف العَلَمِيَّة، فَمنْ أجلِ ذلك لم يُثَنُوا يا فُسَقُ ويا غُدَرَ، لأن في ذلك نَقْضًا لما فَصَدُوه من تَنْزِيلِه مَنْزِلة الاسْم العَلَّم، أي: إنه مُسْتَحِقٌّ لأن يُسَمَّى بهذا الاسم، فهذا أبلغ من أن يقولوا: يا فَاسِقُ، فيجيئوا بالاسم، الذي يجري مَجْرَى الفِعْل والفِعْل غير لازِمٍ، والعَلَم ألزمُ منه، والتَّثْنِيَةُ والجَمْعُ تُبْطِلِ العَلَمِيَّة كما ذكرنا فافْهَمْه، ووقع في المُوطٍ من رواية يَخيئ في حديثِ عبدِ الله بن عُمَر أنه قال لمولاةٍ له: اقْعُدِي لُكثُ، وقد عِيبَتْ هذه الروايةُ على يحيى، لأن المرأةَ إنما يقال لها: لَكَاعٍ، وقد وجدتَ الحديث كما رواه يَحيّى في كتاب الدَّارَقُطْنِي، وَوَجهُه في العَرَبِيَّة أنه مَنْقُولَ غير مَعْدُولٍ فجائز أن يقال للأَمَةِ يا لُكَعُ كما يقال لها إذا سبّت: يا زُبَلُ ويا وُسَخُ إذ اللكع ضَرْب من الوَسَخِ، كما قدمناه وهو في كتاب العين. ٢٨٠