Indexed OCR Text

Pages 121-140

المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾: أي كراهية للقاء القوم، وإنكارًا لمَسير قُرَيش، حين ذكِروا لهم
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾: أي
الغنيمة دون الحرب ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافِرِينَ﴾: أي
مسلم رَوى هذا الحديث، فقال في آخره: يريد أن السَّلَبَ للقاتل، ففسره على مذهب
شيخه، ومن حجّتهم أيضًا أن عُمَر رضي الله عنه خَمَّس سَلَب البَراءِ بن مالك حين قتل
مَرْزُبَانَ الزَّأْرَةِ فسلبه سِوَارَيْهِ ومِنْطَقَتَه، وما كان عليه، فبلغ ثمنُه ثلاثين ألفًا، وقال أصحابُ
القول الأول لا حُجَّة في حديث عمر، لأنه إنما خَمَّس المَرْزُبَانَ، لأنه استكثره، وقال: قد
كان السَّلَبُ لا يُخمس، وإن سَلَبَ البَرَاءِ بلغ ثلاثين ألفًا، وأنا خامسه، واحتجوا بحديث
سَلَمَّة بن الأكْوَع، إذ قَتل قتيلاً، فقال رسول الله - رَِّ ـ له: سَلَبُه أَجْمَع. ومن حُجَّة
مالكٍ، ومن قالَ بقوله: عمومُ آيَة الخُمْس، فإنه قال: ﴿واعُلَمُوا أَنّما غَنِمْتُم من شيء فإنَّ
اللَّهِ خُمُسَهُ وللرسول﴾ وحديثُ خالِد بنِ الوَلِيدِ الذي رواهُ مسلِمُ وأبو داود أن عَوْف بن
مالك قال: قَتَل رَجُلٌ من حِمْيَر رَجُلاً من العدوّ فأراد سَلبَه، فمنعه ذلك، وكان واليًا
عليهم، فأخبر عوفُ رسولَ الله - وَّل﴿ - فقال لخالد: ما مَنَعَك أن تُعْطِيَه سَلَبَه؟ فقال:
اسْتَكْثَرتُه يا رسول الله، قال: اذفَعْه إليه، فلقي عوفٌ خالدَ فَجَبَذْ بِرَدائِه، وقال: هل
أَنْجَزْتُ لك ما ذَكرتُ لك مِنْ رسول الله - نزَلَ ـ [فسمعه رسولُ اللهِّيَ] فاستغْضِب،
فقال: لا تُعْطِه يا خالد هل أنتم تارِكو إليَّ أُمَرَائِي [إنما مثلُكُم ومثلهم كمثَل رجل اسْترعى
إيلاً وغنمًا، فرعاها، ثم تحيَّن سَقْيها، فأوردها حوضًا فشرعت فيه، فشربت صَفْوَة وتركَت
كَدَرَه فَصَفْوُه لكم وكدَرُه عليهم. رواه أحمد ومسلم](١).
ولو كان السلَب حقًّا له من رأس الغنيمة لما ردّه رسولُ اللهِ وَّر، فهذا هو القسم
الواحد من النّفَل.
والقِسْم الثاني: هو من رأس الغنيمة قبل تَخْميسها، وهو ما يُعْطَى الأدِلاَّءُ، الذي يَدُلُّون
على عَوْرة العدو، ويَدُلُّون [على] الطُّرِقِ، وما يُعْطَى الدُّعَاةُ وغيره مما يُنْتفعُ أَهلُ الجيش به
عامَّةً.
والقسمُ الثالثُ ما تُنَفِّلُهُ السرايا، فقد كانت تُنَفِّلُ فِي البَّدأة الرُّبْعُ بعد الخُمْس، وفي
العَوْدة الثُّلُثُ مما غَنِمُوه؛ كذلك جاء في حديثٍ رواه مَكْحُولٌ عن حَبِيب بن مَسْلَمَة،
وأخذت به طائفة.
(١) أخرجه مسلم (١٣٧٣) وأحمد (١٧٥/٣) وسعيد بن منصور في سنته (٢٦٩٧).
١٢١

بالوَقعة التي أوْقع بصَناديد قريش وقادتهم يومَ بدر ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أي لدعائهم حين
نظروا إلى كَثْرَة عدوّهم، وقلَّة عددهم ﴿فَاسْتَجَابَ لَّكُمْ﴾ بدعاء رسولِ الله ◌َّر ودعائكم
والقسم الرابعُ من الثَّفَل: ما يُنَفْله الإمامُ من الخمس لأهل الغِنَاءِ والمنفعة، لأنّ ما
كان للرسول عليه السلام من الغَنِيمة، فهو للإمام بعده يَضْرِفه فيما كان النبيُّ عليه السلام
يَصْرِفه، وهو قول مالكِ وأكثر العلماء، وقالت طائفةٌ: هو مَقْصُورٌ على الأصناف التي
ذُكِرت في القرآن، وهم ذُو القُربَّى واليَتَامى والمساكين وابن السبيل، وقد أُعطِيَ المِقْدَادُ
حمارًا من الخُمْس أعطاه له بعضُ الأمراء، فردّه لما لم يكن من هؤلاء الأصناف
المذكورين، وأما أَنَسُ بن مالك، فإنه فعل خلاف هذا، أعطاهُ مُعاويةُ ثلاثين رأسًا من
الغَنيمة، فأبى أنْ يُقبّلها، إلا أن تكون من الخُمْسِ، وأصحّ القولين: أنَّ الإمامَ له النظرُ في
ذلك، فإن رأى صَرفَ الخُمْس إلى منافع المسلمين، ولم تكن بالأصناف الأربعة حاجةٌ
شديدة إليه صَرَفَه؛ وإلاَّ بَدَأَ بهم، وَصَرَف بقيَّتَه فيما يَرى، واختُلِف في ذَوِي القُرْبَى مَن
هُمْ، فقال ابن عباس: كنا نرى أنهم بَنُو هاشم، فأبى ذلك علينا قومُنا، وقالوا: هم
قريش كلهم، كذلك قال في الكتابِ الذي كتبه إلى نَجْدَة الحَرَوْرِيِّ، واختلفوا أيضًا في
قَرابة الإمام بعد النبيِّ وَّرَ: ((أهم داخلون في الآية أم لا؟)) والصحيح: دخولهمم من
ذوي القربى، لقوله عليه السلام: ((إذا أطعم الله نبيًا طُعْمَةً، فهي للخليفة بعده))(١)، أو
قال: للقائم بعده. ومما اختلفوا فيه من معنى آية الخُمْسِ: قسم خمس الخُمْس، فقال
أبو العالية في قوله: ﴿فإن الله خُمُسَه﴾ أي: للكعبة، يخرجُ لها نصيبٌ من الخُمْس،
وللرسول نصيبٌ، وباقي الخمس للأربعة الأصناف، وقالت طائفة: خُمْس الخُمْسِ
للرسول، وباقيه للأربعة الأصناف. وقالت طائفةٌ: الخمسُ كلُّه للرسول يَضْرفه في تلك
الأصناف وغيرِها، وإنما قال الله: ﴿وللرسول﴾ تَنبيها على شَرَفِ المكسب وطيب
المَغْنَم، كذلك قال في الفَيْءِ، وهو مما أفاء الله على المسلمين من الأرضِين التي كانت
لأهْلِ الكفر فقال فيه: ﴿لله وللرسول﴾ الآية، ولم يقل في آيات الصَّدَقَّاتِ مثلَ ذلك،
ولا أضافها لنفسه ولا للرسول، لأن الصدقَة أوساخُ الناس، فلا تطَيبُ لمحمد، ولا لآل
محمد، فقال فيها: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ الآية، أي: ليست لأحد إلاّ
لهؤلاء، وهذا كله قول سُفْيَان الثوري، وتفسيره، وسيأتي القول في غَزْوَة حُنَينٍ فيما
أعطى النبي - * للمؤلَّفة قلوبُهم، هل كان من رأس الغَنِيمة أم من الخُمْسِ أم من
خُمْسِ الخُمْس إن شاء الله.
(١) أخرجه البيهقي (٣٠٣/٣٠١/٦).
١٢٢

