Indexed OCR Text

Pages 241-260

التحريض على غزو الرسول :
لما أُصيب يوم بدر من كُفَّار قُريش أصحاب القَلِيب، ورَجَع فَلَّهم إلى مكّة، ورجع
أبو سُفيان بن حرب بِعِيره، مَشَى عبدُ الله بن أبي ربيعة، وعِكْرمةُ بن أبي جَهل،
وصَفْوان بن أُمَيَّة، في رجال من قُرَيش، ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر،
فكلَّموا أبا سُفْيان بن حَرْب، ومن كانت له في تلك العِير من قُريش تجارة، فقالوا: يا
مَعْشَرِ قُرَيْش، إن محمدًا قد وتَركم، وقَتَل خِياركم، فأعِينُونا بهذا المال على حَرْبه،
فلعلَّنا نُذْرك منه ثَأْرنا بمن أصاب منَّا، ففعلوا.
ما نزل في ذلك من القرآن:
قال ابن إسحاق: ففِيهم، كما ذكر لي بعضُ أهلِ العلم، أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونها ثمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمّ
يُغْلَبُون والَّذِينِ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون﴾(١).
اجتماع قريش للحرب:
فاجتمعت قريش لحرب رسولِ الله ◌َ* حين فعل ذلك أبو سُفيان بن حَرْب
وأصحابُ العير بأحابيشِها، ومَن أطاعها من قبائل كِنانة وأهل تِهامة. وكان أبو عَزَّة
عمرو بن عبد الله الجُمَحيّ قد مَنَّ عليه رسولُ اللهِ وَ﴿ يوم بدر، وكان فقيرًا ذا عِيال
أُحُدًا يوم القيامة عند باب الجنة مِنْ داخِلها، وفي بعضها أنه رُكُنٌ لبَابِ الجَنَّةِ (٢)، ذكره ابن
سَلاَّم في تفسيره، وفي المُسْنَد من طريق أبي عبس بن جَبْر عن رسول الله وَِّ قال: ((أُحُدْ
يُحِبُّنا ونُحِبُّه، وهو على باب الجنة، قال: وعَيْرٌ بِبْغِضُنا ونُبْغضُه، وهو على باب من أبواب
النار))(٣)، ويُقَوِّيه قوله وَّرَ: ((المرء مع مَنْ أَحَبَّ))(٤)، مع قوله: يُحِبُّنَا ونُحِبُّه، فتناسبت هذه
الآثارُ، وشدَّ بعضُها بعْضًا.
(١) سورة الأنفال آية رقم (٣٦).
(٢) أخرجه الطبري (١٨٦/٦) ورمز له السيوطي بالضعف وأخرجه ابن عديّ في الكامل (٤/ ١٤٩٧)
وابن الجوزي في الموضوعات (١٤٨/١).
(٣) انظر التخريج السابق والميزان (٧٢٤٧) وتنزيه الشريعة (١٩٥/١) والبخاري في تاريخه (١٩٣/٥)
والعقيلي في الضعفاء (٣٠٨/٢) والطبراني (١٨/١٧).
(٤) أخرجه البخاري (٤٨/٨) ومسلم في البرّ والصلة (١٦٥) وأبو داود (٥١٢٧) والترمذي (٢٣٨٦)
وأحمد (٣٩٢/١).
الروض الأنف/ ج ٣/ م ١٦
٢٤١

وحاجة، وكان في الأسارَى فقال: إني فقير ذو عيال وحاجةٍ قد عرفتَها فامْنُنْ عليّ صلّى
الله عليك وسلّم، فَمَنَّ عليه رسولُ اللهِ نَّهِ. فقال له صَفْوان بن أُميَّة: يا أبا عَزّة إنك
امرؤٌ شاعرٌ، فأعِنَا بلِسانك، فاخرُج معنا، فقال: إن محمدًا قد مَنَّ عليَّ فلا أُريد أن
أُظاهِر عليه، قال: فأعِنَّا بنفسك، فلك الله عليّ إن رجعتُ أن أُغْنِيك، وإن أُصِبْتَ أن
أجعل بناتِك مع بناتي، يُصيبهنّ ما أصابهنّ من عُسْر ويُسْر. فخرج أبو عَزَّة في تِهامة،
ويدعو بني كِنانة ويقول :
أنتُم حُماة وأبوكم حام
إيهَا بني عَبْدٍ مِنَاةَ الرُّزَّامِ
لا تُسْلِموني لا يَحلُّ إسلام
لا تَعِدُوني نَصْرَكُم بعدَ العامْ
وخرج مُسافع بن عبد مناف بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَح إلى بني مالك بن كنانة،
يحرّضهم ويَذْعوهم إلى حرب رسولِ اللهِ وَلَّ، فقال:
أَنْشُدُ ذا القُرْبَى وذا التَّذَهُمِ
يا مالٍ، مالِ الحَسَبِ المُقَدَّمِ
الحِلْفَ وَسْطِ البَلدِ المُحَرَّم
مَن كان ذا رُخم ومن لم يَرْحَمٍ
عند حطيم الكَغْبة المُعَظّم
مشاكلة اسم الجبل لأغراض التوحيد:
وقد كان عليه السلام يحب الاسمَ الحسَنَ ولا أَحْسَنَ من اسم مُشْتَقٌّ من الأَحَدِيَّة، وقد
سَمَّى الله هذا الجبل بهذا الاسم، تَقْدِمَةً لما أرادهُ سُبْحَانه من مُشَاكَلَةِ اسمِه، ومعناه، إذ أهلُه
وهم الأنصارُ نَصَرُوا التوحيدَ والمبعوثَ بدين الثَّوحيد، عنده استقرّ حَيَّ ومَيِّتًا، وكان من عادته
عليه السلام أن يَسْتَعْمَلَ الوِتْرَ ويُحِبُّه في شأنه كلِّه اسْتِشْعَارًا للأَحَدِيَّة، فقد وافق اسم هذا
الجبل لأغراضِه عليه السلام ومقاصدِه في الأسماء، فقد بَدَّل كثيرًا من الأسماء اسْتِقِباحًا لها
من أَسْماء البِقاع وأسماءِ الناس، وذلك لا يُخْصَى كَثْرَةً؛ فاسمُ هذا الجبلِ من أَوْفَق الأسماءِ
له، ومع أنه مُشْتَقٌّ من الأحَدِيَّة، فحركاتُ حُروفِه الرَّفْعُ، وذلك يُشْعِر بارتفاع دينِ الأحَدِ،
وعلوّه، فَتَعَلَّق الحبُّ من النبيّ نَّه به اسمًا ومُسمَّى، فَخُصَّ من بين الجبال بأن يكون معه
في الجنة(١)، إذا بُسَّتِ الجبالُ بَسًّا، فكانت هَبَاءً مُثْبَثًا وفي أُحُدٍ قبرُ هارون أخي موسى
عليهما السلام، وفيه قُبِضَ، وثَمَّ واراه موسى عليه السلامُ، وكانا قد مَرَّا بأحُدٍ حاجًّين، أو
(١) حديث أن أُحد مع النبي وَليل في الجنة لا صحّة لها.
٢٤٢

ودعا ◌ُبَيْر بن مُطْعِم غلامًا له حَبَشِيًّا يقال له: وَحْشِي، يَقْذِف بحربة له قَذْف
الحَبَشة، قَلَّما يُخطِىء بها،َ فقال له: اخرُج مع الناس، فإن أنت قَتلت حمزةَ عمَّ محمدٍ
بعمِّي طُعَيْمَة بن عَدِيّ، فأنت عَتِيق.
خروج قريش معهم نساؤهم:
فخرجت قُرَيشٌ بِحَدِها وجَدِّها وحَديدِها وأحابِيشها، ومن تابعها من بني كنانة،
وأهل تهامة، وخرجوا معهم بالظُعُنِ، التماسَ الحَفِيظَةِ، وألا يفِرّوا. فخرجٍ أبو سُفيان بنُ
حَرْب، وهو قائدُ الناس، بهند بنت عتبة، وخرج عِكْرمة بن أبي جَهل بأُمّ حكيم بنت
الحارث بن هشام بن المُغيرة وخرج الحارث بن هشام بن المُغيرة بفاطمة بنت الوليد بن
المُغيرة، وخرج صَفْوان بن أَميَّة بِبَرْزة بنت مَسْعود بن عمرو بن عُمير الثَّقَفيَّة، وهي أُم
عبد الله بن صَفْوان بن أُميَّة .
قال ابن هشام: ويقال: رقيّة.
قال ابن إسحاق: وخرج عمرو بن العاص برَيْطة بنت مُنبِّه بن الحَجَّاج وهي أُم
عبد الله بن عمرو، وخرج طَلْحة بن أبي طَلْحة وأبو طَلْحة عبدُ الله بن عبد العُزَّى بن
عثمان بن عبد الدار، بسُلافة بنت سعد بن شُهَيد الأنصاريَّة وهي أمّ بني طَلْحة: مُسافع
والجُلاّس وكِلاب، قُتِلوا يومئذ (هم) وأبوهم؛ وخرجت خُناس بنتِ مالك بن المُضرب
إحدى نساء بني مالك بن حِسْل مع ابنها أبي عزيز بن عُمَير، وهي أَمّ مُصعب بن عمير؛
وخرجت عَمْرة بنت عَلقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كِنانة. وكانت هِنْد
بنت عُثْبة كلَّما مرَّت بوَخْشِيّ أو مرّ بها، قالت: وَيْها أبا دَسْمة اشْف واستَشْف، وكان
وَحْشَيّ يُكْنى بأبي دَسْمة، فأقبلوا حتى نزلوا بعَيْنَين، بجَبل ببطن السَّبْخة من قناة على
شَفير الوادي، مقابل المَدينة .
مُعْتَمِرين، رُوي هذا المعنى في حديث أسنده الزُّبَيرُ عن رسولِ الله - بَّر - في كتاب فضائل
المدینة(١).
وذكر ابن إسحق مَسِيرَ قُرَيْشِ بالظُعُنِ التماسَ الحفيظة، والحَفِيظةُ. الغَضَبُ لِلحُرَمِ،
ويقال: أُخْفِظَ الرَّجلُ إذا أُغْضِب.
(١) لا صحّة لقصة دفن موسى لهارون عليهما السلام في أحد.
٢٤٣

