Indexed OCR Text

Pages 1-20

◌َخْرَ الْأَنْفُ
> 3
في تَفْسِير السّيَرَةِ النَّبَوَّةِلِآَبَنِ هِشَامِ
للإمَامِ أَبَ الْقَاسِمِ عَبد الرحمن بن عَبدِ اللَّهِ بِن أَحَد بن أبي الحَسَن
الختعَ السُّهيلي
المتوفى سنة ٥٨١هـ
وَمَعَه
السّيرَة النَّبَوَيَّة
للإمَامِ أَ محمد عبد الملك بن هِشَامِ المَعَافِريّ
المتوفى سنة ٢١٣هـ
علَّقَ عليه وَوضع حواشيه
مجدي بن منصور بن سيد الشورى
تنبيه
وَضعَا نصّ السّيرَة النبويَّةَّلابن هِشَامٍ في أعلى الصفحات
وَوَضعَنَا أَسَفَل منهَا نصّ الرَّوَضِ الأُنُفُ
وَفَصَلَنَا بينهَمَا فخْطٍ.
الجُزءُ الثَّالِثْ
منشورات
محمد عَلى بيضون
دار الكتب العلمية
بيروت- لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر نصارى نجران وما أنزل الله فيهم
معنى العاقب والسيد والأسقف:
.-.
قال ابن إسحاق: وقَدِم على رسول الله وَ ل ◌َ وفْدُ نَصارى نَجْران، ستُّون راكبًا، فيهم
أربعةَ عشرَ رجلاً من أشرافهم، في الأربعةَ عَشَر منهم ثلاثةُ نفر إليهم يؤول أمْرُهم:
العاقب، أميرُ القوم وذو رَأيهم، وصاحب مَشُورتهم، والذي لا يُصْدِرون إلا عن رأيه،
واسمُه: عبد المسيح(١)، والسيد لهم: ثِمَالُهم، وصاحبُ رَحْلهم ومُجْتَمعهم، واسمُه:
الْأَيْهَم، وأبو حارثة بن عَلْقمة، أحدُ بني بَكْر بن وائل، أَسْقُفُّهم وحَبْرهم وإمامهم،
وصاحب مِذرَاسِهم.
منزلة أبي حارثة عند ملوك الروم:
وكان أبو حارثة قد شَرُف فيهم، ودَرس كتبهم، حتى حَسُن علمه في دينهم،
فكانت مُلوك الرّوم من النّصرانيّة قد شرّفوه وموّلوه وأخْدموه، وبَنَوْا له الكنائس، وبَسطوا
عليه الكرامات، لِمَا يَبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم.
ذكر نصارى نجران وما أنزل الله فيهم
قد تقدَّم أن نجرانَ عُرفت بنَجْرَانَ بنِ زيْدِ بن يَشْجُبَ بنِ يَعْرُبَ بنِ فَحْطَانَ، وأما أهلها
فهم: بنو الحارث بن كعب من مَذحِج.
(١) لا يجوز أن يقال: عبد المسيح، وكذا عبد الرسول، وكذا عبد العال، وعبد المنصف،
وعبد المنتقم، وعبد الوحيد، وعبد اللاه، وعبد الراضي، وعبد النبي ... إلى غير ذلك من
الأسماء التي فيها تعبيد لغير الله تعالى، أو لما ليس من أسمائه تعالى وعزّ وجلّ.
٣

السبب في إسلام كرز بن علقمة:
فلما رجعوا إلى رسول الله - وَ * - من نَجْرانَ، جَلس أبو حارثةَ على بَغْلة له
موجّهَا، وإلى جَنْبه أخٌ له، يقال له: كوز بن علقمة - قال ابن هشام: ويقال: كُرْز .
فعثرت بَغْلةُ أبي حارثة، فقال كُوز: تَعَسَ الأبْعدُ، يريد: رسولَ اللهِوَ لّ. فقال له أبو
حارثة: بل أنت تَعَسْت! فقال: ولِمَ يا أخي؟ قال: والله إنه للنَبِيُّ الذي كنّا ننتظر، فقال
له كوز: ما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القومُ، شرّفونا ومَوّلونا
وأكرمونا، وقد أبَوْا إلا خِلاَفة، فلو فعلتُ نَزَعوا منّا كلّ ما ترى. فأضمر عليها منه أخوه
كوز بن عَلْقمة، حتى أسلم بعد ذلك. فهو كان يُحدّث عنه هذا الحديث فيما بلغني.
رؤساء نجران وإسلام ابن رئيس منهم:
قال ابن هشام: وبلغني أن رؤساء نَجْران كانوا يتوارثون كتبًا عندهم. فكلَّما مات
رئيسٌ منهم، فأفْضَتِ الرياسةُ إلى غيره، خَتم على تلك الكُتب خاتمًا مع الخواتم التي
كانت قبله ولم يَكْسِرها، فخرج الرئيسُ الذي كان على عهد النبيّ - ◌َّهِ - يَمْشِي، فَعَثر،
فقال له ابنُه: تَعَس الأبعدُ! يريد النبيَّ - وَلَّ - فقال له أبوه: لا تفعل، فإنه نبيّ، واسمُه
في الوضائع، يعني .. الكتب، فلما مات لم تكن لابنه همَّة إلا أن شدَّ فكسر الخواتم،
فوجَد فيها ذكر النبيّ - وََّ - فأسلم فحسُن إسلامُه وحجّ، وهو الذي يقول:
إِليك تَعْدو قَلِقًا وَضينُها مُعْترِضًا في بَطْنها جَنِينُها
مُخالفًا دينَ النَّصارى دينُها
قال ابن هشام: الوضين: الحزام، حزام الناقة. وقال هشام بن عُروة: وزاد فيه
أهلُ العراق:
مُعْترضًا في بطْنها جَنينُها
فأما أبو عبيدة فأنشدناه فيه.
تأویل کن فیکون :
ذكر فيه قولهم للنبي بَّرَ: مَنْ أبوه يا محمّد، يعنون عيسى، فأنزل الله تعالى: ﴿إن
مَثَلَ عيسَى عندَ الله﴾ إلى قوله: ﴿كن فيكون﴾ وفيها نُكْتَة، فإن ظاهرَ الكلام أن يقول: خلقه
من تراب، ثم قال له: كُن فَكان، فيعطف بلفظ الماضي على الماضي، والجواب: أن الفاءُ
تعطِي التَّعْقِيبَ والتَّسْبيبَ، فلو قال: فكان لم تدل الفاءُ إلا على التسبيب، وأن القولَ سَبَبٌ
للكَوْن، فلما جاء بلفظ الحال دَلَّ مع التسبيب على استعقاب الكون للأَمْرِ من غير مَهَلٍ، وأن
٤

