Indexed OCR Text
Pages 61-80
رؤيا جهيم بن الصلت : وأقبلت قريشٌ، فلما نزلوا الجُخفة، رأى جُهَيم بن الصَّلت بن مَخْرمة بن المطّلب بنِ عبد مناف رُؤْيا، فقال: إني رأيتُ فيما يرى النائم، وإني لَبين النائم واليقظان. إذ نظرت إلى رجل قد أقبل على فرس حتى وقف، ومعه بعير له؛ ثم قال: قتل عُتبة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، وأبو الحَكَم بن هشام، وأُميَّة بن خلف، وفلان وفلان، فعدّد رجالاً ممن قتل يوم بدر، من أشراف قريش، ثم رأيتُه ضرب في لَبَّة بعيره، ثم أرسله في العسكر، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نَضْح من دمه. قال: فبلغت أبا جهل، فقال: وهذا أيضًا نبيّ آخر من بني المطلب، سيعلم غدًا من المقتول إن نحن التقينا. کان أبو سفيان لا یرید حربًا : قال ابن إسحق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أخْرَزَ عِيرَه، أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتَمنعوا عِيركم ورجالكم وأموالكم، فقد نَجَّاها الله، فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نَرْجع حتى نَرِد بدرًا - وكان بدر مَوْسمًا من مواسم العرب، يجتمع لهم به سُوقٌ كلَّ عام - فتُقيم عليه ثلاثًا، فَتَنْحَرَ الجُزُر ونُطعم الطعام، ونُسْقي الخمر، وتَعْزِف علينا القِيَان، وتسمع بنا العربُ وبمسيرنا وجَمْعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضُوا. رجوع بني زهرة: وقال الأخنس بن شَرِيق بن عمرو بن وَهب الثّقَفي، وكان حَليفًا لبني زهرة وهم بالجُخفة: يا بني زُهْرة، قد نجَّى الله لكم أموالَكم، وخلّص لكم صاحبَكم مَخْرَمَةَ بن نَوْفل، وإنما نَفرْتُم لتَمَنعوه ومالَه، فاجعلوا لي جُبْنها وارجعوا، فإنه لا حاجة لكم بأن تَخْرجوا في غير ضَيْعة، لا ما يقول هذا، يَعني أبا جهل: فرجعوا، فلم يَشْهَدْها زُهْرِيّ واحد، أطاعوه وكان فيهم مُطاعًا. ولم يكن بَقِيَ من قريش بَطْنٌ إلا وقد نَفر منهم ناس، أسد كي لا تذهب من اللفظ الدلالة على معنى العين، وإن كان من العَوْدَة، وقِسْ على هذا القول، وصحة الواو فيه، وكما حافظوا على الضمة في سبُّوح وقُدُّوس، وقياسه: أن يكون على فَعُول بفتح الفاء كتَنُّوم وشَبُوط وبابه، ولكن حافظوا على الضَّمَّتَيْن، ليسَلَم لفظُ القُدس والسُّبُحَات وسُبْحان الله يَسْتَشْعِر المتكلمُ بهذين الاسمين معنى القُدس، ومعنى سُبْحَانَ من أول وَهْلة، ولما ذكرناه كثيرة نظائرُ يُخرجنا إيرادُها عن الغَرَضِ. ٦١ إلا بني عديّ بن كعب، لم يخرج منهم رجلٌ واحد، فرجعت بنو زُهرة مع الأخْتَس بن شَرِيق، فلم يشهد بدرًا من هاتين القَبيلتين أحدٌ، ومشى القوم. وكان بين طالب بن أبي طالب - وكان في القوم - وبين بعض قريش محاورة، فقالوا: والله لقد عرفنا يا بني هاشم، وإن خرجتم معنا، أن هواكم لمع. محمد فرجع طالب إلى مكة مع من رجع. وقال طالب بن أبي طالب: في عُصْبةِ مَحالفٌ مُحَارب لا هُمّ إِمَّا يَغْزُوَنّ طالبْ فليكن المسلوبَ غيرَ السَّالب في مِقْنب من هذه المَقانب وليكن المغلوبَ غير الغالب قال ابن هشام: قوله فليكن المسلوب، وقوله: ولكن المغلوب عن غير واحد من الرواة للشعر. منزل المسلمين ومنزل قريش : قال ابن إسحاق: ومضت قريشٌ حتى نزلوا بالعُذوة القُضوى من الوادي، خَلْف العَقَتْقَل وبطن الوادي، وهو يَلْيَل، بين بَدْرٍ وبين العَقَتْقَل، الكثيب الذي خلفه قُريش، والقُلُب ببدر في العُذوة الدنيا من بَطْن يَليَل إلى المدينة. وبعث الله السماء، وكان الودي دَهْسا، فأصاب رسول الله وَ ◌ّر وأصحابه منها ما لبَّد لهم الأرضَ ولم يَمنعهم عن السير، وأصاب قريشًا منها ما لم يَقْدِروا على أن يرتحلوا معه. فخرج رسولُ الله وَّهِ يُبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماءٍ من بدر نزل به. تفسير كلمات: وذكر قول أبي جَهْلٍ: قم فانْشُدْ خُفْرَتَك، أي: اطلب من قُرَيْش الوفاءَ بخُفْرَتِهم لك، لأنه كان حليفًا لهم وجارًا، يقال: خَفَرْتُ الرجلَ خُفْرَةً إذا أَجَرْته، والخَفِير. المُجِير(١). قال: [عديُّ بن زيد] العِبَاديّ. ذا عليه من أنْ يُضَامَ خَفِيرُ مَنْ رَأَيْتَ الأيامَ خَلَّذْنَ أَمْ مَنْ (١) خفر: الخاء والفاء والراء: أصلان: أحدهما الحياء، والآخر: المحافظة أو ضدها. فالأول الخفر: يقال خَفِرَت المرأة: استحيت، تَخفر خفرًا، وهي خفِرَةٌ. وأما الأصل الآخر فيقال: خفرت الرجل خفرة، إذا أجرته وكنت له خفيرًا، وتخفّرت بفلان إذا استجرت به، ويقال: أخفرته إذا بعثت معه خفيرًا، وأما خلاف ذلك فأخفرت الرجل: وذلك إذا نقضت عهده مقاييس اللغة (٢٠٣/٢). ٦٢ مشورة الحباب: قال ابن إسحاق: فحُدّثت عن رجال من بني سَلمة، أنهم ذكروا: أن الحُباب بن المنذر بن الجَمُوح قال: يا رسول الله، أرأيتَ هذا المنزل، أمنزلاً أنزلَكه الله ليس لنا أن نتقدّمه، ولا نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فَننزله، ثم نعوّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضًا فتَمْلؤه ماء، ثم نُقاتل القَوم، فنَشْرَب ولا يشربون؛ فقال رسولُ اللهِ وَّ: ((لقد أشرتَ بالرأي)). فنهض رسولُ الله ◌َّ﴿ ـ ومَنْ معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نَزَل عليه، ثم أمر بالقُلُب فعُورت، وبنى حَوْضًا على القَليب الذي نزل عليه فمُلىء ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية. بناء العريش لرسول الله وقلت : قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدّث: أن سَعْدَ بنَ معاذ قال: يا نبيّ الله، ألا نَبْني لك عَرِيشًا تكُون فيه، نُعدُّ عندك ركائبك، ثم نَلْقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله وأظهرنا على عدوّنا، كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى، جلستَ على رَكائبك، فَلحِقْت بمَنّ وراءنا، فقد تخلّف عنك أقوامٌ، يا نبيّ الله، ما نحنُ بأشدَّ لك حبًّا منهم، ولو ظَنُوا أنك تلقى حربًا ما تخلَّفوا عنك، يَمنعك الله بهم، يناصحونك ويُجاهدون معك: فأثنى عليه رسولُ اللهِ وَّر خيرًا، ودعا له بخير. ثم بُني لرسول الله وَّهُ عَرِيشْ، فکان فيه. ارتحال قريش: قال ابن إسحاق: وقد ارتحلت قريشٌ حين أصبحتْ، فأقبلتْ، فلما رآها رسولُ اللهِ وَ﴿ تَصوَّب من العَقَتْقَل، - وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي - قال: اللهمَّ هذه قُريش قد أقبلت بخُيلائها وفَخْرِها، تُحادّك وتكذّب رسولَك، اللهمّ فنَصْرَك الذي وعدتني، اللهمّ أحِنْهم الغداةَ. وقد قال رسول الله وَ لَهـ (وقد) رأى عتبة بن ربيعة في القوم على جمل له أحمر -: ((إن يكن في أحد من القوم خيرٌ فعند صاحب الجمل الأحمر إن يُطيعوه یزشُدو)). وقوله: حَقِبَتْ الحربُ، يقال: حَقِبَ الأمرُ إذا اشتد، وضاقت فيه المسالكُ، وهو مُسْتَعَارٌ من حَقِبَ البعيرُ إذا اشتَدَّ عليه الحَقَبُ وهو الحزامِ الأسفل، وراغ حتى يَبْلُغَ ثِيلَه، فضاق عليه مسلكُ البَوْل. ٦٣ وقد كان خُفاف بن أيماء بن رَحَضة الغِفاريّ، أو أبوه أيماء بن رَحَضة الغفاريّ، بعث إلى قريش، حين مرُّوا به، ابنًا له بجزائره أهداها لهم، وقال: إن أحبَبتم أن نُمدّكم بسلاح ورجال فعَلْنا. قال: فأرسَلُوا إليه مع ابنه: أن وصَلتْك رحم، قد قضيت الذي عليك، فَلَعمْري لئن كنَّا إنما نُقاتل الناسَ فما بنا من ضَعْف عنهم، ولئن كنّا إنما نُقاتل الله، كما يزعم محمَّدٌ، فما لأحد بالله من طاقة. فلما نزل الناسُ أقْبَل نفرٌ من قريش حتى وَردُوا حوضَ رسول اللهِ وَّر فيهم حَكِيم بن حِزام؛ فقال رسول الله بَّ: ((دعُوهم)). فما شَرِب منه رجلٌ يومئذ إلا قُتل، إلا ما كان من حَكِيم بن حزام، فإنه لم يُقتل، ثم أسلم بعد ذلك، فحسُن إسلامه. فكان إذا اجتهد في يمينه، قال: لا والذي نجاني من يوم بدر. قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحاقُ بن يسار وغيرُه من أهل العلم، عن أشياخ من الأنصارِ، قالوا: لما اطمأنّ القوم، بعثوا عُمَير بن وَهْب الجُمَحيّ فقالوا: اخْزُر، لنا أصحابَ محمد، قال: فاستجالَ بفرسه حولَ العَسْكر ثم رجع إليهم، فقال ثلاثُ مائة رجل، يزيدون قليلاً أو يَنْقُصُون، ولكن أمْهِلُوني حتى أنظُر أللقوم كمِينٌ أو مَدَد؟ قال: فضرب في الوادي حتى أبْعد، فلم يَرَ شيئًا، فرجع إليهم فقال: ما وجدتُ شيئًا، ولكني قد رأيتُ، يا معشرَ قُريش، البلايا تحمل المنَايا، نواضح يَثْرِب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم مَنعة ولا مَلْجأ إلا سيوفهم، والله ما أرَى أن يُقتَل رجلٌ منهم، حتى يَقتل رجلاً منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك؟ فَرَوا رأیکم. فلما سمع حَكِيم بن حِزَام ذلك مشى في الناس، فأتى عُثْبَة بن ربيعة، فقال: يا أبا الوليد، إنك كبيرُ قُرَيش وسيِّدُها، والمُطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تُذْكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حَكيم؟ قال: تَرْجع بالنَّاس، وتَحْمل أمرَ حليفك عَمْرو بن الحَضْرمي، قال: قد فعلتُ، أنت عليّ بذلك، إنما هو حليفي، فعليّ عَقْلُه وما أُصِيبَ من ماله، فأتِ ابن الحَنْظليّة. وقول عُتْبَةَ في أبي جَهْلٍ: سيعلم مُصَفِّرُ اسْتِه من انتفخ سَخْرُه. السَّخْرُ والسُّخْرُ الرَّثَةُ، والسَّحَر أيضًا بفتح الحاء، وهو قياسٌ من كل اسم على فَعْل إذا كانَ عينُ الفعلِ حَرْفَ حَلْقٍ، أن يجوز فيه الفتحُ، فيقال في الدُّهْر: الدَّهَر، وفي اللخم: اللحم حتى قالوا في النّحو النّحَو، ذكرها ابن جِنِّي، ولم يعتمِدوا على هذا التحريك الذي من أجل حَرْف الحَلْقِ لما كان لعِلَّةٍ، فلم يقلبوا الواو من أجله ألفًا حين قالوا: النَّحَو والزَّهَد، ولو اعْتَدُّوا بالفتحة، لقلبوا الواو ٦٤ نسب الحنظلية(١): قال ابن هشام: والحَنْظليَّة أم أبي جهل، هي أسماء بنت مخربّة، أحد بني نَهْشِل بن دارم بن مالك بن حَنْظلة بن مالك بن زَيْد مناة بن تمِیم - فإني لا أخشى أن يَشْجُر أمرَ الناس غيرُه، يعني أبا جهل بن هشام. ثم قام عتبة بن ربيعة خطِيبًا، فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تَصنعون بأن تلْقَوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجلُ ينظر في وجه رجل يَكره النَّظر إليه، قَتل ابن عَمِّه أو ابن خاله، أو رجلاً من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوا فذاك الذي أردتم، وإن كان غيرَ ألفاكم ولم تَعَرّضُوا منه ما تريدون. قال حَكِيمٍ: فانطلقتُ حتى جئت أبا جهل، وجدتُه قد نَثَل دِرْعًا له من جِرابها، فهو يَهْنِئها قال ابن هشام: يهيئها - فقلتُ له: يا أبا الحكم إنّ عُتبة أرسلني إليك بكذا وكذا، للذي قال، فقال: انتفَخ والله سَخرُه حين رأى محمدًا وأصحابه، كلاَّ والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد، وما بعُتبة ما قال، ولكنه قد رأى أن محمدًا وأصحابه أكلةُ جَزُور، وفيهم ابنُه، فقد تخوّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر بن الحَضْرمي، فقال: هذا حليفُك يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقُم فأُنشُذْ خُفْرتك، ومقتل أخيك. فقام عامر بن الحَضْرميّ فاكتشف ثم صرخ: واعَمْراهِ، واعَمراه. فحميت الحربُ وحَقِب الناس، واستَوْسقوا على ما هم عليه من الشرّ، وأُفسد على الناس الرأيُ الذي دعاهم إليه عُنبةُ. فلما بلغ عتبةَ قولُ أبي جهل: ((انتفخ والله سحره))، قال: سيعلم مُصفّرُ اسْتِه من انتفخ سَخْرُه، أنا أم هو؟. قال ابن هشام: السَّخْرُ: الرئة وما حولها مما يَعْلق بالحُلْقُوم من فوق السُّرة. وما كان تحت السُّرة، فهو القُصْب، ومنه قوله: رأيت عمرو بن لُحَيّ يجُرُّ قُضْبه في النار: قال ابن هشام: حدّثتي بذلك أبو عُبَيْدَة. ألفًا، كما لم يَعْتَدُوا بها في: يَهَب ويَضَع، إذ كان الفتحُ فيه من أجْلٍ حَرْفِ الحَلْقِ، ولو اعْتَدُّوا به، لردُّوا الواو فقالوا: يَوْضَع ويَوْهَب، كما قالوا: يَوْجَل. (١) انظر الخبر في تاريخ الطبري (٤٤٢/٢) الأغاني (١٨٩/٤) المنتظم (١٠٥/٣). ٦٥ الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ٥ ثم التمس