رؤيا رسول الله عَليه
فلما سمع بهم رسولُ اللهَِّ﴿ والمسلمون قد نزلوا حيثُ نزلوا، قال رسولُ الله ◌َ ل# للمسلمين:
((إني قد رأيت والله خيرًا، رأيتُ بقرًا، ورأيتُ في ذُباب سَيْفي ثَلْمًا، ورأيتُ أني أدخَلْتُ
يدِي في دزع حَصينة، فأوّلتُها: المدينة)).
قال ابن هشام: وحدّثني بعض أهل العِلم، أن رسولَ الله وَ لّ قال: ((رأيت بقَرًا لي
تُذْبح، قال: فأمّا البقر فهي ناس من أصحابي يُقتلون، وأما الثَّلم الذي رأيتُ في ذُباب
سَيْفي، فهو رَجُل من أهل بَيْتِي يُقتل)).
مشاورة الرسول القوم في الخروج أو البقاء:
قال ابن إسحاق: فإن رأيتم أن تُقيموا بالمدينة وتَدعُوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا
أقاموا بشَرّ مُقام، وإن هم دَخلوا علينا قاتلناهم فيها، وكان رأيُ عبد الله بن أُبيِّ ابن
سَلُولَ مع رأي رسول الله وَّهِ، يَرَى رأيه في ذلك، وألاَّ يخرجَ إليهم، وكان رسولُ
الله ◌َ يَكْرَه الخُروجَ، فقال رجالٌ من المسلمين، ممن أكرم الله بالشَّهادة يوم أُحُدٍ
وغيره، ممَّن كان فاته بدرٌ: يا رسول الله، اخْرُج بنا إلى أعدائنا، لا يَرَوْن أنا جَبْنًا عنهم
وضَعُفنا. فقال عبدُ الله بن أَبيِّ ابن سلول: يا رسول الله، أقِمْ بالمدينة لا تَخْرُج إليهم،
رؤيا رسول الله عَلِ﴾(١)
فصلُ: وذكر رُؤْيا رسول الله وَّهَ حين رأى بَقَرًا تُنْحَر حوله، وثَلْمَةً فِي سَيْفه وفي غير
السيرة قال: رأيت بقرًا تُنْحر والله خَيْرٌ، فأوَّلْتُ الخَيْرِ ما جاء الله به من الخير يَوْمَ بَدْر، وقد
كانت بَذْرٌ قُبَل أُحُدٍ، ولكن نفع الله بذلك الخير الذي كان في يوم بدرٍ، وكان فيه تَأْسيَةٌ
وتَعْزِيةٌ لهم، فلذلك تَضَمَّنَتْه الرؤيا بقول الله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّا أصَابِتْكُمْ مُصِيبَةٌ قد أَصَبْتُم
مِثْلَيها﴾(٢) وفي البخاري: ما جاء الله به من الخير بعد بَذْرٍ. وفي مُسْلِم: وإذا الخيرُ ما جاء
الله به بعدُ وثوابُ الصِّدْق الذي أتانا الله به يوم بَذْرٍ، وهذه أَقَلُّ الرِّواياتَِ إِشْكَالاً.
((قال المؤلف)) أبو القاسم [السهيلي]: أمَّا البقرُ فعبارة عن رجال مُسَلَّحِينَ يَتَنَاطَحُون
وقد رأت عائشةُ - رضي الله عنها - مثلَ هذا، فكان تأويلُه قتلَ مَن قُتِل معها يوم الجَمَلِ.
(١) ((صحيح)) أخرجه أحمد (٢٧١/١) والبيهقي في الدلائل (٢٠٦/٣) والطبراني في الكبير (٣٩٤/١١)
وانظر الفتح (٣٤٦/٧).
(٢) سورة آل عمران آية رقم (١٦٥).
٢٤٤

فوالله ما خَرَجنا منها إلى عدوّ لنا قطُّ إلا أصاب مِنَّا، ولا دخَلها علينا إلا أصبْنا منه،
فدعهم يا رسول الله، فإن أقامُوا أقامُوا بشرّ مَخْبِس، وإن دَخلوا قاتلهم الرجالُ في
وجههم، ورماهم النّساء والصِّبْيان بالحجارة من فَوْقهم، وإن رجَعُوا رجعوا خائبين كما
جاءوا. فلم يَزَل النَّاسُ برسولِ الله وََّ، الذين كان من أمرهم حُبُّ لِقاءِ القوم، حتى
دخل رسولُ اللهِ وَهبيته فَلبس لَأْمَتَه، وذلك يومَ الجُمعة حينَ فرغ من الصلاة. وقد مات
في ذلك اليوم رَجلٌ من الأنصار يُقال له: مالك بن عمرو، أحد بني النجَّار، فصلَّى عليه
رسولُ اللهِ وَّرَ، ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس، وقالوا: استَكْرَهْنا رسولَ الله وَل، ولم
يكن لنا ذلك. فلما خرج عليهم رسولُ الله وَلير، قالوا: يا رسول الله: استَكْرهناك" ولم
يكن ذلك لنا، فإن شئتَ فاقعُد صلّى الله عليك، فقال رسولُ الله بَله: ((ما يَنْبغي لنبيّ إذا
لَبِس لَأَمَّتَه أن يَضَعها حتى يُقاتل))، فخرج رسولُ اللهِ وَّر في ألفٍ من أصحابه(١).
قال ابن هشام: واستعمال ابن أُمّ مَكْتوم على الصَّلاة بالناس.
انخذال المنافقين :
قال ابن إسحاق: حتى إذا كانوا بالشَّوْط بين المدينة وأُحد، انخزل عنه عبدُ الله بن
أُبيّ ابن سَلول بثُلث الناس، وقال: أطاعهم وعَصاني، ما نَذْري علامَ نَقْتُل أنفسَنا هاهنا
أيها الناس، فرَجَ بمن انَّبعه من قومه من أهل النّفاق والرَّيْب، واتَّبعهم عبدُ الله بن
عَمرو بن حَرّام، أخو بني سلمة، يقول: يا قوم، أُذكِّركم الله ألاَّ تخذُلوا قومَكم ونبيَّكم
وقولُه: واللهِ خَيْرٌ، أي: رأيت بقَرًا تُنْحَر، ورأيت هذا الكلامَ، لأن الرَّائيَ قد يُمَثّل له
كلامٌ فِي خَلَدِهِ، فيراه بوَهْمِه، كما يرى صَورة الأشياءِ، ومَنْ خَبَر أحوال الرُّؤيا عَرَف هذا من
نفسِه، ومِنْ غيرهٍ، لكنَّ الصّوَرَ المَرْئِيَّة في النوم تكون في الغالب أمثالاً مَضْروبةً، وقد تكون
على ظاهرِها، وأما الكلام الذي يسمعه بسَمْعِ الوَهْم مُمَثَّلاً في الخَلَد، فَلا يكون إلاّ على
ظاهرِهِ، مثل أن يَسْمَعَ: أَنْتَ سالم أَو الله خَيْزَّ لك، أو ما أَشْبَهَ هذا من الكلام، فليس له
معنی سوی ظاهره.
وذكر أن فَرَسًا ذَبْب بذَيْلِه، فأصاب كُلاَّبَ سَيْفٍ فاسْتَلَّه. قال ابن هشام: كُلّب السَّيْفِ
هي الحديدةُ العَقْفَاءُ، وهي التي تلي الغِمْدَ، وفي كتاب العين: الكَلْب مِسْمَار في قائم
السيف .
(١) أخرجه البخاري (٢٨٤/١٣) معلقًا بعضه. والدارميّ (١٢٩/٢) وأحمد (٣٥١/٣) والحاكم
(١٢٨/٢/ ١٢٩/ ٢٩٦/ ٢٩٧) وصححه وأقرّه الذهبي.
٢٤٥