صلاة النصارى إلى المشرق:
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمّد بن جَعْفر بن الزبير، قال: لما قَدِموا على رسول
الله - الَّه - المدينة، فدَخلوا عليه مَسْجده حين صلّى العصر، عليهم ثيابُ الحِبَرات،
جُبَب وأزدية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب. قال: يقول بعض من رآهم من
أصحاب النبيّ وَّل يومئذ: ما رأينا وفدًا مِثلهم، وقد حانت صلاتُهم، فقاموا في مسجد
رسول الله - رَّ - يصلُّون، فقال رسولُ الله - وَلَّ ـ دعُوهم؛ فصلَّوا إلى المشرق.
أسماء وفد نجران ومعتقدهم ومجادلتهم الرسول وَلآت :
قال ابن إسحاق: فكانت تَسْمية الأربعةَ عشَرَ، الذين يؤول إليهم أمرُهم: العاقب،
وهو عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن عَلْقمة أخو بني بَكْر بن وائل،
وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، ونبيه، وخُويلد، وعمرو، وخالد،
وعبد الله، ويُحَنَّس، في ستِين راكبًا، فكلَّم رسولَ الله - وَلَّ - منهم أبو حارثة بن
عَلْقمة، والعاقب عبد المسيح، والأيهم السيِّد - وهم من النّصرانية على دين المَلك، مع
اختلاف من أمرهم، يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة.
وكذلك قولُ النَّصرانية.
فهم يحتجُّون في قولهم: ((هو الله)) بأنه كان يُخبِي الموتى، ويُبْرىء الأسقام،
ويُخبر بالغُيوب، ويَخْلُق من الطين كهيئة الطير، ثم يَنْفُخ فيه فيكون طائرًا، وذلك كله
بأمر الله تبارك وتعالى: ﴿ولنجعلَه آيةً للناس﴾ .
ويحتجُون في قولهم: ((إنه ولد الله) بأنهم يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلّم
في المهد، وهذا لم يصنعه أحدٌ من ولد آدم قبله.
الأمْرَ بين الكاف والنون، قال له: كُنْ فإذا هو كائنٌ، واقتضى لفظُ فِعْلَ الحالِ كَونَه في
الحال، فإن قيل وهي مسألة أخرى: إن آدم مكث دهرًا طويلاً(١)، وهو طين صَلْصَالٌ، وقوله
للشيء: كن فيكون يقتضي التعقيب، وقد خلق السمواتِ والأرضَ في ستة أيام، وهي ستة
آلافِ سنةٍ(٢)، فأين قولُه: كن فيكون من هذا؟
(١) لا دليل صحيح على مكوثه دهرًا طويلاً.
(٢) يبدو أنه رحمه الله تعالى أخذ قوله تعالى: ﴿وإن يومًا عند ربّك كألف سنة مما تعبدون﴾ فجعل أيام
الله على هذه المدة الزمنية، ومن ثم قال أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام أي ستّة آلاف
سنة وهو تفسير بعيد جدًا كما يبدو.
٥

ويحتجُون في قولهم: ((إنه ثالثُ ثلاثة)) بقول الله: فَعَلْنَا، وَأَمَرْنَا، وخَلَقْنَا، وقضينا،
فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلتُ، وقضيت، وأمرت، وخلقت، ولكنه هو
وعيسى ومَزيم. ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن - فلمّا كلَّمه الحَبْران، قال لهما
رسولُ اللهِ وَر: ((أسْلما))، قالا: قد أسلمنا، قال: ((إنكما لم تُسْلِما، فأسْلِما))، قالا:
بلى، قد أسلمنا قبلك. قال: ((كذبتُما، يَمْنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدًا، وعبادتُكما
الصليب، وأكلُكما الخنزير))؛ قالا: فمَن أبوه يا محمد؟ فصَمت عنهما رسولُ الله - دَ . -
فلم يُحِبْهما(١).
تفسير ما نزل من آل عمران في وفد نجران
فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم، واختلاف أمرهم كلُه، صَدْرَ سورة آل عِمْران
إلى بضع وثمانين آية منها، فقال جلّ وعَزّ: ﴿الَّمَّ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ .
فافتتح السورة بتَنْزيه نفسه عمَّا قالوا، وتَوْحيده إياها بالخَلْقِ والأمر، لا شريك له فيه، ردًّا
عليهم ما ابتدعوا من الكُفر، وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجًا بقولهم عليهم في
صاحبهم، ليعرّفهم بذلك ضلالَتهم، فقال: ﴿الَّ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ليس معه غيره
شريك في أمره ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ الحيّ الذي لا يموت، وقد مات عيسى وصُلب في
قولهم. والقيّوم: القائم على مكانه من سلطانه في خَلْقه لا يزول، وقد زال عيسى في
قولهم عن مكانه الذي كان به، وذهب عنه إلى غيره. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتابَ بِالحَقّ﴾، أي
فالجواب: ما قال أهلُ العلم في هذه المسألة، وهو أن قول الباري سبحانه: كن يتوجه
إلى المخلوقِ مُطْلقًا ومقيدًا، فإذا كان مطلقًا كان كما أراد لحِينِهِ، وإذا كان مقيدًا بصفة أو
بزمان كان كما أراد على حسب ذلك الزمان الذي تقيد الأمر به، فإن قال له: كن في ألفٍ
سنة، كان في ألف سنة، وإن قال له: كن فيما دون اللحظة كان كذلك.
تأويل آيات محكمات
فصل: وذكر صَذْرَ سورة آلٍ عِمْرَانَ، وفسَّر منه كثيرًا، فمنه قوله سبحانه: ﴿منه آياتٌ
مُحْكَمَاتٌ﴾ وهو ما لا يحتمل إلا تأويلاً واحدًا، وهو عندي من أحكَمْتُ الفَرسَ بحَكَمَتِهِ،
أي: منعته من العُدولِ عن طريقه كما قال حسان:
ونُحكِم بالقَوَافِي مَنْ هَجَانا
(١) حديث وفد نجران أخرجه الطبري في تفسيره (٤٢٨/٢ - ٤٣٠) وانظر تفسير ابن كثير (٤٠/٢).
٦

بالصدق فيما اختلفوا فيه: ﴿وَأَنْزَلَ الثَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ﴾: التوراة على موسى، والإنجيل
على عيسى، كما أنزل الكتب على من كان قبله: ﴿وَأَنْزَلَ الفُرْقَانَ﴾، أي الفصل بين
الحقّ والباطل فيما اختلف فيه الأحزابُ من أمر عيسى وغيره ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ
اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذو انْتِقام﴾، أي: إن الله منتقم ممَّن كفر بآياته، بعد
عِلْمه بها، ومَعْرفته بما جاء منه فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأرْضِ وَلا فِي
السَّماء﴾، أي قد علم ما يُريدون وما يَكيدون وما يُضاهون بقولهم في عيسى، إذ
جعلوه إِلَهَا وربًّا، وعندهم من علمه غيرُ ذلك، غِرَّةً بالله، وكفرًا به. ﴿هُوَ الَّذِي
يُصَوّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي: قد كان عيسى ممن صُوّر في الأرحام، لا
يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صُوّر غيره من ولد آدم، فكيف يكون إلها، وقد كان
بذلك المَنزل؟! ثم قال تعالى إنزاهًا لنفسه، وتوحيدًا لها مما جعلوا معه: ﴿لا إلهَ إِلاَّ
هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، العزيز في انتصاره ممَّن كفر به إذا شاء، الحكيمُ في حجَّته وعُذْره
إلى عباده. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْه آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ فيهنّ
حُجَّة الربّ، وعِضمة العباد، ودَفْع الخُصوم والباطل، ليس لهنّ تصريف ولا تحريف
عما وُضعن عليه ﴿وَأُخَرُ مُتَشابهاتٌ﴾ لهنّ تصريف وتأويل، ابتلى الله فيهنّ العباد، كما
ابتلاهم في الحلال والحرام، ألاَّ يُصْرَفْن إلى الباطل، ولا يُحرَّفن عن الحقّ. يقول
عزّ وجلّ: ﴿فأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، أي: مَيْل عن الهدى ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَةَ
مِنْهُ﴾، أي ما تصرّف منه، ليصدّقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا؛ لتكون لهم حجة، ولهم
على ما قالوا شُبهة ﴿ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ﴾، أي: اللبس ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. ذلك على ما رَكِبوا
أي: نُلْجِمه فنمنعه، وكذلك الآية المُحكمة لا تَتصرف بقارئها التأويلاتُ، ولا
تتعارض عليه الاحتمالاتُ، وليس من لفظ الحِكْمة، لأن القرآن كلَّه حِكْمةٌ وعِلْم.
والمتشابهُ يميل بالناظر فيه إلى وجوه مختلفة، وطرق متباينة، وقوله سبحانه: ﴿كتابٌ
أُحْكِمَت آياتُه﴾ هذا من الحِكْمَة ومن الإِحْكَامِ الذي هو الإتقانُ، فالقرآن كله مُخْكَمٌ على
هذا، وهو كله من هذا الوجه مُتَشَابٌ أيضًا، لأن بعضَه يُشبه بعضًا في بَرَاعةِ اللفظ، وإعجاز
النظم، وَجَزالة المعنى، وبدائِع الحِكْمة، فكُلُّه مُتَشَابَهُ وكُلُّهُ مُحكم، وعلى المعنى الأول:
﴿منه آياتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابهاتٌ﴾ فأهل الزَّيْغ يَعْطِفون المُتَشَابِه على أَهوائهم
ويُجَادلون به عن آرائهم، والراسخُون في العَلْم يَرُدُّون المتشابه إلى المحكم أخْذًا بقَول الله
تعالى: ﴿فإن تنازَعْتُم فِي شَيْءٍ فَرُدُّوه إلى اللَّهِ والرسول﴾ وعِلْمًا بأن الكُلَّ من عندِ الله، فلا
يخالف بعضُه بَعْضًا. روت عائشة عن رسول الله وَّر في قوله تعالى: ﴿فأمَّا إِلذين في
قُلوبِهِمْ زيْغٌ فِيَتَّبِعُون ما تشابه منه ابتغَاءَ الفِتْنَة وابتِغَاءَ تأويلِه﴾ قال: إذا رأيتم الذين يُجَادِلون
٧

