Indexed OCR Text

Pages 341-360

ومساكنه، ثم انتقل إلى مساكنه من بيت أبي أيوب، رحمة الله عليه ورضوانه.
قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حَبيب، عن مَرْتَد بن عبد الله اليَزَني، عن
أبي رُهُم السِّماعي، قال: حدثني أبو أيوب، قال: لما نزل عليَّ رسولُ اللهُ بَّر في بيتي،
نزل في السُّفْلِ، وأنا وأَمّ أيوب في العُلو، فقلت له: يا نبيّ الله، بأبي أنت وأمي، إني
لأكره وأعظم أن أكون فوقك، وتكون تحتي، فاظهَرْ أنت فكن في العُلْو، وننزل نحن
فنكون في السُّفْلِ، فقال: ((يا أبا أيوب، إنّ أرفق بنا وبمن يَغشانا، أن نكون في سُفْل
البيت)) .
قال: فكان رسول الله ◌َ﴿ في سُفْلِه، وكنا فوقه في المسكن، فلقد انكسر حُبّ لنا
فيه ماء فقُمت أنا وأُمّ أيوبَ بقَطِيفَةٍ لنا، ما لنا لحاف غيرها، نَنْشَف بها الماءَ، تخوفا أن
يَقْطُرَ على رسولِ الله ◌ِّر - منه شيء فيؤذيه.
قال: وكنا نصنع له العَشاء، ثم نبعث به إليه، فإذا ردّ علينا فضلَه تيمَّمْت أنا وأُمْ
أيوب موضعَ يده، فأكلنا منه نبتغي بذلك البركة، حتى بعثنا إليه ليلة بعَشائه وقد جعلنا له
بصلاً أو ثُومًا، فرده رسولُ اللهِ وََّ، ولم أرَ ليده فيه أثرًا قال: فجئتُه فَزِعًا، فقلت: يا
رسول الله، بأبي أنت وأمي رددتَ عشاءك ولم أر فيه موضع يدك، وكنتُ إذا رددته
علينا، تَيَمَّمْتُ أنا وأُمّ أيوب موضع يدك، نَبتغي بذلك البركة؛ قال: «إني وجدت فيه ريح
هذه الشجرة، وأنا رجل أَناجي، فأمَّا أنتم فكلوه)). قال: فأكلناه، ولم نصنع له تلك
الشجرة بعد(١).
تلاحق المهاجرين
قال ابن إسحاق: وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله وَلّر، فلم يبق بمكة منهم أحد، إلا
مفتون أو محبوس، ولم يُوعِبْ أهلُ هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله تبارك
وتعالى وإلى رسول الله وَّله إلا أهلُ دور مُسمَّون: بنو مظعون من جُمح؛ وبنو جَخْش بن
فاشتراه منه بعد ما خَرِبَ، وتَثَلَّمت حيطانُه المُغيرةُ بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرةُ ذكرها الزبير، ثم أصلح المغيرةُ ما وَهَى منه،
وتصدق به على أهل بيتٍ من فقراء المدينة، فكان بعدَ ذلك ابنُ أَفْلَحَ يقول للمغيرة:
خَدَعْتني، فيقول له المغيرة: لا أَفْلَحَ مَنْ نَدِم. هذا معنى ما ذكره الزُّبَيْرُ بن أبي بكر.
(١) أخرجه الطبراني (٤/ ١٤١).
٣٤١

رِئاب، حلفاء بني أَميَّة؛ وبنو البُكَير، من بني سعد بن ليث، حلفاء بني عديّ بن كعب،
فإن دُورَهم غُلِّقت بمكة هجرةً، ليس فيها ساكن.
قصة أبي سفيان مع بني جحش
ولما خرج بنو جحش بن رِئاب من دارهم، عدا عليها أبو سفيان بن حرب فباعها
من عمرو بن عَلْقمة، أخي بني عامر بن لؤيّ؛ فلما بلغ بني جَحش. ما صنع أبو سفيان
بدارهم، ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله وَلجر، فقال له رسول الله وَالنون: ((ألا
ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارًا خيرًا منها في الجنة))؟ قال: بلى؛ قال: ((فذلك
لك)). فلما افتتح رسول الله وَلي مكة كلمه أبو أحمد في دارهم، فأبطأ عليه رسول
الله ◌َل﴿؛ فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد، إن رسول الله وَل يكره أن ترجعوا في
شيء من أموالكم أُصيب منكم في الله عزّ وجلّ، فأمسك عن كلام رسول الله بَّر، وقال
لأبي سفيان:
أمرِ عواقبُه ندامَهُ
أبلغ أبا سفيان عن
تَقضي بها عنك الغَرامة
دارَ ابن عمك بِعتَها
الناس مجتهد القَسامه
وحليفُكم بالله ربّ
طُوّقتها طوقَ الحَمامه
اذهب بها، اذهب بها
من قصة أبي سفيان مع بني جحش
وذكر قول أبي أحمد بن جحش لأبي سُفْيَان:
تقضي بها عنك الغرامة
دارَ ابنِ عَمُّك بَعْتَها
طُوَقْتَها طَوْقَ الحَمامهُ
اذهب بها اذهب بها
أو أحمد هذا اسمه عَبْد، وقيل: ثُمّامة، والأول أصح، وكانت عنده الفارعةُ بنت أبي
سفيان، وبهذا السبب تَطَرَّق أبو سفيان إلى بيع دارٍ بني جَخْش إذ كانت بنتُه فيهم. مات أبو
أحمد بعد أختِه زينب أم المؤمنين في خلافة عمر.
وقوله لأبي سفيان ◌ُوْقتها طَوْق الحمامة مُنتزَعٌ من قول النبيّ - نَّهِ ـ((مَنْ غَصَبَ شِبْرًا
من أرضٍ طُوْقَه يومَ القِيامة من سَبْع أرضين))(١) وقال طَوْق الحمامة، لأن طوقها لا يفارقها،
(١) ((صحيح)). أخرجه البخاري (١٣٧/٣) ومسلم (١٥٣٨).
٣٤٢

انتشار الإسلام ومن بقي على شركه:
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله وَّه بالمدينة إذا قَدِمها شهرَ ربيع الأوّل، إلى صفر
من السنة الداخلة، حتى بُني له فيها مسجدُه ومساكنه واستجمع له إسلام هذا الحيّ من
الأنصار، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا أسلم أهلها، إلا ما كان من خَطْمة، وواقف،
ووائل، وأُميَّة، وتلك أوس الله، وهم حيّ من الأوس، فإنهم أقاموا على شركهم.
الخطبة الأولى
وكانت أوّل خُطْبة خطبها رسول الله وَّر، فيما بلغني عن أبي سَلَمة بن
عبد الرحمن - نعوذ بالله أن نقول على رسول الله وَير ما لم يقل - أنه قام فيهم، فحمد
الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: ((أما بعد، أيها الناس، فقدّموا لأنفسكم تَعَلَّمُنَّ والله
ليُضْعَقَنَّ أحدكم، ثم لَيَدَعنّ غَنَمَه ليس لها راع، ثم ليقولنّ له ربه، وليس له تَرجمان ولا
حاجبٌ يحجبُه دونه: ألم يأتك رسولي فبلَّغك، وآتيتك مالاً وأفضل عليك؟ فما قدّمتَ
لنفسك؟ فلَينظُرن يمينًا وشمالاً فلا يرى شيئًا، ثم لَينظرن قدامه فلا يرى غير جهنم فمن
ولا تلقيه عن نفسها أبدًا، كما يفعل مَنْ لِيسَ طَوْقًا من الآدميين، ففي هذا البيت من السَّمَانة
وحَلاوة الإشارة ومَلاَحة الاستعارة ما لا مزيدً عليه، وفي قوله: طَوْق الحمامة رَدِّ على من
تأوَّل قولَه عليه السلام: طُوْقه من سبع أرضين أنه من الطّاقة، لا من الطَّوْق في العنق، وقاله
الخطابي في أحد قوليه، مع أن البخاري قد رواه، فقال في بعض روايته له: خُسِف به إلى
سَبْع أرضين، وفي مسند ابن أبي شيبة: ((من غَصَبَ شبرًا من أرض جاء به إسْطَامًا في
عُثُقه)) (١)، والإِسْطَامُ كالحَلَق من الحديد، وسِطَامُ السيف حَدُّه.
الخطبة (٢)
فصل: وذكر خُطبة رسول الله - رَ﴿ - وفيها يقول الله عزّ وجلّ لعبده: ألم أوتِك مالاً
وأُفْضِل عليك، فماذا قدَّمت. وفي غير هذا الكتاب زيادة، وهي: ألم أوتِك مالاً، وجَعَلْتُك
تَرْبَعُ وتَدْسَعُ؟ وفسره ابن الأنْبارِي، فقال: هو مثل، وأصله: أن الرئيس من العرب كان يَرْبَعُ
قومه أي: يأخذ المِرباعَ إذا غزا ويَدْسَع: أي يُعْطي ويَدفع من المالِ لمن شاء، ومنه قولهم:
فلان ضَخْمْ الدَّسِيعَة.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٥١/٧).
(٢) انظر تاريخ الطبري (٣٩٤/٢) البداية والنهاية (٢١٣/٣) المنتظم (٦٥/٣) الدلائل (٥٢٤/٢).
٣٤٣

استطاع أن يقي وجهه من النار ولو بِشِقّ من تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة،
فإن بها تُجزى الحسنة عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله
وبر كاته)».
الخطبة الثانية
.. قال ابن إسحاق: ثم خطب رسولُ اللهِ وَلّ الناس مرّة أخرى، فقال: ((إنّ الحمدَ
لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا
مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إنّ
أحسن الحديث كتاب الله تبارك وتعالى، قد أفلح من زَيَّنه الله في قلبه، وأدخله في
الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسنُ الحديث وأبلغه،
أحبُّوا، ما أحبّ الله، أحبُّوا الله من كلّ قلوبكم، ولا تَمَلُوا كلامَ الله وذكرَه، ولا تَقْسُ
عنه قلوبكم فإنه من كُلّ ما يخلق الله يختار ويصطفي، قد سماه الله خيرته من الأعمال،
ومُصطفاه من العباد، الصالح الحديث، ومن كلّ ما أوتي الناس من الحلال والحرام،
فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتقوه حقّ تقاته، واصدُقوا الله صالح ما تقولون
بأفواهكم، وتحابُّوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن يُنْكَث عهدُه، والسلام عليكم)).
الحب
وذكر خُطبة رسول الله - وَ له ـ الثانية، وفيها: ((أحِبُّوا الله من كل قلوبكم))، يريد أن
يَسْتَغْرِقَ حُبُّ الله جميعَ أجزاءِ القلب، فيكون ذكرُه وعملُه خارجًا من قلبِهِ خالصًا لله، وإضافةٌ
الحبِّ إلى الله تعالى من عبده مَجازٌ حسنٌ لأن حقيقة المحبة: إرادةٌ يقارنُها اسْتِدعاءٌ
للمحبوب إمَّا بالطبع، وإمَّا بالشرع، وقد كشفنا معناها بغاية البيان في شرح قوله عليه
السلام: ((إن الله [تعالى] جَميلٌ يحب الجمال))(١) ونبهنا هنالك على تقصير أبي المعالي رحمه
الله في شرح المحبة في كتاب الإرادة من كتاب الشامل فَلْتُنْظَرْ هنالك.
من شرح الخطبة:
وقوله عليه السلام: ((لا تَمَلُّوا كلامَ الله وذكرَه، فإنه من كل ما يخلق الله يختار
ويصطفي)). الهاء في قوله: فإنه لا يجوز أن تكون عائدةً على كلام الله سبحانه، ولكنها
-
(١) (صحيح)). أخرجه مسلم في الإيمان (١٤٧) وأحمد (١٣٣/٤) والحاكم (٢٦/١). والله تعالى يُحب
ويُخَب فهو الودود سبحانه وتعالى وعزّ وجل. وانظر مزيد بيان ((روضة المحبّين)) و((مدارج السالكين))
للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.
٣٤٤