﴿أَنّي مُمِدُكُمْ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النَّعاسَ أمَنَةً مِنْهُ﴾: أي أنزلت
عليكم الأمَنة حين نمتم لا تخافون ﴿وَيُنَزّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماء ماءً﴾ للمطر الذي أصلبهم
تلك الليلة، فخَبس المشركين أن يَسْبقوا إلى الماء، وخلَّى سبيل المسلمين إليه ﴿لَيُطَهَّرَكُمْ
بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطِ على قُلُوبِكُمْ وَيُثَبْتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾: أي ليذهب عنكم
شكّ الشيطان، لتَخْويفه إياهم عدوّهم، واستجلاد الأرض لهم، حتى انتهوا إلى منزلهم
الذي سَبقوا إليه عدوّهم.
عن قتال الملائكة:
فصل: وذكر قولَه سبحانَه: ﴿بأَلْفِ من الملائكة مُزْدِفين﴾ وقد قال في أخرى:
﴿بثلاثةِ آلافٍ من الملائكَةِ مُنْزَلِين﴾ فقيل في معناه: إن الألف أَزْدَفَهم بثلاثةِ آلافٍ، فكان
الأكثرُ مددًا للأقلِّ، وكان الألفُ مُزْدِفين لمن وراءهم بكسر الدال من مردِفين، وكانوا أيضًا
مُزْدَفين بهم بفتح الدال، والألفُ هم الذين قاتلوا مع المؤمنين، وهم الذين قال الله لهم:
﴿فَثَبِّتوا الذين آمنوا﴾ وكانوا في صور الرجال، ويقولون: للمؤمنين اثبُتُوا، فإن عدوًّكم
قليل، وإن الله معكم ونحو هذا، وقول الله سبحانه: ﴿واضْرِبُوا منهم كُلَّ بنان﴾ جاء في
التفسير أنه ما وقَعت ضَرْبَةٌ يوم بَذْرٍ إلاّ في رأسٍ أو مَفْصِل، وكانوا يعرفونَ قتلى الملائكة
من قتلاهُم، بآثار سُود في الأعناق وفي البَنَانِ، كذلك ذكر ابن إسحق في غير هذه
الرواية، ويقال لمفاصل الأصابع وغيرِها بَنَانٌ واحدتهَا بَنَانَةٌ، وهو من أَبَنَّ بالمكان إذا أقام
فيه وثبت، قاله الزجّاج.
وقوله: ﴿ليطَهِّركُم به ويُذْهِبْ عنكم رِجزَ الشَّيْطان﴾ الآية، كان العدو قد أحرزُوا
الماءَ دون المؤمنين، وحفروا القُلُبَ لأنفسهم، وكان المسلمون قد أحدثوا وأجْنَبَ
بعضُهم، وهم لا يصِلون إلى الماء، فوسوس الشيطانُ لهم أو لبعضهم، وقال: تزعمون
أنكم على الحق، وقد سَبَقَكُمْ أعداؤكم إلى الماء، وأنتم عِطَاشْ وتُصَلُّون بلا وُضوء، وما
ينتظر أعداؤكم إلا أن يَقْطَعِ العطَشُ رِقابكم، ويُذْهب قُواكم فيتحكّموا فيكم کیف شاؤوا،
فأرسل الله تعالى السماء فحلَّتْ عَزَاليهَا (١) فتطهَّروا ورَووا وتلبّدت الأرضُ لأقدامِهم
وكانت رِمالاً وسَبَخَاتٍ، فَثَبَتَتْ فيها أقدامُهم وذَهَبَ عنهم رجْزُ الشيطانِ، ثم نهضوا إلى
أعدائهم فغلبوهم على الماءِ، وعَاروا القُلُب التي كانت تلي العدو فعطِش الكفارُ، وجاء
النصرُ من عند الله، وقَبَضَ النبيُّ وََّ ـ قَبْضَةً من البَطْحَاء ورَمَاهم بها، فملأت عيونَ
جميع العسكرِ، وذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتٍ ولكن الله رمى﴾ أي: عَمَّ
(١) عزلاء: مفرد عزاليها، وهو مصبّ الماء من الراوية ونحوها.
١٢٣

ما نزل في تبشير المسلمين بالمساعدة والنصر، وتحريضهم:
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَبْتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي
آزروا الذين آمنوا ﴿سأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّغْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ وَاضْرِبُوا
مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ ذلكَ بأَنَّهُمْ شَاقُوا اللَّهَ وَرَسُولَه وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
العِقابِ﴾، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأخبارَ
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْوَاهُ
جَهَنْمُ وَبِثْسَ المَصِيرُ﴾: أي تحريضًا لهم على عدوّهم لئلا ينكُلوا عنهم إذا لقوهم، وقد
وعدّهم الله فيهم ما وعدهم.
ما نزل في رَمي الرسول للمشركين بالحصباء:
ثم قال تعالى في رَمْي رسولِ الله وَل و إياهم بالحَضْباء من يده، حين رماهم: ﴿وَما
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رُمي﴾: أي لم يكن ذلك برمينك، لولا الذي جعل الله فيها
من نَصْرك، وما ألقى في صدور عدوّك منها حين هزمهم الله ﴿وَلِيُبْلِي المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً
حَسَنًا﴾: أي ليُعرّف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوّهم، وقلَّة عددهم،
لیعرفوا بذلك حقّه، ویشکروا بذلك نعمته.
جميعَهم، ولم يكن في قَبْضَتِك إلا ما يبلغ بعضَهم، فالله هو الذي رمى سائرهم إذْ رَمَيْتَ
أنت القليل منهم، فهذا قول، وقال أحمدُ بن يحيى: معناه: وما رَمَيْتَ قلوبَهم بالرُّغْبِ حین
رَمَيْتَ الحَصْباءَ، ولكن الله رمى وقال هبَةُ الله بن سَلاَمة: الرَّمْي أخذٌّ وإرسالٌ وإصابةٌ وَتَبْلِغٌ،
فالذي أثبت الله لنبيه هو الأخْذُ والإرسال، والذي نفى عنه هو الإصابة والتبليغ، وأثبتهما
لنفسه.
حول التولي يوم الزحف والانتصارات الإسلامية الباهرة:
وقوله: ﴿فلا تُوَلُوهم الأَذْبَارَ﴾ الآية قال الحسن: ليس الفرار من الزَّحْفِ من الكبائر إلاَّ
يَوْمَ بَدْرٍ وفي المَلْحَمَة الكُبْرى التي تأتي آخرَ الزمان (١). وقال غيره: هو من الكبائر إذا حضر
الإمَامُ ولم يتحَيِّز إلى فِئَةٍ فأمَّا إذا كان الفِرار إلى الإمام، فهو مُتَحيِّزٌ إلى فئة، وقد قال
عمرُ بن الخطّاب حين بلغه قتلُ أبي عبيد بن مسعود، وما أوقع الفرسُ بالمسلمين: هلا تَحيّز
إليَّ أبو عبيد بن مسعود، فإني فئة لكل مسلم، ورُوِي مثلُ هذا عن النبي ◌َّ - أنه قال
لأصحابه الذين رَجَعوا من غزوة مُؤْتَةً، ذلك أنهم قالوا: ((نحن الفَرَّارُون يا رسول الله، فقال:
(١) بل الأمر على إطلاقه في الفرار من الزحف.
١٢٤

