Indexed OCR Text

Pages 21-40

إصرار ابن صيفي على كفره:
وأما أبو عامر فأبى إلا الكُفْر والفراقَ لقومه حين اجتمعوا على الإسلام، فخرج منهم
إلى مكة ببضعة عشر رجلاً مفارقًا للإسلام ولرسول الله وَله، فقال رسول الله مَلقوله - كما حدّثني
محمّدُ بن أبي أمامة عن بعض آل حَنْظلة بن أبي عامر: ((لا تقولوا الراهب ولكن قولوا:
الفاسق)) .
ما نال ابن صيفي جزاء تعريضه بالرسول وَ الته :
قال ابن إسحاق: وحدّثني جعفرُ بن عبد الله بن أبي الحَكَيم، وكان قد أدرك وسَمِع،
وكا راويةً: أن أبا عامر أتى رسولَ الله وَلَ حين قَدِم المدينة، قبل أن يخرج إلى مكة، فقال:
ما هذا الدّين الذي جئتَ بهِ؟ فقال: ((جئتُ بالحنيفية دينِ إبراهيم))، قال: فأنا عليها؛ فقال له
رسولُ اللهِ وَّ: ((إنك لستَ عليها))؛ قال: بلى، قال: ((إنك أدخلتَ يا محمّد في الحَنيفية
ما ليس منها))، قال: ما فعلتُ، ولكني جئت بها بيضاء نقية؛ قال: ((الكاذبُ أَماته الله طريدًا
غَرِيبًا وحيدًا - يعرّض برسول الله وَلَرَ - أي أنك جئتَ بها كذلك)). قال رسول الله وَل :
((أجل، فمن كَذب ففَعل الله تعالى ذلك به)). فكان هو ذلك عدوّ الله، خرج إلى مكة، فلما
افتتح رسولُ الله وَله مكة خَرج إلى الطائف. فلما أسلم أهلُ الطائف لَحِق بالشام. فمات بها
طريدًا غريبًا وحيدًا.
الاحتكام إلى قيصر في ميراثه:
وكان قد خرج معه عَلْقمة بن عُلاثة بن عوف بن الأخوص بن جعفر بن كلاّب،
وكنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما مات اختَصما في ميراثه إلى قيصر،
صاحب الرُّوم. فقال قيصر: يرث أهلُ المَدَر أهلَ المدر، ويرث أهلُ الوَبر أهلَ الوبر، فَورِثُه
كنانةُ بن عبد ياليل بالمَدر دون عَلْقمة.
هجاء كعب لابن صيفي :
فقال كعبُ بن مالك لأبي عامر فيما صنع :
كَسعيك فِي العَشيرة عبد عَمْرو
مَعاذَ الله من عَمَلٍ خَبِيث
فقدْ ما بعْتَ إيمانًا بكُفْر
فإما قُلْتَ لي شَرَفُ ونَخْلٌ
٢١

قال ابن هشام: ویروی:
فإما قلت لي شرفٌ ومالٌ
قال ابن إسحاق: وأما عبدُ الله بن أبيّ فأقام على شرفه في قومه متردّدًا، حتى غلبه
الإسلامُ، فدخل فیہ کارمًا.
خروج قوم ابن أبيّ عليه وشعره في ذلك:
قال ابن إسحق: فحدّثني محمّد بن مُسلم الزُّهريّ، عن عُروة بن الزُّبير، عن
أسامة بن زيد بن حارثة، حبّ رسول الله بَّه، قال: ركبَ رسولُ اللهِ وَله إلى سَعْد بن
عُبادة يعوده من شَكْوٍ أصابَه على حمار عليه إكاف، فوقه قَطيفة فَدكية مُخْتَطمة بحبل من
ليف، وأردَفني رسولُ اللهِ وَ خَلْفَه، قال: فمرّ بعبد الله بن أَبَيّ، وهو (في) ظل مُزَاحِمِ
أُطُمِه .
قال ابن هشام: مزاحم: اسم الأُطُم.
قال ابن إسحاق: وحوله رجالٌ من قومه. فلما رآه رسولُ اللهِ وَّرَ تَذَمّم من أن
يجاوزه حتى ينزل فنزل فسلم ثم جلس قليلاً فتلا القرآن ودعا إلى الله عزّ وجلّ، وذكر
بالله وحذّر، وبشّر وأنْذر قال: وهو زامٌّ لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسولُ اللهِ وَلِّ من
مقالته، قال: ((يا هذا، إنه لا أحسَن من حديثك هذا إن كان حقًّا فاجلس في بَيْتك فمن
مزاحم أطمه:
فصل: وذكر في حديث عبد الله بن أُبيِّ أنَّ رسول اللهَِّ مَرَّ به، وهو ظِلٌ مُزاحِم
أُطُمِهِ، وآطامُ المدينة: سُطُوحٌ، ولها أسماء، فمنها مُزَاحِم ومنها الزَّوْرَاءُ أُطُم بني الجُلاَّحِ،
ومنها معرض أُطُمُ بني ساعدة، ومنها: فارِعٌ أُطُم بني حُدَيْلَة، ومنها مِسْعَط، ومنها: واقِمٌّ،
وفي معرض يقول الشاعر:
ونحن بنينا معرضًا فهو مُشْرِفُ
ونحن دَفَعْنَا عن بُضَاعَة كُلُّها
وتَخْرَبُ آطامٌ بها وتَقَصِّفُ
فأصبحَ مَعْمُورًا طَوِيلاً قَذَالُه
وبُضَاعَةُ أرضُ بني ساعِدَة، وإليها تُنْسَبُ بئرُ بني بُضَاعَةَ. والْأَجَشُ وكان بقُبَاءَ،
والحميم والنواحان، وهما أُطُمَانٍ لبني أُنَيْف وصِرَار وكان بالجَوَّانِيَّة والرَّيَّانِ والشّبْعَانُ وهو في
تَمْغ. ورَاتِح والأبيض، ومنها عاصم والرِّغْلُ وكان لحُضَيْرِ بن سِمَاك، ومنها خَيْطُ وواسط
وحُبَيْش، والأغلب ومنيع، فهذه آطاُ المدينة ذكر أكثرَها الزبيرُ، والأطُمُ: اسم مأخوذ من
٢٢

جاءك له فحدّثه إياه، (و) من لم يأتك فلا تَغُنَّه به، ولا تَأْته في مجلسه بما يَكْرِه منه)).
قال: فقال عبدُ الله بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين: بَلی، فاغشَنا به، وائتنا
في مجالسنا ودُورنا وبُيتنا، فهو والله مما نحبّ ومما أكرمنا الله به وهدانا له، فقال
عبد الله بن أُبيّ حين رأى من خلاف قومه ما رأى:
تَذِلّ وَيَصْرَغْك الذينِ تُصَارِعُ
متى ما يَكُنْ مَوْلاك خَصمُك لا تزل
وإن جُذّ يومًا رِيشُه فهو واقع
وهل ينهض البازي بغير جناحه
قال ابن هشام: البيت الثاني عن غير ابن إسحق.
غضب الرسول بَّر من كلام ابن أُبيّ:
قال ابن إسحاق: وحدّثني الزُّهريّ، عن عُروة بن الزبير، عن أسامة، قال: وقام
رسولُ اللهِ وَّر، فدخل على سَعْد بن عُبادة، وفي وجهه ما قال عدوّ الله ابن أُبَيّ، فقال:
والله يا رسول الله إني لأرى في وجهك شيئًا، لكأنك سَمعْتَ شيئًا تكرهه؛ قال: ((أجل))
ثم أخبره بما قال ابنُ أُبَيّ: فقال سعدُ: يا رسولَ الله، ارفُق به، فوالله لقد جاءنا الله بك،
وإنّا لَنَنْظِمُ له الخَرز لنتوجه، فوالله إنه ليرى أن قد سلبته مُلْكًا.
اثْتَطَم: إذا ارتفع وعلا، يقال: انْتَطَم عَلَيّ فلانٌ إذا غَضِب وانتَفَخ، والأطمات: نيران معروفة
في جبالٍ لا تَخْمُد فيها، تأخذ بأعْنَان السماء، فهي أبدًا باقية، لأنها في معادِنِ الكبريت، وقد
ذكر المسعودي منها جملة، وذكر مواضعها، وقول عبد الله بن أبي:
تَذِلَّ ويَصْرَعكَ الَّذين تُصَارِعُ
مَتَّى ما يَكُنْ مَوْلاَك خَضْمُك لا تَزَل
يقال: إن ابن أُبَيِّ تمثّل بهما، ويقال: إنهما الخُفَافِ ابنِ نُذْبَة وخُفَافُ هو: ابنُ
عَمْرو بن الشَّرِيد أحدُ غِربانِ العَربِ (١)، وأُمُّه. نُذْبةُ، ويقال فيها: نَذْبَة، ونُذْبَة، وهو سلمى.
وذكر في حديث عبدِ الله أن رسولَ الله - وََّ - دخل على سَعْد بن عُبَادَةَ يعوده، وفي
رواية يونس زيادة، فيها فقه قال: كان سعدُ قد دعاه رجلٌ من الليل فخرج إليه فضربه الرجلُ
بسيف فأشْوَاه(٢)، فجاءه النبي وَ ل و يعوده من تلك الضَّرْبة، ولامه على خروجه ليلاً، وهذا
هو موضع الفقه.
(١) أحد غربان العرب: أي أحد سودانهم.
(٢) أي لم يستطع قتله.
٢٣