من الضلالة في قولهم: خلقنا وقضينا. يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾، أي: الذي به
أرادوا ما أرادوا ﴿إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عَنْدِ رَبِّنا﴾ فكيف
يختلف وهو قولٌ واحد، من ربّ واحد؟! ثمَ ردّوا تأويل المُتشابه على ما عرفوا من
تأويل المُحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، واتَّسق بقولهم الكتاب،
وصدّق بعضُه بعضًا، فنفذت به الحُجَّة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودَمغ به
الكفرَ. يقول الله تعالى في مثل هذا: ﴿وَما يَذَّكَّرُ﴾ في مثل هذا ﴿إِلاَّ أُولُو الألْبابِ رَبَّنا
لا تُزِعْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ أي لا تُمل قلوبنا، وإن مِلْنا بأحداثنا. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ
لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾. ثم قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ
وأُولُو العِلْمِ﴾ بخلاف ما قالوا: ﴿قائمًا بالقِسْطِ﴾، أي بالعدل (فيما يريد) ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ
هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ إِنَّ الدّينَ عنْدَ اللَّهِ الإسلامُ﴾، أي: ما أنت عليه يا محمد: التوحيدُ
فيه، فهَمْ أولئك فاحذَروهم(١): وللسلَفِ في معنى المُخكم ومعنى المتشابه أقوال متقاربة،
إلا أن منهم من يرى الوقفَ على قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ويرونه تمام الكلام،
ويحتجون بقراءة ابن عباس ويقولُ: الرَّاسِخُون في العِلْم (٢)، وهو قول عمر بن عبد العزيز
أن الرّاسخين في العلم لا يعلمون التأويل، وإن علِمُوا التفسير. والتأويلُ عند هؤلاء غيرُ
التفسير إنما هو عندهم في معنى قوله سبحانه: ﴿يوم يأتي تأويلُه﴾ وطائِفةٌ يرون أن قولَه:
والرّاسخونَ مَعْطُوفٌ على ما قبلَه، وأنهم عالمون بالتأويل، ويحتجون بما يطول ذكره من
أَثَر ونظر، والذي أرتضيه من ذلك مذهبٌ ثالث، وهو الذي قاله ابن إسحق في هذا
الكتاب، ومعناه كلُّه أن الكلامَ قد تَمَّ في قوله: وما يعلم تأويلَه إلا الله. والرّاسخون في
العلم: مبتدأٌ، لكن لا نقول: إنهم لا يعلمون تأويله. كما قالت الطائفة الأولى، ولكن
نقول: إنهم يَعْلَمُونه برَدُ المتشابه إلى المُحكم، وبالاستدلال على الخَفَّي بالجَلِيِّ، وعلى
المختلف فيه بالمُتَّفَقِ عليه، فَتَنْقُذ بذلك الحُجَّةُ، ويُزاحَ الباطل، وَتعظُمَ درجةُ العالم عند
الله تعالى، لأنه يقول: آمنت به كُلِّ مِنْ عِنْد رَبِّي فكيف يختلف؟! ولما كان العِلْمَان
مختلفين: عَلْم الله، وعِلْمُ الرّاسخين في العِلْم لم يَجُزْ عطفُ: ((الرّاسخون)) على ما قبله،
فالله يعلم تأويله العِلْم القَديم(٣).
(١) ((صحيح)). أخرجه البخاري ومسلم في العلم (١) وأبو داود (٤٥٩٨) بتحقيقي. وابن ماجة (٤٧)
والدارمي (٥٥/١).
(٢) قراءة غير متواترة تفتقر إلى السند الصحيح.
(٣) تقدم التنبيه غير مرة على أنه ليس من أسمائه تعالى ((القديم))، وكذا لم يرد عن النبي وَّر ولا في
خير القرون وصف علم الله تعالى بأنه علم قديم.
٨

للربّ، والتصديق للرسل. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكتابَ إِلاَّ منْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ
العِلْمُ﴾، أي: الذي جاءك، أي: أن الله الواحد الذي ليس له شريك. ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ
يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحسابِ فإنْ حاجُوكَ﴾، أي: بما يأتون به من الباطل
من قولهم: خلقنا وفعلنا وأمرنا، فإنما هي شبهة باطل قد عرفوا ما فيها من الحقّ
﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، أي وحدَه. ﴿وَمَنْ اتَّبَعَنِ وَقُلْ للَّذِينَ أُوتُوا الكتابَ
والأُمّيِينَ﴾ الذين لا كتاب لهم ﴿أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وإنْ تَوَّلَّوْا فِإِنَّمَا عَلَيْكَ
البلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بالعبادِ﴾ .
ما نزل من القرآن فيما ابتدعته اليهود والنصارى:
ثم جمع أهل الكتابَيْن جميعًا، وذكر ما أحدثوا وما ابتدعُوا، من اليهود والنصارى،
فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بغيرِ حَقِّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ
بالقسْطِ منَ النَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالكَ المُلْكِ﴾، أي: ربَّ العباد، والمَلِك
الذي لا يقضي فيهم غيرُه ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ
وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بَيَدِكَ الخَيْرُ﴾، أي: لا إله غيرك ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: لا
يقدر على هذا غيرك بسُلطانك وقُذْرتك. ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ
وتُخْرِجُ الحَيَّ منَ المَيْتِ وتُخْرِجُ المَيْتَ منَ الحَي﴾ بتلك القدرة ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بغيرِ
حساب﴾ لا يقدر على ذلك غيرك، ولا يصنعه إلا أنت، أي: فإن كنتُ سلَّطت عيسى
على الأشياء التي بها يزعمون أنه إله، من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام والخَلْق للطير
من الطين، والإخبار عن الغيوب، لأجعله به آيةً للناس، وتصديقًا له في نبوّته التي بعثته
بها إلى قومه، فإِن من سُلْطاني وقُذْرتي ما لم أُعطه تمليكَ الملوك بأمن النبوّة، ووَضْعها
حيث شئت، وإيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، وإخراج الحيّ من الميّت،
وإخراج الميّت من الحيّ، ورزق من شئت من بَرّ أو فاجر بغير حساب؛ فكلّ ذلك لم
أسَلْط عيسى عليه، ولم أُملِكه إياه، أفلم تكن لهم في ذلك عبرة وبيِّنة! أن لو كان إلها
كان ذلك كلُّه إليه، وهو في علمهم يهربُ من الملوك، ويَنتقل منهم في البلاد، من بلد
إلی بلد.
لا بِتذكّر، ولا بتَفكّرٍ، ولا بِتَذْقيق نظرً، ولا بفحص عن دليل، فلا يعلم تأويله هكذا
إلا الله، والرّاسخون في العِلم يعلمون تأويلَه بالفَخْصِ عن الدليل، وبتدقيق النظر وتَسْدِيد
العِبر، فهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّر إِلا أُولُو الألْبَابِ﴾ وهذا معنى كلام ابن إسحق
في الآية.
٩

