Indexed OCR Text

Pages 221-240

غزوة السويق(١):
قال: حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام: قال: حدّثنا زيادُ بن عبد الله
البكّائيّ، عن محمد بن إسحق المُطلبي، قال: ثم غَزَا أبو سفيان بن حَرْب غَزْوة
السَّويق في ذي الحجّة، وولى تلك الحجة المُشركون من تلك السنة، فكان أبو سفيان
كما حدّثني محمد بن جعفر بن الزّبير، ويزيد بن رُومان ومن لا أتَّهم، عن عبد الله بن
كعب بن مالك، وكان من أعلم الأنصار، حين رجع إلى مكة، ورجَع فَلُ قُرَيش من
بدر، نذَر أن لا يَمَسَّ رأسَه ماءٌ من جَنَابةٍ حتى يَغْزو محمدًاً وَلّ، فخرج في مائتي
راكبٍ من قُرَيش، ليُبِرَّ يمينَه، فسلك النَّجْديةَ، حتى نزل بصَدْرِ قَناةٍ إلى جَبَل يقال له:
ثَيْب، من المدينة على بَريد أو نحوه، ثم خرج من اللَّيل، حتى أتى بني النَّضِيرِ تحت
اللَّيل، فأتى حُيَيَّ بن أخْطَب، فضرب عليه بابَه، فأَبَى أن يفتح له بابَه وخافَه، فانصرف
عنه إلى سَلاَّم بن مِشْكُم، وكان سيِّد بني النّضير في زمانه ذلك، وصاحبَ کنزهم،
فاستأذن عليه، فأذن له، فقَراه وسَقاه، وبَطَن له من خبر الناس، ثم خرج في عقب
ليلته حتى أتى أصحابَه، فبعث رجالاً من قُرَيش إلى المدينة، فأَتَوْا ناحية منها، قال
لها: العُرَيض، فحرقوا في أضوار من نَخل بها، ووجدوا بها رجلاً من الأنصار وحَليفًا
وذكر أنَّ أبا سُفيان كان نَذَر ألاَّ يَمَسَّ رأسه ماءٌ من جَنَابَةٍ، حتى يَغْزُوَ محمدًا. في هذا
الحديثِ أن الغُسْلَ من الجَنَابَة كان معمولاً به في الجاهِليَّة بقِيَّة من دِين إبراهيمَ وإسماعيل،
كما بقي فيهم الحجّ والنكاحُ؛ ولذلك سَمَّوْها جَنَابةً، وقالوا: رجُلٌ جُنُب وقوم جُنُبٌ، لمجانبتهم
في تلك الحال البيتَ الحرامَ، ومواضَع قُرْبَاتِهم، ولذلك عُرِف معنى هذه الكلمةِ في القرآن
أعني قولَه: ﴿وإِن كُنْتُم ◌ُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فكان الحدثُ الأكبرُ معروفًا بهذا الاسم، فلم يحتاجوا
إلى تفسيره، وأما الحدَثُ الأصغَرُ، وهو الموجب للوضوء، فلم يكن معروفًا قبل الإسلام؛
فلذلك لم يقل فيه: وإن كنتم مُخدِثين، فَتَوضؤوا كما قال: ﴿وإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ بل
قال: ﴿فاغْسِلوا وُجُوهَكم وأيديكم إلى المرافِق﴾ الآية [المائدة: ٦] فبيّن الوضوءَ وأعضاءه
وكيفيتَه، والسببَ الموجِبَ له كالقِيَامِ من النوم والمجيء من الغَائِطِ، ومُلامَسَةِ النِّساء، ولم
يحتجّ في أمر الجَنَابَة إلى بيانٍ أكْثَرَ من وُجُوب الطَّهَارَةِ، منها: الصلاةُ.
وقولَه: أصْوَار نَخْلٍ، هي: جمع صَوْرٍ. والصَّوْرُ: نخلٌ مُجْتَمِعَةٌ.
(١) انظر البداية (٣٤٤/٣) الواقدي (١٨١/١) ابن سعد (٢٠/١/٢) المنتظم (١٥٦/٣) ابن حزم (١٥٢)
السيرة الحلبية (٢٧٧/٢) الكامل (٣٦/٢) الاكتفاء (٧٧/٢) تاريخ الطبري (٤٨٣/٢) الدرر (١٣٩)
عيون الأثر (٣٥٤/١) النويري (٧٠/١٧) الزاد (١٨٩/٣) ابن سيد الناس (٣٤٤/١).
٢٢١
1

له في حَرْث لهما، فقَتلوهما، ثم انصرفوا راجعين، ونَذِرَ بهم الناسُ. فخرج رسولُ
اللهِ وَ﴿َ في طَلبهم، واستعملَ على المدينة بَشيرَ بن عبدِ المُنْذِر، وهو أبو لُبَابة، فيما
قال ابنُ هِشَام، حتى بلغ قَرْقَرة الكُذر، ثم انصرف راجعًا، وقد فاته أبو سُفيان
وأصحابُه، وقدّ رأوا أزوادًا من أزواد القوم قد طَرحوها في الحَرْث يتخفّون منها للنَّجَاءِ،
فقال المسلمون، حين رجع بهم رسولُ اللهِ وَله: يا رسولَ الله، أَتَطمع لنا أن تكون
غزوة؟ قال: ((نعم)).
قال ابن هشام: وإنما سُميت غزوة السَّرِيق، فيما حدَّثني أبو عُبَيدة: أنّ أكثر ما
طرح القومُ من أزْوادهم السَّوِيقُ، فَهَجم المسلمون على سَوِيق كثير، فسُمِيت غزوة
السويق .
قال ابن إسحاق: وقال أبو سُفيان بن حَرْب عند مُنْصَرَفِه، لما صنع به سَلاَّم بن
مِشْکم:
الجِلْفٍ فلم أَنْدَمْ ولم أتَلَوْمٍ
وإني تخيَّرتُ المدينةَ واحدًا
على عَجَلٍ مني سَلامُ بن مشكم
سقاني فروَّاني كُمَيْئًا مُدامة
لِأُفْرِحَه: أبشر بعزّ ومَغْنم
ونمَّا تولَّى الجيْشُ قلت ولم أكُنْ
صِرِيحُ لُؤَيّ لا شَمَاطِيطُ جُرْهُم
تأمَّلْ فإنّ القومَ سرّ وإنهم
أتَى ساعيًا من غير خَلَّة مُعْدِم
وما كان إلا بعض ليلةٍ راكبٍ
سلامة بن مشكم:
وذكر سَلاَّمَ بن مِشكم، ويقال: فيه سَلاَّم، ويقال: إنه ولد شَغْثَاء التي يقول فيها
حسَّان:
فليس لَعَقْلِه منها شِفَاءٌ
لِشَعْئَاءَ التي قَدْ تَيَّمَتْهُ
وقول أبي سُفيان: شَمَاطِيطِ جُزْهُم. الشَّماطِيط: الخيل المتَفَرِّقة، ويقال للأخلاط من
الناس أيضًا: شَمَاطِيط، وأصلُه من الشمِيطِ، وهو اخْتِلاَطُ الظَّلام بالضوء، ومنه الشَّمَطُ في
الرأس .
وقوله: ولم أكن لأُقْرِحَه، والمُفْرَحُ: الذي قد أثقله الدِّينُ، وقد تقدّم شرحه.
٢٢٢