ضمير الأمر والحديث، فكأنه قال: إن الحديثَ من كل ما يخلق الله يختار، فالأعمال إذًا
كلُّها من خَلْقِ الله قد اختار منها ما شاء قال سبحانه: ﴿وربك يَخْلُقُ ما يشاء ويَخْتارِ﴾
[القصص: ٦٨]، وقوله: ((قد سماه خيرته من الأعمال))، يعني: الذكر، وتلاوة القرآن؛
لقوله سبحانه: ((ويختار))، فقد اختاره من الأعمال.
وقوله: ((والمصطَفى من عباده))، أي: وسمى المصطَفى من عباده بقوله: ﴿الله يَصْطَفِي
من الملائكةِ رُسُلاً ومن الناس﴾ [الحج: ٧٥] ويجوز أن يكون معناه المصطفى من عباده
أي: العمل الذي اصطفاه منهم واختاره من أعمالهم، فلا تكون من على هذا للتبعيض، إنما.
تكون لابتداء الغاية، لأنه عملٌ استخرجه منهم بتوفيقه إياهم. والتأويلُ الأولُ أقرب مأخذًا
والله أعلم بما أراد رسوله.
وقوله في أول الخطبة: ((إن الحمدُ لله أحمدُه)) هكذا برفع الدال من قوله: الحمدُ لله
وجدته مقيدًا مصححًا عليه، وإعرابه ليس على الحكاية(١)، ولكن على إضمار الأمر كأنه
قال: إن الأمر الذي أذكره، وحذف الهاء العائدة على الأمر كي لا يقدِّم شيئًا في اللفظ من
الأسماء على قوله: ((الحمدُ لله))، وليس تقديم إن في اللفظ من باب تقديم الأسماءً، لأنها
حرف مؤكّد لما بعده مع ما في اللفظ من التحري للفظ القرآن والتيمن به، والله أعلم.
وكانت خطبتُه في تلك الأيام على جِذْع، فلما صُنِعِ له المِنْبَر من طَرْفَاءِ الغابة، وصنعه
له عبد لامرأة من الأنصار اسمه باقوم خار الجذع خُوارَ الناقة الخَلُوج، حتى نزل عليه
السلام، فالتزمه، وقال: ((لو لم ألتزمه ما زال يَخُور إلى يوم القيامة))(٢)، ثم دفنه، وإنما
دفنه، لأنه قد صار حكمه حكم المؤمن لحبه وحنينه إلى النبي ◌ّر، وهذا ينظر إلى قوله
تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] الآية، وإلى قوله عليه السلام في النخلة: ((مثلُها
كمثل المؤمن))، وحديث خُوارِ الجِذْع وحنينُه منقول نقل الواتر لكثرة من شاهد خُواره من
الخلق وكلهم نقل ذلك، أو سمعه من غيره فلم ينكره.
(١) أي على النقل من الكلام السابق، كما تقول: إن الله وصف المؤمنين فقال إنهم هم: الآمرون
بالمعروف الناهون عن المنكر، ثم تقول فكل من ((الآمرون والناهون))، ولا تقل: فكل من ((الآمرين
والناهين)) بالجر رغم تقدم حرف الجر (من)) على اللفظتين، ولكن تقول فكل من ((الآمرون
والناهون)) نقلاً عن قولك الأول، ويكون إعرابها: الآمرون: اسم مجرور بمن وعلامة جرّه الكسرة
منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية .
(٢) أخرجه البخاري (١٥٣/٧) وابن ماجه (١٤١٥) وأحمد (٣٦٣/٢٦٧/٢٤٩/١) والدارمي (١٩/١)
والطبراني (١٨٧/١٢) وأبو نعيم في الدلائل (١٤٢).
س
٣٤٥

كتاب الموادعة لليهود
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله ◌َ﴿ كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادعَ فيه
يهود وعاهدهم، وأقرّهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم:
((بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبيّ وَّل، بين المؤمنين
والمسلمين من قريش ويَثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة
كتاب رسول الله مَّل فيما بينه وبين اليهود(١)
شرط لهم فيه، وشرط عليهم، وأمَّنهم فيه على أنفسِهم وأهليهم وأموالهم، وكانت
أرضُ يَثْرِبَ لهم قبل نزول الأنصار بها، فلما كان سَيْلُ العَرِمِ، وتَفَرَّقَتْ سَبَا نزلت الأوسُ
والخَزْرَجُ بأمر طَرِيفَة الكَاهِنة، وأمرٍ عِمْرَان بن عامر، فإنه كان كاهنًا أيضًا وبمَا سَجَعَتْ به
لكل قَبيلة من سَبَا، فسَجَعَت لبني حارثة بن ثَعْلَبَة. وهم الأوس والخزرجُ أن يَنْزِلُوا يَثْرِبَ
ذاتَ النخلِ فنزلوها على يَهْودَ وحالفوهم وأقاموا معهم، فكانت الدارُ واحدةً.
متی دخل الیھود یثرب؟
والسبب في كون اليهود بالمدينة، وهي وسط أرض العرب مع أن اليهودَ أصلُهم من
أرض كَتْعَانَ أن بني إسرائيلَ كانت تغير عليهم العَمَالِيقُ من أرض الحجاز، وكانت منازلهم
يَثْرِبَ والجْحُفَة إلى مكة، فشكت بنو إسرائيلَ ذلك إلى موسى، فوجه إليهم جيشًا، وأمرهم
أن يقتلوهم، ولا يُبْقوا منهم أحدًا، ففعلوا وتركوا منهم ابنَ ملك لهم كان غلامًا حسنًا، فرقُوا
له، ويقال للملك: الأرقم بن أبي الأرقم فيما ذكر الزبير ثم رجعوا إلى الشام وموسى قد
مات، فقالت بنو إسرائيل لهم: قد عصيتم وخالفتم، فلا نُؤويكم، فقالوا: نرجع إلى البلاد
التي غُلِيْنا عليها فنكون بها، فرجعوا إلى يثرب، فاستوطنوها وتناسلوا بها إلى أن نزلت عليهم
الأوسُ والخزرجُ بعد سيل العَرِم. هذا معنى ما ذكره أبو الفرج الأصْبَهَانِيّ في كتابه الكبير
المعروف: بكتاب الأغاني، وإن كان الزُّبَيْر قد ذكره أيضًا في أخبار المدينة، ولا أحسب هذا
صحيحًا لبعد عُمْرٍ موسى عليه السلام، والذي قال غيره إن طائفة من بني إسرائيل لحقت
بأرض الحجاز حين دَوَّخِ بَحْتُ نَصَّر البابلي في بلادهم، وجاس خِلال ديارهم، فحينئذ لحق
من لحق منهم بالحجاز كقُرَيْظَة والنَّضِير، وسكنوا خَيْبَر والمدينة، وهذا معنى ما ذكر الطبري
والله أعلم.
(١) انظر البداية والنهاية (٢٢٢/٣). والحديث أخرجه البخاري (١٩٥/٧) ومسلم (١٥٣٨).
٣٤٦