ما نزل من القرآن في وعظ المؤمنين وتحذيرهم:
ثم وعظ المؤمنين وحذّرهم، ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، أي: إن كان
هذا من قولكم حقًّا، حبًّا لله وتعظيمًا له ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، أي:
ما مَضى من كفركم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قُلْ أطيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ فأنتم تعرفونه وتجدونه
في كتابكم ﴿فَإِنْ توَلَّوْا﴾، أي: على كفركم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحبُّ الكافرِينَ﴾.
ما نزل من القرآن في خلق عيسى:
ثم استقبل لهم أمرَ عيسى: (عليه السلام)، وكيف كان بدء ما أراد الله به، فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وآلَ إبْراهِيم وآلَ عِمْرَانَ عَلَى العالَمِينَ ذُرِيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ثم ذكر أمر امرأة عِمْرَان، وقولها: ﴿رَبّ إنّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِّي
مُحَرَّرًا﴾، أي: نذرته فجعلته عتيقًا، تعبُّدُه لله، لا ينتفع به لشيء من الدنيا: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي
إنك أنْتَ السَّميعُ العَليمُ فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وَضَعْتُها أَنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأَنْثَى﴾، أي: ليس الذكر كالأنثى لما جعلْتها محررًا لك نذيرة ﴿وإنّي
سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم﴾. يقول الله تبارك وتعالى:
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّها بقبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيًّا﴾ بعد أبيها وأمِّها.
قال ابن هشام: كفَّلها: ضمَّها.
احتجاج القسيسين للتثليث:
فصل: وذكر احتجاجَ الأحبارِ والقِسِيسِينَ من أهلِ نَجْرانَ بقوله عزّ وجلّ: خَلَقنَا وأمَرْنَا
وأشباه ذلك، وقالوا: هذا يدل على أنه ثالثُ ثلاثةٍ تعالى الله عن قولهم، وهذا من الزَّيْغ
بالمُتَشَابِه، دون رَدِه إلى المُحكم نحو قوله: ﴿وإِلَهُكُمْ إِلهٌ واحدٌ﴾ و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
والعجب من ضَعف عُقُولهم: كيف احْتَجُوا على محمد بما أُنْزِل على محمد، وهو أعلم
بمعنى ما أُنْزِل عليه، لأن هذا اللفظ الذي احتجوا به مَجَاز عربي، وليس هو لفظ الثَّوراة
والإنْجِيل، وأصل هذا المجاز في العربية أن الكتاب إذا صَدَر عن حَضْرة مَلِكٍ كانت العبارةُ
فيه عن الملكِ بلفظِ الجَمْع دلالةٌ على أنه كلامُ مَلِكِ مَتْبُوع على أمرِهِ، وقولِه: فلما خاطبهم
الله تعالى بهذا الكتاب العزيزِ أنزله على مذاهبهم في الكلام، وجاء اللفظُ فيه على أسلوبٍ
الكلام الصَّادِرِ عن حَضْرة المَلِكِ، وليس هذا في غير اللسانِ العربي، ولا يتطرقَ هذا المجازُ
في حُكْم العقلِ إلى الكلام القديم، إنما هو في اللفظ المنزَّل، ولذلك نجده إذا أخبر عن
قول قاله لنبيّ قَبْلَنا، أو خاطب به غيرَنا نحو قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لما خلقتُ بِيدَيّ﴾
ولم يقل: خلقنا بأيدينا، كما قال: مما عملته أيدينا، وقال حكاية عن وخيه لموسى:
١٠

آیات عن زکریًا ومريم:
قال ابن إسحاق: فذكّرها باليثم، ثم قصّ خبرَها وخبر زكريّا، وما دعا به، وما
أعطاه؛ إذ وهب له يحيى ثم ذكر مريم، وقول الملائكة وطَهَّرَك واصْطَفَاكِ لها ﴿يا مَرْيَمُ
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرك واصْطَفَاكُ عَلَى نِساءِ العالمِيْنَ يا مَرْيَمُ اقنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي
وَازْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ يقول الله عزّ وجلّ: ﴿ذلكَ مِنْ أنباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ
لَدَيهِم﴾ أي: ما كنت معهم ﴿اذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيمَ﴾ .
تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: أقلامهم: سهامهم، يعني قِداحهم التي اسْتَهَمُوا بها عليها، فخَرج
قِدْح زكريًّا فضمَّها، فيما قال الحسن بن أبي الحسن البصريّ.
دعوى كفالة جريج الراهب لمريم:
قال ابن إسحاق: كفَّلها هاهنا جُرَيج الراهب، رجل من بني إسرائيل نجَّارٌ، خرج
السهمُ عليه بحَمْلها، فحَملها، وكان زكريًّا قد كفَّلها قبل ذلك، فأصابت بني إسرائيل أزمةٌ
شديدة، فعجز زكريًّا عن حَمْلها، فاسْتَهمُوا عليها أيُّهم يكْفُلها، فخَرج السهمُ على جُرَيج
الراهب بكُفولها فكَفلها. ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِم إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: ما كنت معهم إذ
يختصمون فيها. يُخْبِره بخَفيِّ ما كَتموا منه من العِلم عندهم، لتحقيق نُبوّته والحجَّة عليهم
بما يأتيهم به ممَّا أخْفَوا منه.
﴿وَلِتُصْنَع على عَيْنِي﴾ ولم يقل: كما قال في الآية الأخرى: ﴿تجري بأعْيُنِنا﴾ لأنه أخبر عن
قولٍ قاله لم ينزله بهذا اللسانِ العربيِّ ولم يَخْكِ لَفْظًا أنزله، وإنما أخبر عن المعنى، وليس
المجازُ في المعنى، وكذلك لا يجوز لعبدٍ أن يقولَ ربِّ اغْفِروا، ولا ارْحَمُونِي، ولا عَلَيْكُمْ
تَوَكَّلْتُ، ولا إليكم أَنَبْتُ، ولا قالها نَبِيٍّ قَطُ في مناجاته، ولا نبيّ في دعائه لوجهين،
أحدهما: أنه واجب على العبد أن يُشْعِرَ قلبَه التوحيدَ، حتى يشاكل لفظُه عَقْدَهُ(١). الثاني: ما
قدمناه من سَيْرِ هذا المجاز، وأن سبَبه صدورُ الكلام عن حضرة الملِك موافقةً للعرب في
هذا الأسلوب من كلامها، واختصاصها بعادة ملوكها وأشرافها، ولا ننظر لقول من قال في
هذه المسألة، وبذلك رُوجِعوا، يعني: بلفظ الجمع، واحتج بقوله سبحانه خبرًا عَمَّن حضره
الموتُ من الكفار إذْ يقولُ: ((رَبِّ ارْجِعُونِ))، فيقال له: هذا خَبَرٌ عَمَّن حضرته الشياطينُ، ألا
(١) أي عقيدته.
١١