ذكر مَن اعتلّ من أصحاب رسول الله وَاله
مرض أبي بكر وعامر وبلال وحديث عائشة عنهم
قال ابن إسحاق: وحدّثني هشام بن عروة، وعُمَر بن عبد الله بن عُروة، عن
عُروة بن الزُّبير، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما قَدم رسولُ اللهِ وَّر المدينة،
قدِمها وهي أوْبأ أرضٍ الله من الحُمَّى، فأصاب أصحابَه منها بَلاءٌ وسُقم، فصرف الله
تعالى ذلك عن نبيِّهِ وَ لّر. قالت فكان أبو بكر، وعامر بن فُهيرة، وبلال، مَوْليا أبي بكر،
مع أبي بكر في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فدخلتُ عليهم أعُودهم، وذلك قبل أن
يُضْرب علينا الحِجاب، وبهم ما لا يعلمه إلاّ الله من شدّة الوَعْك فدنوتُ من أبي بكر
فقلتُ له: كيف تَجِدُك يا أبت؟ فقال:
والموتُ أذنى من شِراك نَعْلِه
كلّ امرىءٍ مُصَبَّح في أهله
قالت: فقلت: والله ما يدري أَبيّ ما يقول. قالت: ثم دنوتُ إلى عامر بن فُهَيْرَة
فقلت له: كيف تجدُك يا عامر؟ فقال:
إنّ الجَبان حتفُه من فَوْقه
لقد وجدتُ الموتَ قبل ذَوْقِه
كالثّور يَخمي جِلْده بِرَوْقه
كلّ امرىء مجاهد بطَوْقه
وعك أبي بكر وبلال وعامر
فصل: وذكر حديث عائشةً حين وُعِكَ أبو بكر، وبلالٌ وعامرُ بن فُهَيْرَةَ، وما أجابوها
به من الرَّجَز فيذكر أن قول عامر:
لقد وجدتُ الموتَ قبل ذَوْقِه
٢٤

يريد: بطاقته، فيما قال ابن هشام: قالت: فقلت: والله ما يدري عامر ما يقول!
قالت: وكان بلال إذا تركتْه الحمَّى اضطجع بفناء البيت. ثم رفع عَقيرتَه فقال:
بِفَجِّ وَحَوْلِي إِذْخْرٌ وَجَليل
ألا ليتَ شِغْري هل أبيتنّ ليلةً
وهل يَبْدُونَ لي شامةٌ وَطِفِيل
وهل أرِدَنْ يومًا مياهَ مجِئَّةٍ
قال ابن هشام: شامة وطَفيل: جبلان بمكة.
إنه لِعَمْرو بن مَامَةَ، وفي هذا الخبر وما ذُكِرَ فيه من حَنِينهم إلى مكّة ما جُبِلَتْ عليه
النفوسُ من حُبِّ الوطن والحنين إليه، وقد جاء في حديث أَصَيْلِ الغِفَارِيِّ، ويقال فيه:
الهُدَلِيّ أنه قَدِم من مكّة، فسألته عائشةُ: كيف تركت مَكَّة يا أُصَيْلَ؟ فقال: تركتُها حين
ابْيَضَّت أباطِحُها، وأَحْجَنَ ثُمَامُها، وأَعْذَق إِذْخِرْها، وأَمْشَرَ سلَمُها، فاغْرَوْرَقَتْ عينا رسولٍ
الله - رَُّ - وقال: ((لا تُشَوِفْنَا يا أُصَيْلُ))، ويُروَى أنه قال له: ((دَع القُلُوبَ تَقَر))، وقد قال
الأول :
بوادي الخُزَامَى حَيْثُ رَبَّتْنِي أَهْلِي
ألا لَيْتَ شِغْرِي هَلْ أَبِيثَنَّ لَيْلَةٌ
وقُطّعْنَ عَنِّي حِينَ أدركني عَقْلي
بلاد بها نِيطَتْ عَلَيّ تمائمِي
وأما قول بلال :
بِفَجِّ وحَوْلي إذْخِرٌ وَجَلِيلٌ
فَفَجّ موضع خارج مكّة به مُوَيةٌ يقول فيه الشاعر:
ومِنْ جَوَارٍ نَقِيَّاتٍ رَعَابِيب(١)
ماذا بِفَجْ من الإِشْرَاقِ والطيبِ
وبِفَجِّ اغتسل رسول الله - وَ لَ ـ وهو مُخْرم، والْإِذْخِرُ من نبَات مكّة. قال أحمد بن
داودَ وهو أبو حَنِيفة الدينوري صاحب كتاب النبات؛ الإذْخِرُ فيما حكي عن الأعراب الأُوَلِ
له أصلٌ مُنْدِفِقٌ وَقُضْبَانٌ دقَاقٌ، وهو ذَفِر الرِّيح، وهو مِثْلِ الأصل أَضْل الكَوْلاَنِ إلاَّ أنه
أَعْرَضُ كُعوبًا، وله ثمرة كأنها مَكَاسِح (٢) القَصَبِ إلاَّ أنها أَرقُّ وأصغر. قال أبو زِيَاد، الْأَذْخِرُ
يُشَبَّه في نباته بنباتِ الأَسَلِ الذي تُعْمَل منه الحُصْرُ، ويُشْبِهِ نباتُه الغَرَز، والغَرَزُ ضَرْبٌ من
الثَّمَام، واحدته: غَرزة، ويُتَّخَذ من الغَرَزِ الغَرابيلُ والأذْخِرِ أَرَقُّ منه، والْإِذْخِرِ يُطحَن فيدخل
(١) رعابيب: جارية رعبوب: أي حسناء، وقيل: الرطبة الحلوة، وقيل: هي البيضاء فقط. اللسان
(٤٢١/١).
(٢) مكاسح: مكانس.
٢٥