عندما حَضَر من عدوّهم؛ فقالوا: لو نعلم أنَّكم تُقاتِلون لمَا أسْلمناكم، ولكنَّا لا نَرى أنه
يكون قتالٌ. قال: فلما اسْتَعْصَوْا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أَبعدكم الله أعداء
الله، فسيُغْني الله عنكم نبيّه.
قال ابن هشام: وذكر زياد، محمد بن إسحاق عن الزهري: أن الأنصار يوم أُحد،
قالوا لرسول الله وَ *: يا رسول الله ألا نَسْتعين بحلفائنا من يَهود؟ فقال: لا حاجة لنا
فیھم.
حادثة تفاءل بها الرسول:
قال زياد: حدّثني محمد بن إسحق، قال: ومضى رسول الله وَّ حتى سَلك في
حَرْة بني حارثة، فَذَبْ فَرَسٌ بِذَنَِّهِ، فأصاب كُلاَّبَ سيْفٍ فاسْتَلَّه.
قال ابن هشام: ويقال: كَلاَّب سيف.
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله وَلّ - وكان يحبّ الفأل ولا يَغْتاف لصاحب
السيف: ((شِمْ سَيْفَك، فإني أرى السُّيوف سَتْسلُّ اليوم)).
الفأل والطيرة:
قال: وكان رسولُ الله ◌َّهِ يُحِبُّ الفأْلَ، ولا يَغْتَافُ، يفْتَالُ بِفْتَعِلُ من العِيَافَةِ. وظاهر
كلامِه أن العِيَافَة في المَكْرُوه خَاصَّةٌ، وَالفأل في المحبوب، وقد يكون في المكروه، والطّرة
تكون في المحبوب المَكْرُوه، وفي الحديث أنه نَهَى عن الطَّيَرة، وقال: خَيْرُها الفَأْلُ، فَدلّ
على أنها تكون على وُجُوهِ والفألُ خَيْرُها. ولفظُها يُعْطِي أنها تكون في الخَيْرِ والشرّ، لأنها
من الطَّيْرِ، تقول العرب: جرى له الطائر بخير، وجَرى له بِشَرِّ، وفي التنزيل: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ
أَلْزَمْنَاهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾(١) .
وقولُه في هذا الحديث: فإني أرى السُّيوفَ سَتُسَلُّ اليَومِ، يقوّى ما قَدَّمناه من التَّوَسُم
والزَّجْرِ المصيب، وأنه غير مكْرُوهٍ لكنه غير مَقْطُوع به إلاَّ أنْ يكونَ من كَلاَم النبيِّ وَِّ، وقَدَ
قدّمنا فيه قولاً مُقْنِعًا في حديث زَمْزَمَ ونُقْرَة الغُرَابِ الأَعْصَمِ، وللِهِ في كُلّ شيءٍ حِكْمةً،
وإِعْمَالُ الفكرِ في الوقوفِ على حِكْمةِ اللهِ عَبادَةٌ .
(١) سورة الإسراء آية رقم (١٣).
٢٤٦

ما كان من مربع حين سلك المسلمون حائطه:
ثم قال رسولُ اللهِ وَلَه لأصحابه: ((مَنْ رجلٌ يخرُج بنا على القوم من كَثَب: أي من
قرب، من طريق لا يمُرّ بنا عليهم؟)) فقال أبو خَيْئَمة أخو بني حارثة بن الحارث: أنا يا
رسول الله، فنَفذ به حَرّة بني حارثة، وبين أموالهم حتى سَلك في مال لِمِرْبَع بن قَيْظَيّ،
وكان رجلاً منافقًا ضرِير البَصر، فلمَّا سمع حسَّ رسول الله وَّهَ وَمَنْ معه من المسلمين،
قام يَحثي بي وجوههم التراب، ويقول: إن كنتَ رسول الله فإني لا أُحلّ لك أن تدخل
حائطي. وقد ذُكر لي أنه أخذ حَفْنة من تراب في يده، ثم قال: والله لو أعلم أني لا
أُصِيب بها غيرك يا محمد لضربتُ بها وجهك. فابتدره القَومُ ليَقتلُوه، فقال رسول
اللهِ وَلَّهُ: ((لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القَلب، أعمى البَصَر)). وقد بَدَر إليه سعدُ بن
زَيد، أخو بَني عبد الأشهل، قَيل نَهى رسول الله بَّر عنه، فضربه بالقوس في رأسه،
فشجه.
قال: ومضَى رسولُ اللهِ وَّ حتى نزل الشّعب من أُحد، في عُذوة الوادي إلى
الجبل، فجعل ظَهره وعسكره إلى أُحد، وقال: لا يقاتلنّ أحدٌ منكم حتى نأمره بالقتال.
وقد سَرّحت قريش الظّهر والكُراعِ في زروع كانت بالصَّمغة، من قَناة للمُسلمين: فقال
رجلٌ من الأنصار حين نهَى رسولُ اللهِ وَّهِ عنِ القِتال: أتُرْعَى زُرُوعُ بني قَيْلَة ولَمَّا
المستصغرون يوم أُحُد:
وذكر المُسْتَصْغَرين يوم أُحُدٍ الذين أرادوا الخروجَ مع رسول الله - ◌ََّ - فردٌ أصغرهم،
منهم البَرَاءَ بن عازِبٍ وَأُسَيْدُ بنُ ظُهَيْرِ وَزَيْدُ بن ثَابِتٍ إلى آخرهم، ولم يذكر فيهم عَرَابَةَ بن
أَوْسِ بن قَيْظِيّ، وقد ذكرته طائفةٌ فيهم، وممن ذكره فيهم القُتَبيُّ في کِتابِ
المعارف(١)، وهو الذي يقول فيه الشّمَّاخُ:
إذا ما رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ
تَلقَّاها عَرَابَةٌ باليمينِ
ولِعَرَابَةَ أَخْ اسمه: كَبَاثَةُ، له صُحْبَةٌ. ومن المُسْتَصْغَرِين يوم أُحُدٍ سَعْدُ بن حَبْتَةً، عُرِف
بِأُمِّه، وهي حَبْتَةُ بنت مالِكِ أَنْصَارِيَّةٌ، وهو سعد بن بُجَيْر من بَجَيلَةَ، ردَّه النبيَّ - وَّ - يوم
أُحُدٍ لِصِغَر سِنِّه، فلما كان يوم الخَنْدَقِ رآه يقاتل قِتالاً شديدًا، فدعاهُ ومَسَحَ على رأسِه،
ودعا له بالبركةِ في ولده ونَسْله، فكان عَمَّا لأربعين، وخالاً لأرْبَعين، وأبًا لعِشْرين، ومن
ولده أبو يُوسُفَ القَاضِي يَعْقُوبُ بن إبراهيم بن حَبيب بن حُبَيْشٍ بن سَعْد بن حَبْتَةً.
(١) المعارف (ص ١١٢).
٢٤٧

تضَارب! وتعَبَّى رسولُ اللهِ وَّهَ للقِتال، وهو في سَبْع مِائَةِ رجل، وأمَّر على الرُّماة
عبدَ الله بن جُبير، أخا بني عَمْرو بن عوف وهو مُعْلَّم يومئذ بثياب بِيض، والرُّماة
خَمْسون رجلاً، فقال: انضَح الخيلَ عنَّا بالنَّبْل، لا يأتُونا مِن خَلْفنا، إن كانت لنا أو
علينا، فأثبُت مكانك لا نُؤْتَينَ من قِبَلِك. وظاهَر رسول الله وَّه بين دِرْعين ودَفع اللّواء
إلى مُصْعب بن عُمَيْرٍ، أخي بني عبد الدّار.
من أجازهم الرسول وهم في الخامسة عشرة:
قال ابن هشام: وأجاز رسولُ اللهِ وَلِّ يومئذ سَمُرة بن جُنْدب الفَزاريّ، ورافع بن
خَدِيج، أخا بني حارثة، وهما ابنا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكان قد ردهما، فقيل له: يا
رسولَ الله إن رافعًا رَام، فأجازه، فلما أجاز رافعًا، قيل له: يا رسول الله، فإن سَمُرَةً
يَضْرِعُ رافعًا، فأجازهَ. ورد رسولُ اللهِ وَّهِ: أُسَامَةً بِنَ زَيْد، وعبدَ الله بن عُمَرَ بن
الخطاب، وزيدَ بنَ ثابت، أحدَ بني مالكِ بن النجَّارِ، والبَرَاءَ بن عَازِبٍ، أحدَ بني
حارثة، وعمرو بنَ حَزْم، أحدَ بني مالك بن النجَّار، وأُسَيْد بن ظُهَير، أحد بني حارثة،
ثم أجازهم يوم الخندق، وهم أبناء خمس عشرة سنة.
حول شعر هند بنت عتبة:
وذكر قول هِنْدٍ بنت عُثْبَةَ :
وَيْهَا بني عَبْدِ الدَّار
وَيْهَا كلمةٌ معناها الإغْراءُ.
قال الراجز:
وهو إِذَا قيلَ له وَيْهَا قُلُ فإنه مُواشِكٌ مُسْتَعْجِلُ
وأمَّا وَاهَا، فإن معناها: التَّعَجِّبُ، وإيهًا معناها: الأَمْرُ بالكَفِّ.
وقولها: إن تُقْبِلوا نُعَانِقْ، فيقال: إنهَا تَمثِّلَتْ بهذا الرَّجَزِ، وإنه لهِنْدٍ بنتِ طَارِق بن
بَيَاضَة الإِيَادِيَّة، قَالتْه في حَرْبِ الفُرْسِ لإِيَاد، فعلى هذا يكونُ إنشادُه: بناتٍ طَارِقْ، بالنصب
على الاختصاصه، كما قال:
نَحْنُ بَنِي ضَبَّةَ أصحابُ الجَمَلْ
وإن كانت أَرَادَتْ النَّجم فبناتٌ مَرْفُوعٌ، لأنه خبرُ مبتدأ أي: نحن شَرِيفاتٌ رَفيعات
كالنجوم، وهذا التأويلُ عِندي بعيد، لأن طارقًا وَصْفٌ للنجم لطُرُوقِه، فلو أرادته لقالت:
٢٤٨