عُتبة بيضةً ليُدْخلها في رأسه، فما وجد في الجَيْش بَيْضَةً تَسَعُه من عِظم هامَتِهِ، فلما رأى ذلك اغتَجر على رأسه بِبُزد له. مقتل الأسود المخزوميّ: قال ابن إسحاق: وقد خرج الأسودُ بن عبد الأسد المَخْزومي، وكان رجلاً شَرِسًا سَيِىءُ الخُلُق، فقال: أُعاهد الله لأَشْربنَ من حوْضهم، أو لأهْدِمنَّه، أو لأموتَنّ دونه، فلما خرج، خرج إليه حمزةُ بن عبد المطّلب، فلما التقيا ضربه حمزةُ فأطَنَّ قَدَمَه بنِصْف ساقه، وهو دون الحَوْض، فوقع على ظهره تَشْخُب رجلُه دَمًا نحو أصحابه، ثم حَبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه، يريد (زعم) - أن يُبرّ يَمينه، وأتبعه حمزةُ فضربه حتى قتله في الحوض. دعاء عتبة إلى المبارزة: قال: ثم خرج بعد عُتبة بن ربيعة، بين أخيه شَيْبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، حتى إذا فَصل من الصفّ دعا إلى المبارزة، فخرج إليه فثية من الأنصار ثلاثة، وهم: عَوْف، ومُعوّذ، ابنا الحارث - وأُمهما عَقْراء - ورجل آخر يقال: هو عبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، قالوا: ما لنا بكم من حاجة، ثم نادَى مُناديهم يا محمّد، أخْرِج إلينا أكْفاءَنا من قومنا، فقال رسول الله وَّرَ: ((قُم يا عُبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة وقُمْ يا عليّ))، فلما قاموا دَنَوْا منهم، قالوا: من أنتم؟ قال عبيدة: عُبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم، أكفاء كرام. فبارزَ عُبيدة، من قائل أبي عذرها وما داء أبي جهل: وقوله: مُصَفّر اسْتِهِ، كلمةٌ لم يَخْترعها عُتْبَةُ، ولا هو بأبي عُذْرِها، قد قيلت قبله لقَابُوس بن النُّعمان، أو لقابوس بن المنذِر، لأنه كان مُرْفَّها لا يغزو في الحروب، فقيل له: مُصَفّر اسْتِهِ، يريدون: صُفْرة الخُلُوقِ والطّيبِ، وقد قال هذه الكلمةَ قيْسُ بن زُهيْرٍ في حُذِيْفَةَ يوم الهَبَاءَةِ، ولم يقل أحد إن حُذِيْفَةَ كان مَسْتُوهًا، فإذًا لا يَصِحُ قولُ من قال في أبي جهل مِنْ قولٍ عُثْبَة فيه هذه الكلمة: إنه كان مَسْتُوهًا والله أعلم. وسادةُ العَرَب لا تستعمل الخَلُوقَ والطَّيبَ إلاَّ في الدَّعَةِ والخَفْضِ وتَعِيبُه في الحرب أَشَدَّ العَيْبِ، وأحسِب أن أبا جَهْل لما سَلِمَت العِيرُ، وأراد أن يَنْحَرَ الجزُورَ، ويشربَ الخمر ببدرٍ، وتَعْزِفَ عليه القِيَانُ بها استعمل الطيبَ أو هَمَّ به، فلذلك قال له عُثْبةُ هذه المقالة، ألا ترى إلى قول الشاعر في بني مَخْزُوم: ومِنْ جَهْلٍ أبو جَهْلٍ أخُوكمْ غزا بَذْرًا بِمجْمَرَةٍ وتَوْرِ ٦٦ وكان أسنَّ القوم، عتبة (بن) رَبيعة، وبارز حَمزَةُ شَيْبَة بن ربيعة، وبارز عليّ الوليدَ بن عتبة. فأما حمزة فلم يُمْهِل شيبةَ أنْ قتله؛ وأما عليّ فلم يُمْهل الوليد أن قتله؛ واختلف عُبيدة وعُتبة بينهما ضَرْبتين، كلاهما أثبت صاحبه؛ وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عُتبة فِذَقَّفا عليه، واحتملا صاحبهما فحازاه إلى أصحابه. قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عُتبة بن ربيعة قال للفِتْية من الأنصار، حين انتسبوا: أكفاء كِرام، إنما نريد قومنا. التقاء الفريقين: قال ابن إسحاق: ثم تزاحف الناس ودَنا بعضُهم من بعض، وقد أمر رسولُ اللهَ وَل أصحابه أن لا يَحمِلوا حتى يأمرهم، وقال: ((إن أكتنَّفَكم القوم فانضحُوهم عنكم بالنّبل)»، ورسولُ الله ◌َّ فِي العَريش، معه أبو بكر الصديق. فكانت وَقْعة بدر يوم الجمعة صَبيحة سبعَ عشرةً من شهر رمضان. قال ابن إسحاق: كما حدّثني أبو جعفر محمد بن عليّ بن الحُسين. ابن غزية وضرب الرسول له في بطنه بالقدح قال ابن إسحاق: وحدّثني حَبَّان بن واسع بن حَبَّن عن أشياخ من قومه: أن رسولَ الله ◌َُّ عدَّل صُفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قِدْح يُعدُّل به القومَ، فمرّ بسَوَّادِ بن غَزِيةَ، حليفٍ بني عَدِيٍّ بن النجار - قال ابن هشام: يقال، سَوَّاد؛ مثقلة، وسَوَاد في الأنصار غير هذا، مخفّف - وهو مُسْتَنْتِل من الصَّفُّ - قال ابن هشام: ويقال: مُسْتَتْصِل يريد: أنه تَبَخَّر وتَطَيَّب في الحرب. وقوله: مُصَفِّر استِهِ إنما أراد مُصَفِّرَ بَدَنِهِ، ولكنه قصد المبالغة في الذَّمّ فخص منه بالذكر ما يَسُوؤه أن يُذُكر. حول سواد بني غزية فصل: وذكر قصةً سوادٍ بن غَزِيَّة حين مرّ به رسول الله - وََّ - وهو مُسْتَنْتِلٌ أمامَ الصَّفْ، قال ابن هشام: ويقال: مُسْتَنْصِلٌ. قوله: مُسْتَثْتِلُ أمام الصف، يقال: استَنْتَلْتُ واستَنْصَلْتُ وأبْرَنُذَغْتُ وابْرَنْتَيْتُ بالراء المهملة وبالزاي، هكذا تَقيَّد في الغريبِ المصنف، كل هذا إذا تقدَّمْتَ. سَوَادُ هذا بتخفيف الواو، وكل سَواد في العَرب، فكذلك بتخفيف الواو ٦٧ من الصفّ - فطعن في بَطْنِهِ بالقدْح، وقال: اسْتَو يا سَوَّاد، فقال: يا رسول الله أوْجَعْتني وقد بعثك الله بالحقّ والعدل، قال: فَأَقِذْنِي. فَكَشف رسولُ اللهِ وَّر عن بطنه، وقال: (اسْتَقِد)»، قال: فاعْتَنَقَه فقَبَّل بطنَه: فقال: ((ما حملك على هذا يا سَوّاد؟)) قال: يا رسولَ الله، حضَر ما تَرى، فأردتُ أن يكون آخرُ العهد بك أن يَمَسَّ جِلْدي جِلْدَك. فدعا له رسولُ اللهِ وَّهِ بخير وقال له(١). مناشدة الرسول ربه النصر قال ابن إسحاق: ثم عدّل رسُول الله وَّ الصفوفَ، ورجع إلى العَرِيش فدخله، ومعه فيه أبو بكر الصدّيق، ليس معه فيه غيرُه، ورسول الله - وَّوَ يُناشِد رَبَّه ما وَعده من النصر، ويقول فيما يقول: ((اللهمّ إن تَهْلِكْ هذه العِصَابةُ اليَوْمَ لا تُعْبَد))، وأبو بكر يقول: يا نبيّ الله: بعضَ مُناشَدَتك رَبَّك، فإن الله مُنْجزّ لك ما وعَدك(٢). وفتح السِّين، إلا عَمْرو بن سَوَادٍ أحد بني عامر بن لُؤَيٍّ من شيوخ الحديث، وسُوَاد بضم السين، وتخفيف الواو، هو ابن مري بن إِرَاشَةً بن قضاعة ثم من بَلِيِّ حلفاءِ الأنصار، ووقع في الأصلٍ من كلام ابن هشام سَوَّاد مثقلة ابن غَزَّية، إنما الصواب ما تقدم، وسَوَاد هذا هو عامل رسولَ الله - رٌَّ - على خَيْبر الذي جاءه بتَمْرِ جَنِيبٍ، ذكره مالكٌ في المُوَطَّأ ولم يُسَمِّه. وقول ابن هشام: مُسْتَنْصِلٌ، معناه: خارجٌ من الصَّفُّ من قولك: نَصَّيْتُ الرمحَ إذا أخرجت ثَعْلَبَةِ(٣) من السِّنَانِ. تفسير بعض مناشدتك وذكر قول أبي بكرٍ بعضَ مُنَاشَدَتَكَ رَبَّك، فإن الله مُنْجِزٌ لك ما وَعَدَك، رواه غير ابن إسحق كذلك مَنَاشَدَتَكَ، وفسره قاسمٌ في الدلائل، فقال: كذلك قد يُرادُ بها معنى الإغرَاءِ والأمرُ بالكَفّ عن الفِعل، وأنشد لجرير: كَذَاكَ القول إنَّ عليك عَيْنا [تقول وقد ترامحت المطايا] (١) أخرجه الطبري في تاريخه (٣٢/٢). (٢) أخرجه البخاري (٢٢٤/٧) ومسلم (١٧٦٣) وأحمد (٣٢/٣٠/١). (٣) الثعلب: أي طرف الرمح. ٦٨ أي: حَسْبُكَ من القول، فدعه، وفي البخاري أن النبي مج لّ قال لأنجشه: ((يا أَنجشه رُوَيْدك سَوْقَك بالقَوارير))(١)، وأورده مَرَّة أخرى فقال فيه شوْفَك وإنما دخله معنى النصب كما دخل: عليك زَيْدًا معنى النصب، وفي دونك، لأنك إذا قلت دونَك زَيْدًا وهو يطلبه فقد أعلمته بمكانه فكأنك قلت: خذه، ومسألةُ كذاك من هذا الباب لأنك إذا قلت: كذاك القول أو السير، فكأنك قلت: كذاك أَمَرْتُ فاكْفُفْ ودَعْ، فأصل البابين واحد وهو ظرف بعده ابتداء، وهو خبر يتضمن معنى الأمر أو الإغراء بالشيء، أو تركه، فنصبوا بما في ضِمْنٍ الكلام، وحَسُنَ ذلك حيث لم يعدلوا عن عامل لفظي إلى مَعْنَوِيٍّ، وإنما عَدَلوا عن مَعْنَوِيٌّ إلى معنوي، ولو أنهم حين قالوا: دونَك زيدًا يلفظون بالفعل فيقولون: استقر دونك زيد، وهم يريدون الإغراءَ به والأمر بأخذه لَمَا جاز النصبُ بوجه، لأن الفعل ظاهر لَفْظِي، فهو أقوى من المعنوي. معنى مناشدة أبي بكر: فصل: وفي هذا الحديث من المعاني أن يقال: كيف جعل أبو بكر يأمرُ رسولَ الله - نزَلِ﴾ - بالكَفّ عن الاجْتِهادِ في الدعاء، ويقوِّي رجاءَه ويِثَبِّتُه، ومقامُ رسولِ الله - وَه ـ هو المقام الأحمدُ ويقينُه فوق يقينٍ كل أحدٍ، فسمعت شيخَنَا الحافظ(٢) - رحمه الله - يقول في هذا: كان رسولُ اللهِ وَلَّ في مقام الخوف، وكان صاحبُه في مقام الرَّجَاءِ، وكلا، المقامين سواءٌ في الفِضْلِ، لا يريد أن النبيَّ والصِّدِّيقَ سَوَاء، ولكن الرجاءَ والخوفَ مقامان لا بد للإيمانِ منهما، فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرَّجَاءِ لله، والنبيُّ عليه السلامُ كان في مقام الخوفِ من الله، لأن لله أن يفعل ما شاء، فخاف أن لا يُعْبَد الله في الأرضِ بعدها، فخوفه ذلك عبادةٌ. وأما قاسم بن ثابت، فذهب في معنى الحديث إلى غير هذا، وقال: إنما قال ذلك الصُّدِّيقُ مَأْوِيَةً للنبي عليه السلامُ ورِقَّةٌ عليه، لما رأى من نَصَبِه في الداعء والتَّضَرُّع حتى سقط الرداءُ عن مَنْكِبَيْه، فقال له: بعضَ هذا يا رسول الله، أي: لِمَ تُتْعِبُ نفسَك هذا التعبَ، والله قد وعدك بالنصر، وكان رقيقَ القلب شديد الإشفاق على النبي ◌ََّ(٣). (١) أخرجه البخاري (٤٤/٨) ومسلم في الفضائل (٧٠) والدارمي (٢٩٦/٢) وأحمد (١١٧/٣) والبيهقي في الآداب (٨١٩) بتحقيقي. (٢) يعني القاضي أبا بكر بن العربي - علم من أعلام الحديث وأهله. دليس بن العربي النكرة الصوفي صاحب الرسائل والإشراقات. (٣) وهذا الرأي الأخير ٦، الأرجح. ٦٩ --- وقد خَفَق رسولُ اللهِ وَلهَ خَفْقة وهو في العريش، ثم انتبه فقال: ((أبْشِرْ يا أبا بكر، أتاك نصرُ الله. هذا جبريل آخذٌ بعنان فَرَسِ يقوده، على ثَناياه النَّقْع)). جهاد النبي في المعركة: قال المؤلف: وأما شِدَّةُ اجتهاد النبيّ - وَلَـــ ونصبِه في الدعاءِ فإنه رأى الملائكةَ تَنْصَبُ في القتالِ وجبريل على ثَنَاياه الغُبَارُ، وأنصارُ الله يخوضون غِمَارَ الموتِ. والجهادُ على ضَرْبين: جهاد بالسيف، وجهادٌ بالدُّعَاء، ومن سُنَّةِ الإمام أن يكونَ من وراء الجُنْدِ لا يقاتلُ معهم، فكان الكلُّ في اجتهاد وجِدٌ، ولم يكن لِيُريحَ نفسَه من أحدِ الجِدَّين والجھَادين، وأَنصارُ الله وملائكته يجتهدون، ولا ليُؤْثِرَ الدَّعَةَ، وحزبُ الله مع أعدائِه يَجْتَلِدُون. المفاعلة : وقوله: بعضَ مُنَاشَدَتِكَ رَبَّك، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين والرَّبُّ لا يَنْشُد عَبْدَه، فإنما ذلك لأنها مُناجَاة للرَّبِّ، ومحاولة لأَمْرٍ يريده، فلذلك جاءت على بناء المفاعلة، ولا بُدَّ في هذا البابِ من فِعْلين لفاعِلين، إمَّا مُتَّفِقَيْن في اللفظ، وإمَّا مُتَّفِقَيْن في المعنى، وظن أكثرُ أهلِ اللغة أنها قد تكون من واحدٍ نحو: عاقبت العبدَ وطارَقْتُ النَّعْلَ، وسافرتُ، وعافاه الله، فنقول: أمَّا عاقبتُ العبدَ فهي مُعَامَلَةٌ بينك وبينه، عامَلَك بالذنب، وعاملْته بالعُقوبة، فَأُخِذ لفظُها من العقوبة، ووزنُها من المُعَاوَنة، وأما طارقتُ النعل، فمن الطرق وهو الفوه، فقد قَوَّيْتهَا وقَوَّتْك على المَشْي، فلفظُها من الطرق، وبناؤُها على وزن المُعَاوَنة والمُقاوَاة، فهذا اتّفاقٌ في المعنى، وإن لَم يكن في اللفظ، وأما سافر الرجلُ فمن سَفَرْتَ: إذا كَشَفْتَ عن وَجْهِك، فقد سَفر لقوم، وسَفَرُوا له، فهذه مُوَافقةٌ في اللفظ والمعنى، وأما المعافاة، فإن السيد يُعْفِي عبدَه من بَلاَءٍ فَيُعْفى العبدُ سَيِّدَه من الشَّكْوَى والإلحاح، فهذه موافقة في اللفظ، ثم تضاف إلى الله سبحانه اتساعًا في الكلام، ومجازًا حسنًا. عصب وعصم: فصل: وذكر قول النبيّ - نَ ﴿ - هذا جبريلُ على ثَنَاياه النَّقْعُ، وهو الغُبَارُ وفي حديث آخر أنه قال: رأيته على فَرَسِ له شَقْراء، وعليه عِمَامَةٌ حَمْراء، وقد عَصَمَ بِثَنِيَّتِهِ الغُبَارُ؛ قال ابن قتيبة: عَصَمَ وعَصَبَ بمعنى واحد، يقال: عَصَب الريقُ بفيه، إذا يَبِسَ وأنشد: عَصْبَ الجُبَابِ بشفاه الوَطْبِ يَغْصِبُ فاهُ الرِيقُ أَّ عَصْبٍ وخالفه قاسم بن ثابت، وقال: هو عُصم من العَصِيم والعُضْمَ، وهي كالبقية تبقى في اليد وغيرها من لَطْخِ حِنَّاء أو عَرَق أو شَيْءٍ يَلصَق بالعَضُد، كما قالت ٧٠ أوّل قتیل: قال ابن إسحق: وقد رُمي