غزوة ذي أمر(١):
فلمَّا رجع رسولُ اللهِ وَ ل﴿ من غَزوة السّوِيقِ، أقام بالمدينة بقية ذي الحجّة أو قريبًا
منها، ثم غزا نجدًا، يريد غَطّفان، وهي غزوة ذي أمَرَ، واستعمل على المدينة عثمان بن
عقّان فيما قال ابن هشام.
قال ابن إسحاق: فأقام بنَجْد صفرًا كلَّه أو قريبًا من ذلك، ثم رجع إلى المدينة،
ولم يَلْقَ كيدًا. فَلَبث بها شهر ربيع الأوّل كُلُّه، أو إلا قليلاً منه.
غزوة الفرع من بحران(٢):
ثم غز (رسولُ الله) وَلَّ، يريد قريشًا، واستعمل على المدينة ابنَ أُمّ مَكْتوم، فيما
قال ابن هشام.
قال ابن إسحاق: حتى بلغ بَحرانَ، مَعْدِنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، فأقام بها شهر
ربيع الآخر وجُمادى الأولى، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدًا.
وذكر أن رسول الله - رَ﴿ ـ أتى بَحْرَانَ مَعْدِنًا بالحجاز من ناحية الفُرْع، فأقام به شَهر
ربيع الآخر، وجُمادى الأولى. الفُرُعُ بضمّتين، يقال: هي أول قرية مَارَتْ إسماعيلَ وأُمَّه
التَّمْرَ بمكّةَ، وهي من ناحية المدينة، وفيها عَيْنَان يقال لهما: الرُّبُضُ والنَّجَفُ يَسْقِيانِ عشرينَ
ألفَ نخلةٍ كانت لحَمزَةَ بن عبدِ الله بن الزُّبَيْر. وتفسير الرُّبُضِ: منابِتُ الأَرَاكِ في الرَّمْلِ
والفَرَعُ بفتحتين موضع بين الكُوفَة والبَصْرَةِ. قال سُوَيْدُ بن أَبِي كَامِل:
حَلّ. أهْلِيَ حِيْثُ لا أَطْلُبُها
جانِبَ الحَضْرِ وحَلَّتْ بِالفَرَّع
ثم رجع إلى المدينةِ. وقول ابن إسحق: أقام شهر ربيع وجُمادى لأن الربيعَ مُشْتَرَكٌ
بين اسم الشَّهْرِ، وزمَنِ الربيع، فكان في لفظ الشّهْر بيانٌ لما أراد. وجمادى اسُمٌ عَلَمْ ليس
فيه اشتراك، وقد قدّمنا قولَ سِيبَويْهِ، ومما لا يكونَ العملُ إلاّ فيه كُلُّه المحرَّم وصَفَر يعني
هذه الأسمَاء كُلَّها، وكذلك أسماء الأيام، لا تقول: سِرْت الخميسَ ولا مشيت الأربعاء إلاّ
(١) انظر البداية (٢/٤) الطبقات (٢٣/١/٢) المنتظم (١٥٧/٣) الواقدي (١٩٣/١) الكامل (٣٨/٢)
الاكتفاء (٧٨/٢) تاريخ الطبري (٤٨٧/٢) سيرة ابن هشام (٤٥/٢) الدلائل (١٦٧/٣) النويري
(٧٧/١٧) عيون الأثر (٣٦٢/١) السيرة الحلبية (٢٧٩/٢) جوامع السيرة (١٨٩).
(٢) انظر الواقدي (١٩٥) ابن سعد (٢٤/١/٢) ابن كثير (٢/٤) جوامع السيرة (١٨٩) الزاد (١٩٠/٣)
ابن سيّد الناس (٣٠٤/١) شرح المواهب (١٦/٢).
٢٢٣

أمر بني قينقاع
نصيحة الرسول لهم وردهم عليه:
(قال): وقد كان فيما بين ذلك، من غَزْو رسول الله وَّهِ أمرُ بني قَيْنُقَاع، وكان من
حديث بني قَيْنُقَاعِ أن رسولَ اللهِ بَّهِ جمعهم بسُوق بني قَيْنُقَاعِ، ثم قال: ((يا مَعْشَرَ يَهُودَ،
احذروا من الله مثل ما نزل بقُريش من النَّقمة، وأسْلِموا، فإنَّكم قد عَرَفتم أنِّي نبيٍّ
مُرْسَلٌ. تَجِدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم))، قالوا: يا محمد، إنك تَرَى أنَّا قومُك!
لا يُغرَّنك أنك لقِيتَ قومًا لا عِلْمَ لهم بالحرب، فأصبْتَ منهم فُرْصَةً، إنَّا والله لئن
حاربناك لتعَلَمِنَّ أنَّا نَحْنُ الناسَ.
ما نزل فيهم:
قال ابن إسحاق: فحدّثني مولى لآل زيد بن ثابت عن سَعيد بن جبير، أو عن
والعملُ فيه كُلّه حتى تقول يوم الأربعاء، أو يَوْم كذا، وفي الشُّهور شَهْرُ كذا، فحينئذ يكون
ظرْفًا لا يدلّ على وقوع العمل فيه كُلُّه.
خبر بني قينقاع(١)
وقد تقدّم منه طَرَفٌ قبل غَزْوَةِ بَدْرٍ .
وفيه أن عبد الله بن أُبَيِّ قال للنبيّ وَّهِ: أَحْسِنْ فِي مَوَالِيّ وأن رسول اللهِوَّه ◌ِ غَضِبَ
حتى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظِلاَلاً، هكَذَا في نُسْخَةِ الشيخِ مُصَحَّحًا عليه، وفي غيرها ظُلَلا جمع ظُلَّة،
وقد تُجْمَع فُعْلَة على فِعال نحو بُرْمَةٍ وبرام وجُفْرَةٍ وجِفارٍ فمعنى الرِّوَايَتَيْن إذًا واحِدٌ، والظُلَّةُ
ما حَجَبَ عنك ضوءَ الشَّمْسِ وصَحْوَ السماءِ، وكان وجْهُ رسول الله - وَال﴿ - مُشْرِقًا بَسَّامًا،
فإذا غَضِبَ تَلَوَّن ألوانًا فكانت تلك الألوان حائلةً دون الإشْرَاقِ والطَّلاَقةِ والضَّيَاءِ المُنَشَر عند
تَبَسُّمُه، وقد روي أنه كان يَسْطَعُ على الجِدَار نورٌ من ثَغْرِه إذا تَبَسِّم، أو قال: تكلّم، يُنْظَر
في الشَّمَائِل للتِّزْمِذِيِّ(٢) .
وذكر فيه الآية الي نزلت فيهم: ﴿قد كان لكم آيَةٌ فِي فِئَتَيْن﴾ الفِئَةُ على وزن فِعَة من
(١) انظر البداية والنهاية (٣/٤) تاريخ الطبري (٤٧٩/٢) المنتظم (١٣٦/٣) الواقدي (١٧٦/١) الكامل
(٣٣/٢) الطبقات (١٩/٢/١) ابن سيد الناس (٢٩٤/١) الاكتفاء (٧٩/٢) ابن حزم (١٥٤) السيرة
الحلبية (٢٧٢/٢) الشاميّة (٢٦٥/٤) الدلائل (١٧٣/٣) الزاد (١٩٠/٣) شرح المواهب.
(٢) الشمائل (٣٣).
٢٢٤

عكرمة عن ابن عباس، قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم: ﴿قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
وتُخْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وبْسَ المِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: أي أصحاب بدر من
أصحاب رسول الله وَّرَ، وقريش ﴿فِئةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ
رَأَيَ العَيْنِ واللَّهُ يُؤَيِّدُ بَنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾.
كانوا أوّل من نقض العهد:
قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتادة: أن بني قَيْنُقَاع كانوا أوّل يهودَ
نقضوا ما بينهم وبين رسولِ الله وَّر، وحاربوا فيما بين بدر وأُحد.
سبب الحرب بينهم وبين المسلمين:
قال ابن هشام: وذكر عبدُ الله بن جعفر بن المِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ، عن أبي عَوْن،
قال: كان من أمر بني قَيْنُقاع أن امرأةً من العرب قَدِمتْ بجَلَب لها، فباعته بسوق بني
فَيْنقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يُريدونها على كَتْف وجهها، فأَبَت، فعَمد الصائغ
إلى طَرف ثوبها فعَقده إلى ظَهْرها، فلما قامت انكشفت سَوْءتها، فضَحِكوا بها،
فصاحتْ. فوثب رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًّا، وشدَّت اليهود
على المُسلم فقتلوه، فاستصرخ أهلُ المُسلم المسلمينَ على اليهود، فَغَضِب المسلمون،
فَوَقع الشرّ بينهم وبين بني فَيْنُقاع.
ما كان من ابن أُبيّ مع الرسول:
قال ابن إسحق: وحدّثني عاصمُ بن عمر بن قتادة، قال: فحاصرهم رسولُ اللهِ وَاهـ
حتى نَزلوا على حُكْمه، فقام إليه عبدُ الله بن أُبيّ ابن سَلُول، حين أمكنه الله منهم،
فقال: يا محمد، أحسنْ في مَوالِيٍّ، وكانوا حُلفاء الخَزْرِج، قال: فأبطأ عليه رسول
الله ◌َّ؛ فقال: يا محمد أحسِنْ في مَوالِيَّ، قال: فأعرض عنه فأدخل يده في جَيْب دِرْع
رسول الله الحر.
فَأَوْتُ رأسَه بالعصا إذا شَقَقْتُه، أو من الفَأْو، وهي جِبَال مُجْتَمِعةٌ، وبينهما فُسْحَةٌ من
الأرض، فحقيقةُ الفِئَةِ الفِرْقَةُ التي كانت مُجْتَمِعَةً مع الأُخرى، فَافْتَرَقَتْ(١).
(١) فأوا: الفاء والألف والواو أصل صحيح يدل على انفراج في شيء. يقال: فأوت رأسه بالسيف فأوًا،
أي فلقته. والفأو: فرجه ما بين الجبلين. مقاييس اللغة (٤٦٨/٤).
الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ١٥
٢٢٥