قال ابن إسحاق: وتَعبَّأْتُ قُرَيشٌ، وهم ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مائتا فرس قد
جَنَبوها، فجعلوا على مَيْمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى مَيْسرتها ◌ِكرمةَ بن أبي
جھل.
أمر أبي دجانة
وقال رسولُ الله ◌ََّ: ((من يأخذ هذا السيفَ بحقٌّه؟)) فقام إليه رجالٌ، فأمسكه
عنهم، حتى قام إليه أبو دُجانة سِمَاكُ بن خَرَشة، أخو بني ساعدة، فقال: وما حقُّه يا
رسولَ الله؟ قال: أن تَشرب به العدوّ حتى يَنْحني))؛ قال: آنا أخذُه يا رسول الله بحقّه،
فأعطاه إيّاه))(١). وكان أبو دُجانة رجلاً شُجاعًا يختال عند الحرب، إذا كانت، وكان إذا
أَعْلِم بعصابة له حمْراء، فاعتصب بها على الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد
رسول الله وَ لو أخرج عصابته تلك، فعصب بها رأسَه، وجعل يتبختر بين الصفّين.
بنات الطارقٍ إلاَّ أَني وجدت للزُّبَيْرِ بن أبي بَكْرٍ أنه قال في كتاب أنسابٍ قُرَيْشٍ له أول هذا
الرجز الذي قالته عند يوم أحد:
نَحنُ بناتُ طارِقْ نَمْشي على النَّمَارِقْ مَشْيَ القَطَا النَّواتِقْ
إلى آخر الرَّجَزِ، قال: وحدّثني يحيى بن عبد الملك الهُدَيْرِيّ، قال: جَلَسْتُ ليلةً وَرَاء
الضَّحَّاك بن عُثْمان الجُذَامِي في مسجدٍ رسول اللهِ وَّهِ - وأنا مُتَقَنِّعٌ فذكر الضَّحَّاكُ وأصحابُه
قولَ هِنْدٍ يَوْمَ أُحُدٍ: نَحْنُ بناتُ طَارِقٍ، فقالوا: ما طَارِقٌ؟ فقلت: النَّجْمُ، فالتفتَ الضَّحَّاكُ،
فقال: أبا زَكَرِيًّا، وكيف بذلك؟ فقلت: قال الله تبارك وتعالى: ﴿والسَّمَاءِ والطَّارِقِ وما أَذْرَاكَ
مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾(٢): فإنها قالت: نحنُ بَنَاتُ النَّجْم، فقال: أحسنت.
أبو دجانة
وذكر أبا دُجَانَةَ، ولُبْسَهُ المُشَهَّرَة، وأبو دُجَانَة السَّاعِدي مِمَّن دافع عن النبيّ - ◌َّ -
وحنا عليه يوم أُحُدٍ وتَرَّس عليه بنفسِه، حتى كَثُرَتْ النَّبْلُ فِي ظَهْرِهِ، واستشهد يوم اليَمَامةِ،
بعد أن شارك في قَتْل مُسَيْلِمَةَ، اشترك في قتله هو وَوَخْشِيُّ وعَبْدُ الله بن زَيْد، وسنذكر ما
قاله سَيْف بن عُمَرَ في قاتل مُسَيْلِمَة في آخرِ البابِ إنْ شاء الله.
(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة (١٢٨) وأحمد (١٢٣/٣) والحاكم (٢٣٠/٣) وابن أبي شيبة
(٢٠٦/١٢) وابن سعد (١٠١/٢/٣).
(٢) سورة الطارق آية رقم (١ - ٣).
٢٤٩

قال ابن إسحاق: فحدّثني جعفر بن عبد الله بن أسلم، مولى عمر بن الخطّاب،
عن رجل من الأنصار من بني سَلَمة، قال: قال رسول الله وَل*، حين رأى أبا دُجانة
يتبختر: ((إنها لمشية يبغضها الله، إلا في مثل هذا الموطن)).
أمر أبي عامر الفاسق:
قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصمُ بن عمر بن قتادة: أنّ أبا عامر، عبد عمرو بن
صَيفيّ بن مالك بن النعمان، أحد بني ضُبيعة، وقد كان خرج حين خرج إلى مكّة مُباعدًا
لرسول الله وَّر، معه خمسون غلامًا من الأوس، وبعض الناس كان يقول: كانوا خمسةً
عشر رجلاً، وكان يَعد قريشًا أن لو قد لقى قومَه لم يختلف عليه منهم رجلان؛ فلما
التقى الناسُ كان أوّل من لَفيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكّة، فنادى: يا
معشر الأوس، أنا أبو عامر؛ قالوا: فلا أنْعم الله بك عينًا يا فاسق - وكان أبو عامر يسمّى
في الجاهلية: الرّاهب، فسمّاه رسولُ الله وَّر: الفاسق - فلما سمع ردَّهم عليه قال: لقد
أصاب قومي بعدي شرّ، ثم قاتلهم قتالاً شديداً، ثم راضَخهم بالحجارة.
وذكَرَ قولَ أبي دُجَانَة:
إِنِّي امْرُؤْ عَاهَدَنِي خَلِيلي
يَعْنِي رسولَ الله - وَلَ ـ وكذلك كان أبو هُرَيْرَةَ يقول: حدّثني خَلِيلي، وأنكره عليه
بعضُ الصَّحَابَةِ، وقال له: متى كان خلِيلَك، وإنما أنكر عليه المُنكِر هذا لقوله عليه السلام:
((لو كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاتخذتُ أبا بَكْر خَليلاً، ولكن أُخوة الإسلام)»(١) وليس في هذا
الحديث ما يدفع أن يقول الصحابيُّ حَدَّثني خليلي، لأنهم يريدون به معنى الحبيب، وإنما
فيه عليه أن النَّبِيَّ نَّهِ لم يكُن يقولها لأَحدٍ من أصحابه، ولا خَصَّ بها أحدًا دون أن يمنع
غيرَه من أصحابه أن يقولها له، وما كان في قلوبهم من المَحَبَّةِ له يقتضي هذا، وأكْثَرَ منه،
ما لم يكن الغُلُوُّ والقولُ المكروه، فقد قال عليه السلام: ((لا تُطْرُوني، كما أَطْرَتِ النصارى
المسيحَ، فإنما أنا عَبْدُ الله ورسولُه))(٢). وقال لرجل قال له: أنت سَيِّدُنا وأَطْوَلنَا طَوْلاً، وأنت
الجَفْنَةُ الغَرَّاءُ، فقال: ((قولوا بقولِكم، ولا يَسْتجوِيَنَّكُم الشَّيْطَانُ))(٣) أي: قولوا بقول أهل
(١) أخرجه البخاري (٤/٥) ومسلم في فضائل الصحابة (١ - ٥) والترمذي (٣٦٥٩) وابن ماجة (٩٣)
وأحمد (٣٧٧/١) والحميدي (١١٣) وعبد الرزاق (١٩٠٤٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٠٤/٤) ومسلم في القدر (٣٤) وأحمد (٢٣/١).
(٣) أخرجه أحمد (٢٤٩/٣) والنسائي بنحوه. والبيهقي في الدلائل (٣١٨/٥) وفي الصفات (٢٢)
بتحقيقي .
٢٥٠