ثم قال: ﴿إِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهُ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ منْهُ اسمُ المَسِيحُ عِيسَى
ابنُ مَرْيَمَ﴾، أي: هكذا كان أمره، لا كما تقولون فيه: ﴿وَجِيهًا في الدُّنْيَا والآخِرَةِ﴾ أي
عند الله ﴿وَمِنَ المُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يخبرهم بحالاته
التي يتقلّب فيها في عُمره، كتقلّب بني آدم في أعمارهم، صغارًا وكبارا، إلا أن الله خصّه
بالكلام في مَهْده آيةً لنبوّته، وتَعْرِيفًا للعباد بمواقع قُدْرته. ﴿قَالَتْ رَبّ ◌َنَّى يَكُونُ لي وَلَدٌ
ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذلك اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشَاءُ﴾، أي يصنع ما أراد، ويخلُق ما يشاء من
بشر أو غير بشر ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فإنَّمَا يَقُولُ له كُنْ﴾ مما يشاء وكيف يشاء، ﴿فَيَكُونُ﴾
كما أراد.
ما نزل من القرآن في بيان آيات عيسى عليه السلام
ثم أخبرها بما يريد به، فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والثَّوْرَاةَ﴾ التي كانت
فيهم من عَهْد موسى قبله ﴿والإِنْجِيلَ﴾، كتابًا آخر أحدثه الله عزّ وجلّ إليه لم يكن
عندهم إلا ذِكْره أنه كائن من الأنبياء بعده ﴿وَرَسُولاً إلى بَنِي إِسْرائيل أنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ
مِنْ رَبِّكُمْ﴾، أي يحقّق بها نبوّتي، أنّي رسول منه إليكم ﴿أنّ أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةٍ
الطَّْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الذي بعثني إليكم، وهو ربّي وربُّكم ﴿وَأَبْرِىءُ
الأكْمَهَ والأبرَصَ﴾ .
ترى قبلَه: ((وأعوذ بك رَبِّ أن يَخضُرُونِ))، فإنما جاء هذا حكايةً عمَّن حضرتْه الشياطينُ،
وحضرته زَبَانِيةُ العذابِ وجرى على لسانِه في الموت ما كان يعتاده في الحياةِ من ردّ الأمر
إلى المخلوقين، فلذلك خَلَط، فقال: رَبِّ، ثم قال: ارجعُون، وإلاَّ فأنت أيها الرجلُ المجيزُ
لهذا اللفظِ في مخاطَبة الربِّ سبحانه: هل قلتَ قَطْ في دعائك: ارْحَمُون يا رَبِّ، وازْزُقُون؟!
بل لو سمعتَ غيرَك يقولُها لَسَطَوْتَ به، وأما قولٌ مالِكِ وغيرِه من الفقهاء الأمرُ عندنا، أو
رأيُنا كذا، أو نَرَى كَذا، فإنما ذلك، لأنه قول لم ينفرد به، ولو انفرد به لكان بِذْعة، ولم
يقصِد به تعظيمًا لنفسه، لا هو ولا غيره من أهل الدين والدَّعَة.
احتجاجهم الألوهية عيسى
وأما احتجاجُ القِسِّيسين بأنه كانَ يُحيي الموتى، ويخلق من الطين كهيئة الطير فَيَنْفُخُ
فيه، فلو تفَكَّروا لأبصروا أنها حُجَّةٌ عليهم، لأن الله تعالى خَصَّه دون الأنبياءِ بمعجزاتٍ تُبْطِلُ
مَقَالَة مَنْ كَذَّبه، وتُبْطِل أيضًا مَقَالةَ مَنْ زعم أنه إلهٌ أو ابنُ الإله واستحال عنده أن يكونَ
مخلوقًا من غير أب، فكان نفخُه في الطين، فيكونُ طائرًا حَيًّا: تنبيهًا لهم لوٍ عَقَلُوه على أن
مَثَلَه كَمَثَل آدمَ خُلِقِ مِنْ طِين، ثم نُفِخَ فيه الرُّوحُ، فكان بَشَرًا حَيًّا، فَنَفْخُ الْروحِ في الطائر
١٢

تفسير ابن هشام لبعض الغريب :
قال ابن هشام: الأكمه: الذي يولد أعمى. قال رؤبة بن العجَّاج:
هَرَّجتُ فارتدّ ارتدادَ الأكْمه
(وجمعه: كمه). قال ابن هشام: هرّجت: صحت بالأسد، وجلبتُ عليه. وهذا
البيت في أرجوزة له.
﴿وَأُخْبِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلك
لآيَةً لَكُمْ﴾ أني رسول الله من الله إليكم ﴿إِنْ كُنْتُم مُؤْمِنِينَ وَمصَدّقًا لِمَا بِينَ يَدَيَّ مِنَ
التَّوْرَاةِ﴾، أي لما سبَقني عنها ﴿ولِأَحلَّ لَكُمْ بَغْضَ الَّذِي حُرّمَ عَلَيْكُمْ﴾، أي أخبركم به
أنه كان عليكم حرامًا فتركتموه، ثم أُحله لكم تخفيفًا عنكم، فتصيبون يُسره وتخرجوه من
تِباعاته ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ﴾ أي تبريًّا من
الذين يقولون فيه، واحتجاجًا لربّه عليهم، ﴿فاعْبُدُوهُ هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، أي هذا الذي
قد حملتُكم عليه وجِثْتُكم به. ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرِ﴾ والعدوان عليه، ﴿قَالَ مَن
أَنْصَارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارِ اللَّهِ آمَنَّا باللَّهِ﴾ هذا قولهم الذي أصابوا به
الفضل من ربهم ﴿وَاشْهَدْ بَأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ لا ما يقول هؤلاء الذين يحاجُونك فيه ﴿رَبَّنَا آمَنَّا
بِمَا أُنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾، أي هكذا كان قولهم وإيمانهم.
الذي خَلَقْه عيسى من طِينٍ ليس بأعْجَبَ مِنْ ذلك، الكُلُّ فِعْل الله، وكذلك إخياؤُه للموتى،
وكلامُه في المهد، كُلُّ ذلك يدل على أنه مخلوق من نَفْخَةِ رُوحِ القُدُسِ في جَيْب أُمّه، ولم
يُخْلَقْ من مَنِيِّ الرجالِ، فكان معنى الرُّوح فيه - عليه السلام - أقوى منه في غيره، فكانت
مُعجزاتُه رُوحانِيَّةً ذَالةً على قوة المناسبةِ بينه وبين رُوح الحياة، ومن ذلك بقاؤه حَيًّا إلى قُرْب
الساعة. ورُوِيَ عن أَبَيِّ بن كَعْبٍ أنَّ الرُّوحِ الذي تَمَثَّل لها بشرًا هو الرُّوحُ الذي حملت به،
وهو عيسى عليه السلام دخل مِنْ فيها إلى جَوْفها. رَواه الكَشِّي بإسناد حَسَنٍ يرفعه إلى
أَبِيِّ(١)، وخُصَّ بإبراء الأَْمَه والأَبْرَص، وفي تخصيصه بإبراءِ هاتين الآفتين مُشَاكَلَةٌ لمعناه
- عليه السلام - وذلك أن فرقة عِمَيَتْ بصائرُهم، فكَذَّبوا نُبُوَّتَه، وهم اليهود وطائفةٌ غَلَوْا في
تعظيمه بعدما أبيَضَّت قلوبُهم بالإيمان، ثم أفسدوا إيمانَهم بالغُلُوِّ، فَمَثلُهمْ كَمَثَلِ الأَبْرَصِ
أبْيَضَّ بياضًا فاسدًا، ومَثَلُ الآخَرينَ مَثُل الأَكْمَّه الأَعْمى، وقد أعطاه الله من الدلائل على
(١) حديث يضاد صريح القرآن، أن الذي تمثّل لها قال المفسرون: إنما هو جبريل عليه السلام، الذي
خاطبها وبشرها بعيسى عليه السلام، لم يكن هو نفس الروح الذي حملت به.
١٣