من دون الناس، المهاجرون من قريش على رِبْعتهم يتعاقلون، بينهم، وهم يَفدون عانِيَهم
بالمعروف والقسط بين المؤمنين؛ وبنو عَوْف على رِبْعتهم يتعاقلون مَعاقلهم الأولى، كلّ
طائفة تَفْدي عانِيهَا بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على رِبْعَتهم يتعاقلون
اسم يثرب :
وأما يَثْرِبُ فاسم رجل نزل بها أول من العماليق فعُرفت باسمه، وهو يَثْرِبُ بن قَاين بن
عَبِيل بن مِهْلايل بن عوص بن عِمْلاق بن لاَوذ بن إِرَم، وفي بعض هذه الأسماء اختلافٌ
وبنو عِبِيلِ هم الذين سكنوا الجُخْفَةَ فأجْحَفَت بهم السيولُ وبذلك سُميت الجُخْفَة، فلما
احتلها رسول الله - ◌َ﴿ - كره لها هذا الاسم أعني: يَثْرِب لما فيه من لفظ التَّثْرِيب، وسماها
طيبَة والمدينة.
فإن قلت: وكيف كره اسمًا ذكرها الله في القرآن بِه، وهو المُقْتَدِي بكتاب الله، وأهلٌ
أن لا يعُدِل عن تسمية الله؟ قلنا: إن الله - سبحانه - إنما ذكرها بهذا الاسم حاكيًا عن
المنافقين؛ إذ قالت طائفة منهم: ﴿يا أهْلَ يْرِبَ لا مُقَامَ لكم﴾ [الأحزاب: ١٣] فنبهه بما
حكي عنهم أنهم قد رغبوا عن اسم سماها الله به ورسوله، وأبوا إلا ما كانوا عليه في
جاهليتهم، والله سبحانه قد سماها: المدينة، فقال غير حاكٍ عن أحد: ﴿ما كان لأهل المدينة
ومَنْ حَوْلَهُمْ من الأعراب أن يَتَخَلَّفوا عن رسول الله﴾ [التوبة: ١٢٠]، وفي الخبر عن كَعْب
الأحبار قال: إنا نجد في الثَّوْرَاة يقول الله للمدينة يَا طابَةُ يا طيبَةُ يا مِسْكِينة لا تقبلي الكُنوزَ
أَرْفَع أَجَاجِيرَك على أَجَاجِيرَ (١) القُرى، وقد رُوي هذا الحديث عن علي بن أبي طالب يرفعه،
وروي أيضًا أن لها في التوراة أَحَدَ عَشَر اسمًا: المدينة وطَابَة وطِيبة والمِسْكِينة والجابرة
والمُحِبَّة والمَخْبُوبة والقَاصِمة والمَجْبُورَة والعَذْراء والمَرْحُومة، وروي في معنى قوله: ﴿وقُلْ
رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ [وأَخْرِجْنِي مُخْرِج صِدْقٍ]﴾ [الإسراء: ٨٠] أنها المدينة، وأن
﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ مَكَّة و ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ الأنصار.
تفسير على ربعاتهم:
وفي الكتاب: بنو فلان على رِبِعَاتِهم. هكذا رواه أبو عُبيد عن ابن بَكير عن عُقَيْلٍ بن
خالد [من عقيل الأبلي] عن الزهري ورواه عن عبد الله بن صالح بهذا الإسناد، فقال:
رِبَاعَتِهِم. الألف بعد الباء، ثم قال أبو عبيد: يقال: فلان على رِبَاعَه قومه إذا كان نقيبَهم
ووافدهم.
(١) أجاجير: جمع إجار، وهو السطع الذي ليس له سور.
٣٤٧

معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة منهم نفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو
الحارث على رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُون مَعَاقِلَهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانِيهَا بالمعروف
والقِسْطِ بين المؤمنين، وبنو جُشَم على رِبْعَتِهِمْ يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكلّ طائفة منهم
تفدي عانِيهَا بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجَّار على رِبْعَتهم يتعاقلون معاقلَهم
الأولى، وكلّ طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن
عَوْف على رِبْعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكلّ طائفة تفدي عانِيهَا بالمعروف والقِسط
بين المؤمنين، وبنو النَّبِيت على رِبِعَتِهم يتعاقلون معاقلَهم الأولى، وكلُّ طائفة تفدي عانِيهَا
بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على رِبعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى،
وكلّ طائفة منهم تقدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وإن المؤمنين لا يتركون
مُفْرَحًا بينهم أن يُعطوه بالمعروف في فِداء أو عَقْل)).
قال ابن هشام: المُفْرَح: المُثقل بالدين والكثير العيال. قال الشاعر:
وتحملُ أخرى أَفْرَحَتْك الودائعُ
إذا أنت لم تَبْرَخ تُؤدِّي أمانةٌ
وأن لا يحالف مؤمنٌ مولى مؤمن دونه؛ وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم،
أو ابتغى دَسِيعة ظُلْم، أو إثم أو عدوان، أو فساد بين المؤمنين؛ وأن أيديهم عليه جميعًا، ولو
قال المؤلف: وكسر الراء فيه القياس على هذا المعنى، لأنها ولاية، وإن جعل الرِّبَاعة
مصدرًا فالقياس فتح الراء، أي على شَأنهم وعادتهم من أحكام الدِّيَات والدماء يتعاقَلُون
مَعاقِلَهم الأولى: جمع: مَعْقَلَة ومَعْقَلَةٌ من العَقْلِ وهو الدِّيَّةِ.
من كلمات الكتاب:
وقال في الكتاب: وألاّ يُتْرَكَ مُفْرَحْ، وفسره ابنُ هِشَام كما فسره أبو عُبَيْد أنه الذي أثقله
الدَّيْن، وأنشد البيت الذي أنشده أبو عُبَيْد:
إذا أنْتَ لهم تَبْرَحْ تُؤَدِّي أَمَانَةٌ
وتَحْمِلُ أُخْرَى أَفْرَحَتْكَ الوَدَائِعُ
أي: أثقلتك يجوز أن يكون من أفعال السَّلْب، أي سَلَبَتْك الفَرَح، كما قيل: أقْسَطَ
الرجلُ إذا عَدَل، أي: أزال القِسْطَ، وهو الإغْوِجَاجُ، ويجوز أن تكون الفاءُ مُبَدَلَةً من باء،
فيكون من البَرْح وهو الشدة، تقول: لقيت من فلان بَرْحًا أي: شِدَّة، وذكر أبو عُبَيْد رواية
أخرى مُفْرَج بالجيم، وذكر في معناه أقوالاً، منها أنه الذي لا ديوان له، ومنها: أنه القتيل
بين القريتين لا يُذْرَى من قتله، ومنها أنه في معنى المُقْرَح بالحاء أي: الذي لا شيء له،
وقد أثقله الدين، أو نحو هذا فيُقْضَى عنه من بيت المال.
٣٤٨