مِهْجَعٌ، مولى عمر بن الخطاب بسهم فقُتِل، فكان أوّلَ قتيل من المسلمين، ثم رُمِي حارثةُ بن سُراقة، أحد بني عديّ بن النجَّار، وهو يشرب من الحوض، بسهم فأصاب نحرَه، فقُتل. تحريض المسلمين على القتال قال: ثم خرج رسول الله وَل﴿ إلى الناس فحرّضهم، وقال: ((والذي نفسُ محمد بيده، لا يُقاتلهم اليومَ رجلٌ فيُقتَل صابرًا مُخْتَسِبًا، مُقْبِلاً غيرَ مُدِبر، إلا أدخله الله الجنةَ)). فقال عُمَير بن الحُمَام، أخو بني سَلمة، وفي يده تمرات يأكلهنّ: بَخ بَخ، أفمَا بيني وبين أن أدخلَ الجنَّة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ثم قذف الثَّمرات من يده وأخذ سيفَه، فقاتل القومَ حتى قتل(١). قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عوف بن الحارث، وهو ابن عَفراء قال: يا رسول الله، ما يُضْحِك الربَّ من عبده، قال: ((غَمْسه يدَه في العدو حاسرًا)). فَتَزع دِرْعًا كانت عليه فقذَفها، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قُتل. امرأة من العرب لأُخرى: أعطني عُصُمَ حِنَّائِك، أي ما سَلَتَت من حِنَّائِها، وقَشَرَتْه من يدها. حديث عمير بن الحمّام فصل: وذكر حديثَ عمَيْر بن الحُمَام بن الجَمُوح بن زيد بن حرام حين ألقى الثَّمَرَاتِ من يده، وقال: بَخْ بَخْ، وهي كلمة، معناها التعجب، وفيها لغات بخ بسكون الخاء وبسكرها مع التنوين، وبتشديدها مُنَوَّنَةً، وغير مُنَوَّنة، وفي حديث مسلم والبخاري: أن هذه القصة كانت أيضًا يوم أُحُدٍ لكنه لم يُسم فيها عُمَيْرا، ولا غيره فالله أعلم. حديث عوف ابن عفراء: وقول عَوْف ابن عَفْراء: ما يُضْحِكِ الرَّبَّ من عبده يا رسول الله؟ قد قيل في عَوْف: عَوْذ بالذال المنقوطة، ويقوى هذا القولَ أن أخويه: مُعَاذٌّ ومُعَوَّذٌ. - (١) انظر مسلم في الإمارة (١٤٥). ٧١ قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن مُسْلم بن شِهاب الزهريّ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذْريّ، حليف بني زُهرة، أنه حدثه: أنه لمَّا التقى الناسُ ودنا بعضُهم من بعض، قال أبو جهل بن هشام: اللهمّ أقْطَعُنا للرحم، وآتانا بما لا يُعْرف، فأخْنِهِ الغَدَاةَ. فكان هو المُسْتَفْتِحِ. ضحك العرب: ويضحك الربَّ، أي يُرْضيه غاية الرضى، وحقيقته أنه رِضَى معه تبشيرٌ وإظهار كرامةٍ، وذلك أن الضَّحِكَ مُضَادٍّ للغَضَبِ، وقد يَغْضَب السيدُ، ولكنه يعفو ويُبْقي العَتْبَ، فإذا رَضِي، فذلك أكثر من العفو، فإذا ضَحِك فذلك غاية الرِّضى؛ إذ قد يَرْضَى ولا يُظْهر ما في نفسِه من الرِّضى، فعبَّر عن الرِّضى وإظهاره بالضَّحِك في حَقِّ الربِّ سُبْحَانِه مَجَازًا وبلاغَةً، وتَضْمينًا لهذه المعاني في لَفْظٍ وَجِيز؛ ولذلك قال عليه السلام في طلحة بن البَرَاء: ((اللهم القَ طَلْحَةً يَضْحَك إليك، وتضحك إليه))(١)، فمعنى هذا: القَه لِقَاءَ مُتَحَابَيْن مُظْهِرَيْن لما في أنفسهما من رِضَى، ومَحَبَّةٍ، فإذا قيل: ضَحِك الربُّ لفلانٍ، فهي كلمة وجيزة تتضمن رِضَى مع محبّة وإظهار بِشْرٍ وكرامة، لا مَزيدَ عليهما، فهي من جوامع الكِلمَ التي أوتِيهَا عليه السلام (٢). (١) أخرجه الطبري (٧٣/٤) وابن عبد البر في التمهيد (٢٧٣/٦) وابن أبي الدنيا في ((الأولياء» (٧٤) وابن سعد في الطبقات (٧٣/٢/٤). (٢) الضحك: صفة من صفات ربنا جلّ وعلا، نؤمن بها ونعتقد، كما آمنا أن الله تعالى ((وجهًا)) وكما آمنا أن الله تعالى ((ساق)) و((قدم)) و((أصابع))، وكما آمنا أنه تعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل، وأنه تعالى: ﴿مستوٍ على عرشه﴾، وكما أنه تعالى ((يغضب))، وكما أنه تعالى ((يفرح)). كما صرّح بهذا وغيره - من صفات ربنا جلّ وعلا - القرآن والسنّة ((الصحيحة))، ونعرف كل هذا لله تعالى مؤمنين به كما نؤمن أنه قدمه وساقه وأصابعه ووجهه وضحكه وغضبه وفرحه ونزوله لا يشابه في هذا أحدٌ من خلفه إذ ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. وتفسير ضحك الله بأنه الرضى حيدة عن الحق، وقد فرّق القرآن بين الرضى والضحك كما فرّقت السنة، وإذا ما سُئل المسلم: كيف هو ضحك ربنا؟! قلنا له: السؤال عن الضحك كالسؤال عن الاستواء على العرش، فهل آمنت أن الله مستوٍ على عرشه كما صرّح القرآن في غير آية ﴿الرحمن على العرش استوى﴾؟ فإذا آمنت بهذا وأنت لا تدري كيفية الاستواء؛ إلا إذا عاندت وكيَّفت، كذلك القول في الضحك والغضب والرضى والفرح وغير ذلك، ثم إن السؤال عن الصفات فرع عن السؤال عن الذات، فهل تستطيع أن تصف لنا ذات الله عزّ وجلّ؟! وبالطبع سيكون الرد بالنفي، قلنا: السؤال عن الصفات فرع من السؤال بالذات، فإذا انتفى الأول انتفى الثاني. انظر مزيد بيان وإيضاح [لزامًا]: (القواعد المثلى) لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمي - ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها ((الرسالة التدمرية)) ٧٢ رمي الرسول للمشركين بالحصباء: قال ابن إسحاق: ثم إن رسولَ الله وَلل أخذ حَفْنة من الحَضْباء فاستقبل قريشًا بها، ثم قال: شاهتِ الوجوه، ثم نَفَحَهم بها، وأمر أصحابَه، فقال: شُدُّوا، فكانت الهزيمةُ،. فقتَل الله تعالى مَنْ قَتل من صَناديد قُريش، وأسَر من أسر من أشرافهم. فلما وضع القومُ أيديهم يأسِرُون ورسولُ الله ◌َِّ فِي العَرِيش، وسعدُ بن مُعاذٍ قائم على باب العَرِيش، الذي فيه رسولُ اللهِ وَّرَ، مُتَوشّحًا السيفَ، في نفرٍ من الأنصار يحرُسُون رسولَ اللهِوَّهه يخافون عليه كَرَّة العدوّ، ورأى رسولُ اللهِ وََّ ـ فيما ذُكر لي - في وجه سَعْدٍ بن مُعاذ الكراهيةَ لما يَصْنعُ الناسُ، فقال له رسولُ اللهِ وَّهِ: ((والله لكأنك يا سعدُ تكره ما يصنع القوم))، قال: أجَلْ والله يا رسول الله، كانت أوّل وقعة أوقعها الله بأهلِ الشّرك. فكان الإِثْخَانُ في القتل بأهل الشّرك أحبّ إليّ من استبقاء الرجال. نهى النبي أصحابه عن قتل ناس من المشركين: قال ابن إسحاق: وحدّثني العباس بن عبد الله بن معبد، عن بعض أهله، عن ابن عبَّاسٍ أن النبي وَ لّ قال لأصحابه يومئذ: ((إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرِهم قد أُخْرِجوا كَزْهَا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتُله، ومن لقي أبا البَخْتَرِيّ بن هشام بن الحارث بن أسد فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب، عمّ رسول الله وَّ فلا يقتله، فإنه إنما أُخْرج مُسْتكرهًا)). قال: فقال أبو حُذيفة: أنقتُل آباءنا وأبناءَنا وإخوتَنا وعشيرتنا. ونترك العبَّاس، والله لَئِنْ لقيتُه لأُلْحِمَنَّهَ السيفَ - قال ابن هشام: ويقال: لأَلْجمنَّه (السيف) - قال: فبلغت رسولَ الله وَلَّ، فقال لعمر بن الخطّاب: ((يا أبا حفص)) - قال عمر: والله إنه لأوّل يوم كنّاني فيه رسول اللهِ وَ﴿ بأبي حَفْص - أيُضرب وجهُ عمّ رسول الله وَّر بالسيف؟ فقال عمر: يا رسول الله، دعني فَلْأَضْرِب عُنقَه بالسيف، فوالله لقد نافَق. فكان أبو حُذَيفة يقول: ما أنا بآمنٍ من تلك الكلمة التي قلتُ يومئذ، ولا أزال منها خائفًا، إلا أن تكفّرها عني الشهادة. فقُتِّل يوم اليمامة شهيدًا. قال ابن إسحاق: وإنما نهى رسول الله وَلّ عن قتل أبي البَخْتَريّ لأنه كان أكفّ القوم عن رسول الله وَلتر وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلُغه عنه شيء يكرهه، وكان ممَّن قام في نَقْض الصحيفة التي كتبت قريشٌ على بني هاشم وبني المُطَّلب. فلقيه المُجَذَّرُ بن ذِيادِ البَلَوِيّ، حليف الأنصار، ثم من بني سالم بن عَوْف، فقال المُجَذَّرُ لأبي ٧٣ البَخْتَرِيِّ: إن رسول الله - وَّهـ قد نهانا عن قَتْلِك - ومع أبي البَخْتَرِيِّ زَمِيلٌ له قد خرج معه من مكة، وهو جُنَادَةُ بن مُلَيْحَةً بنتِ زُهَيْر بن الحارث بن أسد: وجنَادة رَجُلٌ من بني لَيْث. واسمُ أبي البَخْتري: العاص - قال: وزميلي؟ فقال له المُجَذّر: لا والله، ما نحن بتاركي زَميلك، ما أمرنا رسول الله وَّهَ إلا بك وحدَك؛ فقال: لا والله، إذن لأموتَنَّ أنا وهو جميعًا، لا تتحدّث عني نساءُ مكة أني تركت زَميلي حِرْصًا على الحياة. فقال أبو البَخْترِيّ حين نازله المجذَّر، وأبى إلا القتال، يرتجز: لن يُسْلِمَ ابْنُ حُرَّةٍ زميله حتى يَمُوتَ أو يَرى سَبيلَه فاقتتلا، فقتله المُجَذَّرُ بن ذِياد. وقال المجذّر بن ذيادٍ في قتله أبا البَخْتري: فَأَثْبِتِ النَّسبة أني من بَلِي إمّا جهِلتَ أو نَسِيتَ نَسبي والضَّارِبين الكَبْشَ حتى يَنْحني الطَّاعِنِين برماحِ اليَزَّني أو بَشْرنْ بمثلها مِنِّي بنِي بَشْرِ بِيُتم من أَبُوهُ البَخْترِيّ أطعُنُ بالصَّعْدة حتى تَنْثَنِي أنا الذي يُقال أضْلِي من بَلِي أُزْزِمَ للموْتٍ كإزْزَامِ المَرِي وأعْبِطُ القِرْن بعَضْب مَشْرَفِي فلا ترى مُجَذَّرًا يَفْرِي فَرِي قال ابن هشام: ((المري)) عن غير ابن إسحاق. والمريّ: الناقة التي يُستنزل لبنها على عسر. شرح كلام أبي البختري والمجذر: فصل: وقول أبي البَخْتَرِيِّ أنا وزميل. الزَّميلُ: الرَّدِيفُ، ومنه: ازْدَمَلَ الرجُلُ بحمله إذا ألقاه على ظهره، وفي مُسَند الحارثِ عن ابن مسعود، قال: ((كنّا نَتَعَاقَبُ يومَ بدْرٍ ثلاثةً على بَعِير، فكانَ عِلِيٍّ وأبو لُبَابَةَ زَمِيلَي رسول اللهِ وََّ، فإذا كانت عُقْبَتُه - عليه السلام - قالا له: ارْكَبْ؛ ولنَمْشِ عنكَ يا رسول الله، فيقول: ما أنتما بأقوى على المشي مني، ولا أنا بأغْنَى عن الأجرِ منكما))(١). وقول المُجذّر: كإرْزَام المَرِيّ. المَريُّ: الناقة تُمْرَى للحَلَبِ، أي تُمْسَحُ أخلاقُها. وإزْزَامُها: صَوْتُها وهَذْرُها، وقد تقدم الفرق بين أَرْزَمَتْ ورَزَمَت. (١) تقدم تخريجه. ٧٤ قال ابن إسحاق: ثم إن المجذَّر أتى رسول الله وَله، فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدتُ عليك أن يَسْتأسر فآتيك به، (فأبى) إلا أن يقاتلني، فقاتلتُه فقتلتُه. قال ابن هشام: أبو البختري: العاص بن هشام بن الحارث بن أسد. مقتل أمية بن خلف: قال ابن إسحاق: حدّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال ابن إسحق: وحدّثنيه أيضًا عبد الله بن أبي بكر وغيرهما، عن عبد الرحمن بن عوف قال: كان أمية بن خلف لي صديقًا بمكة، وكان اسمي عَبْدَ عمرو، فتسمَّيْت، حين أسلمت، عبد الرحمن، ونحن بمكة، فكان يَلْقاني إذ نحن بمكة فيقول: يا عَبْدَ عَمْرو، أرغبت عن اسم سَمَّاكَه أبواك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به، أمَّا أنت فلا تُجيبني باسمك الأوّل، وأما أنا فلا أدعوك بما لا أعرف، قال: فكان إذا دعاني: يا عَبْد عمرو، لم أُجبه. قال: فقلت له: يا أَبا عليّ، اجعل ما شئت، قال: فأنت عبدُ الإلله؛ قال: فقلت: نعم، قال: فكنت إذا مررتُ به قال: يا عبد الإله فأُجيبه، فأتحدّث معه. حتى إذا كان يومَ بدر، مررتُ به وهو واقِفٌ مع ابنه، عليّ بن أُمَيَّة، آخذ بيده، ومعي أدْرَاعٍ، قد اسْتَلَبْتُها، فأنا أجملها. فلما رآني قال لي: يا عَبْدَ عمرو، فلم أَجِبْه؛ فقال: يا عبد الإله؟ فقلت: نعم، قال: هل لك فِيَّ، فأنا خيرٌ لك من هذه الأدراع التي معك؟ قال: قلت: نعم، ها الله ذا، قال: فطرحتُ الأدراع من يدي، وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ، أما لكم حاجة في اللبن؟ (قال): ثم خرجت أمشي بهما. قال ابن هشام: يريد باللبن، أن من أسَرني افتديتُ منه بإبل كثيرة اللبن. قال ابن إسحاق: حدّثني عبدُ الواحد بن أبي عَوْن، عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عبد الرحمن بن عَوْف، قال: قال لي أُميَّة بن خَلف، وأنا بينه وبين ابنه، آخذٌ بأيديهما: يا عبد الإله، من الرجُل منكم المُعْلَم بريشة نعامة في صدره؟ قال: قلت: ذاك حمزة بن عبد المطّلب؛ قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل؛ قال عبد الرحمن: فوالله إني لأقودهما إذ رآه بلال معي - وكان هو الذي يعذّب بلالاً بمكة على ترك الإسلام، فيُخْرجه إلى رَمْضاء مكة إذا حَميت، فيُضْجِعه على ظهره، ثم يأمر بالصَّخرة العظيمة فتَوضع على صَدره، ثم يقول: لا تزال هكذا أو تُفارقَ دين محمد، فيقول ٧٥ بلال: أحَدٌ أَحَد (١). قال: فلما رآه، قال: رأس الكُفْرِ أُمَيَّةُ بن خَلَف، لا نجوتُ إن نجا. قال: قلت: أي بلال، أبأَسِيريّ قال: لا نجوتُ إن نجا. قاء: قلت: أتسمع يا ابن السَّوْداء، قال: لا نجوت إن نجا. قال: ثم صرخ بأعلى صوته: يا أنصارَ الله، رأس الكُفر أُميَّة بن خَلَف، لا نجوتُ إن نجا. قال: فأحاطوا بنا حتى جعلونا في مثل المُسْكة وأنا أذبُ عنه. قال: فَأَخْلَف رجلٌ السيفَ، فضرب رِجْلَ ابنه فوقع، وصاح أُميَّة صيحة ما سمعتُ مثلَها قط قال: فقلت: انجُ بنفسِك، ولا نجاءَ بك فوالله ما أُغني عنك شيئًا. قال: فهبرُوهما بأسيافهم، حتى فرغوا منهما. قال: فكان عبد الرحمن يقول: يرحم الله بلالاً، ذهبت أذراعي وفَجعَني بأسيريّ. تفسير ها الله وهبّروه: وقول عبد الرحمن بن عوف لِأَمَيَّةَ: هَا الله ذَا. ها: تنبيهٌ، وذا إشارة إلى نفسه، وقال بعضهم: إلى القسَم، أي: هذا قسمي، وأراها إشارة إلى المُقْسِم، وخَفْضُ اسم الله بحرفٍ القسَم أضمّره، وقام التنبيهُ مقَامه، كما يقوم الاستفهام مقامَه، فكأنه قال ها أَنَذَا مُقْسِم، وفصل بالاسم المقسَم به، بين ها وذا، فعلم أنه هو المقسِم فاسْتُغُنِي عن أنا، وكذلك قول أبي بكر: لاهَا الله ذا، وقول زُهَیْر: تَعَلَّمَنْ هَا لَعَمْرُ اللهِ ذَا قَسَمًا أكد بالمصدر قَسَمَه الذي دلّ عليه التقدم. وقوله: هَبَرُوه بأسيافهم من الهَبْرة وهي القِطعة العظيمة من اللحم، أي قَطَعوه. (١) أحَدّ: اسم من أسماء الله تعالى، صرح به القرآن كما في سورة الإخلاص، وهو من الأسماء الحسنى التي لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة في الإخلاص كما تقدم آنفاً، واسم الله ((الأحد)» يدل أكثر ما يدل على القوة والجمع وعدم التفرق والتجزء والانفصال، وإنما يُصرف هذا اللفظ («أحَدٌ)) إلى الله عزّ وجلّ وحده إذا جاء مفردًا، كما في حديث الباب - قول بلال رضي الله عنه وأرضاه. ((أحَدٌ أحَدٌ)). أيضًا يصرف هذا الاسم الله عزّ وجلّ وحده إذا جاء في حالة الإثبات غير مضاف، كما في سورة الإخلاص أيضًا ﴿قل هو الله أحد﴾. فالكلام في حالة إثبات، والاسم جاء غير مضاف، أما إذا جاء الاسم في حالة الإثبات ولكنه جاء مضافًا، فإنه لا يعرف الله عزّ وجلّ وحده، إنما يُعم ويشمل ويطلق كما في قوله تعالى في سورة الكهف ﴿فابعثوا أحدكم يورقكم هذه﴾، أيضًا إذا في حالة النقض فهو يعم أيضًا ويشمل ويطلق، كما في نهاية سورة الإخلاص ﴿ولم يكن له كُفُوًا أحد﴾ وكما في قوله تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ إلى غير ذلك من الآيات. انظر مجموع الفتاوى (ج ١٦) للعلامة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رحمة واسعة وجزاه الله عنّا كل خير، وجمعنا الله وإياه في فتنة وتحت لواء نبيه - * - دون سابقة عذاب - آمين يا رب العالمين يا أرحم الراحمين. وانظر للمحقق ((القول الأسني في تفسير أسماء الله الحسنى)). ٧٦ شهود الملائكة وقعة بدر: قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدّث عن ابن عبَّاس قال: حدّثني رجل من بني غِفار، قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى أصعدنا في جبل يُشْرف بنا على بَذْر، ونحن مُشْركان، ننتظر الوَقْعة على من تكون الدّبْرة. فننتهب مع من ينتهب. قال: فبينا نحن في الجبل، إذ دنتْ منا سحابةٌ، فسَمِعنا فيها حَمْحمة الخيل، فسمعت قائلاً يقول: أُقُدُمْ حَيْزُومُ، فأما ابنُ عمي فانكشف قناع قلبه، فمات مكانَه، وأما أنا فكذت أهلِك، ثم تماسكتُ. قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة عن أبي أُسَيد مالك بن ربيعة، وكان شهد بدرًا، قال، بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليومَ ببدر ومعي بَصري لأريتُكم الشّعب الذي خرجت منه الملائكةُ، لا أشكّ فيه ولا أتمارى. قال ابن إسحاق: وحدّثني أبي إسحاق بن يسار، عن رجال من بني مازن بن النجَّار، عن أبي داود المازني، وكان شهد بدرًا، قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربَه، إذ وقع رأسُه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنه قد قتله غيري. وذكر قول الغِفَارِيِّ حين سمع حَمْحَمَةَ الخيلِ في السَّحابة، وسَمِع قائلاً يقول: أقْدُمْ حَيزُومْ. أَقْدُمْ بضم الدال، أي أقْدُمَ الخيلَ؛ وهو اسْمُ فرسٍ جِبْرِيلَ، وهو فَيْعُول من الحَزْم، والحَيْزُومُ أيضًا أعلى الصدر، فيجوز أن يكون أيضًا سُمِّي به؛ لأنه صَدْرٌ لخيل الملائكةِ، ومتقدّم عليها، والحياة أيضًا فرسٌ أخرى لجبريلَ لا تمس شيئًا إلاَّ حَبِيَ، وهي التي قَبَض من أثرها السَّامِرِيّ، فألقاها في العجلِ الذي صَاغَه مِن ذهَبٍ، فكان لهُ خُوَارٌ، ذكره الزَّجَّاجُ(١). نسب أبي داود المازني: فصل: وذكر أبا داود المازني وقوله: لقد أثْبَعْتُ رَجُلاً من المشركين، فسقط رأسُه قبل أن أَصِل إليه. اسم أبي داود هذا عَمْرُو، وقيل: عُمَيْر بن عامِر، وهذا هو الذي قتل أبا البَخْتَرِيِّ بن هِشَام، وأخذ سيفَه في قول طائفة من أهل السّير غير ابن إسحق وقال ابن إسحق قتله المُجَذّرُ كما تقدم. (١) انظر مزيد بيان شرح الشافية (٢١٣/٢). ٧٧ قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتهم عن مِقْسم، مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عبَّاس، قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائمَ بيضًا قد أرسلوها على ظُهورهم، ویوم ◌ُنَین عمائم حُمْرا. قال ابن هشام: وحدّثني بعضُ أهل العلم: أن عليّ بن أبي طالب قال: العمائمُ: تيجان العرب، وكانت سِيما الملائكة يوم بدر تمائم بيضًا قد أزخوها على ظُهورهم، إلا جبريل، فإنه كانت عليه عمامة صَفْراء. قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتّهم عن مِقْسَم، عن ابن عبَّاس، قال: ولم تُقاتِل الملائكةُ في يوم سوى بدر من الأيام، وكانوا يكونون فيما سِواه من الأيام عَدَدًا ومَددًا لا يضربون. مقتل أبي جهل(١): قال ابن إسحاق: وأقبل أبو جهل يومئذ يَزْتجز، وهو يقاتل ويقول: بازل عامَيْن حديثٌ سِنِّي