أسلوب أبي سُفيان في تحريض قريش :
قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سُفيان لأصحاب اللِّواء من بني عبد الدّار يُحرّضهم
بذلك على القتال: يا بني عبد الدّار، إنكم قد وَلّيتم لواءَنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم،
وإنما يؤتى الناس من قِبَل راياتهم إذا زالت زالُوا، فإما أن تَكْفُونا لوَاءَنا، وإمَّا أن تُخَلُّوا
بيننا وبينه فنَكْفيكموه، فهمُّوا به وتواعدُوه، وقالوا: نحن نُسْلم إليك لواءَنا، ستعلم غدًا
إذا التقينا كيف نصنع! وذلك أراد أبو سُفيان.
تحريض هند والنسوة معها :
فلما التقى الناس، ودَنا بعضُهم من بعض، قامت هند بنت عتبة في النّسوة اللاتي
معها، وأخَذْن الدُّفوف يَضْربن بها خلف الرجال، ويُحرّضنهم فقالت هند فيما تقول:
وَيْها حُماةَ الأدبارْ
وَيْها بَني عبد الدَّار
ضَرْبًا بكلّ بَتّار
وتقول :
ونَفْرِش الثَّمَارِق
إن تُقبلوا نُعانِشْ
فِراقَ غَيْرٍ وَامِق
أو تُذبِروا تُفــارق
شعار المسلمين :
وكان شِعارُ أصحاب رسول الله وَله يوم أُحدٍ: أمِتْ أمِتْ، فيما قال ابن هشام.
تمام قصة أبي دجانة:
قال ابن إسحاق: فاقتتل الناسُ حتى حَمِيت الحربُ، وقاتل أبو دُجَانَة حتى أمعن
في الناس.
دينكم وأهلِ ملَّتِكُمْ، كذا فسره الخَطّابيُّ، ومعناه عندي: قولوا: بقولِكم، لا بقول الشيطان،
لأنه قد جعلهم جَرِيًّا له، أي: وكيلاً وَرَسُولاً، وإذا كانوا جَرِيًّا له، وقالوا: ما يُرْضِيه من
الغُلُوُ في المنْطِق، فقد قالوا بقوله: ويَسْتَجْرِيَنَّكم من قولهم: جَرَيْتُ جَزْيًا، أي: وگلت
وكيلاً. وقال له رجل آخر: أنت أشرفُنا حَسَبًا وأكرمنا أُمَّا وأبًا، فقال: كَمْ دُون لسانِك من
.
طَبَق؟ فقال: أربعة أطْبَاقٍ، فقال: أما كان فيها ما يَزَعُ عني غَرِبَ لِسَانِك(١). رواه ابن وَهْب
في جامعه.
(١) أورده السيوطي في الدر (١١٢/٣) والزبيدي في الإتحاف (٧/ ٤٩٧).
٢٥١

قال ابن هشام: حدّثني غير واحد، من أهل العلم، أن الزُّبير بن العوام قال:
وَجِدْتُ في نفسي حين سألتُ رسول الله وَّرِ السَّيف فمَنَعنيه وأعطاه أبا دُجانة، وقُلت: أنا
ابنُ صفيَّة عمَّته، ومن قُريش، وقد قُمْت إليه فسألته إياه قَبْله، فأعطاه إياه وتَركني، والله
لأنظرنّ ما يصنع؛ فاتبعته، فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار:
أخرج أبو دُجانة عِصابةَ الموت، وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها، فخَرج وهو يقول:
ونحنُ بالسَّفْحِ لدَى النَّخيل
أنا الذي عاهَدني خليلي
أضْرب بسيف الله والرَّسول
ألاَّ أقومَ الدهرَ في الكَيُّول
قال ابن هشام: ويروى في الكُبُول.
قال ابن إسحاق: فجعل لا يَلْقى أحدًا إلا قَتله. وكان في المُشركين رجل لا يَدَع
لنا جريحًا إلا ذفَّف عليه، فجعل كل واحد منهما يَذْنو من صاحبه. فدعوتُ الله أن يَجْمع
بينهما، فالتَقيا، فاختَلفا ضَرْبتين، فضَرب المُشْرك أبا دُجانة، فاتَّقاه بدَرَقته، فعَضّت
بسيفه، وضربه أبو دُجانة فقَتله ثم رأيتُه قد حمل السيفَ على مَفْرِق رأس هِند بنت عُتبة،
ثم عدل السيفَ عنها. قال الزبير: فقلتُ: الله ورسولُه أعلم.
قال ابن إسحاق: وقال أبو دُجانة سِماك بن خَرَشة: رأيت إنسانًا يَخْمش النَّاس
خَمْشًا شديدًا، فصمدتُ له، فلما حملتُ عليه السَّيف وَلْول فإذا امرأةٌ، فأكرمتُ سيفَ
رسول الله وَالر أن أضرب به امرأة.
وقول أبي دجانة:
ألاَّ أقوم الدهر في الكَيُّول
قال أبو عبيد: الكَيُّول آخرُ الصفوف، قال: ولم يسمع إلاّ في هذا الحديث، وقال
الهَرَوِيُّ: مثل ما قال أبو عبيد، وزاد في الشّرح، وقال: سُمِّي بكَيُّول الزَّنْد، وهي سَوَادٌ
ودُخان يخرج منه آخرًا، بعد القَدْح إذا لم يُورِ نَارًا، وذلك شيء لا غناء فيه، يقال منه كال
الزَّنُذْ يكُول، فالكَيُّول فَيْعُول من هذا، وكذلك كَيُّول الصُّفُوفِ لا يوقد نارَ الحرب، ولا
يُزكِيها، هذا معنى كلامه لا لفظه. وقال أبو حنيفة نحوًا من هذا إلاّ أنه قال: كال الزندَ يكِيل
بالياء لا غير.
وقوله: رأيت رجلاً يَحمِشُ الناسَ حَمْشًا شديدًا، يُروى بالشين وبالسين، فالمعنى
بالسين غير مُعْجَمة في هذا المكان الشِّدَّة، كأنه قال: يشدّهم ويُشَجْعُهم، لأنه يقال: رجل
٢٥٢

مقتل حمزة:
وقاتل حمزةُ بن عبد المطّلب حتى قتل أزطاة بن عبد شُرَخبيل بن هاشم بن
عبد مناف بن عبد الدّار، وكان أحد النَّفر الذين يَحملون اللِّواء ثم مرّ به سِباعُ بن
عبد العُزّى الغُبْشِاني، وكان يُكنى بأبي نِيار، فقال له حَمْزة: هلمّ إليّ يا ابن مُقَطّعة
البُطور - وكانت أُمُّه أَمّ أنمار مَولاة شَريق بن عمرو بن وهب الثَّقَفي.
(قال ابن هشام: شَريق بن الأخْنس بن شَريق) وكانت خَتَّانَةً بمكّة - فلمَّا التقيا
ضَربه حمزةُ فقتله.
قال وَخْشِيّ، غلامُ جُبير بن مُطْعم: والله إني لأنظر إلى حَمْزة يَهُدُّ الناس بسيفه ما
يُليق به شيئًا، مثل الجمل الأورق إذ تقدّمني إليه سِباع بن عبد العُزّى، فقال له حمزة:
هلمّ إليّ يا ابن مُقَطْعة البُظور، فضَرَبِه ضَربة، فكأن ما أخْطأ رأسَه، وهززتُ حَرْبتي حتى
إذا رَضِيتُ منها دفعتُها عليه، فوقعت في ثُنَّته حتى خرجتْ من بين رِجْليه، فأقبل نخوي،
فغُلِب فوقع، وأمهلتُه حتى إذا مات جِئْت فأخذت حَرْبتي، ثم تنخَّيت إلى العسكر، ولم
تكن لي بشيء حاجةٌ غيره.
وحشي يحدّث الضمريّ وابن الخيار عن قتله حمزة
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بنِ الفَضْل بن عبّاس بن ربيعة بن الحارث عن
سُليمان بن يَسّار عن جَعْفر بن عمرو بن أمية الضَّمْري قال: خرجتُ أنا وعُبيد الله بن
عديّ بن الخيار، أخو بني نَوْفل بن عبد مناف، في زمان مُعاوية بن أبي سُفيان، فَأَدْرَبْنا
مع الناس، فلما قَفَّلنا مَرَزْنا بحِمْص - وكان وَخشيّ، مولى جُبير بن مُطعم، قد سَكَنها،
وأقام بها - فلمَّا قَدِمْناها، قال لي عُبَيد الله بن عَدِيّ: هل لك في أن تأتي وحشيًّا فنسأله
عن قَتْل حمزة كيف قَتله؟ قال: قلت له: إن شئتَ. فخَرَجْنا نسأل عنه بحِمْص، فقال لنا
أحْمَسُ، أي: شجاع شَدِيد، والمعنى فيه بالشّين مُعْجَمَةً ألاَّ يقَادَ والإغضاب، لأنه يقال:
أَحْمَشْتُ النارَ أَوْقَدْتُها وحَمَشْتُ الرجلَ، وأَخْمَشتُه: أغضبته، فيكون أَفْعَلْت من ذلك للإيقاد
والإغضاب، وفَعَلْتُ للإغضاب.
حديث وحشيّ
قال فيه: فإذا شَيْخٌ كبير، كالبُغَاثِ، قال أبو عبيد: البُغَاثُ الطَّيْرُ الذي لا يُصاد به مثل
الرَّخَم، والحِدَاء، واحدتُها بِغَاثَة. ويقال: بغائي وجمعه بِغَاثُ وبُغْثَانُ. وقال ابن إسحق في
رواية يونُسَ عند ذكر البُغَاثُ البُغَاثُ هو ذَكَرِ الرَّخَم إذا هَرِمَ اسْوَدٌ.
٢٥٣