ما نزل في الاستفتاح:
ثم قال: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُم الفتْحُ﴾: أي لقَوْلِ أبي جهل: اللهمَّ أَقْطَعُنا
للرحم، وآتانا بما لا يُعْرف، فأحِنْه الغداة. والاستفتاح: الإنصاف في الدعاء.
يقول الله جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾: أي لقريش: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا
نَعُذْ﴾: أي بمثل الوَقْعة التي أصبناكم بها يوم بدر: ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ
كَثُرَتْ وإِنَّ اللَّه مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾: أي أن عددكم وكثرتكم في أنفسكم لن تُغْني عنكم شيئًا،
وإني مع المؤمنين، أنصُرهم على من خالفهم.
ما نزل في حضّ المسلمين على طاعة الرسول:
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ
تَسْمَعُونَ﴾: أي لا تخالفوا أمره وأنتم تسمعون لقوله، وتزعُمون أنكم منه، ﴿وَلا تَكُونُوا
كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾: أي كالمنافقين الذي يُظهرون له الطاعة، ويُسرّون
له المعصية ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمِّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾: أي المنافقون الذين
نهيتُكم أن تكونوا مثلهم، بُكُمُ عن الخير، صُمّ عن الحقّ، لا يعقلون: لا يعرفون ما
عليهم في ذلك من النّقمة والتَّاعَة ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾، أي لأنفذ لهم
(الذين قالوا بألسنتهم، ولكنّ القلوب خالفت ذلك منهم، ولو خرجوا معكم ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ
مُعْرِضُونَ﴾ ما وفوا لكم بشيء ممَّا خرجوا عليه. ﴿يَا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ
وللرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يخيِيكُمْ﴾: أي للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذلّ، وقوّاكم بها
بعد الضعف، ومَنَعكم بها من عدوّكم بعد القَهْر منهم لكم، ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَليلٌ
مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ورَزَقَكُمْ مِنَ
الطَِّّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا آماناتِكُمْ
بل أنتم العَكَّارُونَ، وأنا فِئَتُكُمُ))(١)، وهو حَدِيثٌ مشهور اختصرته، والقَدْرُ الذي يحرم معه
الفرارُ الواحدُ مع الواحد، والواحدُ مع الاثنين، فإذا كان الواحدُ الثّلاثَةِ، لم يُعَبْ على الفارٌ
فرارُه، كان متحيزًا إلى فِئَةٍ أو لم يكن. وذكر أبو الوليد بن رُشدٍ في مقدماته عن بعض
الفقهاء، قال: إذا كان المسلمون اثنا عشر ألفًا لم يَجُزْ لهم الفرارُ من ثلاثة أمثالهم، ولا من
أكثرَ من ذلك، لقوله عليه السلام: ((لن تُغْلبَ اثنا عَشَرَ ألفًا من قِلَّةٍ، وقد كان وقوفُ الواحدِ
(١) أخرجه أبو داود (١٣٧٣) بتحقيقي والترمذي (١٧١٦) وأحمد (١١١/٢) والبيهقي (٧٨/٩)
والحميدي (٦٨٧) وأبو نعيم في الحلية (٥٧/٩).
١٢٥

وأَنْتُمْ تَعْلَمونَ﴾ أي لا تُظهروا له من الحقّ ما يرضى به منكم، ثم تُخالفوه في السرّ إلى
غيره، فإن ذلك هلاكٌ لأماناتكم، وخيانةٌ لأنفسكم. ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ
يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا ويُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾: أي فَضْلا
بين الحقّ والباطل، ليُظهر الله به حقّكم، ويُطفىء به باطِلَ من خالفكم.
ما نزل في ذكر نعمة الله على الرسول:
ثم ذكَّر رسولَ اللهِ وَه بنعمته عليه، حين مَكر به القومُ لِيَقْتُلُوهُ أوْ يُثْبِتُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ
﴿وَيَمْكُرُونَ ويمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ﴾: أي فمكرتُ بهم بكيدي المتين حتى
خلصتك منهم.
ما نزل في غزّة قريش واستفتاحهم:
ثم ذكر غِرَّة قُريش واستفتاحَهم على أنفسهم، إذ قالوا: ﴿اللَّهُم إنْ كانَ هَذَا هُوَ
الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي ما جاء به محمد ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ كما أمطرتها
على قوم لوط ﴿أَوِ اثْتِنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي بعض ما عذّبت به الأمم قبلنا، وكانوا يقولون:
إن الله لا يعذّبنا ونحن نستغفره، ولم يعذّب أمةً ونبيُّها معها حتى يُخرجَه عنها. وذلك من
قولهم ورسولُ اللهِ ﴿ بين أظهرهم، فقال تعالى لنبيه وَّ، يذكر جهالَتهم وغرّتهم
واستفتاحهم على أنفسهم، حين نَعى سُوءَ أعمالهم: ﴿ومَا كانَ اللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
وَمَا كانَ اللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي لقولهم: إنا نستغفر ومحمدٌ بين أظهرنًا، ثم
قال: ﴿وَمَا لَهِمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُم اللَّهُ﴾ وإن كنتَ بين أظهرهم، وإن كانوا يَستغفرون كما
يقولون: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَام): أي من آمن بالله وعَبده: أي أنت ومن
اتبعك، ﴿وَما كانُوا أولياءَه إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّ المُتَّقُونَ﴾ الذين يُحرّمون حُرمته ويُقيمون الصلاة
عنده: أي أنت ومن آمن بك ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمونَ وَما كانَ صَلاتُهُمْ عَنْدَ البَيْتِ﴾
التي يزعمون أنه يُدْفَع بها عنهم ﴿إلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةٌ﴾ .
إلى العشرة حَتْمًا في أول الأمر))، ثم خفّف الله ونسخه بقوله: ﴿الآن خَفَّفَ الله عنكم وعَلم
أن فيكم ضَعْفًا﴾ الآية، كذلك رُوِي عن ابن عباس، وهو قول العلماءِ، ولكن لا يَتَبَيِّن فيه
النَّسْخُ، لأن قوله: ﴿إِنْ يكُن منكم عشرون صابِرون﴾ إلى آخر الآية خَبَرٌ، والخبر لا يدخله
النَّسْخُ، وقوله: ﴿الآن خفّف الله عنكم﴾ يدل على أن ثَمَّ حُكْمًا منسوخًا، وهو الثُّبُوت
للعَشَرة، فإذًا للآية ظَهْرٌ وبَطْن، فظاهرها خبر، ووعد من الله تعالى أن تغلِب العشرةُ المائَة،
وباطنُها وجوبُ الثُّبُوتِ للمائِة، ويدل على هذا الحكم قولُه: ﴿حَرِّضِ المؤمنين على القِتال﴾
فتعلَّق النسخُ بهذا الحكم الباطنِ، وبقي الخبرُ وعدًا حَقًّا قد أبصره المؤمنون - عِيَانًا في زمن
١٢٦

تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: المكاء: الصفير. والتصدية: التصفيق. قال عنترة بن عمرو (بن
شدّاد) العَبْسي :
ولرُبّ قِرْن قد تركتُ مجَدَّلاً تَمكُو فريصتُه كشِذْقِ الأعْلمِ
يعني: صوتَ خروج الدم من الطّعنة، كأنه الصفير. وهذا البيت في قصيدة له.
وقال الطّزماح بن حكيم الطائي:
لها كلَّما رِيعتْ صَّداةٌ وركْدةٌ بِمُصْدان أعلَى ابْنَي شمَام البوائن
وهذا البيت في قصيدة له. يعني الأزوِيَّة، يقول: إذا فزعت قرعت بيدها الصُّفاةَ ثم
ركدت تَسْمع صَدى قَرْعِها بيدها الصَّفاة مثلُ التَّصْفيق: والمُصدان: الحِرْز. وابنا شمّام:
جبلان .
قال ابن إسحاق: وذلك ما لا يُرضي الله عزّ وجلّ ولا يحبُّه، ولا ما افترض
عليهم، ولا ما أمرهم به ﴿فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾: أي لما أوقع بهم يوم بدر
من القتل.
المدة بين ﴿يا أيها المزمل﴾ وبدر:
قال ابن إسحاق: وحدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه عبَّاد، عن
عائشة قالت: ما كان بين نُزول: ﴿يَا أَيُّها المُزَّمِّلُ﴾، وقول الله تعالى فيها: ﴿وَذَّرْني
والمُكَذِبينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وجَحِيمًا وطَعامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا
أَلِيمًا﴾ إلا يسير، حتى أصاب الله قُريشًا بالوَقعة يوم بدر.
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: الأنكال: القيود؛ واحدها: نِكْل. قال رؤية بن العجّاج:
يِكفيك نِكْلِي بِغَيْ كلّ نِكْلٍ
وهذا البيت في أرجوزة له.
عُمَّر بن الخطّاب، وفي بقية خلافة أبي بكر في مُحاربة الروم وفارس بالعراق والشام، ففي
تلك الملاحم هَزَمت المئون الآلافَ من المشركين، وقد هَزَم خالدُ بنُ الوليد مائةَ ألفٍ حين
إقباله من العراق إلى الشام ولم يبلغ عسکرُه خمسة آلافٍ، بل قد رأيت في بعض فتوح الشام
أنه كان يَوْمَئِذٍ في ألفٍ فارسٍ، وكان قد أقبل من العراق مَدَدًا للمسلمين الذين بالشام، وكان
١٢٧