الفريقين ما يُبْطِلَ المقالتين، ودلائل الحُدُوثِ تُثْبِتُ لَه العُبودِيَّة، وتَنْفي عنه الرُّبُوبِيَّة،
وخصائصُ مُعْجِزَاتِه تَنْفِي عن أُمُه الرِّيبَةَ وتُثْبِت له ولها التُّبُوَّةَ والصُّدِيقيَّة، فكان في مَسِيح
الهُدَى من الآياتِ ما يُشاكِلُ حالَه، ومعناه حَكْمَةً من الله، كما جَعَل في الصورةِ الظاهرة من
مَسيح الضَّلاَلَة، وهو الأغورُ الدَّجَّالُ ما يشاكل حالَه، ويناسب صُورَتَه الباطِنَةَ، على نحو ما
شَرَحْنا وبيئًا في إملاء أَملينَاهُ على هذه النُّكْتَةِ في غير هذا الكتاب والحمد لله(١).
(١) تعقيب: أورد فضيلة الشيخ أحمد القطان في أحد أسفاره بعض من الأسئلة على أحد قساوسة
النصارى، البروفسير المتخصص في مقارنة الأديان - فقال فضيلته سائلاً:
١ - هل سمعت أو رأيت أن هناك إنسانًا نكح بقرة - مثلاً - فخرج المولود نصف إنسان
ونصف بقرة؟ قال القسيس: لا. فالطبيعة العضوية لكل منهما مخالف للآخر تمامًا.
قال فضيلته معقبًا: إذن كيف ساغ عندك أن ((الله)) نكح مريم فأنجب منها ((عيسى)) فكان نصف إله
ونصف بشر؟ !!!
٢ - ثم قال له: من المقرر أن الأعلى يحتوي الأدنى - الأكبر يحتوي الأصغر - بمعنى أن
الحجرة وهي الأكبر تحتوي مَن بداخلها وهو الأصغر. فكيف ساغ عندك وفي عقيدتك أن رحم
مريم - وهو الأدنى - احتوى الإلله - وهو عيسى عليه السلام؟ !!!
٣ - ثم قال له: من المقرر عندك أن عيسى - عليه السلام - نصف ناسوت ونصف لاهوت.
أي النصفين صُلب على الصليب - كما في زعمكم - إن كان الناسوتي فالنصف اللاهوتي خائن
مجرم، إذ من المقرر أن الإله يعلم الغيب، والنصف الإلله علم أن النصف الناسوتي سيُصلب على
الصليب - كما تزعم - ولم يخبر النصف الناسوتي - فهو خائن له. فهل هذا هو إلهك الذي تعبده؟.
وإذا كان النصف اللاهوتي هو الذي صلب، فكيف ساغ عندك أن تعبد إلها يصلب على الصليب.
٤ - ثم قال له: هنا أب لسبعة أولاد، ستّة منهم أشقياء والسابع مطيع لأبيه حليم به، قال الأب
لأبنائه: إذا أردتم عفوي وصفحي ومحبتي لكم فاقتلوا أخاكم السابع. المطيع الرؤوف بأبيه. ترى
أي أب هذا، لا بد وأنه مجنون، كيف ساغ عندك وفي عقيدتك أن الله أمكن اليهود من ابنه
- المسيح - كما تزعم - فصلبوه وهو الابن المطيع الله تعالى؟ !!!
٥ - ثم قال له: إذا كان هناك نصيب من الحق مع عيسى ومحمد فاليهود لا يؤمنون بهما،
فقد فاتهم نصيب من الحق، وأنتم أيها النصارى، إذا كان هناك نصيب من الحق مع محمد، فأنتم
واليهود لم تؤمنوا منه. أما أنا فإذا كان نصيب من الحق مع موسى فأنا أؤمن به، وإذا كان مع عيسى
فأنا أؤمن به، وإذا كان مع محمد - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فأنا أؤمن به.
ويقول العلامة ابن القيم في ((إغاثة اللهفان)) ردًا على النصارى سائلاً إياهم:
نريد جوابه ممن وعاه
أعُبَّاد المسيح لنا سؤال
أماتوه فما هذا الإله؟ !!!
إذا مات الإله يُصنع قوم
وهل أرضاه ما نالوه منه؟
وإن سخِط الذي فعلوه فيه
فبشراهم إذا نالوا رضاه
فَقُوَّتُهُم إذًا أرْهَقتْ قواه
=
١٤

وضعتها أنثى:
فصل: وذَكر في تفسير ما نَزَل فيهم قَولَ حَتَّةَ أُمُّ مَزْيَم، وهي بنت ماثان: ﴿رَبِّ إنِّي
وَضَعْتُها أُنْثَى﴾ قال بعضُ أهل التأويل: أشارت إلى معنى الحَيْضِ أن الأُنْثَى تحيض، فلا
تَخْدُم المسجدَ، ولذلك قال: (وليس الذكرُ كالأنثى) لأن الذَّكَرِ لا يَحيضُ، فهو أبدًا في
خِدْمَة المسجد، وهذه إشارةٌ حَسَنَةٌ. فإن قيل: كان القياسُ في الكلام أن يُقال: وليس الأنثى
كالذكر، لأنها دُونه، فما باله بدأ بالذَّكَر؟ والجواب: أن الأنثى إنما هي دُون الذَّكَرِ في نَظَر
العَبْدِ لنفْسِه؛ لأنه يَهْوَى ذُكْرَان البنين، وهم مع الأموال زينة الحياة الدنيا وأقربُ إلى فتنة
العبد، ونَظَرُ الربِّ للعبد خَيرٌ من نظره لنفسه، فليس الذَّكر كالأُنثى على هذا، بل الأُنثى
أَفضلُ في المَوهِبَة، ألا تراه يقول سبحانه: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يشاء إناثًا﴾ فبدأ بذكرِ هِنَّ قبلَ الذكور،
=
وهل بقي الوجود بلا إله
وهل خلت الطباق السبع لما
وهل خلت العوالم من إلهٍ
وكيف تخلّت الأملاك عنه
وكيف أطاقت الخشبان حمل الإلـ
وكيف دنا الحديد إليه حتى
وكيف تمكنت أيدي عداه
وهل عاد المسيح إلى حياةٍ
ويا عجبًا لقبر ضم ربّا
أقام هناك تسعًا من شهور
وشق الفرج مولودًا صغيرًا
ويأكل ثم يشرب ثم يأتي
تعالى الله عن إفك النصارى
أعُبَّاد الصليب لأي معنّى
وهل تقضي العقول بغير كسرٍ
إذا ركب الإله عليه كرهًا
فذاك المركب الملعون حقًّا
يهان عليه ربُ الخلق طُرًا
فإن عظمته من أجل أن قد
وقد فُقد الصليب فإن رأينا
فهلا للقبور سجدت طرًا
فيا عبد المسيح أفق فهذا
سميع يستجيب لمن دعاه
ثوى تحت التراب، وقد علاه
يدبرها وقد سُمرت يداه؟
بنصرهم وقد سمعوا بكاه؟
ـه الحقّ شُدَّ على قفاه؟
يخالطه ويلحقه أذاه؟
وطالت حيث قد صفعوا قفاه؟
أم المحيي له ربّ سواه؟
وأعجب منه بطنٌ قد حواه
لدى الظلمات من حيض غذّاه
ضعيفًا فاتحًا للثدي فاه
بلازم ذاك، هل هذا إله؟
سَيُسأل كلهم عما افترّ له
يُعَظِّم أو يُقَبَّحِ مَن رماه؟
وإحراق له ولمن بغاه؟
وقد شُدّت لتسمير يداه
فَدُسْهُ، لا تَبُسْهُ إذ تراه
وتعيده؟ فإنك مِن عداه
حوى ربَّ العباد وقد علاه
له شكلاً تَذَكرنا سناه
لضم القبر ربك في حشاه؟
بدايته، وهذا منتهاه
١٥