رجل، ونحن نسأل عنه: إنكما ستَجدانه بفِناء داره، وهو رجلٌ قد غلبت عليه الخمر،
فإن تَجِداه صاحيًا تَجِدًا رجلاً عربيًا، وتَجدا عنده بعضَ ما تُريدان، وتُصيبا عنده ما شِئتما
من حديث تَسألانه عنه، وإن تَجِداه وبه بعض ما يكون به، فانصرفا عنه ودَعاه. قال:
فخرجنا نَمْشي حتى جئناه، فإذا هو بفناء داره على طنفسة له، فإذا شيخٌ كبير مثل
البُغاث.
- قال ابن هشام: البُغَاثُ: ضرب من الطير إلى السواد.
فإذا هو صاح لا بأس به. قال: فلما انتهينا إليه سَلَّمنا عليه، فرفع رأسَه إلى
عُبيد الله بن عديّ،َ فقال: ابنّ لعديّ بن الخيار أنت؟ قال: نعم، قال: أما والله ما رأيتُك
منذ ناولْتُك أُمَّك السعديَّة التي أرْضعتك بذي طُوَى، فإني ناولتُكها وهي على بَعيرها،
فأخَذَتْك بعُرْضَيْك، فلمعثْ لي قَدماك حين رفعتُك إليها، فوالله ما هو إلا أن وقفتَ عليّ
فعرفتُهما. قال: فجلسنا إليه، فقُلنا له: جِثْناك لتحدّثنا عن قَتْلك حَمْزة، كيف قَتلته؟
فقال: أما إني سأحدثكما كما حدّثت رسولَ اللهِ﴿ل حين سألني عن ذلك، كُنتُ غلامًا
لجُبير بن مُطعم، وكان عمّه طُعَيْمة بن عديّ قد أُصِيب يومَ بدر، فلمَّا سارت قُريشٌ إلى
أحد، قال لي جُبير: إن قتلتَ حمزة عمّ محمد بعمِّي فأنت عَتيق. قال: فخرجتُ مع
الناس، وكنتُ رجلاً حَبشيًّا أَقْذِف بالحَزْبةِ قَذْفَ الحبشة، قلَّما أُخْطِىء بها شيئًا؛ فلما
التقى الناسُ خرجتُ أنظر حَمزة وأتبصَّره، حتى رأيته في عُرض الناس مثل الجَمل
الْأَوْرَقِ، يَهُذُّ الناس بسيفه هذًّا، ما يقُوم له شيء، فوالله إني لأَتَهِيَّأَ له، أُريده وأستتر منه
وقول وَحْشِيٍّ لعُبَيْدِ الله: ما رأيتكَ مُنْذُ نَاوَلْتُك أُمَّكَ السَّعْدِيَّة، ولم يَذْكُرْ اسمَها، وأُمّ
عُبَيدِ اللهِ بن عَدِيٍّ هي أم قِتَالٍ بنتُ أبي العِيص بن أُمَيَّة ذكرها البخَارِيُّ في هذا الخبر، ولم
يقل: السَّعْدِيَّةَ فهي إذًا قُرَشِيَّة أُمَوِيَّة لا سَعْدِيَّة إلاَّ أنْ يريد بها مُرْضِعَتَه إنْ كانت سَعْدِيَّة، وأما
عُبَيْدُ الله بن عَدِيٍّ، فوُلِد في حياةِ رسول الله - بَّهِ - ومات في خلافة الوليد بن عبدِ الملك،
وله دار بالمدينة عند دار عليّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - يَرْوِي عن عُثمان بن عَفَّانَ
- رضي الله عنه - وغيره، وله حديثٌ في المُوَطَّأ في كتابِ الصلاة.
وقوله: بذي ◌ُوَى: مَوْضعْ بِمَكَّة، وقد قدّمنا الفرق بينه وبين ذي طَوَاء بالهمز والمد،
وبين طُوى بالضَمِّ والقصر فأغنى عن إعادته هاهنا.
وقول وَخْشِيٍّ: بَهُذَّ الناسَ بسَيْفه، ما يُلِيقُ شَيْئًا، مثل الجملِ الأوْرَق، يريد - والله
أعلم - وُزْقَة الغُبَارِ، وإنه قد نافع به إذ الأوْرَقُ من الإبل ليس بأقوَاها، ولكنه أطْيَبُها لحمًا
فیما ذکروا.
٢٥٤

بشجرة أو حَجَر لَيَدْنو مني إذ تقدمني إليه سباعُ بن عبد العُزّى، فلمَّا رَآهَ حَمْزة قال له:
هلُمّ إليّ يا ابن مُقَطِّعة البظور. قال: فضربه ضربة كأنّ ما أخطأ رأسه. قال: وهَززتُ
حَرْبتي، حتى إذا رَضيتُ منها، دفعتُها عليه، فوقعت في ثُنَّته، حتى خرجتْ من بين
رجْليه، وذَهب ليَنُوء نحوي، فغُلِب، وتركتُه وإياها حتى مات، ثم أتيتُه فأخذتُ حَرْبتي،
ثم رجعت إلى العسكر، فقعدتُ فيه، ولم يكن لي بغيره حاجة، وإنما قتلتُه لأُعتق. فلما
قَدِمتُ مكّة أُغْتِقتُ، ثم أقمتُ حتى إذا افتتح رسولُ الله ◌ِّر مكةَ هربتُ إلى الطَّائف،
فمكثت بها، فلما خَرج وفدُ الطَّائف إلى رسولِ الله ◌ِّهَ ليُسَلْمُوا تَعيَّت عليّ المذاهب،
فقلت: ألحق بالشأم، أو اليمن، أو ببعض البلاد؛ فوالله إني لفي ذلك من همّي، إذ قال
لي رجل: ويحك! إنه والله ما يقتُل أحدًا من الناس دخل في دينه، وتشهَّد شهادته.
وحشيّ بين يدي الرسول يسلم:
فلما قال لي ذلك، خرجتُ حتى قَدِمتُ على رسولِ اللهِ وَّهَ المدينة، فلم يَرُغْه إلا
بي قائمًا على رأسه أتشهَّد بشهادة الحقّ؛ فلما رآني قال: ((أوحشيّ؟)) قلت: نعم يا رسول
الله. قال: ((اقعُد فحدّثني كيف قتلتَ حمزة))، قال: فحدّثته كما حدّثتكما، فلما فرغتُ
من حديثي قال: ((وَيْحك! غَيِّب عنّي وجهك، فلا أُرَيَنَّك)). قال: فكنتُ أتنكَّب رسول
اللهِ وَّ حيث كان لئلا يَراني، حتى قَبَضه الله - وَلَه .
قتل وحشيّ لمسيلمة :
فلما خرج المُسلمون إلى مُسَيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم، وأخَذْت
وقوله: بَهُذُّ الناسَ، هو بالذال المنقوطة، ذكره صاحب الدلائل، وفسره من الهَذْ وهي
السُّرْعَةُ وأما الهَذْمُ بالميم، فسُرْعَةُ القَطْع، يقال: سَيْفٌ مِهْذَمٌ، والهَيْذَامُ: الكثيرُ الأَكْلِ، وهو
الشَّجَاعُ أيضًا، وفي الحديث: أكثِرواَ من ذِكر هاذِمِ اللَّذَّات، يُروى بالذال المنقوطة أي
قاطِعها، ومما ذكر غير ابن إسحق في خَبَرٍ وخشِي، قال: فخرجت حين قال ليس سيدي ما
قال، فنظرت فإذا رَجُلٌ عَبْعَبْ عليه دِرْع قَضَّاءُ وإذا هُو عَلِيٍّ، فقلت: ليس هذا من شَأْنِي،
وإذا رَجُلٌ حُلاَبِسٌ، أَيَهَمُ غَشَمْشَمْ يَهُذُّ الناسَ، كأنه جَمَل أوْرَقُ، فَكَمَنْتُ له إلى صَخْرَةٍ كأنها
فُسْطَاطٌ، وقلت: هذا الذي أريد، وهَزَزْتُ حَرْبَةً لي عَرَّاصَةٌ، فَرَمَيْتُه بها، فأصبتُ ثُنَّته، وذكر
باقي الحديث. العَبْعَبُ: الشاب، والدَّرْع القَضَّاءُ: المُحْكَمَةُ النَّسْج، والأَيْهمُ: الذي لا يُرُّدُه
شيءٌ. وفي الحديث: أعوذ بالله من شر الأنْهمَيْنِ، يعني: السَّيْل والحَرِيقَ. والعَرَّاصَةُ: التي
تَضْطَرِبُ من اللِّين.
وقوله في قتل مُسَيْلِمَةَ: سبقني إليه رجل من الأنصار، وسيأتي ذكر مُسْيلَمةً ونسبُه،
٢٥٥