كان وَلَد أحدهم؛ ولا يَقْتلُ مؤمنٌ مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة
الله واحدة، يُجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس، وإنه من
تَبِعِنًا من يَهُودَ فإن له النصرَ والأَسْوَة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم؛ وإنَّ سِلْم
المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال. سبيل الله، إلا على سواء وعدل
بينهم، وإن كلّ غازية غزت معنا يُعقب بعضها بعضًا، وإن المؤمنين يُبىء بعضُهم على
بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه؛
وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش، ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط
مؤمنًا قتلاً عن بَيِّنة فإنه قَوَدٌ به إلا أن يرضى وليّ المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا
يحلّ لهم إلا قيامٌ عليه، وإنه لا يحلّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم
الآخر، أن ينصر مُحدِثًا، ولا يُؤويه؛ وأنه مَن نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم
القيامة، ولا يؤخذ منه صَرْفٌ ولا عَذْل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردّه إلى
الله عزّ وجلّ، وإلى محمد وَلٍّ، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن
يهود بني عَوف أَمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من
ظَلم وأثم، فإنه لا يُوتِغ إلا نفسَه، وأهل بيته، وإن لِيَهُودِ بني النَّجَّار مثل ما ليهود بني عَوْف،
وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني
عَوْف، وإن ليهود بني جُشَم مثل ما ليهود بني عَوْف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود
بني عوف، وإن ليهود بني تَغْلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظَلم وأثم، فإنه لا يُوتغ
إلا نفسه وأهل بيته، وإن جَفْنة بطن من ثعلبة كأنفسهم؛ وإن لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود
بني عَوف، وإن البِرّ دون الإثم، وإن موالي ثَعْلبة كأنفسهم؛ إن بِطَانَة يهود كأنفسهم؛
وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد وَ لّ، وإنه لا ينحجز على ثار جُرْح، وإنه من
فَتك فبنفسه فتك، وأهل بيته، إلا من ظَلم، وإن الله على أبرّ هذا، وإن على اليهود
نفقتَهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصرّ على من حارب أهلَ هذه الصحيفة،
وإن بينهم النصح والنصيحة، والبرّ دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر
للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يَثْرب حرام جَوْفها
لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مُضارّ ولا آثم، وإنه لا يُجار حُرْمة إلا بإذن
أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة مِن حَدَث أو اشْتِجَارِ يُخاف فسادُه، فإنَّ مردَّه
وفيه: ولا يُوتِّغُ إلا نفسَه، أي: لا يُوبِقُ، ويهلك إلا نفسه، يقال وَتَغَ الرجلُ، وأوتغَه
غيرُه، قاله أبو عبيد. ومعنى قوله: يُبىء هو من البَوَاء، أي: المساواة، ومنه قول مُهَلْهِل
حين قَتَل ابنًا للحارث بن عُباد: بُؤْبِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْب.
٣٤٩

إلى الله عزّ وجلّ، وإلى محمد رسولِ الله وَلقره، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة
وأبرّه، وإنه لا تُجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دَهم يثرب، وإذا
دُعوا إلى صلح يصالحونه ويَلْبسونه، فإنهم يصلحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دُعوا إلى مثل
ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا مَنْ حارب في الدين، على كلّ أناس حصَّتهم من
جانبهم الذي قِبَلهم، وإن يهود الأوس، مواليّهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه
الصحيفة، مع البر المحض، من أهل هذه الصحيفة.
قال ابن هشام: ويقال: مع البرّ المُحسن من أهل هذه الصحيفة.
قال ابن إسحاق: وإن البرّ دون الإثم، لا يكسب كاسبٌ إلا على نفسه، وإن الله
على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبرّه، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه
من خرج آمنٌ، ومن قعد آمِن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن برّ واتقى،
ومحمد رسول الله مَلآله.
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
قال ابن إسحاق: وآخى رسولُ اللهِ وَلَ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، فقال
- فيما بلغنا، ونعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يَقل، تآخَوا في الله أخَوَيْن أخوين، ثمّ أخذ بيد
علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي فكان رسولُ الله - وَ * سيِّدَ المرسلين، وإمام
وقوله: ((إن البِرَّ دُون الإِثْم))، أي: إن البرَّ والوفاءَ ينبغي أن يكون حاجزًا عن الإثم.
وقوله: ((وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبرّه))، أي: إن الله وحزبه المؤمنين
على الرُّضى به، وقال أبو عبيد في كتاب الأموال: إنما كتب رسول الله - وَ لجر - هذا الكتابَ
قبل أن تُفْرض الجِزْيَةُ، وإذ كان الإسلام ضعيفًا. قال: وكان لليهود إذ ذاك نصيب في المَغْنَم
إذا قاتلوا مع المسلمين، كما شرط عليهم في هذا الكتابِ النفقةَ معهم في الحروب.
المؤاخاة بين الصحابة(١)
فصل: المؤاخاة بين الصحابة: آخى رسول الله - وَل18 - بين أصحابه حين نزلوا المدينة،
لِيُذْهِب عنهم وَخْشَة الغُرْبَة ويُؤَنسهم من مفارقة الأهل والعَشيرة، ويُشْد أَزْرَ بعضِهم ببعضٍ،
(١) انظر البداية (٢٢٢/٣) الطبقات لابن سعد (٢٣٨/١) الاكتفاء (٤٦٤/١) المنتظم (٧٠/٣) زاد المعاد
(٦٣/٣).
٣٥٠

المتقين، ورسول ربّ العالمين، الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد، وعليُّ بن أبي
طالب رضي الله عنه، أخَوَيْن، وكان حمزةُ بن عبد المطلب، أسدُ الله وأسدُ رسوله وَلَره
وعمُّ رسول الله بَّهه وزيدُ بن حارثة، مولى رسول الله بَّه أَخَوَيْن، وإليه أوصى حمزةٌ
يوم أُحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت، وجعفر بن أبي طالب ذو
الجناحين، الطيّار في الجنة، ومعاذُ بن جبل، أخو بني سلمة، أخَوين.
قال ابن هشام: وكان جعفر بن أبي طالب يومئذ غائبًا بأرض الحبشة.
قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، ابن أبي قُحافة،
وخارجة بن زُهير، أخو بَلْحارث بن الخزرج، أخوين، وعمر بن الخطّاب رضي الله
عنه، وعِثْبان بن مالك، أخو بني سالم بن عَوف بن عمرو بن عَوف بن الخزرج أخوين؛
وأبو عُبيدة بن عبد الله بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله، وسعد بن معاذ بن
النعمان، أخو بني عبد الأشهل، أخوين. وعبد الرحمن بن عَوْف، وسعد بن الربيع،
أخو بَالحارث بن الخزرج، أخوين. والزبيرُ بن العوّام، وسلامة بن سلامة بن وَقْش، أخو
بني عبد الأشهل، أخَوَيْن. ويقال: بل الزبير وعبدُ الله بن مسعود، حليف، بني زهرة،
أَخَوَيْن، وعثمان بن عفَّان، وأوس بن ثابت بن المنذر، أخو بني النجَّار، أخوين.
فلما عز الإسلام واجتمع الشَّمْلُ، وذهبت الوحشة أنزل الله سبحانه: ﴿وأولو الأزحَام بعضُهم
أولى ببعضٍ في كتاب الله﴾ [الأنفال: ٧٥] أعني في الميراث(١)، ثم جعل المؤمنين كلهم
إخوة فقال: ﴿إنما المُؤْمِنُون إخْوَةٌ﴾ يعني في التَّوادٌ وشُمُول الدعوة. وذكر مؤاخاته بين أبي
ذَرِّ والسُنْذِر بن عَمْرو، وقد ذكرنا إنكار الواقدي لذلك في آخر حديث بيعة العقبة.
نسب أبي الدرداء:
فصل: وذكر مؤاخاةً سَلْمَان وأبي الدَّردَاء، وأبو الدَّردَاء اسمُه عوَيْمِرُ بن عامر، وقيل:
عُويمِرُ بن زيد بن ثعلبة، وقيل: عُوَيْمرُ بن مالك بن ثَعْلَبة بن عمرو بن قيس بن أُميَّةٍ من
بَلْحَارِثِ بن الخَزْرَج، أمه: تَحِبَّةُ بنت وَقد بن عَمْرو بن الإطَنَابة، وامرأته: أم الدَّرْدَاءِ،
اسمها: خَيْرَةُ بنت أبي حذرَدٍ، وأم الدرداء الصغرى، اسمها: جُمَانَة، مات أبو الدرداء
بدمشق سنة اثنين وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين.
(١) لعله يعني: أن الرسول وَّلوه آخى بين المهاجرين والأنصار على المواساة، والتوارث بعد الموت فلما
أعزّ الله تعالى الإسلام بعد وقعة بدر، وأنزل الله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في
كتاب الله﴾ نسخت هذه الآية ما قبلها وانقطعت المؤاخاة في التوارث. وهو الصحيح.
٣٥١