قال ابن هشام: وكان يقال لها: ذاتُ الفُضُول.
قال ابن إسحق: فقال له رسولُ اللهِ وَله: أرسلني، وغَضِب رسولُ اللهِ وَل حتى
رأوا لوجهه ظُلَلاً، ثم قال: ويحك! أزسلني؛ قال: لا والله لا أُرسلك حتى تُخسن
في مواليّ، أربع مائة حاسر وثلاث مائة دارع قد مَنعوني من الأحمر والأسود،
تخصدهم في غَداة واحدة، إنّي والله امرؤٌ أخشَى الدَّوائر؛ قال: فقال رسول الله وَله:
((هُم لك)).
مدّة حصارهم:
قال ابن هشام: واستعمل رسولُ اللهِ وَّر على المدينة في مُحاصرته إيَّاهم بَشِير بن
عبد المُنذر، وكانت مُحاصرته إيّاهم خمسَ عشرَة ليلة.
تبرؤ ابن الصامت من حلفهم وما نزل فيه وفي ابن أُبيّ:
قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحقُ بنُ يَسار، عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن
الصَّامت، قال: لما حاربت بنو قَيْتُقاع رسولَ اللهِ وَلَّ، تشبّث بأمرهم عبدُ الله بن أُبيّ ابن سَلُول،
وقام دونهم. قال: ومشى عُبادة بن الصَّامت إلى رسولِ اللهِ وَّل، وكان أحدَ بني عوف،
لم من حِلفه مثلُ الذي لهم من عبد الله بن أبيّ، فخَلعهم إلى رسولِ اللهِ وَلَّ، وتبرأ إلى
الله عزّ جلّ، وإلى رسوله وَّلهُ من حِلْفِهم، وقال: يا رسولَ الله، أتولى الله ورسوله اله
والمُؤمنين، وأبرأ من حِلْف هؤلاء الكفّار وولايتهم. قال: ففيه وفي عَبد الله بن أُبيّ
نزلت هذه السورة من المائدة: ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ
بَعْضُهِمْ أوْلِياءُ بعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي لعبد الله بن أُبيّ وقوله: إني أخشى الدائر، ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ
يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنا دائرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بالفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى ما
أُسَرُوا فِيْ أَنْفُسِهِمْ نَادِمِين وَيَقُول الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِيَنْ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ﴾، ثم
القصّة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾. وذكر لتولي عُبادة بن الصّامت الله ورسوله والذين آمنوا،
وتبرئه من بني قَيْنقاع وحِلفهم وولايتهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ
اللَّهِ هُمُ الغَالِبُونَ﴾.
٠٠
٢٢٦

سرية زيد بن حارثة إلى القردة
إصابة زيد للعير وإفلات الرجال:
قال ابن إسحاق: وسَرِيَّةُ زيد بن حارثة التي بعثَه رسولُ اللهِ وَّر فيها، حين أصاب
عِيرَ قريش، وفيها أبو سُفيان بنُ حَرْب، على القَردة ماء من مياه نجد. وكان من حديثها:
أنّ قريشًا خافُوا طريقَهم الذي كانوا يسلكون إلى الشام، حين كان من وَقْعة بدر ما كان،
فسَلكوا طريقَ العراق، فخرج منهم تُجّار، فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضّة كثيرة،
وهي عُظُم تجارتهم، واستأجروا رجلاً من بني بكر بن وائل، يقال له: فُراتُ بن حيَّان
يدُلُّهم في ذلك على الطريق.
قال ابن هشام: فُرات بن حيَّان، من بني عِجْل، حليف لبني سَهْم.
قال ابن إسحاق: وبعث رسولُ اللهِ وَلّ زيد بن حارثة فلَقيهم على ذلك الماء،
فأصاب تلك العير وما فيها، وأعجَزه الرجالَ، فقدِم بها على رسول الله اَله .
سرية زيد
ذكر فيها فُرَاتَ بن حَيَّان العِجْلِيِّ منسوبٌ إلى عِجْلِ بن لُجيْم بن صَعْبٍ بن عَلِّي بنِ
بَكْرِ بن وَائِل. واللَّجَيْمُ: تَصْغِيرُ لُجَم وهي دُوَيْبَةٌ تَطَيََّ بها العَرَبُ، وأنشدوا:
لها ذَنَبٌ مثل ذَيْلِ العَرو س إلى سَبَّةٍ مِثْل جُخْرِ اللُّجَمْ
وكان عينَ قريش ودليل أبي سُفيانَ، أسلم فُرَاتُ وحَسُن إسلامُه، وقال فيه رسولُ
الله - رَّم -: ((إن منكم رجالاً نكلهم إلى إسلامهم، منهم فُرَات))(١)، وأرسله رسولُ
الله - رَ﴿ إِلى ثمّامَةَ بن ◌ِثَالٍ فِي شَأْنِ مُسَيلِمَة، ورِذَّتِه، ومرّ به رسولُ اللهِ وَّرَ، وهو مع أبي
هريرة، والرَّجَالُ بن عُنْفُوَةَ، فقال: ضِرْس أحدِكم في النار مثل أُحُدٍ، فما زال فُرَاتٌ وأبو
هُرَيْرَةُ خائفين حتى بلغتهما رِدَّة الرَّجَّالِ، وإيمانِهِ بِمُسَيْلِمَة، فخَرًّا ساجِدَين، واسم الرَّجَال:
نَهَارُ بن عُثْقُوَةَ، والعُنْفُوَةُ ضرب من النّبْتِ، يقال له: الصَّلِّيّان.
(١) ((صحيح)). أخرجه أبو داود (٢٦٥٢) بتحقيقي. وأحمد (٣٣٦/٤) والبيهقي (١٩٧/٨) والحاكم
(٥١١/٢). وأبو نعيم في الحلية (١٨/٢).
٢٢٧