رفع عيسى عليه السلام:
ثم ذكر (سبحانه وتعالى) رَفْعه عيسى إليه حين اجتمعُوا لقتله، فقال: ﴿وَمَكَرُوا
ومَّكَرَ اللَّهُ واللَّه خَيْرُ المَاكِرِينَ﴾. ثم أخبرهم وردّ عليهم فيما أقرّوا لليهود بصَلْبه، كيف رفعه
وطهَّره منهم، فقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إليّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ
كَفَرُوا﴾، إذ همّوا منك بما همّوا ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ
القِيامَة﴾. ثم القصة؛ حتى انتهى إلى قوله: ﴿ذلكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾ يا محمّد ﴿مِنَ الْآيَاتِ
وَالذِّكْرِ الحَكِيم﴾ القاطع الفاصل الحقّ، الذي لا يخالطه الباطل، من الخَبر عن عيسى،
وعمّا اختلفوا فيه من أمره، فلا تقبلنّ خبرًا غَيرِه. ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ فاستمع
﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي ما جاءك من
الخبر عن عيسى ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، أي قد جاءك الحقّ من ربك فلا تَمْترِينٌ فيه،
وإن قالوا: خُلق عيسى من غير ذَكَر فقد خلقتُ آدم من تراب، بتلك القدرة من غير أُنثى
ولا ذَكَر، فكان كما كان عيسى لحمًا ودمًا، وشَعْرًا وبشرًا، فليس خَلْق عيسى من غير
ذَكَر بأعجب من هذا. ﴿فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْم﴾، أي من بعد ما
قصصتُ عليك من خبره، وكيف كان أمره، ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبناءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِساءَنا
ونِساءَكم وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعِلْ لَغْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ .
وفي الحديث: ابدؤوا بالإناثِ، يعني: في الرحمةِ وإدخال السُّرورِ على البنين، وفي الحديث
أيضًا: ((مَنْ عَال جَارِيَتَيْن دخلتُ أنا وهو الجنةَ كَهَاتَيْن)»(١) فترتب الكلامُ في التنزيلِ على
حَسَبِ الأَفْضَلِ في نظر الله للعبد، والله أعلم بما أراد.
المباهلة :
فصل: وذكر دُعاءَه عليه السلامُ أهلَ نَجْران إلى المُبَاهَلَة، وأنهم رَضُوا بِبَذْل الجِزْيَةَ
والصّغَارِ، وأَنْ لا يُلاعِنُوه، وكذلك رُوي أن بعضَهم قال لبعضٍ: إنْ لاعَنْتُمُوهُ، وَدَعَوْتُمْ باللَّغْنة
على الكاذِبِ اضْطَرم الوادي عليكم نارًا، وفي تفسير الكَشِّي أن رسولَ اللهِ وَ لّ قال: ((لقد
تَدَلَّى إليهم العذابُ والذي نَفْسِي بيده لو بَاهَلُوني لاسْتُؤْصِلوا من عَلَى جَدِيدِ الأَرْضِ))(٢).
نكتة: في قوله: ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم﴾ بدأ بالأبناء والنساء قبل
الأنفس. والجواب: أن أهلَ التفسير قالوا أنفسنا وأنفسكم، أي لِيَدْعُ بعضُنا بَعْضًا، وهذا نحو
(١) (صحيح). أخرجه مسلم في البر والصلة (١٤٩) والبيهقي في الآداب (٢٦) بتحقيقي. والحاكم
(٤ / ١٧٧) .
(٢) انظر صحيح البخاري (٢١٧/٥) الفتح (٦٧/٨) وأحمد (٤١٤/١).
١٦

تفسير ابن هشام لبعض الغريب:
قال ابن هشام: قال أبو عبيدة: نَبْتهل، ندعُو باللعنة، قال أعشى بني قيس بن
ثعلبة :
لا تَقْعُدَنَّ وَقَدْ أَكَّلْتَها حَطَبا نَعوذُ من شَرّها يَوْمًا ونَبْتَهِل
وهذا البيت في قصيدة له. يقول: ندعو باللعنة. وتقول العرب: بهَل الله فلانًا، أي
لعنه، وعليه بَهْلة الله. (قال ابن هشام): ويقال: بُهلة الله، أي لعنة الله، ونبتهل أيضًا:
نجتهد، في الدعاء.
قال ابن إسحاق: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي جئتُ به من الخَبر عن عيسى ﴿لَهُوَ القَصَصُ
الحَقُّ﴾ من أمره ﴿وَما مِنْ إلَه إلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ فإنْ تَوَلَّوا فإِنَّ اللَّهَ عَلَيمْ
بالمُفْسِدِنَ قُلْ يا أَهْلَ الكِتَابِ تَعالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا
نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بعضنا بَعْضًا أَزْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بأَنَّا
مُسْلِمُونَ﴾. فدعاهم إلى النَّصَف، وَقَطَعَ عنهم الحجة.
إباؤهم الملاعنة :
فلما أتى رسولَ الله وَ الخبرُ من الله عنه، والفَصْلُ من القضاء بينه وبينهم، وأُمِر
بما أُمر به من مُلاعنتهم إنْ ردّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك؛ فقالوا له: يا أبا القاسم،
دَعْنا نَنْظر في أمرنا، ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. فانصرفوا عنه، ثم خَلَوْا
بالعاقِب، وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبدَ المسيح، ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر
النصارى لقد عَرَفتم إن محمّدًا لنبيّ مُرسل، ولقد جاءكم بالفَضْل من خَبر صاحبكم،
ولقد عَلِمتم ما لاعنَ قومٌ نبيًّا قَطْ فَبقي كبيرُهم، ولا نَبَت صغيرُهم، وإنه للاستئصالُ
منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إِلْف دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه من القول
في صاحبكم، فوادِعوا الرجلَ، ثم انصرفوا إلى بلادكم. فأتَوْا رسولَ الله ◌َّل، فقالوا: يا
أبا القاسم، قد رأينا ألاَّ نُلاعِنك، وأن نَتْركك على دينك ونرجع على ديننا، ولكن ابعث
معنا رجلاً من أصحابك تَرْضاهُ لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم
عندنا رِضًا.
قوله: ((فسَلِّمُوا على أنفسِكم)) في أحد القولين، أي: يسلم بعضُكم على بعضٍ، فَبَدَأ بذكر
الأولادِ الذين هم فلَذُ الأكباد، ثم بالنساء التي جعَل بيننا وبينهم مَوَدَةً ورَحْمَةً، ثم مَنْ وراءَهم
مَنْ دُعَاءُ بعضِهم بعضًا، لأن الإنسانَ لا يدعو نفسَه، وانتظم الكلام على الأسلوب المُعْتَادِ في
إعجازِ القرآن. وفي حديث أهلِ نجران زيادةٌ كثيرة عن ابن إسحق من غير رواية ابن هِشَامٍ،
الروض الأنف/ ج ٣/ ٢ ٢
١٧