وطلحة بن عُبيد الله، وكعب بن مالك، أخو بني سلمة، أخَوَيْن. وسعيد بن زيد بن
عمرو بن نُقيل، وأَبيّ بن كَعْب، أخو بني النجّار: أخوين؛ ومُصعب بن عُمير بن هاشم،
وأبو أيُّوب خالد بن زيد، أخو بني النجَّار: أخوين، وأبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة
وعبَّاد بن بشر بن وَقْش، أخو بني عبد الأشهل: أخوين. وعمَّار بن ياسر، حليف بني
مَخْزوم، وحُذيفةُ بن اليمان، أخو بني عبد عَبْس، حليف بني عبد الأشهل: أخوين
ويقال: ثابت بن قيس بن الشَّمَّاسِ، أخو بَلْحارث بن الخَزْرَج، خطيب رسول اللّهِ وَّارِ،
وعمَّار بن ياسر: أخوين. وأبو ذرّ، وهو بُرَير بن جُنَادة الغِفارِيّ والمُنْذِر بن عمرو،
المُغْنِقِ ليموت، أخو بني ساعدة بن كعب بن الخزرج: أخوين.
قال ابن هشام: وسمعت غير واحد من العلماء يقول: أبو ذَرّ: جُنْدَب بن جُنادة.
قال ابن إسحاق: وكان حاطب بن أبي بَلْتعة، حليف بني أسد بن عبد العزى
وعُوَيم بن ساعدة، أخو بني عمرو بن عوف، أخوين، وسَلْمان الفارسي، وأبو الدَّزداء،
عُوَيمر بن ثعلبة، أخو بَلْحارث بن الخَزْرِج، أخوين.
قال ابن هشام: عُويمر بن عامر، ويقال: عُويمر بنُ زيد.
قال ابن إسحاق: وبلال، مولى أبي بكر رضي الله عنهما، مؤذن رسول الله وَ له،
وأبو رُوَيْحة، عبد الله بن عبد الرحمن الخَثْعمي، ثم أحدُ الفزع، أخوين. فهؤلاء من
سُمي لنا، ممّن كان رسل الله وَل﴿ آخَى بينهم من أصحابه.
بلال يوصي بديوانه لأبي رويحة:
فلما دَوّن عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلالٌ قد خرج إلى الشام، فأقام
بها مُجاهدًا، فقال عمرُ لبلال: إلى من تجعل ديوانَك يا بلال؟ قال: مع أبي رُوَيْحة، لا
أفارقه أبدًا، للأخوة التي كان رسول الله وَلّ عقد بينه وبيني، فضمّ إليه، وضُمّ ديوان
الحَبشة إلى خَثْعَم، لمكان بلال منهم، فهو في خَثُعم إلى هذا اليوم بالشام.
أبو أمامة:
قال ابن إسحاق: وهَلك في تلك الأشهر أبو أمامة، أسعدُ بن زرارةُ، والمسجد
يبنى، أخذته الذبحةُ أو الشهقة.
٣٥٢

قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حزم، عن
يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة: أن رسول الله بَّر، قال: ((بئس
الميتُ أو أمامة، ليَهود ومُنافقوا العرب يقولون: لو كان نبيًا لم يمت صاحبه، ولا أملك
لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئًا))(١).
قال ابن إسحاق: وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة الأنصاريّ: أنه لما مات أبو
أُمَامَة، أسعدُ بن زُرَارَةَ، اجتمعت بنو النجَّار إلى رسول الله وََّ، وكان أبو أمامة نَقِيبَهم،
فقالوا له: يا رسول الله، إن هذا قد كان منَّا حيثُ قد علمتَ، فاجعلْ منَّا رجلاً مكانه
يُقيم من أمْرنا ما كان يُقيم، فقال رسول الله وَ ليقول لهم: ((أنتم أخوالي، وأنا بما فيكم، وأنا
نَقِيبكم))(٢)، وكره رسولُ اللهِ وَّر أن يخصّ بها بعضَهم دون بعض. فكان من فضل بني
النجَّار الذي يَعُدّون على قومهم، أن كان رسولُ الله ◌َّ نقيبَهم.
نسب الفزع:
فصل: وذكر مؤاخاة أبي رُوَيْحَة وبلالٍ، وسماه: عَبْدَ الله بن عبد الرحمن، وقال: هو
أحد الفَزَعِ، لم يبينه بأكثر من هذا، والفَزَعُ عند أهل النسب، هو ابن شَهْرَان بن عِفْرِس بن
حُلْفِ بنَ أَقْتَل، وأَفْتَلُ هو خَفْعَمُ. وقد تقدم في أول الكتاب: لِمَ سمي خَثْعَم وهو ابن
أنمار، وقد تقدم خِلاف النسابين فيما بعد أَنْمَارٍ .
والفَزَع هذا بفتح الزاي، وأما الفَزْعُ بسكونها، فهو الفَزْعُ بن عبد الله بن ربيعة [بن
جندل]، وكذلك الفَزْعُ في خُزَاعة، وفي كلب هما ساكنان أيضًا قاله ابن حبيب، وقال
الدَّارَ قُطْنِيُّ: الفَزَعُ بفتح الزاي: رَجُلٌ يَزْوي عن ابن عُمر.
وذكر آخر في الرواة أيضًا بفتح الزاي يَزوي حديثًا في الكذب على رسول اللهِ وَّته،
يروي أن رسول الله وَلقر عقد لأبي رُوَيْحَة الخثعمي لواءً عام الفتح، وأمره أن ينادي: ((مَنْ
دخل تحت لواء أبي رُونْحَة، فهو آمن))(٣).
مؤاخاة حاطب بن أبي بلتعة:
فصل: وذكر مؤاخاة حَاطِب بن أبي بَلْتَعَةَ وعُوَيْم بن ساعدة، وقال في حاطب: حليف
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (٩/٢) وأحمد (١٣٨/٤) والحاكم (٢١٤/٣) والطبراني (١٠١/٦)
وعبد الرزاق في مصنفه (١٩٥١٥) وابن سعد في الطبقات (١٤١/٧٣).
(٢) أخرجه الطبري في تاريخه (٩/٢) من طريق المصنف به.
(٣) انظر جامع المسانيد (٦٠٢/٢).
٣٥٣
الروض الأنف/ ج ٢/ م ٢٣