دعاء الرسول وَله بنقل وباءِ المدينة إلى مهيعة:
قالت عائشة رضي الله عنها: فذكرتُ لرسول الله وَّر ما سمعتْ منهم، فقلت: إنهم
لَيَهْذُون وما يَعْقِلُونَ من شدّة الحمى. قالت: فقال رسولُ اللهِ وَّرَ: ((اللهمّ حبِّب إلينا
المدينة كما حبّبتَ إلينا مكة، أو أشدّ، وبارك لنا في مُدّها وصاعها وانقل وباءها إلى
مَهْيَعَةً))(١)، ومَهْيَعَةُ: الجُحْفة.
في الطيب، وقال أبو عَمْرو: وهو من الجَنَبةِ، وقلَّما تنبت الإِذْخِرةُ مُتْفَرِدَةً، وقال في الجَلِيل
عن أبي نصر: إن أهلَ الحجاز يُسَمُّون الثُّمَامَ الجَلِيل، ومعنى الجَنَبَةِ التي ذكر أبو عَمْرو:
وهو كل نبات له أصُول ثَابتة، لا تَذْهب بذهابٍ فَرْعه في الغَيْطِ، وتُلْقحُ في الخريف،
وليست كالشَّجَر الذي يَبقى أصلُه وفرعُه في الغيط، ولا كالنَّجْم الذي يذهب فرعُه وأَصلُه،
فلا يعود إلاَّ زرّيعَتُه جانبَ النَّجْم والشَّجَر، فسُمِّي جَنَبَةً، ويقال لِلْجَنَبَةِ أيضًا: الطريفة، قاله
أبو حنيفة. وَمِجَنَّة سَوقٌ من أَسواق العرب بين عُكَاظ وذِي المَجاز، وكلها، أسواق قد تقدم
ذكرُها. ومَجَنَّة يجوز أن تكون مَفْعَلَة وفَعلة، فقد قال سيبويه: في المِجَنِّ إن ميمه أصلية،
وأنه فِعل، وخالفه في ذلك الناسُ وجعلوه مِفعلاً، من جَنَّ إذا ستر، ومن أسواقهم أيضًا
حُبَاشَةُ، وهي أبعد من هذه، وأما شَامَة وطَفِيلُ، فقال الخَطَّابي في كتاب الأعلام في شَرْح
البخاري: كنت أحسَبُهما جَبَلين، حتى مررتُ بهما، ووقفت عليهما فإذا هما عَيْنَان من ماءِ،
ويقوِّي قول الخطابي إنهما عَيْنان قَوْل كُثَيِر :
وما أنْسَ مِ الأَشْياءِ لا أَنْسَ مَوْقِفًا
والخَبْتُ: مُنْخَفَضُ الأرض.
لنا، ولها بالخَبْتِ خَبْتِ طَفيل
وذكر قول النبي ◌ِّ: ((اللهم حَبِبْ إلينا المدينة كما حَبَّيْتَ إلينا مَكَّةً، وبارِك لنا في
مُدِّها وصَاعِها» يعني الطَّعَامَ الذي يُكَال بالصَّاعِ، ولذلك قال في حديث آخر: ((كيلوا طعامَكم
يُبَارَكْ لكم فيه)»(٢)، وشكا إليه قومٌ سُرْعةَ فنَاءِ طعامِهم، فقال: أَتَّهِيلون أم تَكِيلُون؟ فقالوا: بل
نهيل، فقالٍ: كِيلُوا ولا تَهِيلُوا ومن رواه: ((قُوتُوا طعامَكم يُبَارَكْ لكم فيه))(٣)، فمعناه عندهم:
تصغير الأَرْغِفَةِ، وهكذا رواه البزار من طريق أَبي الدَّرْدَاء، وذَكَر في تفسيره ما قلناه، وذكر
(١) أخرجه البخاري (٣٠/٣) ومسلم في الحج (٤٨٠) وأحمد (٥٦/٦).
(٢) أخرجه البخاري (٨٨/٣) وابن ماجة (٢٢٣١/ ٢٢٣٢) وأحمد (١٣١/٤) والطبراني (١٤٣/٤)،
وانظر الفتح (٢٨١/١١).
(٣) (ضعيف جدًا)). أخرجه الطبراني (١٣٧/٣). وأورده الفتن في التذكرة (١٤٣) وابن الجوزي في
اللآلىء (١١٧/٢). وأخرجه البزار (٣٣٣/٣).
٢٦

ما جهد المسلمين من الوباء :
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري، عن عبد الله بن عَمْرو بن العاصي: أن
رسول الله - رَ﴿ لما قَدِم المدينة هو وأصحابه أصابتهم حمَّى المدينة، حتى جُهدوا
مرضًا، وصرف الله تعالى ذلك عن نبيِّهِ بَّهَ، حتى كانوا ما يصلُّون إلا وهُمْ قعود، قال:
فخرج عليهم رسولُ اللهَ وَّرَ وهم يصلُّون كذلك، فقال لهم: ((اعلموا أن صلاةَ القاعد
أبو عُبَيْد: المُدَّ في كتاب الأموال، أعني مُدَّ المدينة فقال: هو رَطْلٌ وثُلُث، والرَّطْلُ: مائةٌ
وثمانيةٌ وعِشْرون دِرْهمًا، والدِّرْهَمْ خمسون حَبَّةً وخَمْسَانِ.
وقوله ◌َّهَ: ((وانْقُلْ حُمَّاها، واجعلها بمَهْيَعَة))، وهي الجُحْفَةُ، كأنه عليه السلام لم يُرِدْ
إبعَاد الحُمَّى عن جميع أرضِ الإسْلاَم، ولو أراد ذلك لقال: انْقُلْ حُمَّاها، ولم يَخُصَّ
موضعًا، أو كان يَخُصُّ بلادَ الكفر، وذلك - والله أعلم - لأنه قد نَهَى عَن سَبُ الحُمَّى وَلَغْنِها
في حديث أُم المُسَيَّب(١) وأخبر أنهَا طهُورٌ(٢)، وأنها حَظُ كلِّ مؤمن من النار(٣)، فجمع بين
الرِّفق بأصحابه فدَعًا لهم بالشّفَاء منها، وبَيْنِ أَنْ لاَ يُخْرَمُوا أيضًا الأَجْر فيما يُصِيبوا منها، فلم
يُبْعِدها كُلَّ الْبُعْد.
وأما مَهْيَعَةُ، فقد اشتدّ الوباءُ فيها بسبب هذه الدعوة، حتى قيل: إن الطائر يَمُرُّ بغدير
خُمَّ فَيَسْقَم، وغدير خُمَّ فيها، ويقال: إنها، ما وُلد فيها مَوْلُود فبلَغ الحُلُمَّ، وهي أرضُ بُجْعَّةٍ
لا تُسْكَن، ولا يُقام فيها إقامة دائمة فيما بلغني والله أعلم.
وذكر تحريمَ رسول الله وَل﴿ المدينةَ، وفي غير هذه الرواية عن ابن إسحق عن
شُرَخْبِيل بن سعدٍ، قال: كنتُ أصطاد في حَرَم المدينة بالوَقَاقِيص، وهي شِبَاكِ الطَّر،
فاصطدت نُهَسًا، فأخذه زيدُ بنُ ثابتٍ، وصَكَّ في قَفَايَ، ثم أرسله.
وذكر حديثَ عبدِ الله بنِ عَمْرو، وقوله عليه السلام: «صلاةُ القاعِد على النّصْفِ من
صَلاَةِ القائم)» (٤) حين رآهم يُصلُون فُعُودًا من الوَعْكِ، قال: فَتَجَشَّم الناسُ القيامَ على ما بهم
من السُّقْمِ، وهذا الحديث بهذا اللفظ يقوِّي ما تأوَّلَه الخطابي في صلاةِ القاعد أنها على
(١) حديث نهى النبي وَّر عن سب الحُمَّى: أخرجه مسلم في البرّ والصلة (٥٣) والبيهقي في الكبرى
(٣٧٧/٣) بلفظ: ((لا تسبى الحمى بأنها تذهب خطايا ابن آدم كما يذهب الكير خبث الحديد)».
(٢) أخرجه الحاكم (٣٤٦/١) وابن حبان (٧٠٤ - موارد) والبيهقي في الدلائل (١٥٤/٦).
(٣) أخرجه أحمد (٢٦٤/٥) والطبراني في الكبير (١١٠/٨) والطحاوي في المشكل (٦٨/٣) والبيهقي
في الآداب (٩٥٠) بتحقيقي.
(٤) أخرجه مسلم في المسافرين (١٢٠) والنسائي (٢٣/٣) وابن ماجة (١٢٣٠/١٢٢٩) وأحمد
(٢/ ١٩٣).
٢٧