تولية أبي عبيدة أمورهم:
قال محمدُ بن جعفر: فقال رسولُ اللهِ وَلجر: («ائتوني العشيّةَ أبعث معكم القويّ
الأمين)) قال: فكان عمرُ بن الخطّاب يقول: ما أحببتُ الإمارةَ قطُّ حُبِّي إياها يومئذ،
رجاءَ أن أكون صاحبَها، فرُختُ إلى الظُهر مهجْرًا، فلما صلّى بنا رسولُ اللهِ وَلِّ الظهرَ
سلَّم، ثم نظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتَطاول له لِيرَاني، فلم يزَلْ يلتمس ببصره
حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه فقال: ((اخرُج معهم، فاقْض بينهم بالحقّ فيما
اختلفوا فيه)). قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة(١).
منها أن راهب نَجْرَانَ حين رجع الوفدُ وأخبروه الخَبر رحل إلى النبيّ - وَّرِ - فسمع منه
وأهْدَى إليه القَضِيبَ(٢) والقَعْبَ(٣) والبُزْدَ(٤) الذي هو الآن عند خُلَفاء بني العِبَّاس يَتَوارَثُونه.
(١) انظر التخريج السابق.
(٣) القعب: القدح الضخم.
(٢) القضيب: السيف.
(٤) البرد: ضرب من الثياب.
١٨

نُبَذ من ذكر المنافقين
ابن أبيّ وابن صيفي
قال ابن إسحق: وقَدِم رسولُ اللهِ وَ﴿ المدينةَ - كما حدثني عاصمُ بن عمر بن
قَتَادَةَ - وسَيِّدُ أهلها عبدُ الله بن أُبَيّ ابن سَلُول العَوْفي ثم أحدُ بني الحُبْلَى، لا يختلف
علي في شَرَفه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد
الفريقين، حتى جاء الإسلام، غيرِهِ، ومعه في الأوس رجلٌ، هو في قومه من الأوس
شريفٌ مُطاع، أبو عامر عبد عَمْرو بن صَيْفيّ بن النُّعمان، أحدُ بني ضُبَيعة بن زيد، وهو
أبو حَنْظلة، الغسيل يوم أُحُد، وكان قد ترهَّب في الجاهليَّة ولَبِس المُسوح، وكان يُقال
له: الراهب. فَشَقِيا بشَرفهما وضَرَّهما.
سلول
فصل: وذكر قصّة عبد الله بن أُبيِّ ابن سَلُول، وسَلولُ: هي أُم أُبَيِّ، وهي خُزَاعِيَّة،
وهو أُبَيُّ بن مالك من بني الحُبْلَى، واسم الحُبْلَى: سالم والنَّسَبُ إليه: حُبُلِيٍّ بضمتين،
كرهوا أن يقولوا: حُبْلَوِيٍّ أو حُبْلِيٍّ أو حُبْلاَوِيٍّ على قياس النَّسَب، لأن حُبْلَى وسَكْرَى
ونحوهما إذا كانا اسما لرجُل، لم يَجْرِ في الجمع على حُكم التأنيث، وكذلك فَعْلاَءَ بالمدّ
تقول في جمع رجل اسمه: سَلْمَى أو وَزْقاء الوَرْقَاؤُون والسَّلَمُون، وهذا بخلاف تاء التأنيث،
فإنك تقول في طَلْحة اسم رجل طَلحَات، كما كنت تقول في غير العَلَمِيَّة، لأن التاءَ لا تكون
إلا للتأنيث، والألف تكون للتأنيث وغيره، فلما كانت ألف التأنيث بخلاف تاء التأنيث في
الأسماء والأعلام كان النسب إليها مخالفًا للنسب إلى ما فيه ألف التأنيث في غير الأعلام،
غير أن هذا في باب النسب لا يَطّرِد وإن اطّردَ الجمعُ، كما قدمنا، وكانت النُّكْتَةُ التي خُصِّ
بها النسبُ في بَني الحُبْلَى بمخالفة القياس كراهيتهم لحكم التأنيث فيه لأن الحُبْلَى وصفٌ
١٩

إسلام ابن أُبيّ [نفاقًا] (١):
فأما عبد الله بنُ أَبَيّ فكان قومُه قد نَظَموا له الخَرَز ليتوجوهِ، ثم يُمَلِكوه عليهم،
فجاءهم الله تعالى برسوله وَلقر، وهم على ذلك. فلما انصرف قومُه عنه إلى الإسلام
ضغن، ورأى أن رسول الله وَ له قد استَلبه مُلْكًا. فلما رأى قومَه قد أبَوْا إلا الإسلام دخلَ
فيه كارهَا مُصِرًا على نفاق وضِغْن.
للمرأةِ بالحَبَل، فليس كراهيتُهم لبقاءِ حكم التأنيث فيمن اسمُه سَلْمَى من الرجال ككراهيتهم
البقاء حكم التأنيث فِيمَنْ اسمُه: حُبْلَى؛ فلذلك غَيَّروا النسبَ، حتى كأنهم نَسَبوا إلى حُبُل
والله أعلم.
وأما سَلُولٌ في خزاعة، وقد تقدم عند ذكر حُبْشِيَّة ابن سَلُول قاسمُ رَجُلٍ مصروف،
وأما بنو سَلُول بن صَعْصَعَةَ إخوةٌ بني عامرٍ فهم: بنو مُرَّةَ بنِ صَعْصَعَةِ. وسَلُولُ: أُمهم، وهي
بنتُ ذُهْل بن شَيْبَان، فجميع ما وقع لابن إسحق في السِّيّر من سَلُول: ثلاثةٌ: واحدٌ اسمُ
رجل مَصْروف، وثِتيان غيرُ مَصْروفَتين، وهما اللتان ذكرنا.
الملك في العرب:
وذكر أن الأنصار كانوا قَدْ نَظَمُوا الخَرَزَ لعبد الله بن أُبَيِّ لِيُتَوِّجُوه ويُمَلْكُوه عليهم،
وذلك أن الأنصارَ يَمَنْ، وقد كانت الملوكُ المُتَوَّجُون من اليَمَنِ في آلِ فَخْطَانَ، وكان أوّل
من تَتَوَّجَ منهم سَبأُ بنُ يَشْجُبَ بن يَعْرُبَ بن قَخْطَانَ، ولم يُتَوَّجْ من العَرَب إلا فَخْطَانِيٍّ
كذلك قال أبو عُبَيْدة، فقيل له: قد تَتَوَّجَ هَوْذَةُ بن عَلي الحنفيّ صاحبُ اليَمَامَةِ، وقال فيه
الأعْشَى :
إذا تَعَمَّم فوق التاج أو وَضَعَا
من يرى هَوْذَةً يَسْجُد غيرَ متَّئِبٍ
وفي الخرزات التي بمعنى التاج يقول الشاعر: [لبيد يذكر الحارث بن أبي شِمَر
الغَسَّاني].
رَعَى خَرَزَاتِ المُلْكِ عِشْرِينَ حِجَّةً
وعِشْرِينَ حتى فَادَ والشَّيْبُ شَامِلُ
وقال أبو عُبَيْدة: لم يَكْن تاجًا، وإنما كانت خَرزَاتٍ تُنَظّم، وكان سببُ تَتَوُجِ هَوْذةً أنه
أجار لَطِيمَةً لِكَسْرى منعها مِمَّن أرادَها من العرب، فلما وفد عليه تَوَّجه لذلك ومَلَّكَ.
(١) ما بين القوسين زيادة رأيتها لازمة.
٢٠