بني أسد، وقال غيره: كان عَبْدًا لعُبَيْد الله بن حميد بن زُهَيْرِ بن أسد بن عبد العُزِّى، وقيل:
كان من مِذْحِج، والأشهر: أنه من لخُم بن عَدِيّ، واسم أبي بَلْتَعَةَ عَمْرو بن أَشَدّ بن مَعَاذٍ.
والبَلْتَعَةُ من قولهم: تَبَلْتَع الرجلُ إذا تَظَرَّف، قاله أبو عبيد في الغريب المصنف.
٣٥٤

خبر الأذان
قال ابن إسحاق: فلما اطمأنّ رسولُ الله وَّر بالمدينة، واجتمع إليه إخوانُه من
المُهاجرين، واجتمع أمرُ الأنصار، استحكم أمرُ الإسلام، فقامت الصلاة، وفُرضت الزكاةُ
والصيام، وقامت الحُدود، وفُرض الحلال والحرام، وتبوأ الإسلام بين أظُهُرِهم، وكان
هذا الحيّ من الأنصار هم الذين تبوّؤوا الدار والإيمان. وقد كان رسولُ الله ◌َلتر حين
قَدِمها إنما يجتمع الناسُ إليه للصلاة لحين مَواقيتها، بغير دَعْوة فهمْ رسول الله وَّ حين
قَدِمها أن يجعل بُوقًا كبُوق يَهُودَ الذين يدعون به لصلاتهم، ثم كرهه، ثم أمر بالنَّاقوس،
فنُحِت ليُضرب به للمسلمين للصلاة.
بدء الأذان(١)
ذكر حديث عبد الله بن زيد بن ثَعْلَبة بن عبد ربه، هكذا ذكره، وأكثر النساب يقولون:
زيد بن عبد ربه، وثعلبةُ أخو زيد ذكر حديثه عندما شاور رسولُ الله ◌َّر أصحابه في الأذان،
فقال بعضهم: ناقوس كناقوس النصارى، وقال بعضهم: بُوقٌ كبوق اليهود، وفي غير السيرة
أنهم ذكروا الشّبُّورَ، وهو البوق. قال الأصْمَعِيُّ للمُفَضَّل، وقد نازعه في معنى بيت من
الشعر، فرفع المفضل صوته، فقال الأصْمَعِيُّ لو نَفَخْتَ في الشّبُّور ما نفعك، تكلم كلام
النمل وأصِب !!.
(١) انظر خبر الأذان في الطبقات لابن سعد (٢٤٦/١) البداية والنهاية (٢٣١/٣) المنتظم (٧٧/٣)
الاكتفاء (٤٦٥/١) وانظر حديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه. في مسلم (٣٧٩) وأبو داود
(٤٩٨ - ٤٩٩) بتحقيقي. وابن ماجه (٧٠٦) والترمذي (١٨٩). أخرجوه بعضهم مختصرًا وبعضهم
مطوَّلاً .
٣٥٥

رؤيا عبد الله بن زید:
فبينما هم على ذلك، إذ رأى عبدُ الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، أخو
بَلْحَارِث بن الخَزْرِج، النداءَ، فأتى رسولَ اللهِ وَّه، فقال له: يا رسول الله، إنه طاف بي
هذه الليلة طائف: مرّ بي رجلٌ عليه ثَوْبان أخضران، يحمل ناقوسًا في يده، فقلت له: يا
عبد الله، أتَبيع هذا النَّاقُوسَ؟ قال: وما تصنع به؟ قال: قلت: ندعوا به إلى الصلاة،
وذكروا أيضًا القُنْع وهو القَرْن، وقال بعضهم: هو تصحيف إنما هو القُبْعُ والقُنْعُ
أولى بالصواب، لأنه من أقنع صَوتَه إذا رفَعه، وقال بعضهم: بل نوقد نارًا، ونرفعها، فإذا
رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة، وقال بعضهم: بل نبعث رجلاً ينادي بالصلاة، فبينما هم في
ذلك أُرِي عبدُ الله بن زيد الرُّؤْيا التي ذكر ابن إسحق، فلما أخبر بها رسولَ الله - الهرم -
وأمره أن يُلْقِيهَا على بلال، قال: يا رسول الله أَنا رأيتُها، وأنا كنت أحبها لنفسي، فقال:
((ليؤذِّن بلال))، ولْتُقِم أنت، ففي هذا من الفِقه جواز أن يؤذِّن الرجل، ويقيم غيره وهو
معارض لحديث زِيَادٍ بن عبد الله الصَّدَئِيِّ حين قال له النبي - وََّ: ((مَنْ أَذَّن فهو أحق أن
يُقيم))(١)، في حديث طويلٍ إلا أنه يدور على عبد الرحمن بن زياد بن أنْعم الأفْرِيقِيّ وهو
ضعيف، والأول أصح منه. قال أبو داود: وتزعم الأنصار أن عبد الله بن زيد حين رأَى
النداء كان مريضًا، ولولا ذلك لأمره رسولُ الله - نَّ ــ بالأذان، وقد تكلمت العلماءُ في
الحكمة التي خصت الأذان بأن رآه رجل من المسلمين في نومه، ولم يكن عَنْ وَخي من
الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية، وفي قول النبي - روض الفر - له: ((إنها لرُؤْيا خّقٌّ))،
ثم بنى حكم الأذان عليها، وهل كان ذلك عن وحي من الله له، أم لا؟ وليس في
الحديث دليلٌ على أن قوله ذلك كان عن وَخيٍ، وتكلموا: لِمَّ لَمْ يُؤَذِّن رسولُ الله ◌ِ؟
وهل أذن قط مَرَّةً من عُمْره دهره أم لا؟.
فأما الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل من المسلمين ولم یکن عن وحي فلأن
رسول الله وَله قد أُرِيَه ليلة الإسراء، وأُسْمِعهُ مَشَاهَدَةً فوق سَبْع سَمُوات(٢)، وهذا أقوى من
الوحي، فلما تأخر فرضُ الأذان إلى المدينة، وأرادوا إعلام الناس بوقتِ الصلاة تَلبَّثَ الوحي
(١) (ضعيف)). أخرجه أبو داود (٥١٤) والترمذي (١٩٩) وابن ماجه (٧١٧) والبيهقي (١/ ٣٨١) وأبو
نعيم في الحلية (١١٤/٧). وفيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي: ضعيف.
(٢). خبر سماع الأذان أخرجه البزار (١٦٣/٣) بسند فيه كذاب، فارم به. وكثيرًا ما يبني السهيلي رحمه
الله تعالى على الحديث، وقد يكون ضعيفًا أو موضوعًا كحديث الباب، وقد مرَّ التنبيه على هذا غير
مرة، فانتبه. وسيأتي الحديث مسندًا. وفيه زياد بن المنذر وكذبه غير واحد.
٣٥٦