حَزْبتي التي قتلتُ بها حمزة؛ فلما التقى الاس رأيتُ مُسيلمة الكذاب قائمًا في يده
السيف، وما أعرفه، فتهيأت له، وتهيَّأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى، كِلانا
يُريده فهززتُ حَرْبتي حتى إذا رَضيت منها دفعتُها عليه، فوقعت فيه، وشدّ عليه الأنصاريّ
فضربه بالسيف، فربُّك أعلم أيُّنا قتله، فإن كنت قتلتُه، فقد قتلتُ خيرَ الناس بعد رسول
الله ◌ََّ، وقد قتلتُ شرّ الناس.
قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن الفضل، عن سُلَيْمَانِ بن يَسَارٍ، عن
عبدِ الله بن عُمَر بن الخَطَّاب، وكان قد شَهِد اليمامة، قال: سمعت يومئذٍ صارخًا يقول:
قَتله العبدُ الأسود.
خلع وحشيّ من الديوان:
قال ابن هشام: فبلغني أن وحشيًّا لم يزل يُحِدُّ في الخمر حتى خُلِع من الديوان،
فكان عمرُ بن الخطّاب يقول: قد علمتُ أن الله تعالى لم يكُن لَيَدَع قاتل حَمْزةٍ(١).
مقتل مصعب بن عمير:
قال ابن إسحاق: وقاتل مُضْعبُ بن عُمَير دون رسول الله وََّ حتى قُتل، وكان
وطَرفٌ من حديثه في آخر الكتاب. وأما الرَّجُلُ الذي من الأنصار الذي ذكره وَخْشِيّ، ولم
يُسَمِّه ابن إسحق، فذكر محمد بن عُمَرَ الواقدي - رحمه الله - في كتاب الرِّدَّةِ، أن الرجلَ
الذي شارك وَخْشِيًّا، في قتل مُسَيْلَمَةَ هو عَبْدُ الله بن زيْدٍ بن عَاصِم المَازِنيِّ من الأنصار،
وذكر سَيْفُ بن عُمَرَ في كتابِ الفتوح أنه عَدِيُّ بن سِهْلٍ، وأنشد له:
قَتَلْتُ مُسَيْلِمَةَ المُفْتَتَنْ
أَلَمْ تَرَ أني وَوَخْشِيَّهُمْ
فَقُلْت: ضَرَّبْتُ، وهذا طَعَنْ
ويَسْألنِي النَّاسُ عن قَتلِه
في أبيات له، وقد ذكرنا قُبَيل هذا الحديث. أن أبا دُجَانَةَ أيضًا شارك في قتل مُسَيْلَمَةَ،
وذكره أبو عُمَر النَّمَرِيّ، والله أعلم أيّ هؤلاءِ الثلاثة أرادَ وحشِيّ. وفي رواية يونسَ عن ابن
إسحلق زيادةٌ في إسلام وَخشيٍّ، قال: لما قدم المدينةَ، قال الناسُ: يا رسول الله هذا
وَخْشِيٍّ، فقال: دعوه فَلإِسْلامُ رجلٍ واحدٍ أحَبُّ إليَّ من قَتْلِ ألفِ رجلٍ كافٍ .
(١) قوله في نسبته إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه - نظر - إذ كيف يقول له هذا وهو يعلم أن
الإسلام يجب ما قبله، وأن الله غفور رحيم فيقول تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما
قد سلف﴾ وقد فعل عمر الكثير وصدرت منه الأفعال العظام قبل الإسلام وقد غفر الله تعالى له.
٢٥٦

الذي قتله ابن قَمِئَةَ اللَّيثي، وهو يَظُن أنه رسولُ اللهِ وَلَّ، فرَجع إلى قُريش فقال: قتلتُ
محمدًا. فلما قُتل مُضعب بن عُمير أعطى رسولُ اللهِ وََّ اللواءَ عليّ بن أبي طالب،
وقاتل عليّ بن أبي طالب ورجال من المسلمين.
قال ابن هشام: وحدّثني مَسْلمة بن عَلْقمة المازني، قال: لما اشتد القتال يومَ
أُحد، جلَس رسولُ اللهِوَ ل ◌َ تحت راية الأنصار، وأرسل رسولُ اللهِ وَ لّل إلى عليّ بن أبي
طالب رضوان الله عليه: أن قَدّم الرايةَ. فتقدّم عليّ، فقال: أنا أبو الفُصَم، ويقال: أبو
القُصَم، فيما قال ابن هشام - فناداه أبو سَعد بن أبي طَلْحة، وهو صاحب لواء
المشركين: أنْ هل لك يا أبا القُصَم في البراز من حاجةٍ؟ قال: نعم. فبرزَ بين الصَّفَّيْن،
فاختلفا ضَرْبتين فضربَه عليّ فصرعه، ثم انصرف عنه ولم يُجهز عليه؛ فقال له أصحابُه:
أفلا أجهزت عليه؟ فقال: إنه استَقبلتي بعَوْرته، فعَطَفَتْني عنه الرّحم، وعرفتُ أن الله
عزّ وجلّ قد قتله.
ويقال: إنّ أبا سعد بن أبي طَلْحَةَ خرج بين الصَّفَّين، فنادى أنا قاصم مَنْ يُبارز
برازًا، فلم يخرجْ إليه أحدٌ. فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنَّة، وأن
قتلانا في النار، كذبتم واللات! لو تعلمون ذلك حقًّا لخرج إليّ بعضُكم، فخرج إليه
عليّ بن أبي طالب، فاختلفا ضَرْبتين فضَربه عليّ فقَتله.
وذكر قول أبي سعد بن أبي طُلَيْحَةَ: أنا قاصِمٌ مَنْ يُبارِزُني، فَبَرزَ إليه عَلِيُّ، فقال أبو
القصَم بالقاف، قاله ابن هِشام، وهو أصَحُ، وإنما قال عَلِيٍّ - عليه السلام: أنا أبو القُصَم،
لقول أبي سَعْدٍ أنا قاصِمٌ مَنْ يُبَارِزُني، فالقُصَمِ: جَمْعُ قَصْمَةٍ، وهي: العَضْلَةُ المُهلِكةُ،
ويجوز أن يكون جَمْعَ القُصْمَى، أي: الدَّاهِية التي تَقْصِم. والدَّواهي القُصَم على وزن الكُبَرِ،
وهذا المعنى أصح، لأنه لا يعرف قُضْمَة، ولكنه لما قال أبو سعد: أنا قاصم، قال علي: أنا
أقصم منك، بل أنا أبو القُصَم، أي أبو المُعْضِلاَت القُصَم والدواهي العُظَم، والقَضْمُ كسر
بِيْنُونَةٍ، والقَضْمُ: كَسْرٌ يغير بَيْنُونَةٍ كَكَسْرِ القِضيبِ الرَّطْبِ ونحوهِ، وفي التنزيل: ﴿وكم
قَصَمْنا مِنْ قَرْيةٍ﴾(١) وفيه ﴿لا انْفِصَامَ لها﴾(٢) وقولُ ابن إسحقٍ: قَتَلَ أبا سَعْدِ بن أبي طُلَيْحَةَ
سعدُ بن أبي وقاص، كذلك رَوَاه الكَشِّي في تفسيره عن سَعْدٍ، قال: لما كفَّ عنه عَلِيٍّ
طَعَنْتُهُ فِي حَنْجَرَتِهِ، فَدَلَع لِسانُه إلَيَّ، كما يصنع الكلبُ ثم مات.
وذكر ابن إسحق أيضًا هذا في غير رواية ابن هشام، وقول عليّ: إنه اتَّقَانِي بعَوْرَتِه،
فاذْكَرَنِي الرَّحِمَ، فَعَطَّفَتْنِي عليه الرَّحِمُ، وقد فعلها عَلِيٍّ مرة أخرى يوم صِفَّيْن، حَمَل على
(١) سورة الأنبياء آية رقم (١١).
(٢) سورة البقرة آية رقم (٢٥٦).
الروض الأنف/ ج ٣/ م ١٧
٢٥٧

قال ابن إسحاق: قتل أبا سَعْد بن أبي طلحة سعدُ بن أبي وقّاص.
شأن عاصم بن ثابت:
وقاتل عاصمُ بن ثابت بن أبي الأفْلح. فقَتل مُسافع بنَ طلحة وأخاه الجُلاس بن
طلحة كلاهما يَشْعرِهِ سَهْمًا. فيأتي أَمَّه سُلاَفة. فيضَع رأسَه في حجرها فتقول: يا بُنيّ.
من أصابَك؟ فيقول: سمعتُ رجلاً حين رَماني وهو يقول: خُذْها وأنا ابن أبي الأقْلح.
فنذرت إن أمكنها الله من رأس عاصم أن تَشرب فيه الخَمر. وكان عاصم قد عاهد الله أن
لا يمسّ مُشْركًا أبدًا. ولا يمسه مشرك.
وقال عثمان بن أبي طلحة يومئذ، وهو يحمل لواء المشركين:
إنّ على أهلِ اللَّواءِ حَقًّا أن يَخُضِبوا الصَّعْدة أو تَنْدَقًّا
فقتله حمزةُ بن عبد المطّلب.
حنظلة غسيل الملائكة
والتقى حَنْظلة بن أبي عامر الغَسيل وأبو سُفيان، فلما استَعْلاه حَنْظلةُ بن أبي عامر
رآه شدّاد بن الأسود، وهو ابن شَعوب، قد علا أبا سفيان. فضربه شَدّاد فقَتله. فقال
رسولُ الله وَلّر: ((إن صاحبكم، يعني حنظلة لتُغَسله الملائكة)). فسألوا أهلَه من شأنُه؟
فسئلت صاحبته عنه، فقالت: خرَج وهو جُنُب حين سَمِع الهاتفة.
بِشْر بن أَرْطَاةَ، فلما رأى أنه مقتول كشف عن عَوْرَتِهِ، فانصرف عنه، ويُزْوَى أيضًا مثلُ ذلك
عن عَمْرو بن العاصِي، مع عَلِيٍّ - رضي الله عنه - يوم صِفِينَ، وفي ذلك يقول الحارث بن
النَّضْرِ السَّهْمِي، رواه ابن الكلبي وغيره:
وَعَوْرَتُه وَسْطَ العَجَاجَةِ بادِيةُ
أفي كُلْ يَوْمٍ فارِس غيرُ مُنْتَهٍ
وَيَضْحَك منه في الخَلاءِ مُعَاوِيَةٌ
يَكُفّ لها عنه عَلِيُّ سِنَانَه
عن مقتل حنظلة
فصل: وذكر مَقْتَلَ حَنْظَلة بن أبي عامرِ الغَسِيل، واسم أبي عامر: عَمْرو، وقيل: عَبْد
عَمْرو بن صَيْفِي، وذكر شَدَّاد بن الأسود بن شَعْوب حين قتله، بعدما كان علا حَنْظلةُ أبا
سُفيان ليقتلَه، وذكر الحُمَيْدِيُّ في التفسير مكان شَدَّادٍ جَعْوَنَة بن شَعُوب اللَّيْنِيّ، وهو مولى
نافع بن أبي نعيم القاري.
وذكر قولَ النبيِّ وَّهِ - إن صاحبَكم لتغسله الملائكةُ يعني: حَنْظَلَة، وفي غير السيرة،
٢٥٨