ما نزل فيمن عاونوا أبا سُفيان:
قال ابن إسحاق: ثم قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذين كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا
عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ
يُخْشَرُونَ﴾ يعني النفر الذين مَشَوْا إلى أبي سُفيان، وإلى من كان له مالٌ من قريش في
تلك التِجارة، فسألوهم أنْ يُقوُّوهم بها على حرب رسول الله بَّرَ، ففعلوا.
ثم قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا﴾ لحربك
﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أي من قُتل منهم يوم بدر.
الأمر بقتال الكفّار:
ثم قال تعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حتى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أي حتى لا
يُفْتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس له فيه شريك، ويُخلَع ما دونه من
الأنداد ﴿فإنِ انْتَهَوْا فإنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن أمرك إلى ما هم عليه من
كفرهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاَكُمْ﴾ الذي أعزّكم ونصركم عليهم يوم بَدْر في كثرة عددهم
وقّة عددكم ﴿نِعْمَ المَوْلى وَنِعْمَ النَّصِير﴾.
ما نزل في تقسيم الفيء:
ثم أعلمهم مَقاسم الفيء وحُكْمَه فيه، حين أحلَّه لهم، فقال: ﴿وَاعْلَّمُوا أَنَّمَّا غَنِمْتُمْ
مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وللرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى واليَتَامِى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل إنْ كُنْتُمْ
آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقَان يَوْمَ التقى الجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي
يوم فرقتُ فيه بين الحقّ والباطل بقُدرتي يوم التقى الجَمْعان منكم ومنهم ﴿إِذْ أَنْتُم بالعُذْوةِ
الدُّنْيا﴾ من الوادي ﴿وَهُمْ بالعُذْوَةِ القُصْوَى﴾ من الوادي إلى مكة ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ﴾: أي عِير أبي سُفيان التي خرجتم لتأخذوها وخرجوا ليَمْنَعوها من غير ميعاد منكم
ولا منهم ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعادِ﴾ أي ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم
الرُّومُ في أربعمائة ألف، فلقي منهم خالد مائةَ ألفٍ ففَضَّ جمعَهم وهَزمهم، وقد هَزَم أهلُ
القَادِسِيَّة جُيوشَ رُسْتَم وقَتلوه وكان رُسْتَم في أكثر من مائتي ألفٍ، ولم يكن المسلمون في
عُشْرِ ذلك العدد وجاؤوا معهم بالفِيَلَةِ أمثالِ الحُصُون عليها الرجالُ ففرت الفيلة، وأطاحت ما
عليها، ولم يَرُدَّها شيءٌ دون البلد الذي خرجت منه، وكذلك ما ظهر من فتح الله ونَصْره
على يَدَي موسى بن نُصَير بإفريقِيَّة، والأندلس، فقد كان في ذلك أعجبُ العَجَبِ، فكان
وعدُ الله مفعولاً ونَصْرُه للمسلمين ناجزًا، والحمد لله.
١٢٨

ثم بلغَكم كثرةُ عددهم، وقلةُ عددكم ما لَقِيتموهم ﴿وَلَكِنْ لِيِقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولاً﴾
أي ليقضي ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الكُفر وأهله عن غير بَلاء
منكم. ففعل ما أراد من ذلك بلُطْفه، ثم قال: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ
حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي ليكفر من كفر بعد الحجّة لما رأى من الآية
والعِبْرة، ويُؤْمنَ من آمن على مثل ذلك.
ما نزل في لطف الله بالرسول:
ثم ذكر لُطْفَه به وكَيْدَه له، ثم قال: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ
كثيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّه عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾، فكان ما أراك
من ذلك نعمةً من نعمه عليهم، شجّعهم بها على عدوّهمْ، وكفّ بها عنهم ما تُخوّف
عليهم من ضَغْفهم، لعلمه بما فيهم.
قال ابن هشام: تُخُوّف: مبدلة من كلمة ذكرها ابن إسحق ولم أذكرها.
﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا
كانَ مَفْعُولاً﴾: أي ليؤلْف بينهم على الحرب للنّقمة ممن أراد الانتقام منه، والإنعام على
مَن أراد إتمام النّعمة عليه، من أهل ولايته.
ما نزل في وعظ المسلمين وتعليمهم خطط الحرب:
ثم وعظهم وفهَّمهم وأعلمهم الذي ينبغي لهم أن يَسيروا به في حَرْبهم، فقال
تعالى: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُم فِئَةٌ﴾ تقاتلونهم في سبيل الله عزّ وجلّ: ﴿فاثْبُتُوا
وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الذي له بذلْتم أنفسكم، والوفاءَ له بما أعطيتموه من بَيْعتكم ﴿لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ وأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وعلا تَنازَعُوا فَتَفْشِلُوا﴾: أي لا تختلفوا فيتفرّق أمركم
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي وتذهبِ حدّتكم ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ أي إني معكم
إذا فعلتم ذلك ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرجُوا مِنْ دِيارِهُمْ بَطَرًا وَرِثاءَ النَّاسِ﴾: أي لا تكونوا
كأبي جهل وأصحابه، الذين قالوا: لا نرجع حتى نأتي بدرًا فننحر بها الجُزُرَ وتُسقَى بها
وقال النقاش في معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾
معناه: إن يصيروا يغلبوا، وغلبتهم ليس بأن يسلموا كلهم، ولكن من سلم منهم رأى غَلَبَة
أهل دينه، وظهُورهم على الكفر، ولا يقدح في وعد الله أن يَسْتَشْهِد جملةٌ من الصابرين،
وإنما هذا كقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله: ﴿حتى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يد وهم
صاغرون﴾ فقد تُجِز الموعودُ وغَلَبوا كما وُعِدوا. هذا معنى كلامه، والذي قدمناه أبْيَنُ.
١٢٩
الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ٩

الخمر، وتعزف علينا فيها القِيانُ، وتَسمعُ العربُ: أي لا يكون أمرُكم رياءً، ولا سُمْعة،
ولا التماسَ ما عند الناس وأخلصوا لله النيَّة والحِسْبة في نَصْر دينكم، وموازرة نبيّكم، لا
تعمَلوا إلا لذلك ولا تطلبوا غيره.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ منَ النَّاسِ
وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ .
قال ابن هشام: وقد مضى تفسير هذه الآية.
قال ابن إسحاق: ثم ذكر الله تعالى أهلَ الكفر، ومَا يَلْقون عند موتهم، ووَصَفهم
بصِفتهم، وأخبر نبيَّه وَّل عنهم، حتى انتهى إلى أن قال: ﴿فَإِمَّا تَتَّقَّفَنَّهُمْ فِي الحَرْبِ فَشَرّدْ
بِهِم مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذْكَرُون﴾ أي فنكْل بهم مِن وَرائهم لعلَّهم يعقلون ﴿وَأَعدوا لَهُمْ ما
اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعدُوَّكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَما
تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾: أي لا يضِيع لكم عند الله
أجره في الآخرة، وعاجل خلَفه في الدنيا. ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنْح
لَهَا﴾: أي إن دَعَوْك إلى السَّلم على الإسلام فصالِخهم عليه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللّهِ﴾ إن الله
كافيك ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيم﴾ .
الذين في قلوبهم مرض في بدر:
وفي هذه السورة قوله: ﴿إِذْ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مَرَضٌ﴾ نزلت في قوم
من أهلِ مكّة آمنوا ولم يُهاجروا، ثم خَرَجُوا مع المشركين إلى بدر، فلما رَأوْا قِلَّةَ المسلمين
شكُوا،َ وقالوا: غَرَّ هؤلاء دينُهم، منهم قيسُ بنُ الوليد بن المُغيرة، وقَيْس بن الفاكه وجماعةٌ
سمّاهم أبو بكر النَّقَّشُ(١)، وهم الذين قُتِلوا فضربت الملائكةُ وجوهَهم وأدبَارهم.
رأي الأخنس وأبي جهل في النبي ◌َّ :
وأنخَنَس يَوْمَئذٍ أُبَّ بن شَرِيقٍ بنحو من ثلثمائة من قريش، فسُمِّي الأخْتَسُ بن شَرِيق بن
عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سَلَمَة بن أبي سَلَمَة بن عبد العُزَّى بن غِيرَة] وذلك أنه خلا
بأبي جهلٍ حين تَراءَى الجَمْعَان، فقال: أترى أن محمدًا يكذِبُ؟ فقال أبو جهل: كيف
يَكْذب على الله، وقد كنا نُسَمِّيه الأمين، لأنه ما كَذبَ قَطّ، ولكن إذا اجتمعت في بني
عبدٍ منافٍ السِّقَاية والرِّفادة والمَشُورَة، ثم تكون فيهم النُّبُوءَةُ، فأيُّ شيء بقي لنا، فحينئذ
(١) منهم: الحارث بن زمعة بن الأسود، والعاص بن منبه بن الحجّاج، وعلي بن أمية بن خلف. انظر
تفسير ابن كثير للآية.
١٣٠

تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: جنحوا للسَّلْم: مالوا إليك للسَّلْم. الجنوح: الميل. قال لَبيد بن
رَبِیعة :
جُنُوحُ الهالِكِيِّ على يَدَيْه
مُكِبًا يجتلي نُقَب النّصالِ
انخنس الأَخْتَسُ ببني زُهْرَةَ وحشد إبليسُ جميعَ جُنودِه، وجاء بنفسه، ونزل جبريل بألفٍ من
الملائكة في صُوَرِ الرجال، فكان في خمسمائة من الملائكةِ من الميمنة، وميكائيل في
خَمْسمائةٍ من الملائكة في المَيْسَرَة، ووراءهم مَدَدّ لم يقاتلوا، وهم الآلاف المذكورون في
سورة آل عمران، وكان إسرافيلُ وَسَطَ الصَّفُّ لا يقاتل، كما يقاتل غيرُه من الملائكةِ، وكان
الرجلُ يرى المَلَك على صُورة رجلٍ يعرفه، وهو يُثَبِّته ويقول له: ما هُمْ بِشَيْءٍ، فكُرَّ
عليهم(١)، وهذا في معنى قوله سبحانه: ﴿فَبْتُوا الذين آمنوا﴾ ذكره ابن إسحق في غير رواية
ابن هِشَام، وفي مثل هذا يقول حَسَّانُ:
مِیکالُ مَغكَ وچِبرئِیلُ كلاهما
مَدَدْ لِنَصْرِكَ مِنْ عزيز قادِرِ
ويقال: كان مع المسلمين يومئذ سَبْعُون من الجِنِّ، كانوا قد أسلموا(٢).
مَن الآخرون؟ :
وَذكر قولَ الله تعالى: ﴿تُرْهِبُونَ به عَدوَّ اللَّهِ وعدوًّكم وآخرين من دونهم﴾ ولم يَذْكر
الآخرين مَنْ هُم، وقيل في ذلك أقوالٌ قيل: هم المنافقون، وقيل: هم اليهود وأصح ما في
ذلك أنهم الجن، لرواية ابن المُلَيْكيّ عن أبيه عن جده أن النبي ◌َّ قال في آخرين من دونهم
قال: هم الجن ثم قال عليه السلام: ((إن الشيطان لا يَخْبُلُ أحَدًا في دارٍ فيها فَرَسٌ عَتِيقُ))(٣)،
ذكره الحارثُ في مُسْتَده وأنشدِ :
مكبًا يجتلي نُقَبَ النَّصَالِ
جُنُوحَ الهَالِكِيِّ(٤) على يَدَيْه
الهالِكِيّ: الصَّيْقَلُ. ونُقَبُ النِّصَالِ: جَرَبُ الحديد، وصَدَؤُه، وهو في معنى النُّقَب،
واحدتها نُقْبَة .
(١) تفسير من قِبَل السهيلي رحمه الله تعالى ينقصه الدليل ((الصحيح)).
(٢) انظر التعليق السابق. وقد صدَّر الكلام بقوله: ((ويقال)). فأحسن.
(٣) أخرجه الحارث في مسنده كما في المطالب العالية لابن حجر (٣٦٣٠). والقرطبي في تفسيره
(٣٨/٨). وأورده ابن كثير في تفسيره (٣١٧/٢) وأنكره وقال: لا يصح إسناده ولا متنه.
(٤) الهالكي: الحدّاد. وهو هنا كما قال رحمه الله تعالى: الصيقل.
١٣١

وهذا البيت في قصيدة له. والسلم أيضًا: الصلح، وفي كتاب الله عزّ وجلّ: ﴿فلا
تَهِنُوا وَتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأَنْتُمُ الأعْلَوْن﴾، ويقرأ: ﴿إلى السِّلم﴾، وهو ذلك المعنى. قال
زهير بن أبي سلمی:
وقد قُلْتما إن نُذْرِك السّلْم واسعًا
بمالٍ ومَعروف من القَوْلِ نَسْلَمَ
وهذا البيتُ في قصيدة له.
قال ابن هشام: وبلغني عن الحسن بن أبي الحسن البَصْريّ، أنه كان يقول: ﴿وَإِنْ
جَنَّحُوا للسَّلْمِ﴾ للإسلام. وفي كتاب الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْخُلُوا فِي السِّلم
كافّةٌ﴾ ويقرأ: ﴿في السَّلْم﴾، وهو الإسلام. قال أُميَّة بن أبي الصَّلْت:
رُسْل الإله وما كانوا له عَضُدَا
فمَا أنابُوا لسَلّم حين تَنْذِرهم
وهذا البيتُ في قصيدة له. وتقول العربُ لدَلْو تُعمل مُستطيلة: السَّلْم. قال
طَرَفة بن العَبْد، أحدُ بني قَيْس بن ثعلبة، يصف ناقةً له:
لهَا مِرفقان أقْتلان كأنما تَمُرّ بسَلْمَى دالحِ مُتشددٍ
وهذا البيت في قصيدة له.
﴿وَإِنْ يَرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ هو من وراء ذلك. ﴿هُوَ الَّذِي أَيَدَكَ
بِنَصْرِهِ﴾ بعد الضعف ﴿وَبِالمُؤمنينَ وأَلَّفَ بينَ قُلوبِهِمْ﴾ على الهدى الذي بعثك الله به
إليهم ﴿لَوْ أَنْفَقتَ ما فِي الأرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بدينه
الذي جمعهم عليه ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيُّهَا النَّبِيُّ حَسِبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَك مِنَ المُؤْمِنِينَ يا أيُّها النَّبِيُّ
حَرّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ
مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِن الَّذِينَ كَفَرُوا بأنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾: أي لا يُقاتلون على نيَّة ولا حقّ
ولا معرفة بخير ولا شرّ.
قال ابن إسحاق: حدّثني عبد الله بن أبي نجِيح من عطاء بن أبي رَباح، عن
عبد الله بن عباس قال: لمَّا نزلت هذه الآية اشتدّ على المسلمين، وأعظموا أن يُقاتل
عشرون مائتين، ومائة ألفًا، فخفّف الله عنهم، فتَسَختها الآية الأخرى، فقال: ﴿الآنَ
خَفَّف اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِم أنَّ فيكُمْ ضَعْفًا فإنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِيوا ألْفَيْنِ بإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. قال: فكانوا إذا كانوا على الشّطر.
١٣٢