شعر حسان في تأنيب قریش:
فقال حسَّان بن ثابت بعد أُحُد في غزوة بدر الآخرة يؤنّب قريشًا لأخذهم تلك
الطريق :
دَعُوا فَلَجاتِ الشامِ قد حال دونها
جلادْ كأفواه المَخاض الأَوَارِكِ
وفيها يقول حَسَّانُ:
دَعُوا فَلَجَاتِ الشَّام قد حال دونها
الفَلَجَاتُ: جمع فَلَج، وهي العين الجارية، يقال: ماءٌ فَلَجِّ، وعين فَلَجّ، وذكره أبو
حنيفة: فَلَحَات بالحاء المهملة، وقال: الفَلَحَةُ المزرعة(١).
حول كلمة المخاصمة والملك:
وقوله :
جِلاَدُ كأفواه المَخَاضِ الأَوَارِكِ
أي: التي أُكَلَتِ الأَرَاكَ، فَدُمِيَتْ أفْواهُها، والمَخَاضُ واحدتُها خَلِفٌ من غير لفظها،
وهي الحَاملُ [من النُّوق]، وقد قيل في الواحد: مَاخِضّ، ومنه قول الطائي:
وأخّرْتَها عن وَقْتِها وهي مَاخِضُ
وعندي أن المخاضَ في الحقيقة ليس بجَمْعٍ، إنما هو مصدر؛ ولذلك وُصِف به
الجميعُ، وفي التنزيل: ﴿فَأَجاءَها المَخَاضُ﴾(٢) وقوّلهم: ناقة ماخضّ، كقولهم: حامِل،
أي: ذاتُ مَخَاضٍ، وذَاتُ حَمْلٍ، وقد يقول الرجُل لِنِسائه: أَنْتُنَّ الطَّلاَقُ، فليس الطَّلاَقُ
بِجَمْعٍ، وإنما معناه: ذَوَاتُ طَلاَق، وكذلك معنى المَخَاضِ، أي ذَواتُ مَخَاضٍ، غير أنه قيل
للواحّدة: ماخِضِّ، ولم يقل: ناقة مَخَاضٍّ، أي: ذاتُ مَخَاضٍ، كما يقال: امرأةٌ زَوْرٌ
وصَوْمٌ، لأن المصدرَ إذا وُصِف به فإنما يُراد به الكثيرُ ولا تكثيرَ في حَمْلِ الواحدةِ، ألا ترى
أنك تقول هي أَصْوَمُ الناس، وما أصْوَمَهَا، ولا يُقال إذا حَبلت: ما أحْبَلَهَا، لأنه شيءٌ
(١) فلج: الفاء واللام والجيم أصلان صحيحان يدل أحدهما على فوز وغلبة، والآخر على فُرجةٍ بين
الشيئين المتساويين. فالأوّل: قولهم فُلج الرجل على خصمه إذا فاز، والسهم الفالج: الفائز.
والأصل الآخر: الفلج في الأسنان، والفلج النهر، سمي بذلك لأنه فُلج أي كان الماء شقه شقًا
فصار فُرْجة. فأما الفلوجة فالأرض المصلحة للزرع، والجمع فلاليج. السابق (٤٤٨/٤).
(٢) سورة مريم آية رقم (٢٣).
٢٢٨

وأنصارِهِ حَقًّا وأيْدِي المَلائك
بأيْدِي رجال هاجَروا نحو ربِّهم
فقُولا لها ليس الطَّريقُ منالكِ
إذا سَلَكتْ للغَوز من بَطْن عالِجٍ
واحد، كما لا يقال في الموت: ما أمْوَتَها، فلما عُدِمَ قصدُ التَّكْثير والمبالغة لم تُوصَف به،
كما لا تُوصَف بالسَّيْر إذا قلت: ما هي إلاَّ سَيْرٌ، فإذا كانت إبلاً كثيرةً حصل معنى الكثرة،
فوُصِفَتْ بالمخاض، وهو المصدر لذلك، فإن قلت: فقد يقول الرجل: أنتِ الطَّلاقُ، وأنت
الفِراقُ قلنا: فيه معنى التكثير والمبالغة، ولذلك جاز لأنه شيء يَتمادَى ويدوم، لا سيّما إن
أراد بالطلاقِ الطلاقَ كلَّه لا واحدةً، ولي كذلك المَخَاضُ والحَمْلِ، فإن مُدَّتَه معلومةٌ ومقدارَهُ
مُوَقَّتْ.
وقوله :
بأيدي الملائك، هو جَمْعَ ملَك على غير لفظِه، ولو جمعوه على لفظه لقالوا: أمْلاَك،
ولكن الميم منَ ملَكِ زائدةٍ فيما زعموا، وأصلُه مَأْلَكٌ من الْأَلُوكِ، وهي الرسالة، قال لَبِيدٌ:
بِأَلُوكِ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ
وغُلام أَرْسَلَتْهُ أُمُّه
وقال الطائي:
أبِي متى يَتَثَلَّمُوا أَتَهَدَّمُ
مَنْ مُبْلِغُ الفِتْيَان عني مَأْلَكًا
و [أبو تَمَّامِ حَبيبُ بن أَوْسٍ] الطَّائِيُّ وإن كان مُتَوَلْدًا، فإنما يُحْتَجُ به لِتَلَقِّي أهل العربية
له بالقبول وإجماعهم على أنه لم يَلْحَن، وإذا كان الأصلُ فيه مَأْلَكًا فإنمَا قَلبُوه إرَادَة إلغاءِ
الهمزة، إذ سهلوا ولو سهَّلوا مَأْلَكًا، والهمزةُ مَقدَّمَةٌ لم تسقط، وإنما تسقط إذا سَكّن قبلها،
فقالوا: مَلْك، فإذا جَمَعُوا عادت الهمزة، ولم تعد إلى موضعها لئلا تَرْجع كجَمْع مَأْلَكَةٍ،
وهي الرسالة ولو قيل: إن لفظَ مَلَكِ مَأْخوذٌ من المَلَكُوتِ، فلذلك لم يُهْمَز، لأن أكثرَ
الملائكة ليسوا برسُلٍ، ولو أريد معنى الرسالة لقالوا: مُؤْلَكٌ، كما تقول: مُرْسَلٌ، ولضُمَّت
الميمُ في الواحِد، وتكون الهمزةُ على هذا زائدةً في الجميع كما زادوها في شَمْأل وهي من
شَمَلَت الريحُ، لكان هذا وَجْهًا حَسَنًا، وسِرُّ زيادة الهمزة في شَمْأَلٍ، وهي من شملت الريح،
فأطلعت الهمزةُ رأسَها لذلك، إذ قد اجتمع فيها أنها مِنْ عن شمال البيت، وأنها شامية،
وكذلك الملائِكة هم من مَلَكُوتِ الله، وفيهم رُسُلٌ، ولواحد منهم من ملَكُوت الله فقط، لأنه
لا يَتَبَعَّضُ كما تَتَبَعَّضُ الجُمْلَةُ منهم، فأما قول الشاعر:
تَنَزَّلَ مِن جَوْ السماء يَصُوبُ
فَلَسْتُ لِإِنْسِيِّ ولكنْ لَمَأْلَكِ
٢٢٩

قال ابن هشام: وهذه الأبيات في أبيات لحسَّان بن ثابت، نقضَها عليه أبو
سُفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وسنذكرها ونقيضتها إن شاء الله (في) موضعها.
مقتل كعب بن الأشرف
استنكاره خبر رسولي الرسول بقتل ناس من المشركين:
قال ابن إسحق وكان من حديث كَعْب بن الأشرف: أنه لما أُصيب أصحاب بدر،
وقدم زيدُ بن حارثة إلى أهل السَّافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية بَشيريْن،
بعثهما رسول الله وَلَّ إلى مَنْ بالمدينة من المسلمين بفَتح الله عزّ وجلّ عليه، وقَتْل مَنْ
قُتل من المُشركين، كما حدّثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة الظفري، وعبد الله بن
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعاصم بن عمر بن فَتادة، وصالح بن أبي
أُمامة بن سَهل، كلّ قد حدّثني بعضَ حديثه، قالوا: قال كعب بن الأشرف، وكان رجلاً
فهمز مألكًا، وهو واحد، والبيت مجهولٌ قائله، وقد نسبه ابن سيدة إلى عَلْقَمَة، وأُنكر
ذلك عليه، ومع هذا فقد وصف مَأْلَكًا بالرسالة لقوله: تَنَزَّلَ من جَوِّ السَّمَاءَ يصُوب، فَحَسُن
الهمزة لتضمّنِه معنى الألُوك، كما حَسُنَ في جملة: الملائكة، إذ للجُمْلَةِ بغْضُ همّ إرسالٍ،
والكُلُّ من مَلَكُوتِ اللهِ سبحانه، وليس في الواحد إلاَّ معنى المَلَكُوتِيَّةِ فقط حتى يَتَخَصَّصَ
بالرِّسَالةِ، كما في هذا البيت المذكور، فيتضمن حينئذٍ المَعْنَيْنِ، فَتَطْلُع الهمزة في اللفظ، لما
في ضِمْنِه مَعْنى الأُلُوكِ، وهي الرسالة (١).
مقتل كعب بن الأشرف(٢)
ذكر فيه أنه شَبَّبَ بنِسَاء المسلمين، وآذاهم، وكان قد شَبَّب بأَمِّ الفضل زَوْجِ العَبَّاسِ بنِ
عبدِ المُطَّلِب فقال:
أَرَاحِلُ أنت لم ترحل لمنعبته
وتارٌِّ أَنتَ أُمّ الفَضْلِ بِالحَرَمِ
في أبيات رواها يونس عن ابن إسحق.
(١) انظر أيضًا تفسير الرازي والقرطبي لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل
في الأرض خليفة﴾ .
(٢) انظر الواقدي (١٨٤/١) البداية والنهاية (٥/٤) تاريخ الطبري (٤٨٧/٢) المنتظم (١٥٨/٣)
الاكتفاء (٨٢/٢) الطبقات (٢١/٢/١) الكامل (٣٨/٢) ابن حزم (١٥٤) الدلائل (١٨٧/٣)
النويري (٧٢/١٧) عيون الأثر (٣٥٦/١) الزاد (١٩١/٣) جوامع السيرة لابن حزم (١٩٠). وانظر
أيضًا الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
٢٣٠