على النّصْف من صلاة القائم)). قال: فتجشم المُسلمون القيامَ على ما بهم من الضُّعْف
والسُّقْم التماسَ الفضل.
بدء قتال المشركين :
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله وَّر تهيَّأ لحربه، قام فيما أمَره الله من جهاد
عدوّه، وقِتال مَنْ أمَره الله به ممَّن يَليه من المُشركين، مُشركي العَرب، وذلك بعد أن بعثه
الله تعالی بثلاث عشرة سنة.
النّصْفِ من صَلاةِ القائم، ثم قال الخَطَّابي: إنما ذلك للضَّعِيفِ الذي يستطيع القيامَ بِكُلْفَةٍ،
وإن كان عاجزًا عن القيام البَتَّةَ، فصلاتُه مثلُ صَلاةِ القائم، وهذا كلُّه في الفريضَةِ، والنافلةِ،
وخالف أبو عُبَيْد في تَخصيصه هذا الحديث بصلاة النافلةِ في حال الصِّحة، واحَتَجَّ الخطّابي
بحديثَ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ، وفيه: وصَلاتُه قائمًا على النّصفِ من صلاته قاعدًا، قال: وقد
أجمعت الأمة أنْ لا يُصَلِّيَ أحدٌ مُضْطَجِعًا إلاَّ مِنْ مَرَضٍ، فدل على أنه لم يُرِذ بهذا الحديث
كلِّه إلا المريضَ الذي يَقْدِر على القيام بكُلْفة، أو على القُعُود بمشقة، ونسب بعضُ الناس
النَّسَوِيَّ إلى التَّصْحِيفِ في هذا الحديثِ، وقالوا: إنما هو وصلاته نائمًا على النّصفِ من
صلاته قاعدًا، فتوهمه النَّسَوِيُّ قائمًا، أي مُضْطَجِعًا، فترجَم عليه في كتابه: باب صَلاةٍ
النائم، وليس كما قالوا، فإن في الرواية الثانية: وصلاةُ النائم على النّصْفِ من صلاة القاعد،
ومثل هذا لا يَتَصَحَّف، وقولُ الخطابي: أجمعت الأمّةُ على أن المُضْطَجعَ لا يُصَلِّي في حالٍ
الصِّحَّةِ نافلةً ولا غيرَها، وافقه أبو عُمَر على ادعاء الإجماع في هذه المسألة، وليست بمسألة
إجماع كما زَعَما، بل كان مِنَ السَّلَف مَنْ يُجِيز للصحيح أن يتَنَفَّل مُضطجِعًا، منهم الحَسَنُ
البَصْري، ذكر ذلك أبو عيسى التِّرمِذيّ في مصنفه .
٢٨

تاريخ الهجرة
بالإسناد المتقدّم عن عبد الملك بن هشام، قال: حدّثنا زيادُ بن عبد الله البكَّائي،
عن محمد بن إسحق المطلبي، قال: قَدِم رسولُ الله وَلّر المدينة يوم الاثنين، حين اشتدّ
الضحاء، وكادت الشمس تعتَدلَ، لثِنْتي عشرة ليلةً مضتْ من شهر ربيع الأوّل، وهو
التاريخ، (فيما) قال ابن هشام.
قال ابن إسحاق: ورسولُ اللهِ وَ لّ يومئذ ابنُ ثلاث وخَمْسين سنة، وذلك بعد أن
بَعثه الله عزّ وجلّ بثلاثَ عشْرة سنة، فأقام بها بقيَّة شهر ربيع الأوّل، وشهرَ ربيع الآخر،
وجمادَيَيْن، ورجبًا، وشعبان، وشهرَ رمضان، وشوّالاً، وذا القعدة، وذا الحجة - وولي
تلك الحَجَّة المشركون - والمحرَّمَ، ثم خرج غازيًا في صفر على رأس اثني عشر شهرًا
من مَقْدمه المدینة.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سعد بن عُبادة.
غزوة ودّان
وهي أول غزواته عليه الصلاة والسلام
موادعة بني ضمرة والرجوع من غير حرب:
قال ابن إسحاق: حتى بلغ وَدَّان، وهي غزوة الأبْواء، يريد قريشًا وبني ضَمْرة بن
تاريخ الهجرة، وغزوة ودّان(١)
ذكر قدوم رسول الله - رَّ - المدينةَ يوم الاثنين في شهر ربيع، وقد قدَّمنا في
(١) انظر الطبقات لابن سعد (٥٩١/١) الطبري في تاريخه (٢٥٩/٢)، زاد المعاد (١٦٤/٣) ابن =
٢٩

بَكْر بن عبد مناة بن كِنانة، فَوَادَعَته فيها بنو ضَمْرة، وكان الذي وادَعه منهم عليهم
مَخشِي بن عمرو الضَّمْري، وكان سيدَهم في زمانه ذلك. ثم رجع رسولُ اللهِ وَلّ إلى
المدينة، ولم يلق كيدًا، فأقام بها بقية صفر، وصدرًا من شهر ربيع الأول.
قال ابن هشام: وهي أَوّل غزوة غزاها.
باب الهجرة ما قاله ابنُ الكَلْبِيِّ وغيرُه في ذلك، وفي أي شهر كان قدومُه من شُهُور
العجم .
وذَكر أنه أقام بالمدينة بقيّة شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر، وجُمَادَين وكان القياسُ
أن يقول: وشَهْرَي جُمَّادى، أو يقول: وبقيةَ ربيع وربيعًا الآخر، كما قال في سائر الشهور،
ولكن الشهر إذا سميته بالاسم العَلَم، لم يكن ظَرْفًا، وكانت الإقامةُ أو العمل فيه كُلُّه إلا أن
تقولَ شَهْرُ كذا، كما تقدم من كلامنا على شَهْر رَمَضَانَ في حديث المَبْعَثِ، وكذلك قال
سِيبَوَيْهِ، فقولُ ابن إسحق: جُمَادَيْن وَرَجَبًا مستقيم على هذا الأصل.
وقوله: بقية شهر ربيع، فلأن العملَ والإقامة كان في بعضَه: فلذلك لم يقل: بقية ربيع
الأوَّل، لكنه قال: وشهر ربيع الآخر ليزدَوِجَ الكلامُ ويُشاكل ما قبله، وهذا كلُّه من فصاحتِهِ
رحمه الله أو من فصاحة مَنْ كانَ قَبْلَه إن كان رواه على اللفظ .
وقوله: وجُمَادَيْن وَرَجَبًا. كان القياسُ أن يقول: والجُمَادَيْن بالألِف واللام، لأنه اسمُ
عَلَم، ولا يثنى العَلَم، فيكون معرفةً إلا أن تُذْخِلَ عليه الألِفَ واللام، فتقول: الزَّيْدَان
والعُمَران، لكنه أجراه بفصاحته مجرى أَبَانيْن وقَنَوَين، وكل واحد من هذين اسمٌ لجبلَين،
ولا تدخله الألفُ واللام، لأن تعريفَه لم يَزُلْ بالتَّنية، لأنهما أبدًا متلازمان، فالتثنية لازمةٌ
لهما مع العَلَميَّة بخلاف الآدميين، ولما كان جُمَادَيَان شَهْرَيْن مُتَكَارِهَيْن جعلهما في الزمان
كأَبَانْيِن في المكان، ولم يجعلهما كالزَّيْدَين والعُمَرَيْن اللذين لا تلازُمَ بينهما، وهذا كلامُ
العرب. قال الحُطَيْئَةُ :
باتت له بكّثِيب جَرْبَةً ليلة وطَفَاء بين جُمَادَين دَرُور
فإن قلت: فقد قالوا: السِّمَاكَين في النجوم، وهما متلازمان، وكذلك السرطان، قلنا:
إنما كان ذلك لوجود معنى الصفة فيهما، وهو عنده من باب الحارث، والعباس في
الآدميين، وأكشف سرَّ العلمية في الشهور والأيام وتقسيم أنواع العلمية، والمراد بها في
=
سيّد الناس (٢٢٤/١) شرح المواهب (٣٩٢/١) البداية (٢٤٠/٣) المنتظم (٨٠/٣) البخاري
(٢١٧/٧).
٣٠