من عدوّهم لم يَنْبَغ لهم أن يفرّوا منهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهمُ
وجاز لهم أن يتحوّزوا عنهم.
ما نزل في الأسارى والمغانم
قال ابن إسحاق: ثم عاتبه الله تعالى في الأسارى، وأخذ المَغانم، ولم يكن أحد
قبلَه من الأنبياء يأكلُ مَغْنمًا من عدوّ له.
قال ابن إسحاق: حدّثني محمد أبو جعفر بن عليّ بن الحُسين، قال: قال رسولُ
اللهِ وَلِّ: (نُصِزْت بالرُّعب، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأُعطيتُ جوامع
الكَلم، وأُحِلْت لي المغانم ولم تُخلل لنبيّ كان قبلي، وأعطيتُ الشّفاعة، خمس لم
يُؤتهن نبيّ قبلي)».
قال ابن إسحاق: فقال ﴿ما كان لِنَبِيّ﴾: أي قبلك ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ مِنْ عدوّه
﴿حتى يُثْخِنَ في الأرضِ﴾ أي يثخن عدوّه، حتى يَنْفيه من الأرض ﴿تُرِيدُونَ عَرضَ
الدُّنْيا﴾: أي المتاع، الفداء بأخذ الرجال ﴿وَاللَّهُ يُريدُ الآخرة﴾: أي قَتْلهم لظُهور الدين
الذي يريد إظهاره، والذي تُدرَك به الآخرة ﴿لَوْلا كتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لمَسَّكُمْ فِيما
حول غنائم بدر
فصل: وذكر في السورة: ﴿لولا كِتَابٌ من الله سَبَقَ﴾ يعني بإحلال الغَنَائِم لمحمدٍ
وأمته لَمَسَّكم فيما أَخَذْتُم عذابٌ عظيمٌ، فقال النبيُّ - نََّ -: ((لقد عُرضَ عليّ عذابُكم أَدْنَى
من هذه الشجرة))(١)، وقال: ((لو نزل عذابٌ ما نجا منه إلاّ عُمَرُ))(٢)، لأن عُمَرَ كان قد أشار
عليه بقتل الأسارَى والإِثْخَانِ في القَتْل، وأشار أبو بكر بالإبقاء، فأخذ رسولُ الله - وَه . -
بقول أبي بكر، ثم نزلت الآية: ﴿فَكُلُوا مما غَنِمْتُم حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ ورَوى أبو عُبَيْد من طريق
عبد الله بن مَسْعُود قال: ((لما كان يومُ بدر، وأخذ النبي ◌ََّ الأسَارَى، فقال: ماذا تَرَوْن؟
فقال عمر: يا رسول الله كَذَّبُوك وأَخْرَجُوك، اضْرِب أعناقَهم، وقال عبدُ الله بن رَوَاحَةَ: يا
رسول الله أنتَ بوادٍ كثيرِ الحَطَبِ، فأضْرِفْه نارًا، ثم ألقِهِمْ فيها، فقال العباس: قَطَع الله
رَحِمَك، فقال أبو بكر: يا رسول اللهِ عِثْرَتُكَ، وأصلُك وقومُك تَجَاوَزْ عنهم، يَسْتَنْقِذْهم الله
بك من النار، ثم دخل رسول الله - ﴿﴿ - فمِنْ قائلِ يقول القولَ ما قال عمر، ومن قائل
(١) أخرجه مسلم (٢١٦٣) وأحمد (٣١/١) والطبري في تاريخه (٤٦/٢) والبيهقي في الكبرى
(٦٨/٩).
(٢) أخرجه الطبري فيتاريخه (٤٧/٢) وفي تفسيره (٣٤/١٠).
١٣٣

أخَذْتُمْ﴾: أي من الأسارى والمَغانم ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي لولا أنه سبق مني أني لا أعذّب
إلا بعد النَّهي ولم يَك نهاهم، لعذّبتكم فيما صنعتم، ثم أحلَّها له ولهم رحمةً منه،
وعائدة من الرحمن الرحيم. فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ غَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأسْرَى إِنْ يَعْلَم اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ
خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
يقول القولَ ما قالَ أبو بكر، فخرج النبيُّ بِّه، فقال: ما قولُكم في هذين الرجلين، إنّ
مَثَلُهُمَا كمثلٍ إِخْوَةٍ لكم، كانوا قَبْلَكُم، قال نوح: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ على الأرضِ﴾ الآية، وقال
موسى: ﴿رَبَّنا اطْمِسْ على أموالِهم﴾ الآية، وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُم فإنهم عبادُك﴾ الآية،
وقال إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبعني فإنه مِنِّي﴾ الآية. وإن الله يشَدِّدُ قلوبَ رجالٍ، حتى تكونَ
كالحَجَرِ، ويُلَيِّن قلوبَ رجال، حتى تكونَ أَلْيَنَ من اللبن، ويروى من اللّين، وإن بكم عَيْلَةً
فلا يَفْلِت منهم أحدٌ إلا بفِدَاءٍ أو ضَرْبة عُنُقٍ. قال عبدُ الله [بن مسعود]: فقتلُ: إلاَّ سَهْلَ ابن
بَيْضَاءَ، وقد كنت سمعته يذكر الإسْلاَم، قال: فجعلت أنظر إلى السماء متى تقع عليَّ
الحجارةُ فقلت: أقَّدِّم القولَ بين يَدَيْ رسول الله فقال النبي - وَلِهِ - إلاَّ سهيل ابن بَيْضَاءَ،
ففرحت بذلك))(١)، قال أبو عبيدة: أما أهلُ المعرفة بالمغازي، فإنهم يقولون: إنما هُو
سَهْلُ ابن بَيْضَاءَ أخو سُهَيْلٍ، فأمَّا، سُهَيْلٌ، فكان من المهاجرين، وقد شَهِد مع رسول
الله - وََّ - بدرًا، ثم إن النبيَّ - ◌َ﴿ ﴿ - لم يفْد بعدها بمالٍ، إنما كان يَمُنُّ أو يُفَادِي أسيرًا
بأسير، كذلك قال أبو عُبَيْد: وذلك والله أعلم لقوله: ﴿تُريدون عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ يعني الفِداءَ
بالمال، وإن كان قد أحلَّ ذلك وطَيِّيه، ولكن ما فعله الرسولُ بعد ذلك أفضل من المَنِّ أو
المُفَادَاة بالرجال، ألا ترى إلى قولِه سبحانه: ﴿فإمَّا منَّا بعدُ وإِمَّا فِدَاءٌ﴾ كيف قَدَّم المَنَّ على
الفِداء، فلذلك اختاره رسولُ اللهِ وَ﴿ وقدّمه، وأما مذاهبُ الفُقَهاء في هذا، فالأوْزَاعي
وسُفيان ومالك يكرهون أخذَ المال في الأسير، لما في ذلك من تقوية العدو بالرجال،
واختلفوا في الصغير إذا كان معه أُمُّه، فأجاز فِداءَهُ بالمال أهلُ العراق، واختلف فيه عن
مالكٍ، والصحيحُ مَنْعُه، وكان العباسُ عَمُّ النبيّ وَّرَ في الأسرى، فقَدَى نفسَه، وفدَى ابْنَيْ
أخيه، فقال للنبيّ وَّهِ: لقد تركتني أتكَفَّفُ قُرَيْشًا فقيرًا مُعْدِمًا، فقال النبي ◌َّر: ((أين الذَّهَب
التي تركتها عندَ أُمّ الفضل وعددُها كذا وكذا، وقلت لها: كَيْتَ وكَيْت، فقال: مَن أعلَمَك
بهذا يا ابن أخي؟ فقال: الله، فقال: حديثٌّ ما اطّلع عليه إلا عالمُ الأسرارِ أشهد أنك رسولُ
(١) أخرجه الترمذي (٣٠٨٤) والبيهقي (٣٢١/٦) وابن أبي شيبة (٣٧٢/١٤) والطبراني (١٧٧/١٠)
والطبري في تفسيره (٣٣/١٠) والبيهقي في الدلائل (١٣٤/٣).
١٣٤