من طيىء، ثم أحدَ بني نبهان، وكانت أُمُّه من بني النَّضير، حين بلغه الخبرُ: أحقٌّ هذا؟
أَتَرَوْن محمدًا قتل هؤلاء الذين يُسمِّي هذان الرجلان - يعني زيدًا وعبد الله بن رواحة -
فهؤلاء أشْراف العرب وملوكُ الناس، والله لئن كان محمَّد أصابَ هؤلاء القوم لبَطْنُ
الأرض خيرٌ من ظهرها.
شعره في التحريض على الرسول:
فلما تيقَّن عدوّ الله الخبرَ، خرج حتى قَدِم مكّة، فنزل على عبد المطّلب بن أبي
وَداعة بن ضُبيرة السَّهْمي، وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أَميَّة بن عبد شمْس بن
عبد مناف، فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرّض على رسولِ الله وَّرَ، ويُنْشد الأشعار، ويبكي
أصحاب القَليب من قُريش، الذين أُصيبُوا ببدر، فقال:
طَحَنَتْ رَحَى بَذْرٍ لمَهْلك أهله
قُتلتْ سَراهُ الناس حول حياضِهم
كم قد أُصِيب به منَ أبْيَض ماجدٍ
طَلْقِ اليَدَيْنِ إذا الكواكبُ أخلَفتْ
ويقول أقْوَامٌ أُسَرُّ بسُخْطهم
صدقوا فليتَ الأرض ساعَةَ قُتِّلوا
صار الذي أثَر الحديثَ بطَعْنه
نُبِّثْتِ أن بَني المُغيرة كلَّهم
وابْنا ربيعة عنده ومُنَبِهٌ
نُبِئْتُ أنّ الحارث بن هشامهم
لِيَزورَ يثرِبَ بِالجُمُوعِ وإنمَا
قال ابن هشام: قوله: ((تُبَّع))، ((وأُسَرُّ بسُخطهم). عن غير ابن إسحق.
ولمثلٍ بِذْرٍ تَسْتَهلُّ وتَذْمَعُ
لا تَبْعَدوا إِنَّ المُلوكِ تُصَرَّع
ذي بَهجة يأوِي إلَيه الضُّيَّع
حَمَّالُ أثْقالٍ يَسُود ويُرْبَعِ
إنَّ ابنَ الأشرفِ ظلَّ كعبًا يَجْزَع
ظَلَّتِ تَسُوخ بأهلها وتُصَدَّع
أو عاش أعمى مُرْعَشًا لا يَسْمَعُ
خَشَعوا القَتْل أبي الحَكيم وجدّعوا
ما نال مثْل المُهْلكين وتُبَّع
في الناس يَبْني الصَّالحات ويجمع
يَحْمَى على الحَسَب الكريمُ الأزْوَعِ
وذكر فيه قولَه عليه السلام: ((مَنْ لِكَعْبٍ [بن الأشْرف]، فقد آذى الله ورسوله))(١). فيه
من الفقه: وجوبُ قئلِ مَنْ سَبَّ النبيَّ - ◌ََّ - وإن كان ذا عهدٍ، خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله
فإنه لا يَرَى قَتْلَ الذمّيُ في مِثل هذا، ووقع في كتابٍ شرفِ المصطفى أن الذين قتلوا
(١) أخرجه البخاري (١٨٦/٣) ومسلم في الجهاد (١١٩) والطبراني (٧٨/١٩) والحاكم (٤٣٤/٣)
والطحاوي في المشكل (٧٦/١٠).
٢٣١

شعر حسَّان في الردّ عليه:
قال ابن إسحاق: فأجابه حسَّان بن ثابت الأنصاريّ، فقال:
منه وعاش مجدَّعًا لا يَسْمَعُ
أَبَكّى لكَغْبٍ ثم عُلَّ بعَبْرة
قَتْلَى تَسُح لها العيون وتَدْمَع
ولقد رأيتُ ببطن بدرٍ منهُم
شِبْه الكُلَيْب إلى الكُلَيْبةِ يَتْبَعِ
فأبكي فقد أبكيتَ عبدًا راضعًا
وأهانَ قَوْمًا قاتلوه وصُرّعُوا
ولقد شَفَى الرحمن منّا سيِّدًا
شَغَفْ يظَلّ لخَوْفه يتصدَّع
ونجا وأُفْلِت منهُم مَن قَلْبُه
قال ابن هشام: وأكثر أهلِ العلم بالشّعر يُنكرها لحسَّان. وقوله: ((أبكى لكعب)) عن
غير ابن إسحق.
شعر ميمونة في الرد على كعب:
قال ابن إسحق: وقالت امرأةٌ من المسلمين من بني مُرَيْد، بطن من بَليّ كانوا
حلفاء في بني أَميَّة بن زيد؛ يقال لهم: الجعادرة، تُجيب كَعبًا - قال ابن إسحاق: اسمها
كعبَ بنَ الأشرفِ حملوا رأسَه في مِخْلاةٍ إلى المدينة، فقيل: إنه أولُ رأس حُمِل في
الإسلام، وقيل: بل رأسُ أبي عَزَّة الجُمَحيِّ الذي قال له النبيُّ ◌َّهِ: ((لا يُلْدَغُ المؤمنُ من
جُخْرٍ مَرَّتَيْن))(١)، فقَتلَه واخْتُمِل رأسُه في رُمْح إلى المدينة فيما ذُكِر، وأما أول مُسْلَمٍ حُمِل
رأسُه في الإسلام، فعَمْرو بن الحَمِقِ، وله صُخَّبَةٌ.
وفيه من قولٍ حَسَّانَ في گعْبٍ:
بَكى كَعبُ ثم علَّ بَعَبْرةٍ
فيه دخولُ زِحافٍ على زِحَافٍ، وذلكَ أنَّ أول الجُزْءِ سَبَبٌ ثَقِيلٌ وسَبَبٌ خَفيفٌ فإذا
دخل فيه الزِّحافُ الذي يُسَمَّى الإضمارَ صارا سَبَبَيْنٍ خَفِيفَيْنٍ، فيعود مُتَفَاعِلُن إلى وَزْن
مُسْتَفْعِلُن، وَمُسْتَفْعِلُن يدخله الخَبْنُ والطَّيُّ، وهو حَذْف الرابع منه، فشبه حسَّان مُتفاعلان في
الكامِلِ بِمُسْتَفْعِلُنْ لما صار إلى وزنه، فحذف الحرف الساكنَ وهو الرابع من مُتَفَاعِلُنْ إلى
وزنٍ مُفْتَعِلُن، وهو غريب في الزّحاف فإنه زِحَافٌ سهل زحافًا آخر، ولولا الزُّحَافُ الذي هو
الإضمار، ما جاز البتّة حذفُ الرابع من مُتَفَاعلن.
(١) أخرجه البخاري (٣٨/٨) ومسلم في الزهد (٦٣).
٢٣٢