سرية عبيدة بن الحارث
وهي أول راية عقدها عليه الصلاة والسلام
قال ابن إسحاق: وبعث رسولُ اللهِ وَّرَ، في مُقامه ذلك بالمدينة عُبَيدةً بن
الحارث بن المطّلب بن عبد مناف بن قُصَيّ في ستين أو ثمانين راكبًا من المهاجرين،
ليس فيهم من الأنصار أحدٌ، فسار حتى بلغ ماءً بالحجاز، بأسفل ثنيَّة المُرة، فلقي بها
جَمْعًا عظيمًا من قُريش، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقّاص قد رَمى يومئذ
بسَهم، فكان أوّل سهم رُمي به في الإسلام.
مَن فرّ من المشركين إلى المسلمين:
ثم انصرف القومُ عن القوم، وللمسلمين حامية. وفرّ من المشركين إلى المسلمين
المِقْدادُ بن عمرو البَهْراني، حليفُ بني زُهْرة، وعُثْبة بن غَزْوان بن جابر المَازني، حليف
بني نَوْفل بن عبد مناف، وكانا مُسْلِمين، ولكنهما خَرجا ليتوصَّلا بالكفَّار. وكان على
القوم عكرمةُ بن أبي جَهْل .
قال ابن هشام: حدّثني ابن أبي عَمْرو بن العَلاء، عن أبي عمرو المدنيّ: أنه كان
عليهم مِكْرَز بن حَفْص بن الأخيف، أحد بني مَعِيص بن عامر بن لُؤيّ بن غالب بن فِهْر.
موضع غير هذا، وإنما أعجبتني فصاحةُ ابن إسحق في قوله: بقيةً شهر كذا وشهر كذا
وجُمادَيْن ورجَبًا وشَعْبانَ ونزَّل الألفاظَ عند منازلها عند أرباب اللغة الفاهمين لحقائقها،
يرحمه الله .
غزوة عبيدة بن الحارث(١)
وذكر في غزوة عُبَيْدَةً ولقائه المشركين: وعلى المشركين مِكْرَز بن حَفْصٍ بن
الأَخْيَفِ، هكذا الرواية حيث وقع بكسر الميم. وذكر ابن ماكولا في المؤتلف والمختلف عن
أبي عبدة النسابة أنه كان يقول فيه مَكْرَز بفتح الميم، وكأنه مِفْعَلُ أو مَفْعَل من الكَرِيز، وهو
الأَقِطُ (٢) وكذلك ذكر هو وغيره في الأَخيف ههنا أنه بفتح الهمزة وسكون الخاء، وكان ابن
ماكُولا وحده يقول في الأُخيفِ من بني أُسَيْدِ بن عَمْرو بن تَمِيم، وهو جد الخَشْخَاشِ
التميمي: أُخَيْف بضم الهمزة وفتح الخاء، وقال الدارقطني: أخْيَف كما قالوا في الأول.
(١) انظر المغازي للواقدي (١٠/١) تاريخ الطبري (٤٠٤/٢) الطبقات لابن سعد (٧/٢) البداية والنهاية
(٢٣٤/٣) المنتظم (٨٠/٣) الاكتفاء (٣/٢) الزاد (١٦٣/٣).
(٢) الأقط: اللبن المجفف.
٣١

شعر أبي بكر فيها
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، في غزوة عُبيدة بن
الحارث - قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذه القصيدة لأبي بكر رضي الله
عنه :
أرِقْتَ وأمرٍ في العَشيرة حادثٍ
أمِن طَيْفِ سلْمى بالبِطاحِ الدَّمائِثِ
عن الكُفر تذكيرٌ ولا بَعْثُ باعثٍ
تَرَى منْ لُؤيٍّ فرْقَةً لا يصدّها
عليه وقالوا: لستَ فينا بماكثِ
رَسُولٌ أتاهُمْ صَادِقْ فِتَكَذَّبُوا
وهَرُوا هَرِيرَ المُحْجَرَات اللَّواهث
إذا ما دَعَوْناهم إلى الحَقّ أذْبَرُوا
فكّمْ قد متَتَنْا فيهمُ بِقَرَابَةٍ
فإنْ يَرْجعوا عن كُفْرهم وعُقوقهم
وإنْ يَزْكبوا طُغْيانهم وضلالَهم
ونحن أناسٌ من ذُؤابة غالب
فأُولِي بربّ الرَّاقِصَاتِ عِشِيَّةً
وتَرْك التُّقى شيءٌ لهمْ غيرُ كَارِثِ
فمَا طَيبات الحلّ مثلُ الخَبائث
فليسَ عذابُ الله عنهم بلابِث
لنا العزُّ منها في الفُروع الأثائث
حَراجِيجُ تَخْدِي في السَّرِيح الرثائث
شرح القصيدة المنسوبة
إلى أبي بكر وقصيدة ابن الزبعرى وأبي جهل
فصل: وذكر ابن إسحق القصيدةَ التي تُعْزَى إلى أبي بكر، ونقيضتها لابن الزِّبَعْرَى،
والزّبَعْرَى في اللغة السَّيِّىءُ الخلُقِ، يقال: رجل زِبَعْرَى، وامرأة زِبَعْرَاة، والزّبَعْرَى أيضًا البعير
الأَزَبُّ الكثير شَعْرِ الأَذْنَيْن مع قصَرٍ، قاله الزبير. وفي هذا الشعر أو الذي بعده ذكر الدَّبَّة
وهو الكَثِيبُ من الرَّمْل، وأما الدُّبَّة بضم الدال فإنه يقال: جرى فُلان على دُبَّة فُلان أي على
سُنَّتِه وطريقته، والدَّبَّة أيضًا ظرف للزيت(١)، قال الراجز:
ليك بالعنف عِفَاص الدِّيَّة
والدِّبَّة بكسر الدال هيئةُ الدبيب، وليس فيها ما يشكل معناه.
وقوله :
... تَخْدِي في السَّرِيحِ الرَّثائث
(١) الدُّبَّة: الحال: ورَكبتُ دُبَّتَهُ ودبَّه: أي لزمت حاله وطريقته، وعملت عمله، ودبّة الرجل: طريقته من
خير أو شر. اللسان (١/ ٣٧٢).
٣٢

يَرِذن حياضَ البئر ذات النّبائث
ولَسْتُ إذا آلَيْتُ قَوْلاً بِحانِثِ
تُحرّم أطهار النّساءِ الطَّوامت
ولا تَرْفُ الكفَّارَ رأْفَ ابن حارث
وكلَّ كَفورٍ يبتغي الشرّ باحث
فإنيَ من أعراضكم غيرُ شاعث
كأذم ظِباء حول مكّةَ عُكَفٍ
لئن لم يُفيقوا عاجلاً من ضَلالهم
لَتَبْتَدِرَنَّهُمْ غارةٌ ذاتُ مَصْدَقٍ
تُغادر قَتْلى تَعْصِب الطيرُ حولهم
فأبْلَغْ بني سَهُم لَدَيْك رسالةٌ
فإنْ تَشْعَثوا عِرْضي على سُوء رأيكم
فأجابه عبد الله بن الزَّبَعْرَى السَّهْمي فقال:
بكيتَ بعينٍ دمعُها غيرُ لابثِ
له عجبٌ من سابقاتٍ وحادث
عُبيدةُ يُذْعى في الهياج ابنَ حارث
مَوَارِيثَ مَوْرُوثٍ كَرِيمٍ لِوَارِث
أمِنْ رَسْم دارٍ أقْفَرَتْ بالعَثاعِث
ومِن عَجَبِ الأيّام والدَّهِرُ كلُّه
لجيْشِ أتانا ذي عُرام يَقُوده
لِنَشْرِكَ أَصْنامًا بمَكَّةٌ عُكَّفا
وُجُزْدٍ عِتاقٍ في العَجاجَ لَوَاهِث
بأيدِي كُماة كالْلِيُوث العوائث
فَلَمَّا لَقيناهم بسُمْرٍ رُدَيْنةٍ
وبيضٍ كأنّ المِلْحَ فوق مُتُونها
السريح: شِبْه النعل تلبسه أخفافُ الإبل، يريد: أن هذهِ الإبلَ الحَرَاجِيجَ، وهي الطّوال
تَخْدِي أي: تُسرع في سَرِيح قد رَثَّ من طُول السير. قال الشاعر:
دَوَمى الأيْد يَخبِطن السريحا
وذكر العَثَاعَث، واحدها: عَثْعَث، وهو من أكرم منابت العشب، قاله أبو حنيفة، وفي
العَيْنِ: العَثْعَثِ ظَهْرُ الكَثِيب الذي لاَ نبَات فيه(١) .
وذكر ابنُ هشام أن قومًا من أهل العلم بالشعر أنكروا أن تكونَ هذه القصيدةُ لأبي بكر،
ويشهد لِصِحَّةٍ مَنْ أنكر له ما رَوَى عبدُ الرزّاق عن مَعْمَرٍ عن الزُّهْرِيَّ عن عُزْوة عن عائشة
قالت: ((كَذَب مَنْ أخبركم أنَّ أبا بكرٍ قال بيتَ شعرٍ في الإسلام))(٢) رواه محمدٌ البخاري عن
أبي المتوكل عن عبد الرزاق. وقول ابن الزِّبْعرى: بين نَسْءٍ وطَامِث، والنَّرْءُ: حمل المرأة
(١) العشعث: قال أبو حنيفة: العثعث من مكارم المنابت، والعثعث أيضًا: التراب وعثعثه: ألقاه .
في العثعث، وعثعث الرجل بالمكان: أقام به، والعثعث: الفساد، والعشعث: الشدائد. اللسان
(١٦٨/٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١٣٧/٣).
٣٣
الروض الأنف/ ج ٣/ م ٣