ما نزل في التواصل بين المسلمين:
وحضَّ المسلمين على التواصل، وجعل المهاجرين والأنصار أهل ولاية في الدين
دون مَن سواهم، وجعل الكفّار بعضهم أولياء بعض، ثم قال: ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي
الأرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ أي يُوالِ المؤمنُ المؤمنَ من دون الكافر، وإن كان ذا رحم به
﴿َتَكُنْ فِتْنةٌ فِي الأرْضِ﴾ أي شُبهة في الحقّ والباطل، وظهور الفساد في الأرض بتولي
المؤمن الكافر دون المؤمن.
الله))(١)، فحينئذ أسلم العباسُ، وكان في الأسرى من يكتب، ولم يكن في الأنصار أحدٌ
يُحسن الكتابة فكان منهم مَنْ لا مال له، فيقبل منه أن يُعَلِّم عَشَرةً من الغِلمان الكتابةَ،
ويخلى سبيله، فيومئذ تعلم الكتابةَ زيدُ بن ثابت في جماعة من غِلْمة الأنصار، وهذه عيون
أخبارٍ، وصلتها بما ذكره ابن إسحق في يوم بدر جمعتها من كتب التفاسير والسير
ولخصتها .
خيل بدر:
فصل: وذكرِ ابن إسحق الخيلَ التي كانت للمسلمين يَوم بدر، فذكر بَعْزَجَةً فَرَسَ
المِقْدَادِ، واليَعْبُوبَ فرسَ الزُّبَيْرِ، وفرسًا لمرْئَدِ الغَنَوِيّ، ولم يكن لهم يومئذ خيلٌ إلا هذه،
وفي فرس الزبير اختلافٌ، وقد كان للنبيّ ◌َِّ خيلٌ بعد هذا اليوم، منها: السَّكْبُ واللَّزَاز
والمُزْتَجِزُ واللَّحِيفُ، وقد ذكره البخاري من حديثٍ عباس بن سَهْل عن أبيه، قال: ويقال
فيه: اللَّخِيفُ بالخاء المعجمة، وقال القُتَبِيُّ: كان المُرْتَجِزُ فَرَسًا اشتراه عليه السلام من
أغْرَابي، ثم أنكر الأعرابي أن يكونَ باعَه منه، فشهِد خُزَيْمَةُ بن ثابت على الأعرابي بالبيع،
فقال له النبي وَلثر: (بم تشهد؟)) قال: أشهد بصدقِك يا رسول الله، فجُعِلت شَهادتُه شهادة
رجلين، والحديث مشهور، غير أن في مُسْنَدِ الحارِث زيادة فيه، وهي أنه، عليه السلام، ردّ
الفَرَسَ على الأعرابي، وقال: لا بارك الله لك فيها، فأصبحت من الغد شائِلة برِجْلِها، أي:
قد ماتت. قال الطبري: ومن خَيْلِه الضَّرِسُ، ومُلاوِحٌ، والورَدُ وهو الذي وهبه لعُمر، فحمل
عليه عمرُ رجلاً في سبيل الله، وحديثه في الموطأ، وكان له عليه السلامُ من الدروع: ذاتُ
الفُضُولِ، وأخرى يقال لها: فضَّة، وراية يقال لها العُقَابُ، وقوسان أحدهما: الصَّفْراء،
والأخرى: الزَّوْرَاءُ وسيفُه: ذو الفِقَّارَ لِفِقْرَاتٍ كانت في وَسَطه، وكان لتُبَيْهِ ومُنَبِّه ابْنَي الحجاج
سُلِيَاه يوم بَذْرٍ، ويقال: إن أصلَه كان من حديدة وُجِدَت مَذْفونة عند الكعبة، فصُنِع منها ذو
(١) انظر الدرّ المنثور (٢٠٤/٣) وابن الجوزيّ في زاد المسير (٣٨٣/٣) والقرطبي في تفسيره (٥٣/٨).
١٣٥

ثم ردّ المواريث إلى الأرحام ممن أسلم بعد الولاية من المهاجرين والأنصار دونّهم
إلى الأرحام التي بينهُم، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَروا وَجَاهِدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ
مَنْكُمْ وأُولُو الأزحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بَبَعضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي بالميراث ﴿إِنَّ اللَّهَ بَكُلّ
شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
الفِقَار، وصَمصامة عَمْرو بن مَعْدِي كَرِبَ التي وهبها لخالد بن سعيد، وكانت مَشْهُورةً عند
العرب، وكان له حَزْبةٌ يقال لها: النَّبْعَة، وذكر العَقِيليُّ في كتاب الضُّعَفَاء جملة من آلاته عليه
السلام في حديث أسنده، فمنها الجمع اسم كِنَانَتِه، والمدلة اسم لمرآة كان ينظر فيها،
وقضيب يسمى: المَمْشُوق، وذكر الجَلَمَيْنِ، ونسيت ما قال في اسمه، وأما بغلته دُلْدُلُ
وحمارهُ عُفَيْر، فقد ذكرناهما في كتاب الأعلام، وذكرنا ما كان في أمر الحِمَار من الآيات،
وزدنا هنالك في اسْتِقْصَاءِ هذا البابِ، ورأينا أن لا نُخْلِيَ هذا الكتابَ مما ذكرنا هنالك، أو
أكثره، وأما دُلْدُلُ فماتت في زمن معاوية، وهي التي أهداها إليه المُقَوْقِسُ، وأما اليَعْفُورُ
فطّرَح نفسَه في بئرٍ يوم مات النبي - نَّهـــ فمات، وذكر ابن فَوْرَك في كتاب الفصول أنه كان
من مغانم خَيْبر، وأنه كلَّم النبيّ وَّ، وقال له: يا رسول الله أنا زِيادُ بنُ شهابٍ، وقد كان
في آبائي ستُّون حِمَارًا كلَّهم ركبه نَبِيٍّ، فاركبني أنت، وزاد الجويني في كتاب الشامل(١) أن
النبيّ - ﴿ه - كان إذا أراد أحدًا من أصحابه أرسل إليه هذا الحمارَ، فيذهب حتى يضرَب
برأسِه البابَ، فيخرج الرجل، فيعلم أنه قد أرسل إليه، فيأتي النبيَّ وَّهِ، وكان له تُرْسٌ فيما
ذكر الطبري فيه تمثال كَرَأْس الكَبْشِ وكان يكرهه فيه، فأصبح ذات يوم قد انمحى، ولم يبق
منه أثر، وأما رُداؤه عليه السلام، فكان يقال له: الحَضْرمِي، وبه كان يشهد العيدين، كان
طوله أزْبَعَ أَذْرُع وعرضُه ذراعان وشِبْرٌ، وكان له جَفْنَةٌ عظيمةٌ يُقَال لها الغَرَّاء يحملها أربعةُ
رِجّالٍ جرى ذكرها في حديث خرجه أبو داود، فهذه جُملة تَشْرَئِبُّ إلى معرفتها أنفُسُ
الطالبين، وترتاح بالمذاكرة بها قلوبُ المتأدِّبين، وكُلُّ ما كان من باب المعرفة بنبيّنا عليه
السلام، ومتصلاً بأخبارِ سيرته مما يُونِقُ الأسماعَ، ويَهز بأرواح المحبةِ الطباع، والحمد لله
على ما علم من ذلك(٢).
(١) انظر الشامل (١٧٨/٢).
(٢) انظر مزيد بيان ((زاد المعاد)) لابن القيم (١/ ٦٧).
١٣٦

من شهد بدرًا من المسلمين
من بني هاشم والمطلب:
قال ابن إسحاق: وهذ تَسْمية من شهد بدرًا من المُسلمين، ثم من (قريش، ثم من)
بني هاشم بن عبد مناف وبني المطّلب بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كلاب بن مُرّة بن
كعب بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانة.
محمد رسول الله ( * سيد المرسلين، ابن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم؛
وحمزة بن عبد المطلب بن هاشم، أسدُ الله وأسد رسوله، عمّ رسول الله وَّر، وعليّ بن
أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم؛ وزيد بن حارثة بن شُرَخْبِيل بن كعب بن
عبد العزّى بن امرىء القيس الكَلْبي، أنعم الله عليه ورسولُه وَثته.
قال ابن هشام: زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العُزّى بن امرىء
القيس بن عامر بن النُّعمان بن عامر بن عبد وُدّ بن عَوْف بن كنانة بن بكر بن عَوْف بن
عُذْرة بن زيد الله بن رُفيْدة بن ثور بن كَعْب بن وَبْرة.
قال ابن إسحق: وأَنَسَةُ مولى رسولِ اللهِ وَّهِ، وأبو كَبْشة مولى رسول الله اَله.
تسمية من شهد بدرًا(١)
قد تقدم التعريف بكثير منهم، ومن غيرهم مِمِّن جرى ذكرُه في السيرة والتنبيه إلى ما
تَتَشَوَّف إليه نفسُ الطالب من هذا الفنّ وسائرُهم قد نسبه ابن إسحق وابن هشام في هذا
(١) انظر المنتظم (١٢٧/٣) البداية والنهاية (٣١٥/٣) جوامع السيرة النبوية لابن حزم (١٤٨) الواقدي
في المغازي (١٥١) تلقيح الفهوم لابن الجوزيّ (٢/٢) وابن سعد (١/١/٣) والبخاري (٨٧/٦).
١٣٧