ميمونة بنت عبد الله، وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه الأبيات لها، وينكر نَقِيضَتها
لکعب بن الأشرف:
يُبَكى على قَتْلي وليس بناصبٍ
تَحنَّن هذا العبدُ كلَّ تَحثُّن
وعُلَّت بمثليها لُؤَيّ بن غالِب
بكتْ عينُ من يبكي لبَدر وأهله
یری ما بهم من كان بين الأخاشب
مَجَرَّهم فوق اللّحَى والحواجب
فليتَ الذين ضُرّجوا بدمائهم
فيَعلَم حقًّا عن يقين ويُبْصِروا
شعر كعب في الرد على ميمونة:
فأجابها كَعب بن الأشرف، فقال:
عن القول يأنى منه غيرَ مُقارِبٍ
لقَوْمٍ أتاني وذُّهم غيرُ كاذب
مآثر قوم مَجْدُهم بالجباجب
عن الشرّ فاحتالت وُجوهَ الثَّعالب
ألا فازجُرُوا منكم سفيهَا لتَسْلَمُوا
أَتَشْتُمني أن كنتُ أبكي بعَبْرة
فإني لباك ما بقيتُ وذاكر
لعمري لقد كانت مُرَيْدٌ بِمَعْزِل
بِشَتْمهمُ حَيٍّ لؤَيّ بن غالب
فحُقّ مُرَيْدٌ أنْ تجَدّ أنوفُهم
وفاءً وبيتُ الله بين الأخاشب
وَهَبْتُ نَصِيبي من مُرَيد لجَعْدَر
تشبيب كعب بنساء المسلمين والحيلة في قتله:
ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فَشَبَّب بنساء المُسلمين حتى آذاهم. فقال
رسول الله وَّ﴿، كما حدّثني عبدُ الله بن المُغيث بن أبي بُردة مَنْ لي بابن الأَشْرَفِ؟
فقال له محمدُ بن مَسْلَمَةَ، أخو بني عَبْدِ الأشْهَل: أنا لك يا رسولَ الله، أنا أقْتُله؛
قال: فافعل إن قَدَرْتَ على ذلك. فرجع محمد بن مَسْلمة فمكث ثلاثًا لا يأكل ولا
يشرب إلا ما يُعْلِقُ به نفسه، فذُكِر ذلك لرسولِ اللهِ وَّرَ، فدعاه، فقال له: ((لم تركتَ
الطعام والشراب))؟ فقال يا رسولَ الله، قلت لك قولاً لا أدري هل أفِينَّ لك به أم
لا؟ فقال: ((إنما عليك الجهد))؛ فقال: يا رسول الله، إنه لا بدّ لنا من أن نقول،
قال: ((قولوا ما بدا لكم، فأنتم في حلّ من ذلك)). فاجتمع في قتله محمدُ بن
مَسْلمة، وسِلْكان بن سَلاَّم بنٍ وَقْشٍ، وهو أبو نائلة، أحد بني عبد الأشْهل، وكان
وذكر في الذين قَتَلوا كَعْبًا أبا عَبْس بن جَبْر، واسمُه: عَبْدُ الرَّحْمنِ، وذكر سِلْكَانَ بنَ
سلامة، واسمه: سَغْد.
٢٣٣

أخا كَعْب بن الأشرف من الرَّضاعة، وعبَّاد بن بِشْر بن وقش، أحدُ بني عَبْد الأشهل،
والحارث من أوس بن مُعاذ، أحد بني عبد الأشْهل، وأبو عَبْس بن جَبْر، أحد بني
حارثة؛ ثم قَدَّموا إلى عدوّ الله كَعْب بن الأشرف، قبل أن يَأتوه، سِلْكان بن
سَلامة [بن وَقْش] أبا نائلة، فجاءَه، فتحدّث معه ساعة، وتناشدُوا شعرًا، وكان أبو
نائلة يقول الشعر، ثم قال: وَيْحَكَ يا ابن الأَشْرَفِ! إني قد جئتُك لحاجة أُريد ذكرها
لك، فاكتم عني؛ قال: افعلُ؛ قال: كان قُدُوم هذا الرجل علينا بلاءً من البلاء،
عادَتْنا به العربُ، ورَمَتْنا عن قوس واحد، وقَطَعت عنَّا السُّبُل حتى ضاع العِيال،
وجُهِدت الأنفس، وأصبحنا قد جُهِدْنا وجهد عيالُنا؛ فقال كعب: أنا ابنُ الأشْرَف، أما
والله لقد كنتُ أُخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول؛ فقال له سِلْكَان:
إني قد أردتُ أن تَبِيعنا طعامًا ونَزْهنَك ونُوثِقَ لك، ونُخْسِن في ذلك؛ فقال: أتَرْهنوني
أبناءَكم؟ قال: لقد أردتَ أن تَفْضَحنا، إنّ معي أصحابًا لي على مثل رأيي، وقد
أردتُ أن آتيَك بهم، فتَبِيعهم وتُحسن في ذلك، ونَرْهَنُك من الحَلَقةِ ما فيه وَفاء،
وأراد سِلْكان أن لا يُنكر السّلاح إذا جاءوا بها؛ قال: إن في الحَلْقة لوَفاء، قال:
فرجع سِلْكان إلى أصحابه فأخبرهم خبرَه، وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم يَنْطلقوا
فيَجْتمعوا إليه، فاجتمعُوا عند رسول الله مَلآله .
قال ابن هشام: ويقال: أَتَرْهَنُوني نساءكم؟ قال: كيف نَرْهنُكَ نساءَنا وأنت أشبّ
أهل يَثْرِب وأعطوهم؛ قال: أتَرْهَنُوني أبناءكم؟
قال ابن إسحاق: فحدّثني ثَوْر بن زَيْد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مشى
معهم رسولُ اللهِ وَّه إلى بَقيع الغَزْقد، ثم وجّههم، فقال: انطلقوا على اسم الله؛
اللهمّ أعنهم، ثم رجع رسولُ الله ◌َّهَ إلى بيته، وهو في ليلة مُقْمِرة، وأقْبلوا حتى
انتهوا إلى حِصْنه، فهَتف به أبو نائلة، وكان حديث عهد بعُرْس، فوثب في مِلْحَفَتِهِ،
فأخذت امرأتُه بناحِيتها، وقالت: إنك امْرُؤْ محارب، وإن أصحاب الحَرْب لا ينزِلون
في هذه السَّاعة، قال: إنه أبو نائلة، لو وجدني نائمًا لما أيقظني، فقالت: والله إني
لأعرف في صَوْته الشرّ؛ قال: يقول لها كَعْب: لو يُذْعَى الفتى لطعنة لأجاب. فنزل
فتحدّث معهم ساعة، وتحدّثوا معه، ثم قال: هل لك يا ابن الأشرف أن تَتماشى إلى
شعب العَجوز، فنتحدّث به بقيّة ليلتنا هذه؟ قال: إن شئتم. فخرجوا يتماشَون، فمَشَوا
ساعة، ثم إن أبا نائلة شامَ يده في فَوْد رأسه، ثم شمّ يده فقال: ما رأيت كالليلة طِيبًا
أَعْطَرَ قطُ، ثم مَشَى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى اطمأنّ، ثم مشى ساعةً، ثم عاد
٢٣٤

لمثلها، فأخذ بفَوْد رأسِه، ثم قال: اضْرِبوا عدو الله، فضربه، فاختلفت عليه أسيافُهم،
فلم تُغْن شيئًا.
قال محمد بن مَسْلمة: فذكرتُ مِغْوَلاً في سيْفي، حين رأيتُ أسيافَنا لا تُغْني شيئًا،
فأخذتُه، وقد صاح عدوّ الله صيحة لم يبقَ حولنا حِصْن إلاّ وقد أُوقِدت عليه نارٌّ، قال:
فوضعته في ثَُّته ثم تحاملتُ عليه حتى بلغتُ عانتَه فوقع عدوُّ الله، وقد أُصِيب
الحارث بنُ أوس بن مُعاذ، فجُرح في رأسه أو في رجله، أصابه بعضُ أسيافنا. قال:
فخرجنا حتى سَلَكنا على بني أَميَّة بن زيد، ثم على بني قُرَيظة، ثم على بُعاث حتى
أُسْتَدْنا في حَرّة العُريْض، وقد أبطأ علينا صاحبُنا الحارث بن أوْس، ونَزْفُ الدمُ، فَوَقَفْنا له
ساعة، ثم أتانا يَتْبَع آثارَنا. قال: فاحتملناه فجثْنا به رسولَ الله وَّهُ آخرَ الليل، وهو قائم
يصلّي، فسلمنا عليه، فخرج إلينا، فأخبرناه بقَتْل عدوّ الله وتَفَل على جُرح صاحبنا،
فرجَع ورَجعْنا إلى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود لوَقْعتنا بعدوّ الله، فليس بها يهوديّ إلا
وهو يَخاف على نفسه.
شعر كعب بن مالك في مقتل ابن الأشرف:
قال ابن إسحاق: فقال كعب بن مالك:
فذَلَّتْ بعد مَصْرَعه التَّضِيرُ
فغُودِر منهمُ كعبٌ صريعًا
بأيدينا مشهرةٌ ذكُور
على الكفّين ثَمَّ وقد عَلته
إلى كَغْب أخا كَّعب يَسِير
بأمر محمد إذ دسَّ ليلاً
ومحمودٌ أخُو ثِقَة جَسُور
فماكَرَهُ فأنزله بمكر
قال ابن هشام: وهذه الأبياتُ في قصيدة له في يوم بني النَّضير، سأذكرُها إن شاء
الله في حديث ذلك اليوم.
شعر حسَّان في قتل ابن الأشرف وابن أبي الحقيق:
قال ابن إسحق: وقال حسَّان بن ثابت يَذكر قتلَ كَعْب بن الأشْرفِ وقَتْل سَلاَّم بن
أبي الحُقَيق:
الله دَرُّ عِصابة لاقيتهم
يا ابن الحُقَيق وأنت يا ابن الأشرفِ
٢٣٥