ونشُفي الدُّخُولَ عاجلاً غيرَ لابث
وأعجبهم أمرٌ لهم أمرُ رائث
أيَامى لهم، مِنْ بين نَسْءٍ وطامِثِ.
حَفِيٍّ بهم أو غافلٌ غيرُ باحث
فما أنت عن أغراضٍ فِهْرٍ بماكث
نقِيم بها إصْعار مَنْ كان مائِلاً
فكفوا على خَوْف شديدٍ وهَيْبة
ولو أنَّهم لم يفْعَلُوا ناحَ نِسوَةٌ
وقد غُودرتْ قَتلى يُخَبِّر عنهمُ
فأبلغْ أبا بَكْرٍ لَدَيْكَ رِسالةً
تُجدّد حزبًا حَلْفَةٌ غيرَ حانِث
ولمَّا تَجِبْ مني يمينٌّ غليظة
قال ابن هشام: تركنا منها بيتًا واحداً، وأكثرُ أهل العلم بالشعر يُنكر هذه القصيدة
لابن الزّبَغْرَى.
شعر ابن أبي وقاص في رميته:
قال ابن إسحاق: وقال سعد بن أبي وقّاص في رَمْيته تلك فيما يذكرون:
حَمِيْتُ صحابَتي بصُدور نَبْلي
ألا هَل أتى رسولَ الله أنى
بكلّ حُزُونة وبكلّ سَهْل
أذُود بها أوائلَهم ذيادًا
بسَهْم يا رسول الله قَبْلي
فِمَا يَغْتَدُّ رامٍ في عَذْوّ
وذُو حَقِّ أتيتَ به وعَدل
وذلكَ أنَّ دينَك دينُ صِدْقٍ
به الكفّار عند مقام مَهْل
ينجَّى المُؤمنون به، ويُجزى
غَويَّ الحيّ ويحك يابن جَهْل
فمَهْلاً قد غَوِيتَ فلا تَعِبْنِي
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يُنكِرِها لسَعْد.
في أوله، والطَّامِثُ معرُوفٌ يقال: نُسِئَتْ المرأةُ [نَسَأَ] إذا تأخر حَيْضُها من أجل الحَمْلَ. من
كتاب العين.
وقولُ أبي بكر: رَأْبَ ابن حارث. يعني: عُبَيْدَة بنَ الحارثِ بن عبد المطّلب.
أسماء ممنوعة من التنوين:
وقول أبي جهل:
وورَّعَنِي مَجْدِي عنهم وصُخْبَتي
٣٤

أول راية في الإسلام كانت لعبيدة:
قال ابن إسحاق: فكانت رايةُ عُبيدة بن الحارث - فيما بلغني - أوّل راية عقدَها
رسولُ اللهِوَّرَ في الإسلام، لأحد من المسلمين. وبعضُ العلماء يزعُم أنّ رسولَ الله وَلَه
بَعثه حين أقبل من غزوة الأبواء، قبل أن يصِل إلى المدينة.
سرية حمزة إلى سيف البحر:
ما جرى بين المسلمین والكفار:
وبعث في مَقامه ذلك، حَمزةً بن عبد المطلب بن هاشم، إلى سِيف البَخْرِ، من
ناحية العِيص، في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد. فلقي أبا
جَهل بن هشام بذلك الساحل في ثلاث مائة راكب من أهل مكة. فحجز بينهم مَجْديُّ بن
عَمرو الجُهنيّ. وكان مُوادِعًا للفريقين جميعًا، فانصرف بعضُ القوم عن بَعْضٍ، ولم يكن
بينهم قتال.
كانت راية حمزة أوّل راية في الإسلام وشعر حمزة في ذلك:
وبعضُ الناس يقول: كانت رايةُ حمزة أوّل راية عَقدها رسولُ اللهِ وَ لّ لأحد من
المسلمين. وذلك أن بعثه وبَعْث عُبيدة كانا معًا، فشُبِّه ذلك على الناس. وقد زعموا أن
حمزة قد قال في ذلك شعرًا يَذْكر فيه أنّ رايته أوّل راية عقَدها رسولُ اللهِ وَلَ، فإنْ كان
حمزة قد قال ذلك، فقد صَدق إن شاء الله، لم يكن يقول إلا حقًّا، فالله أعلم أيّ ذلك
كان. فأمَّا مَا سَمعنا من أهل العلم عندنا. فعُبيدة بن الحارث أوّل من عُقد له. فقال
حمزة في ذلك، فيما يزعمون:
ترك صَرْف مَجْدي(١)، لأنه علَم، وترك التنوين في المعارف كلها أَصلٌ لا يُنوّن مُضْمَر
ولا مُبْهَمٌ، ولا ما فيه الألف واللام ولا مضاف، وكذلك كان القياسُ في العَلَم، فإذا لم يُنَوَّن
في الشّغْر فهو الأصل فيه، لأن دخولَ التنوين في الأسماء إنما هو علامة لانفصالها عن
الإضافة، فما لا يُضاف لا يَحتاج إلى تنوين، وقد كشفنا سرَّ التنوين وامتناع التنوين والخَفْضِ
مما لا يَنْصَرِف في مَسْأَلَةٍ أفردناها في هذا الباب، وأتينافيها بالعَجَبِ العُجَابِ، والشواهدُ على
حذف التنوين في الشعر من الاسم العلَم كثيرةٌ جدًا، فتأمله في أشعار السِّير والمغازي
تجذها، وعرضُنا في شرح هذه الأشعار الواردة في كتاب السيرة أن نشرح منها ما اسْتَغْلَق لفظُه
جدًّا، أو غَمضَ إعرابُه على شَرْطنا في أول الكتاب.
(١) هو: مجدي بن عمرو الجهني. انظر المنتظم (٨٠/٣).
٣٥