ما تَنْقِمِ الحَرْبُ العَوانُ مِنِّي لمثل هذا وَلَدَتْني أُمّي شعار المسلمین ببدر: قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله وَل﴿ يوم بدر: أحدٌ أحَدٌ. لغويات: وقول مُعَاذٍ بن عَمْرو في مَّقْتَل أبي جَهْلِ: ما شَبَّهتِ رِجْلَه حين طاحَتْ إلاَّ بِالنَّوَاةِ تَطِيحُ من تحت المِرْضَخَةِ. طاحت: ذهبت، ولا يكون إلاّ ذَهَابَ هَلاَكِ، والمرْضَخَةُ. كالإرْزَبَّةِ(٢) يُدَقّ بها النوى لِلْعَلف، والرَّضْخُ بالحاءِ مُهْمَةً: كَسْرُ اليابِس، والرَّضْخُ كَسْرِ الرَّطْبِ، ووقع في أصل الشيخ المُرْضَخَة بالحاء والخاء معًا، ويدل على أنه كسر لما صلب، وأنشد قول الطائي : أَتَرْضَحُني رَضْحَ النَّوى وهي مُصْمتْ ويأكُلُني أُكْلَ الذَّبَا وهو جائع (١) الخبر في البخاري (٣١٤١) الفتح (٢٤٦/٦) ومسلم في المغازي (٤) والطبري (٤٥٥/٢) والمنتظم (١١٤/٣) وأحمد (٤٤٤/١). (٢) الإرزبة: الرزبة: قطعة عظيمة من الحديد. ٧٨ عود إلى مقتل أبي جهل قال ابن إسحاق: فلما فرغ رسولُ اللهِ وَّر من عدوه، أمر بأبي جَهْل أن يُلتمس في القَتْلی. وكان أوّلَ من لَقِي أبا جهل، كما حدّثني ثَورُ بن يزيد عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس، وعبد الله بن أبي بكر أيضًا قد حدّثني ذلك، قالا: قال معاذ بن عمرو بن الجموح، أخو بني سَلِمة: سمعتُ القومَ وأبو جهل في مثل الحَرَجة - قال ابن هشام: الحَرَجة: الشجر الملتف. وفي الحديث عن عمر بن الخطّاب: أنه سأل أعرابيًّا عن الحَرّجة؛ فقال: هي شجرة من الأشجار لا يوصل إليها - وهم يقولون: أبو الحَكم لا يُخلص إليه. قال: فلما سمعتُها جعلتُه من شأني، فَصَمَدْت نحوه، فلما أمكنني حملتُ عليه، فضربتهُ ضربة أطنَّت قدمَه بنصف ساقه، فوالله ما شبَّهتها حين طاحت إلا بالنواة تَطِيحُ من تحت مِرْضَخَة النَّوى حين يُضرب بها. قال: وضربني ابنُه ◌ِكْرِمَةُ على عاتقي، فَطَرَح يدي فتعلَّقتْ بجلْدة من جَنْبِي، وأجْهَضَني القتالُ عنه، فلقد قاتلتُ عامَّةً يومي، وإني لأسْحبُها خَلفي، فلما آذتْني وضعتُ عليها قدَمي، ثم تمطيتُ بها عليها حتى طرحتُها . قال ابن إسحاق: ثم عاش بعد ذلك حتى كان زمانُ عثمان. ثم مرَّ بأبي جَهل وهو عَقِيرٌ، مُعَوِّذ ابن عَفْراء، فضربه حتى أثبته، فتركه وبه رمقٌ. وقاتل مُعَوّذ حتى قُتل، فمر عبدُ الله بن مسعود بأبي جهل: حين أمرَ رسولُ اللهِوَّر أن يُلْتمس في القتلى، وقد قال لهم رسول الله وَلجر : - فيما بلغني - ((انظروا، إن خَفِي عليكم في القَتْلى، إلى أثر جرح في رُكبته، فإني ازدحمتُ يومًا أنا وهو على مأدُبة لعبد الله بن جُذْعان، ونحن غلامان، وكنتُ أشفَّ منه بيَسير، فدفعتُه فوقع على ركبتيه، فجُحِش في وإنما نحتجوا بقول الطائي، وهو حَبِيبُ بن أَوْس لعلمه، لا لأنه عَربي يُحتجُ بلغته. الغلامان اللذان قتلا أبا جهل وذكر الغلامين اللَّذَيْن قتلا أبا جَهْل، وأنهما مُعَاذُ بن عَمْرو بن الجَمُوحِ ومُعَوَّذ ابن عَفْراء، وفي صحيح مسلم أنهما مُعاذ ابن عفراء ومُعَاذُ بن عَمْرو بن الجَمُوحِ، وعَفْراء هي بنت عُبَيْدٍ بِن ثَعْلَبَةَ بن عُبَيْدٍ بن ثَعْلَبة بن غَنْم بن مالك بن النَّجَّار ◌ُرِفَ بها بنو عَفْراء وأبوهم الحارث بن رِفَاعَةَ بن سَوَاد على اختلاف في ذلك، ورواية ابن إدريس عن ابن إسحق، كما في كتابٍ مسلم، قال أبو عُمَر: وأصَحُ من هذا كله حديثُ أنسٍ حين قال النبيّ وَّ: ((من يأتيني بخبَر أبي جَهْلٍ))، الحديث، وفيه أن ابني عفراء قتلاه. ٧٩ إحداهما جَخْشًا لم يزل أثرُه به)). قال عبد الله بن مَسْعود: فوجدته بآخر رَمَق فعرفتُه، فوضعتُ رِجْلي على عُنقه - قال: وقد كان ضَبَث بي مَرَّةً بمكة، فآذاني ولَّكَزني، ثم قلت له: هل أخزاك الله يا عدوّ الله؟ قال: وبماذا أخزاني، أعْمَدُ من رجل قتلتموه، أخْبِرْني لمن الدائرةُ اليوم؟ قال: قلت: لله ولرسوله. قال ابن هشام: ضَبَثَ: قبضَ عليه ولَزِمه. قال ضابىء بن الحارث البُرُجميّ: من الودّ مثلَ الضابثِ الماءَ باليدِ فأصبحتُ ممَّا كان بيني وبینکم قال ابن هشام: ويقال: أعارٌ على رجل قتلتموه، أخبرني لمن الدائرةُ اليوم؟ قال ابن إسحاق: وزعم رجال من بني مَخْزوم، أن ابن مسعودٍ كان يقول: قال لي: لقد ارتقيتَ مُرْتَقى صَعْبًا يا رُوَيْعِيَ الغنم، قال: ثم احْتززتُ رأسَه ثم جئتُ به رسولَ اللهِ وَّهِ، فقلت: يا رسول الله، هذا رأسُ عدو الله أبي جهل، قال: فقال رسول الله وَّل: ((الله الذي لا إله غيره)) - قال: وكانت يمينَ رسولِ الله وَله ـ قال: قلت: نعم، والله الذي لا إله غيره، ثم ألقيتُ رأسه بين يدي رسول الله وَل فحمد الله . وقولُ أبي جهل: اعْمَدُ من رجل قتلتموه، ويُرْوَى قتله قومُه، أي: هل فوق رجلٍ قتله قومه، وهو معنى تفسير ابن هشام، حيث قال: أي ليس عليه عارٌ، والأول: تفسير أبي عُبَيْدٍ في غريب الحديث، وقد [أنشد] شاهدًا عليه: ويُثْنَى عليها في الرجاء ذُنُوبُها] [ْتُقدَّمُ قَيْسٌ كُلَّ يومٍ كَرِيهَةٍ صِدَامِ الأعادي حين فُلَّت نُيُوبُها وأعْمَدُ من قومٍ كَفَاهُمْ أُخُوهُم قال المؤلّف رضي الله عنه: وهو عندي من قولهم عَمِدَ البعيرُ يَعْمَد: إذا اتَّفَسَّخَ سَنَامُه، فهلك، أي أَهْلَكُ من رَجُل قتله قومُه، وما ذكره ابن إسحق من قول أبي جهل هذا، وما ذكروه أيضًا من قوله لابن مسعود: لقد ارتَقَيْتَ مُزتقى صَغْبًا يا رُوَيْعي الغنم. مُرْتقى صَعْبًا يعارض ما وقع في سِيَر ابن شِهَابٍ وفي مغازي ابن عُقْبَة أن ابنَ مَسْعُودٍ وجده جالسًا لا يتحرّك، ولا يتكلم فَسَلبه دِرْعَه، فإذا في بدنه نُكَتْ سُودٌ، فحلّ تَسْبَغَةَ البَيْضَةِ، وهو لا يتكلم، واخْتَرَطَ سَيْفَه يعني سيفَ أبي جهل فضرب به عنقَه، ثم سأل رسولُ الله - رَّ - حين احتمل رأسَه إليه عن تلك النُّكَتِ السُّود التي رآها في بدنه، فأخبره عليه السلام أن الملائكة قتلته، وأن تلك آثارُ ضَرَبَات الملائكة، وروى يونس عن أبي العُمَيْسِ، قال: أراني القاسمُ بنُ عبدِ الرحمن سَيْفَ عبدِ الله بن مَسْعود، قال: هذا سيف أبي جهل حين قتله ٨٠