قال ابن هشام: أَنَسةُ: حبشيّ، وأبو كَبْشة: فارسيّ.
قال ابن إسحق وأبو مَرْئَدٍ كَثَازُ بنُ حِصْن بن يَربوع بن عَمْرو بن یَرْبوع بن
خَرْشة بن سَعْد بن طريف بن جِلاَّنَ بن غَنْم بن غَنِيّ بن يَعْصُر بن سَعْد بن قَيْس بن
عَیْلان.
قال ابن هشام: كَتَّز بن حُصين.
قال ابن إسحاق: وابنه مَزْثد بن أبي مرثد، حَليفا حمزة بن عبد المطّلب؛
وعُبيدة بن الحارث بن المطّلب؛ وأخواه الطُّفيل بن الحارث، والحُصَين بن الحارث؛
ومِسْطَح، واسمه: عَوْف بن أُثَاثَة بن عَبَّاد بن المُطَِّب. اثنا عشر رجلاً.
من بني عبد شمس:
ومن بني عبد شَمْس بن عبد مناف: عثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أُميَّة بن
عبد شمس، تخلَّف على امرأته رُقَيَّة بنت رسول الله ﴿ فضرَب له رسولُ اللهِ وَهم
بسهمه، قال: وأجري يا رسولَ اللهِ؟ قال: وأجرُك؛ وأبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن
عبد شمس؛ وسالم، مولى أبي حُذيفة.
قال ابن هشام: واسم أبي حُذيفة مِهْشم.
نسب سالم:
قال ابن هشام: وسالم، سائبة لتُبَيتة بنت يَعار بن زَيْد بن عُبيد بن زَيْد بن مالك بن
عَوْف بن عمرو بن عَوف بن مالك بن الأوس، سَيَّبته فانقطع إلى أبي حُذيفة فتبنّاه،
ويقال: كانت ثُبَيتةُ بنت يَعَار تحت أبي حُذيفة بن عُتبة، فأعتقت سالمًا سائبةً، فقيل:
سالم مولى أبي حُذيفة.
قال ابن إسحاق: وزعموا أنَ صُبيحًا مولى أبي العاص بن أُميَّة بن عبد شمس تجهَّر
للخروج مع رسول الله وَلله ثم مرض، فحَمل على بعيره أبا سَلَمة بن عبد الأسد بن
هلال بن عبد الله بن عُمر بن مَخْزوم؛ ثم شهد صُبَيح بعد ذلك المَشاهد كلَّها مع رسول
الله وَظَرِ.
الباب، ونسَبْنَا نحن فيما تقدّم طائفةٌ لم ينسبهم ابن إسحق في هذا الباب، منهم: أبو الهَيْثم
[مالك] بن التَّيِّهَان تقدم التعريف به في بَيْعةِ العَقَبةِ وأنه من بني إرَاش في قول ابن إسحق،
وقال ابن هشام: إِرَاشَة.
١٣٨

من حلفاء بني عبد شمس:
وشهد بدرًا من حُلفاء بني عَبْد شَمْس، ثم من بني أسد بن خُزَيمة: عبدُ الله بن
جَخْش بن رئاب بن يَعْمَر بن صَبْرة بن مُرّة بن كَبير بن غَنْم بن دُودان بن أسد؛
وعُكَّاشة بن مِخْصَن بن حُزْثان بن قَيْس بن مُرّة بن كَبِير بن غَنْم بن دُودان بن أسد؛
وشُجاع بن وَهْب بن ربيعة بن أسد بن صُهَيب بن مالك بن كَبِير بن غِنْم بن دُودان بن
أسد، وأخوه عُقبة بن وَهْب؛ ويزيد بن رُقَيش بن رئاب بن يَعْمر بن صَبْرة بن مرّة بن
كَبير بن غَثْم بن دُودان بن أسد؛ وأبو سِنان بنِ مخصَن بن حُزْثان بن قيس، أخو
عُكاشة بنِ مخصن؛ وابنُه سنان بن أبي سِنان، ومُخرِز بن نَضْلة بن عبد الله بن مرّة بن
كبير بن غَثْم بن دُودان بن أسد، وربيعة بن أكْثَم بن سَخْبَرة بن عمرو بن لُكَيْز بن
عامر بن غَنْم بن دُودان بن أسد.
من حلفاء بني كبير:
ومن حلفاء بني كَبير بن غَنْم بن دُودان بن أسد: ثَقْفَ بن عَمْرو، وأخواه:
مالك بن عمرو، ومُذلج بن عمرو.
قال ابن هشام: مِذلاج بن عمرو.
قال ابن إسحاق: وهم من بني حَجْر، آل بني سُلَيم. وأبو مخشي، حليفٌ لهم.
سنّةَ عشرَ رجلاً.
قال ابن هشام: أبو مَخْشيّ طائيّ، واسمه: سُوَيد بن مَخْشي.
من بني نوفل:
قال ابن إسحاق: ومن بني نَوْفل بن عبد مناف: عُتبة بن غَزْوان بن جابر بن
وَهْب بن نُسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عِكْرمة بن خَصَفة بن
قيس بن عَيْلان: وخَبَّاب، مولى عُثْبة بن غَزْوان - رجلان.
وذكر في بَنِي الحارث بن فِهْر عِيَاضَ بن أبي زُهَيْرِ، هكذا أَلْفَيْتُه في نسخة الشيخ أبي
بَخر وغيرها من النُّسَخِ الصِّحَاح، وهو وهم، والصواب: عياضُ بن زُهَيْر، وليس الوهم في
ابن إسحاق، لأنه قد ذكره في المهاجرين إلى الحبشة، فقال فيه ابن زهير على الصواب،
وكَذل قال في ابن أخيه عَمْرو بن الحارث بن زُهَيْر، وغَنْمُ بن زُهَيْرٍ والدُ عِياضٍ بن غِثْم
صاحب الفتوحاتِ الذي يقول فيه ابن الرُّقَيَّاتِ:
كان مِنْ خَيْرٍ مَنْ تُجِنُّ النَّسَاءُ
وعِياضٌ وما عِيَاضُ بن غَنم
١٣٩

من بني أسد:
ومن بني أسَد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ: الزُّبير بن العوّام بن خُوَيلد بن أسد؛
وحاطب بن أبي بَلْتعة، وسَعْد مولى حاطب. ثلاثةُ نفر.
قال ابن هشام: حاطب بن أبي بَلْتعة، واسم أبي بَلْتعة: عمرو، لخميّ، وسَعْد
مولی حاطب، كلبيّ.
من بني عبد الدّار:
قال ابن إسحاق: ومن بني عبد الدار بن قُصَيّ: مُصْعب بن عُمَير بن هاشم بن
عبد مناف بن عبد الدّار بن قُصَيّ، وسُوَيْبط بن سعد بن حُرَيملة بن مالك بن عُمَيْلة بن
السَّبَّاق بن عبد الدار بن قُصَيّ. رجلان.
من بني زهرة:
ومن بني زُهْرة بن كلاب: عبدُ الرحمن بن عَوْف بن عبد عَوْف بن عبد بن
الحارث بن زُهرة؛ وسعدَ بن أبي وقّاص ـ وأبو وقّاص مالك بن أَهَيب بن عبد مناف بن
زُهْرة. وأخوه عُمَير بن أبي وقّاص.
ومن حُلفائهم: المِقْدَادُ بن عَمْرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن
مَطْرود بن عمرو بن سعد بن زُهير بن ثَوْر بن ثعلبة بن مالك بن الشَّريد بن هَزْل بن
قائش بن دُرَيم بن القَيْن بن أهود بن بَهْراء بن عمرو بن الحاف بن قُضَاعة. قال ابن
هشام: ويقال: هزل بن قاس بن ذَرّ - ودَهِير بن ثور.
قال ابن إسحاق: وعبدُ الله بن مسعود بن الحارث بن شَمْخ بن مَخْزوم بن
صاهِلة بن كاهِل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هُذَيلِ، ومسعود بن ربيعة بن
عمرو بن سعد بن عبد العُزّى بن حَمالَة بن غالب بن مُحلِّم بن عائذة بن سُبيع بن
الهُون بن خُزيمة، من القارة.
قال ابن هشام: القارّة: لقب لهم: ويقال:
قَدْ أَنْصَفَ القارَةَ مَنْ رَاماها
وكانوا رماة .
والحارثُ بن زُهَيْرِ والدُ عَمْرٍو بن الحارث بن زُهَير، وقد ذكر ابن إسحق عمرو بن
الحارث أيضًا؛ فقال فيه: ابن زهير لا ابن أبي زُهير والحمد لله.
١٤٠