قال ابن هشام: وأكثرُ أهل العلم بالشّعر ينكر هذا الشعر لحمزة رضي الله عنه:
وللنَّقْص من رأي الرّجال وللعقْلِ
لهُم حُرُماتٍ من سَوَامٍ ولا أهْلٍ
لهم غيرُ أمر بالعَفاف وبالعَدْل
ويَنْزِل منهم مِثلَ منْزلة الهَزلْ
لهم حيث حلُوا أبتَغي راحة الفَضْل
عليه لواءٌ لم يكن لاحَ من قَبلي
إلهٍ عزيزٍ فعلُه أفضلُ الفِعْل
مرَاجله من غَيْظِ أصحابِهِ تَغلي
مَطايا وعقّلنا مدَى غَرَضِ النَّبْل
وما لكم إلا الضَّلالةُ مِن حَبْل
فخابَ وردَّ الله كَيْدَ أبي جَهْل
وهُمْ مِئتان بعد واحدةٍ فَضْلٍ
وفيتُوا إلى الإسلامِ والمنهجِ السَّهْلِ
عذابٌ فَتدعوا بالنَّدامة والثُكلِ
ألا يا لَقَوْمي للتحلُّم والجَهْل
وللرَّاكِبِينا بالمَظالِمِ لم نَطَأْ
كأنَّا تَبَلْناهم ولا تَبْلَ عندَنا
وأمرٍ بإسلام فلا يقبلونه
فمَا بَرِحوا حتى انْتَدبْتُ لغارة
بأمرِ رسول الله، أوّل خافِق
لواءٌ لَدَيْه النَّصرُ من ذي كرامة
عشِيَّةَ سارُوا حاشِدِين وكلُّنا
فلمَّا تَراءيْنا أناخُوا فعقّلوا
فقُلْنا لهم: حبل الإله نَصِيرنا
فثار أبو جَهْل منالك باغِيًا
وما نحنُ إلا في ثَلاثين راكبًا
فَيَا لُلؤَي لا تُطِيعُوا غُوَاتَكم
فإني أخافُ أن يُصَبَّ عَلَيْكُم
رواية شعر الكفرة:
لكني لا أعرِض لشيء من أشعار الكَفَرة التي نالوا فيها من رسول الله وَّهَ إلا شعر مَنْ
أسلم وتَابَ كضِرَار وابن الزَّبَغْرى، وقد كرِه كثيرٌ من أهل العلم فعل ابن إسحق في إدخاله
الشعرَ الذي نِيلَ فيه من رسول الله - وَ ل﴿ ـ ومِن الناس مَن اعتذر عنه: قَال حكاية الكُفْرِ ليسَ
بكفر والشعرُ كلامٌ، ولا فرقَ أن يُروى كلامُ الكفَرة ومُحَاجَّتُهم للنبيِ نََّ وردُهم عليه مَنْثورًا
وبين أن يُروى منظومًا، وقد حكى ربُّنا سبحانه في كتابه العزيز مقالاتِ الأُمم لأنبيائها، وما طَعَنوا به
عليهم، فما ذُكِر من هذا على جهة الحكايةَ نظْمًا أو نثرًا فإنما يُقْصَد به الاعتبارُ بما مضى،
وتَذَكَّرُ نعمة الله تعالى على الهدَى، والإنقاذ من العَمَى. وقد قال عليه السلام: ((لأن يَمْتَلىءَ
جَوْفُ أحدِكم قيْحًا خيرٌ له من أن يَمْتَلِىءَ شِعْرًا))(١) وتأوَّلْته عائشةُ رضي الله عنها في الأشعار
(١) أخرجه البخاري (٤٥/٨) ومسلم في الشعر (١٠/٩/٨/٧) وأبو داود (٥٠٠٩) بتحقيقي. والترمذي
(٢٨٥١) وابن ماجة (٣٧٥٩/ ٣٧٦٠) وأحمد (١٧٥/١ / ١٧٧).
٣٦

شعر أبي جهل في الرد على حمزة:
فأجابه أبو جهل بن هشام، فقال:
عجِبْتُ لأسبابِ الحَفيظة والجَهل
وللتّارِكِينَ ما وجَدْنا جُدُودَنا
أَتَوْنا بإقْكِ كيْ يُضِلُوا عقُولَنا
فقُلْنا لَهُمْ: يا قومنا لا تخالِفوا
فإنَّكم إن تَفْعَلوا تَدْعُ نسوةٌ
وإن تَرْجِعوا عمَّا فعلتم فإنَّنا
فقالوا لنا: إنَّا وَجَدْنا محمدًا
فلمَّا أبَوًا إلا الخلافَ وزيَّنوا
تَيَمَّمتهُمْ بالسَّاحِلَيْنِ بغارةٍ
فَورَّعني مَجْدِي عنهم وصُخْبتي
لإِل علينا واجبٍ لا نضيعه
فلولا ابنُ عَمْرو كنتُ غادرتُ منهم
ولكنَّه آلى بإل فقَلَّصت
فإنْ تُبْقِني الأيّامُ أزجغْ عليهم
بأيدي حُماةٍ من لُؤَيّ بن غالب
وللشَّاغِبِينَ بالخِلافِ وبالبُطْل
عليه ذوي الأخساب والسُّؤدد الجزل
وليس مُضِلاً إِفْكُهم عقلَ ذي عقل
على قومكم إنَّ الخلافَ مدى الجَهْل
لهنَّ بواكِ بالرَّزيَّةِ والشُّكْل
بَنو عَمِّكم أهلُ الحَفائِظ والفَضْلِ
رِضًا لذوي الأحلام منا وذي العَقْل
جِماعَ الأُمور بالقَبِيحِ مِنَ الفِعل
لأَتْرُكهم كالعَضْف ليس بذي أصْل
وقد وَازَّرُونِي بالسُّيوف وبالنَّبْل
أمينٌ قواه غير مُنْتَكِث الحَبْل
مَلاحم للطَّير العُكُوف بلا تَبْل
بأيمَاننا حدُّ السّيوف عن القَتل
بِبِيضٍ رِقاق الحدّ مُحدَثة الصّقْلِ
كرام المساعي في الجُدوبة والمَخْل
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هذا الشعر لأبي جهل.
التي هُجِي بها رسول الله - وََّ ـــ وأنكرت قولَ مَنْ حمله على العُموم في جميع الشعرِ، وإذا
قلنا بما رُوِي عن عائشةَ في ذلك، فليس في الحديث إلا عيب امتلاءِ الجوفِ منه. وأما رواية
اليسير منه على جهة الحكاية، أو الاستشهاد على اللغة، فلم يدخل في النهي، وقد ردّ أبو
عُبَيْد على من تأوَّل الحديثَ في الشعر الذي هُجِي به الإسلامُ، وقال: رواية نصف بيت من
ذلك الشعر حرامٌ، فكيف يُخَصُّ امتلاءُ الجوف منه بالذم، وعائشة أعلم، فإِن البيتَ والبيتين والأبيات
من تلك الأشعار على جهة الحكاية بمنزلة الكلام المنثور الذي ذَمُّوا به رسول الله - وَلَرَ - لا
فرق وقول عائشة الذي، قدمناه ذكره ابن وَهْبٍ في جامعه، وعلى القول بالإباحة، فإن
للنّفسَ تَقَذَّرُ تلك الأشعارَ وتبغضها وقائليها في الله، فالإعراض عنها خيرُ من الخَوْضِ فيها
والتتبع لمعانيها.
٣٧

غزوة بواط
قال ابن إسحاق. ثم غزا رسولُ اللهِ وَلّ في شهر ربيع الأوّل يريد قريشًا.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة السائبَ بن عثمان بن مَظعُون.
قال ابن إسحاق: حتى بلغ بُواط، من ناحية رَضْوَى، ثم رجعَ إلى المدينة ولم يَلق
كيدًا، فلبث بها بقيَّةَ شهر ربيع الآخر، وبعض جمادى الأولى.
غزوة العشيرة
أبو سلمة على المدينة:
ثم غزا قريشًا، فاستعمل على المدينة أبا سَلمة بن عبد الأسد، فيما قال ابن هشام.
غزوة بواط(١)
ويُوَاطُ جبلان فرعان لأصْل، وأحدُهما: جَلْسِيٍّ، والآخر غَوْرِيّ، وفي الجلِسي بنو
دِينارِ [موالي بني كُلَيْب بن كثيرًا يُنْسَبون إلى دينار مولى عبد الملك بن مَرْوَان.
ذكر فيه استخلافَ رسول الله - وََّ ـ على المدينةِ السائبَ بنَ مَظْعُونٍ، وهو أخو
عثمان بن مظعون بن حبيب بن وَهْبٍ بن حُذَافَة بن جُمَح، شهد بدرًا في قول ابن إسحق،
ولم يذكره موسى بن عُقْبَة في البَذْرِيِّين، وأما السَّائب بن عثمان وهو ابن أخي هذا، فشهد
بدرًا في قول جميعهم إلا ابن الكلبي، وقتل يوم اليمامة شهيدًا.
غزوة العشيرة(٢)
يقال فيها: العُشَيْرَة والعُشَيْراء وبالسين المهملة أيضًا العُسَيْرَة والعُسَيْراء، أخبرني بذلك
الإمامُ الحافظُ أبو بكر رحمه الله، وفي البخاري: أن قَتَادَةَ سُئِل عنها فقال: العُشَيْر(٣)،
ومعنى العُسَيْرة والعُسَيْراء، أنه اسم مُصَغَّر من العَسْرَاءِ والعُسْرَى، وإذا صغر تصغير التَّرْخيم
(١) انظر المغازي للواقدي (١٢/١) البداية والنهاية (٢٤٦/٣) المنتظم (٨٩/٣) تاريخ الطبري (٤٠٧/٣)
الطبقات لابن سعد (٣/١/٢) الاكتفاء (٨/٢) الزاد (١٦٥/٣) ابن سيد الناس (٢٢٦/١).
(٢) انظر المغازي للواقدي (١٣/١٢/١) البداية والنهاية (٢٤٦/٣) تاريخ الطبري (٤٠٨/٢) الاكتفاء
(٨/٢) المنتظم (٩٠/٣) الطبقات لابن سعد (٤/١/٢) الدلائل للبيهقي (٨/٣).
(٣) أخرجه البخاري (٢١٧/٧) معلقًا.
٣٨