مَرَحًا كَأُسْدٍ فِي عَرِينٍ مُغْرف (١)
يَسْرُون بالبِيض الخِفاف إليكمُ
فسَقَوكم حَتْفًا بِبِيض ذُقْفٍ(٢)
حتى أتوكمْ في محلّ بِلادكم
مُسْتَصغرين لكُل أمٍ مجحف(٣)
مُسْتَخْصرين لنَصْر دين نبيِّهم
وذكر في شِعْرِ حَسَّان الفَاوِيِّ، وفيه: بِيضِ ذُفَّفِ. الذُّغَفُ: جَمْعُ ذَفِيفٍ وهو الخَفِيفُ
السَّرِيعُ، وهو جَمْعْ على غيرِ قياسٍ، وإنما فُغَّلَ جمع فَاعِل ولكنّ الذَّفِيفَ من السُّيوف في
مَغْنى القاطع والصارم.
وفيه: في عَرِينٍ مُغْرفِ. العرينُ: أَجَمَةُ الأسَدِ، وهو الغَرِيفُ أيضًا، والغرِيفُ أيضًا
الكثيرُ، فيحتمل إنْ أراد بمُغْرِفٍ مُكْثِرًا من الأُسْد، ويحتمل إن أراد توكيدَ معنى الغَرِيفِ، كما
يقال: خَبِيثٌ مُخْبِث.
وذكر قول امرأة كعبٍ: والله إني لأَعرف في صوته الشّرَّ، وفي كتاب البُخَارِيِّ: إني
لأسمع صوتًا يقطُر منه الدَّم.
وفيه: ما رأيت عِطْرًا كاليوم، معناه: عند سِيبَويْهِ: ما رأيت كَعِطْرٍ أراه اليومَ عِطْرًا:
كذلك قال في قول العرب: لم أر كاليوم رَجُلاً، أيْ: كَرَجُلِ أراه اليومَ رَجُلاً، فَحُذِفَ ما
دخلت عليه الكافُ، وحُذِف الفعلُ، وهو أرى، وفاعَلُه ومفعولُه، وهذا حذف كثير لا سِيَّما،
وقد يقال: ما رأيت كاليوم، ولا تذكر بعده شَيْئًا إذا تَعَجَّبْتَ، فدلّ على أنهم لم يحذِفوا هذا
الحذفَ الكثيرَ، ولكنهم أوقعوا التعجّبَ على اليوم، لأن الأيام تأتي بالأعاجيب، والعربُ
تَذُمُّها وتمدحها في نظمها ونثرها، ويعلم المخاطَبُ أن اليوم لم يُذَمَّ لنفسِه ولا يُعْجَبُ منه
لنفسِه، فيلتمس منكَ البيانَ والتفسيرَ لما تعجّبتَ منه، فتأتي بالتمييز لتُبَيِّن. فعطرًا منصوبٌ
على التمييز، والدليل على ذلك أنه يَحسُن خَفْضُه بِمِنْ، لأنه مُتَعجّب منه، فتقول: لم أر
كاليوم مِنْ رَجُلٍ .
ووقع في رواية إبراهيم بن سعد عن ابن إسحق بعد قوله: فمشوا ساعةً، قال فجعل
گغب ینشد :
سَبِط المِشْيةِ أَبَّاء أنِفْ
رُبَّ خالٍ لِيَ لو أَبْصَرْتَه
وعلى الأعداء كالسُّمِّ الدُّعُقْ
لَيِّنِ الجانب في أقرّبهِ
(١) مغرف: واسع.
(٣) مجحف: ناقص.
(٢) ذفف: خفاف سريعة.
٢٣٦

قال ابن هشام: وسأذكر قتلَ سلام بن أبي الحُقَيق في موضعه إن شاء الله.
وقوله: ((ذفّف)) عن غير ابن إسحق.
أمر محيصة وحويصة
لوم حويصة لأخيه محيصة لقتله يهوديًا ثم إسلامه:
قال ابن إسحاق: وقال رسولُ الله وَلّر: ((مَنْ ظَفرتم به من رجال يهود فاقتُلوه))(١)،
فوثت مُحيصة بن مَسْعود - قال ابن هشام: ويقال: مُحَيِّصَة بن مَسْعود بن كَعْب بن
وكِرَامٍ لم يَشِنْهُمْ حَسَبٌ
يَبْذُلون المالَ فيما نَابَهم
ولُيُوث حين يَشْتَدُّ الوَغَى
فَهُمْ أَهْلُ سَمَاح وقِرَى
سَكَنُوا مِنْ يَثْرِبَ كُلَّ رُبىّ
وهُمْ أَهْلُ مَشَارِيبَ بها
ولها بِثْرّ رَوَاءٌ جَمَّةٌ
ونخيل في تِلاَعِ جَمَّة
وصَرِير من مَحَالٍ خِلْته
تَذْلُجُ الجُونُ على أكتافها
كُلُّ حاجاتِيَ قدِ قَضِّيْتُها
أَهْلِ عِزُّ وحِفَاظٍ وشَرَفْ
لَحُقُوقٍ تَعْتَرِيهِمْ وعُرَفْ
غير أنْكَّاسٍ ولا مِيلٍ كُشُفْ
وحِفَاظٍ لم يُعَانُوا بِصَلَفْ
وسُهُولٍ حَيْثُ حَلُوا فِي أُنُفْ
وحُصُون ونَخِيلٍ وغُرَفْ
مَنْ يَزْدَها بإناءٍ يَغْتَرِفْ
تُخْرِجِ الثَّمْرَ كأَمْثَالِ الأَكُفْ
آخرَ الليلِ مَهارِيجَ نُدُفْ
بِدِلاَءِ ذاتِ أزكان صدفْ
غير حاجاتِي في بَطْنِ الجُرُفْ
قتل محيصة اليهودي
مُحَيِّصَةُ بن مسعود كان أصغر من أخيه حُوَيِّصة، لكن سبقه إلى الإسلام، كما ذكر ابن
إسحق، وشهد أُحُدًا والخَنْدَق، وأرسله النبيُّ وَلّ إلى أهلٍ فَدَك يدعوهم إلى الإسلام، وهو
الذي اسْتَفْتَى رسولَ اللهِوَّهِ في أُجْرةِ الحَجَّام، فقال له النبيّ ◌َّ بعدما ألح عليه في
المَسْأَلَة: ((اعْلفْه نَاضِحَكَ واجْعَلْه في كَرِشِكَ))(٢)، وذلك أن أبا طِيبَةَ الحَجَّامَ، كان عَبْدًا له،
وقد تقدّم اسمُ أبي طِيبَة .
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٠٢) بتحقيقي والبيهقي في الدلائل (٢٠٠/٣) وابن سعد (٢٢/١/٢).
(٢) أخرجه الترمذي (١٢٧٧) وابن ماجة (٢١٦٦) وأحمد (٣٠٧/٣) ومالك (٩٧٤).
٢٣٧