- قال ابن هشام: ويقال: الهائعة. وجاء في الحديث: خيرُ النَّاس رجلٌ مُمْسك
بعنان فَرسه، كلما سمع هَيْعة طار إليها. قال الطّرمَّاح بن حَكيم الطائي، والطرمَّاح:
الطويل من الرجال:
إذا جَعلَتْ خُورُ الرّجال تَھیعُ
أنا ابن حُماة المَجْد من آلٍ مالك
(والهَيْعة: الصَّيحة التي فيها الفزع).
قال ابن إسحاق: فقال رسول الله وَلخير: (لذلك غسلته الملائكة)).
شعر الأسود في قتلهما حنظلة وأبا سُفيان:
(قال ابن إسحق): وقال شداد بن الأسود في قَتْله حنظلة:
بِطَعَنة مثلٍ شُعاعِ الشَّمسِ
لِأَحْمِيَنَّ صاحبي ونَفْسي
وقال أبو سُفيان بن حَرْب، وهو يذكر صَبْره في ذلك اليوم، ومعاونة ابن شَعُوب
إيَّاه على حَنْظَلَةَ:
ولم أحْمِلِ النَّعْماء لابن شَعُوبٍ
ولو شِئْتُ نَجَّتْنِي كُمَيتٌ(١) طِمِرَّةٌ
لدُنْ غُذْوَةً حتى دنَتْ لغُروب
وما زال مُهْرِي مَزْجر الكلبِ منهمُ
قال: رأيتُ الملائكةَ تغسله في صِحَافِ الفِضَّةِ بماء المُزْنِ بين السَّماءِ والأرضِ، قال ابن
إسحقٍ، فَسُئِلَتْ صاحبتُه، فقالت: خَرَجٌ وهو جُنُبٌ حين سمع الهاتِفَةِ(٢). صاحبتُه يعني
امرأَتَه، وهي جَمِيلَةُ بنت أُبيِّ ابن سَلُولَ أُختُ عبدِ الله بن أُبَيِّ، وكان ابْتَنى بها تلك الليلة،
فكانت عَرُوسًا عنده، فرأت في النوم تلك الليل كأن بابًا في السماءِ فُتِح له فدخله، ثم أُغْلِق
دونَه، فعلمتْ أنَّه مَيْتْ من غدِهِ، فدعت رِجَالاً من قومها حين أصبحتْ فَأَشْهَدَتْهُم على
الدُّخُولِ بها خَشْيَةَ أن يكون في ذلكَ نزَاعٌ، ذكره الواقدي فيما ذُكِر لي، وذَكَر غيرُه أنه التُمِسَ
في القَتْلى، فوجدوه يَقْطُر رأسُه ماءً، وليس بِقُربِه ماءٌ تَصْدِيقًا لما قاله الرسولُ بَّهِ، وفي هذا
الخبر مُتَعَلَّقٌ لِمَنْ قال من الفُقهاءِ: إن الشَّهِيدَ يُغسَّل إذا كان جُنُبًا، ومن الفقهاء مَنْ يقول لا
يُغَسَّل كسائر الشهداء، لأن التكليف ساقطٌ عنه بالموت.
شعر أبي سُفيان:
وقول أبي سفيان:
وَمَا زال مُهْرِي مَزْجَر الكَلْبِ مِنْهُمُ
لَدُنْ غُذْوَةٍ حتى دَنْت لِغُرُوبِ
(١) كميت: خمرة.
(٢) الهاتفة: يعني نداء الحرب.
٢٥٩
٠

أقاتِلُهُمْ وَدَّعِي بالغَالِبِ
فبكّي ولا تَرْعَى مَقَالَةَ عاذِلٍ
أباكٍ وإخوانًا له قد تَتابَعوا
وسَلَّى الذي قد كان في النّفس أنَّنِي
ومن هاشمٍ قَرْمًا كريمًا ومُصْعَبًا
فَوَلَوْ أنني لم أشْفِ نفسيَ منهمُ
فآبوا (١) وقد أودى الجَلابيبُ منهمُ
أصابهم مَن لَمْ يكُن لدمائهم
وأذفَعُهمْ عني برُكُن صَلِيب
ولا تسْأَمِي من عَبْرة ونجِيب
وحُقُّ لهم من عَبْرة بنّصِيب
قَتَلْتُ من النَّجَّار كُلّ نَجيب
وكان لَدَى الهَيْجَاءَ غيرِ هَيُوب
لكانت شجّا في القَلب ذات نُذُوب
بهم خَدَبٌ من مُغطَب(٢) وگئیب
كِفاءً ولا في خُطّة بضَرِيب
يُروى بخفض غُذْوَةً، ونصبها، فمن خفضه فإعرابُه بَيِّنٌ، لأن لَدُنْ بمنزلة: عِنْد، لا
يكون ما بعده إلاَّ مَخْفُوضًا، وأمَّا نصبُه فَغَرِيبٌ، وشَيْءٌ خَصَّت العربُ به غُدْوَةً، ولا يُقاس
عليها، وكثيرًا ما يذكرها سِيبَويْه، ويُمْنَعُ من القياسِ عليها، وذلك أن لَدُنْ يقال فيها: لَدُنْ
وَلَدُ، فلما كانت تارةً تُنَوّنُ، ولا تُنَوَّنُ أَخْرَى، شَبَّهُوها إذا نُوْنَتْ باسم الفاعلِ فَتَصَبُوا غُذْوَةً
بعدها، تَشْبِيهَا بالمفعولِ، ولولا أنَّ غُذْوَةً، تُنَوَّنُ إذا نُكُرت، وتُنَوَّنُ ضَرُورَةً إذا كانت مَعْرِفَةً ما
عُرِف نَصْبُها، لأنها اسمٌ غير مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والتأنيث، فَخَفْضُها ونَصْبُها سواءٌ، فإذا نُوْنَتْ
للضَّزْورةِ، كما في بيت أبي سُفيان أوْ أردت غُذوةً من الغدُوات تَبيَّن حينئذٍ أنهم قصدوا
النَّصْبَ والتشبيه بالمفعول، ووجهٌ آخرُ من البيانِ، وهو أنهم قد رفعوها، فقالوا: لَدُنْ غُذْوَةُ
غَيْرِ مَصْروفَةٍ، كما يرفع الاسمُ بعد اسم الفاعِل إذا كان فاعلاً ويُنْصَبُ إذا كانَ مَفْعُولاً إذا نُوِّنَ
اسمُ الفاعِل، كذلك غُذْوَة بعد لَدُنْ، لا يكون هذا فيها إلاّ إذا نُوْنَتْ لَدُن، فإن قُلت: لَد
غُذْوةٍ، لم يكن إلا الخفْضُ إن نَوَّنْتهَا، وإن تركت صَرْفَها للتعريف، فالفتحة علامةُ خَفْضِها،
ولا تكون غُدْوَة عَلَمًا إلاّ إذا أردتَها ليوم بعينهِ، وبُكْرة مثلُها في العَلَمِيَّةِ، وليست مثلَها مَعَ
لَدُنْ وَضَخْوَةٌ وعَشِيَّةٌ مَصْروفَتَانَ، وإن أَرْدتهما ليوم بعينه. وقد فَرَغْنا من كشفِ أسرارِ هذا
البابِ في ((نتائج الفِكَرِ)) (٣) وأوضحنا هنالك بدائع وعجائبَ لم يُبَيّنْها أحدٌ إلاّ أنَّها مُنْتَزَعَةٌ من
فَحْوَى كلام سِيبَويْهِ، ومن قواعدِه التي أصَّل، والحمد لله.
وقولُ أبي سُفْيَانَ في هذا الشعر: بهمْ خَدَبٌ. الخَدَبُ الهَوَجُ: وفي الجَمْهَرَةِ طَعْنَةٌ
خَذْبَاءُ إذا هَجَمَتْ على الجَوْفِ، وهذا هو الذي أراد أبو سُفيان بالخَدَبِ.
(١) آبوا: عادوا.
(٣) انظر ص (٣٣).
(٢) معطب: في البداية: مغبط.
٢٦٠