الطريق إلى العشيرة:
قال ابن إسحاق: فسلك على نَقْب بني دِينار، ثم على فَيْفاء الخَبار، فنزل تحت
شجرة ببَطْحاءِ ابنِ أزْهَر، يقال لها: ذات الساق، فصلّى عندها. فثمَّ مسجدُهُ وَّرَ، وصُنع
له عندها طعامٌ، فأكل منه، وأكل الناس معه، فمَوْضع أثافي البُزْمة مَعْلوم هنالك، واستُقِيَ
له من ماء به، يقال له: المُشْتَرِب، ثم ارتحل رسولُ اللهِ وَل﴿ فترك الخَلائِق بيسار،
وسلك شُعبة يقال لها: شُغْبة عبد الله، وذلك اسمُها اليوم، ثم صَبَّ لليسار حتى هَبطً
يَلْيَل، فنزل بمُجْتمعه ومُجْتمع الضَّبُوعة، واستقى من بِئر بالضَّبُوعة، ثم سلك الفَرْش:
فَرْشَ مَلَل، حتى لَقي الطَّريقَ بصُحَيْرات اليمام، ثم اعتدل به الطريقَ، حتى نزل العُشيرة
من بطن يَنْبُع. فأقام بها جُمادى الأولى ولَيالي من جُمادى الآخرة، وادع فيها بني مُذْلِج
وحلفاءَهم من بني ضَمْرة، ثم رَجَع إلى المدينة، ولم يَلْق كيدًا.
قيل: عُسَيْرة، وهي بقلة تكون أَذَنَةً أي عَصِيفَة، ثم تكون سِحَاء، ثم يقال لها: العَسْرى. قال
الشاعر :
بأطْرَاف عَسْرَى شَوْكُها قد تَخَدَّدًا
وما مَنّعناها الماء إلا ضَئَانَةً
ومعنى هذا البيت كمعنى الحديث: ((لا يُمْنَعُ فَضْلُ الماءِ ليُمْنَع به الكَلَُّ))(١). وأما
العُشَيْرة بالشين المنقوطة، فواحدة العُشَر مُصَغّرة.
وذكر فيها الضَّبُوعَة، وهو: اسم موضع، وهو فَعُولَةَ مَنْ ضَبَعَتِ الإبلُ: إذا أمرَّت
أضبَاعَها في السَّيْر (٢) وفي الضَّبُوعَةِ نزل عند شَجَرة، يقال لها: ذات السَّاقِ، وابتنى ثَمَّ
مَسْجِدًا، واسْتَسْقَى من ماءٍ هنالك يقال له المشيرب كذلك جاء في رواية البَكّائِي وغيرهِ عن
ابن إسحق .
وذكر فيه ملَلاً، وهو اسم موضع يقال: إنه إنما سُمِّي مَلَلاً؛ لأن الماشي إليه من
المدينة لا يبلغه إلاَّ بعد جهد ومَلَلٍ، وهو على عشرين ميلاً من المدينة، أو أكثر قليلاً وذكر
الخَلاَئِقَ وهي آبار معلومة .
ورواه غير أبي الوليد الخَلاَئِقَ بخاءَ منقوطة، وفسرها بعضهم: جمع خَلِيقَة وهي البئر
التي لا ماءَ فيها، وأكثر روايات الكتاب على هذا فالله أعلم.
(١) أخرجه البخاري (١٤٤/٣) ومسلم في المساقاة (٣٦) وأبو داود (٣٤٧٣) بتحقيقي. والترمذي
(١٢٧٢) وابن ماجة (٢٤٧٨).
(٢) أي أسرعت في السير.
٣٩

تكنية علي بأبي تراب
وفي تلك الغَزْوة قال لعلي بن أبي طالب عليه السلام ما قال.
قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيد بن محمد بن خَيْثَم المُحاربي، عن محمد بن كعب
القَرَظيّ، عن محمد بن خيثم أبي يزيد، عن عمَّار بن ياسر، قال: كنت أنا وعليّ بن أبي طالب
رفيقين في غَزْوة العَشَيرة، فلمّا نَزَلها رسول الله وَّةَ وأقام بها، رأينا أناسًا من بني مُذْلج
يَعْملون في عَيْن لهم وفي نَخْل، فقال لي عليّ بن أبي طالب: يا أبا اليَقْظَان، هل لك
في أن تأتي هؤلاء القوم، فننظر كيف يعملون؟ قال: قلت: إن شئت، قال: فجثناهم،
فنَظَرْنا إلى عملهم ساعةً، ثم غَشِيَنا النَّومُ. فانطلقتُ أنا وعليّ حتى اضطجعنا في صُور من
النخل، وفي دَفْعاء من التراب فنمنا، فوالله ما أهَبَّنا إلا رسولُ الله ◌َّهِ، يُحرّكنا برِجْله.
وقد تَتَرَّبْنا من تلك الدُّفْعاء التي نِمْنا فيها، فيومئذ قال رسول الله وَّ لعليّ بن أبي طالب:
((ما لك يا أبا تُراب؟)) لما يَرى عليه من التراب، ثم قال: ((ألا أُحدّثكما بأشْقى الناس
رَجُلَيْنِ؟)) قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: ((أَحَيْمر ثَمود الذي عَقَر النَّاقة، والذي يَضُربك يا
عليّ على هذه - ووضع يده على قَرْنه - حتى يَبُلّ منها هذه)). وأخذ بلخيته (١).
وذكر فَرْشَ مَلَلٍ، والفَرْشُ فيما ذكر أبو حنيفة: مكانٌ مُسْتَوِ نَبْتُهُ العُرْفُطُ والسَّيَّالُ والسَّمُرُ
يكون نحوًا من ميل أَو فَرْسَخ، فإن أنبت العُرْفُطَ وحده فهو وَهْطٌّ، وإن أنبت الطَّلْحَ وحده،
فهو غَوْلٌ وجمعه غيلان على غير قياس، وإن أنبت النَّصِيَّ والصُلْيَانَ، وكان نحوًا من ميلين
قيل له: لُمِعَة .
تكنية علي بأبي تراب
وذكر حديثين في تَكْنِية علي بأبي ترابٍ، وأصح من ذلك ما رواه البخاري في جامعه:
وهو أن رسول الله - وَيول ـ وجده في المسجد نائمًا وقد تَرِب جنبُه، فجعل يَحُثُّ الترابَ عن
جنبه، ويقول: قم أبا تراب، وكان قد خرج إلى المسجد مغاضبًا لفاطمة(٢)، وهذا معنى
الحديث، وما ذكره ابن إسحق من حديث عَمَّار مخالف له، إلا أن يكونَ رسول الله وَلَ كنَّاه
بها مرتين، مَرَّةً في المسجدِ، ومَرَّة في هذه الغزوة، فالله أعلم.
أشقى الناس:
وذكر أشقى الناس قال: وهو أحَيْمرِ ثمود الذي عَقَّر ناقةَ صالح واسمه: قدَارُ بن
(١) أخرجه الحاكم (١٤١/٣).
(٢) أخرجه البخاري (٤٤٦/١) ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٠٩).
٤٠