عامر بن عَدِيّ بن مَجْدَعَةَ بن حارثة بن الحارث بن الخَزْرِجِ بن عَمْرو بن مالك بن
الأوس - على ابن سُنَينَة - قال ابن هشام: ويقال سُبَينة - رجلٍ من تجّار يهود، كان
يُلابسهم ويُبايعهم فقتله، وكان حُويِّصة بن مَسْعود إذ ذاك لم يُسْلم، كان أسنَّ من
مُحَيِّصة، فلما قتله جعل حُويِّصة يَضْرِبه، ويقول: أي عدوّ الله، أقتلتَه، أما والله لرُبّ
شحم في بطنك في ماله. قال مُحَيِّصة: فقلت: والله لقد أمرني بقتله مَن لو أمرني بقَتْلك
لضرَبتُ عنقك، قال: فوالله إن كان لأوّل إسلام حُوَيِّصة، قال: آولله لو أمرك محمَّد
بقَتْلي لقتلتَني؟ قال: نعم، والله لو أمرني بَضرْب عُنقك لضربتُها! قال: والله إن دينًا بلغ
بك هذا لَعَجَبٌ، فأسلم حُويِّصة.
قال ابن إسحاق: حدّثني هذا الحديث مولى لبني حارثة، عن ابنة مُحيِّصة، عن
أبيها مُحَيِّصة.
فقال مُخَيِّصة في ذلك.
لطبَّقتُ ذِفْراه بأبیضَ قاضبٍ
يَلُومُ ابنُ أُمّي لو أُمزتُ بقَتْله
متى ما أُصَوّنْه فليس بكاذب
حُسامٍ كَلَونِ الملح أُخْلِص صَفْله
وأنَّ لنا ما بين بُصرى ومَأْرِب
ومَا سَرّني أني قَتلتُكَ طائعًا
رواية أخرى في إسلام حُويصة :
قال ابن هشام: وحدّثني أبو عُبيدة عن أبي عَمرو المدني، قال: لما ظَفر رسول
الله وَلَّهُ ببني قريظة أخذ منهم نحوًا من أربع مائة رجلٍ من اليهود، وكانوا حلفاءَ الأوس
على الخزرج، فأمر رسولُ اللهِ وَّه بأن تُضرب أعناقُهم، فجعلت الخزرجُ تضرب أعناقَهم
ويسرّهم ذلك، فنظر رسولُ اللهِ وَلَه إلى الخزرج ووجوهُهم مستبشرة، ونظر إلى الأوس
فلم يَرَ ذلك فيهم، فظنّ أن ذلك للخلف الذي بين الأوس وبين بني قريظة ولم يكن بقي
من بني قريظة إلا اثنا عَشَر رجلاً، فدَفعهم إلى الأوس، فدَفع إلى كلّ رجلين من الأوس
رجلاً من بني قُريظة وقال: ليضربْ فلانٌ وليذفْف فلان، فكان ممَّن دفع إليهم كعبُ بن
يَهوذا، وكان عظيمًا في بني قريظة، فدفعه إلى مُحيِّصة بن مَسْعود، وإلى أبي بُرْدة بن
وقوله: ما بين بُصْرَى ومَأْرب. بُصْرَى بالشام، ومأرِبُ باليَمَن، حيث كان السَّدُّ،
ومأرِب: اسم قَصْرٍ كان لسَبَأ. وقال المسعودي: مأرِبُ اسمُ كُلِّ مَلِكَ وَلِيَ أَمْرَ سَبَأْ، كَخَافَان
في التّرك، وكِسْرى في الفُرْس، وقَيْصَر في الرُّومَ، والنَّجَاشِيِّ في الحَبَشَة.
وحِوَيِّضَةُ: تَصغير حَوْصَة من حُصْتُ الثَّوْبَ إذا خِطْتَه.
٢٣٨

نَيَّار - وأبو بُردة الذي رخّص له رسولُ الله ◌َّ في أن يذْبح جَذْعًا من المَعْز في
الأضحى - وقال: ((ليضربه مُحيِّصة وليذفْف عليه أبو بُردة))، فضَربه مُحيِّصةُ ضربةً لم
تَقطع، وذفّف أبو بُردة فأجهز عليه. فقال حُويِّصة: وكان كافرًا، لأخيه محيِّصة: أقتلتَ
كعب بن يهوذا؟ قال: نعم؛ فقال حُويِّصة: أما والله لرُبَّ شَخْم قد نَبَت في بَطْنك من
ماله، إنك للئيم يا مُحيِّصة، فقال له محيِّصة: لقد أمَرني بقَتْله من لو أمَرني بقتلك لقتلتك
فعَجب من قوله ثم ذهب عنه متعجِّبًا. فذكروا أنه جعل يتيقّظ من الليل: فيَعجب من قول
أخيه مُحيِّصة. حتى أصبح وهو يقول: والله إن هذا لَدين. ثم أتى النبيَّ وَّ فأسلم، فقال
محيِّصة في ذلك أبياتًا قد كتبناها.
المدة بين قدوم الرسول بحران وغزوة أحد:
قال ابن إسحاق: وكانت إقامةُ رسولِ الله وَلِّ، بعد قدومه من بَخران، جمادى
الآخرة ورجبًا وشعبان وشهر رمضان، وغزَتْه قُريشٌ غزوةَ أَحُد في شؤَّال سنة ثلاث.
وفي حديثهما ذكر سُنَيْنَةَ المقتُولِ، كأنه تَصغِيْرِ سِنِّ. وقال ابن هشام في اسمه: سُبَيْنَة
بالباء كأنه مصغر تصغير الترحيم من سَبَنِيَّة، قال صاحب العين: السَّبَنِيَّة ضَرْبٌ من النبات،
وأما شُنَيْنَةُ بالشّين المنقوطة. فوالد صِقْلابٍ بن شُنَيْنة قرأ على نافع بن أبي نعيم، وقال: قال
لي نافعٌ: يا صِقْلاَبُ بين النون عند الحاء والخاء والعَيْنِ والغَيْنِ والَهاء والألِف.
٢٣٩

غزوة أحد
وكان من حديث أُحُد، كما حدثني محمد بن مُسْلم الزُّهْري ومحمد بن يحيى بن
حِبَّان وعاصم بن عمر بن قَتادة والحُصَين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مُعَاذ
وغيرهم من علمائنا، كلّهم قد حدّث بعضَ الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثُهم
كُله فيما سقتُ من هذا الحديث عن يوم أُحُد قالوا، أو من قاله منهم:
غزوة أُحد(١)
فضل أُحد:
وَأُحُدّ الجبلَ المعروفُ بالمدينة، سُمِّي بهذا الاسم لتوحّدِه وانقِطاعِه عن جِبَالٍ أُخَرَ
هُنَالكَ، وقال فيه الرسول - وَلَى -: ((خذا جَبَلٌ يُحبُّنا ونُحبُّه))(٢)، وللعلماء في معنى هذا
الحديث أقوالٌ. قيل: أراد أهله، وهم الأنْصَارُ، وقيل: أرَادَ أنه كان يُبشِّره إذا رآه عند القُدوم
من أسفاره بالقُرب من أهلِه ولقائهم، وذلك فعل المُحِبُّ، وقيل: بل حُبُّه حَقِيقَةً، وُضع
الحبُّ فيه كما وُضع التسبِيحُ في الجِبَالِ المُسَبِّحَة مع دَاود، وكما وُضِعَتْ الخَشْيَةُ في
الحِجارة التي قال الله فيها: ﴿وإِنَّ مِنْها لَمَا يَهبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾(٣) وفي الآثار المُسْنَدة أن
(١) انظر الواقدي: (١٩٩/١) البداية (٩/٤) الطبري (٤٩٩/٢) الاكتفاء (٨٧/٢) المنتظم (١٦١/٣)
الدلائل (٢٠١/٣) الطبقات (٢٥/٢/١) الكامل (٤٤/٢) ابن سيد الناس (٢/٢) النويري (٨/١٣)
السيرة الحلبية (٢٨٤/٢) الشاميّة (٢٧١/٤) الزاد (١٩٢/٣) البخاري (٩٣/٥) مسلم (١٤٧/١٢
- نووي).
(٢) أخرجه البخاري (١٥٥/٢) ومسلم في الحج (٤٦٢).
(٣) سورة البقرة آية رقم (٧٤).
٢٤٠