قال: أَفَلاَ أدلك على خيرٍ من ذلك؟ قال: قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله
أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن
محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الصلاة،
حي على الفلاح، حيّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
حتى رأى عبدَ الله الرؤيا، فوافقتْ ما رأى رسولُ الله ◌ِصَلّ؛ فلذلك قال: إنها لرؤيا حق إن
شاء الله، وعلم حينئذ أن مُراد الحق بما رآه في السماء، أن يكونَ سُنَّةً في الأرض، وقوَّى
ذلك عنده موافقةُ رؤيا عمر الأنصاري مع أن السكينة تنطِق على لسان عُمَّر واقتضت الحكمة
الإلهية أن يكون الأذانُ على لسان غير النبي ◌َّ من المؤمنين، لما فيه من التّنْويه من الله
لعبده، والرفع لذكره، فلأنْ يكونَ ذلك على غير لسانِه أَنْوَه به وأفخم لشأنه، وهذا معنّى بَيِّن
فإن الله سبحانه يقول: ﴿وَرَفَعْنَا لك ذِكْرَك﴾ [الشرح: ٤] فَمِنْ رَفْع ذكره أن أشاد به على
لسانٍ غيرِه. فإن قيل: وَمن رَوَى أنه أرِي النداءَ من فوق سبع سَمُوات، قلنا: هو في مسند
أبي بكر أحمد بن عُمْرو بن عبد الخالق البزار.
حدّثنا أبو بكر محمد بن طاهر الإشْبِيليِّ سماعًا وإجازةً عن أبي علي الغَسَّاني عن أبي
عمر النَّمَرِيِّ بإسناده إلى البزار، قال البَزَّار: نا محمد بن عثمان بن مَخْلَد، نا أبي عن
زياد بن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده، عن علي بن أبي طالب
- رضي الله عنه - قال: لما أراد الله أن يُعْلِم رسولَه الأذانَ أتاه جبريلُ مَِّ بدابَّةٍ يقال لها
البُرَاق، فذهب يركبها، فاستصعبت، فقال لها جبريل: اسْكُني فوالله ما ركبك عبدٌ أكرم على
الله من محمد - 18 - قال: فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن - تباركَ
وتعالى - قال: فبينما هو كذلك، إذ خرج ملَكٌ من الحجاب، فقال رسول الله - ◌َالفور -: ((يا
جبريل مَنْ هذا»؟ فقال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانًا، وإن هذا الملَكَ ما
رأيته مُنْذُ خُلِقْتُ قبل ساعتي هذهِ، فقال: ((الملك: الله أكبر، الله أكبر))، قال: فقيل له مِن
وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال الملك: أشهد أن لا إلَه إلا الله، قال:
فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا، قال: فقال الملَك: أشهد أن
محمدًا رسول الله. قال: فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أرسلت محمدًا، قال
الملَك: حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح، ثم قال الملك: الله أكبر الله أكبر، قال: فقيل
من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: فقيل مِن
وَرَاء الحجاب: صَدَق عبدي أنا لا إله إلا أنا، قال: ثم أخذ الملك بيد محمد - وَلُو - فقدمه
فأمَّ أهلَ السماء، فيهم آدمُ ونوحٌ قال أبو جعفر محمد بن علي: يومئذ أكمل الله
لمحمد - رَ﴿ - الشرف على أهل السماواتِ والأرض.
ء
٣٥٧

فلما أخْبَرَ بها رسولَ اللهِ وَّهِ، قال: إنها لَرْؤْيَا حَق، إن شاء الله، فقم مع بلال
فألْقِها عليه، فَلْيُؤَذِّن بها، فإنه أنْدَى صوتًا منك. فلما أذِن بها بلالٌ سَمعها عمرُ بن
الخطاب، وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله بَّرَ، وهو يجرّ رداءه، وهو يقول: يا نبيّ
الله، والذي بعثك بالحقّ، لقد رأيت مثل الذي رأى، فقال رسولُ الله وَلّ: ((فلِلَّه الحمد
على ذلك)).
قال المؤلف: وأخْلِقْ بهذا الحديث أن يكون صحيحًا لما يَعْضُدُه ويُشَاكله من أحاديث
الإسراء فبمجموعها يحصل أن معاني الصلاة كلها وأكثرها، قد جمعها ذلك الحديث، أعني
الإسراء، لأن الله - سبحانه - رفع الصلاة الي هي مُناجاةٌ عن أن تُفْرَضَ في الأرض، لكن
بالحضرة المقدَّسة المطهّرة(١)، وعند الكعبة العليا، وهي البيت المعمُور، وقد ذكرنَا طَرفًا من
هذا الغرض، ونبذًا من هذا المقصد في شرح حديث الإسراء وينضاف إليها في هذا الحديث
ذكر الأذان الذي تضمنه حديثُ البزار مع ما روي أيضًا أنه مَرَّ وهو على البراق بملائكة قِيام،
وملائكةٍ ركُوعٍ، وملائكةٍ سُجُودٍ وملائكةٍ جلُوسٍ، والكلُّ يُصلّون لله، فجُمعت له هذه
الأحوال في صّلاتِه، وحين مَثَل بالمقام الأعلى، ودنا فتدلى أَلْهِم أن يقول: التحياتُ الله إلى
قوله: الصلواتُ الله، فقالت الملائكة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقالت الملائكة: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أن
محمدًا رسولُ الله، فجمع ذلك له في تَشْهُّده(٢).
وانظر بقلبِك كيف شُرع له عليه السلام ولأمته أن يقولوا تسع مرات في اليوم والليلة
في تسع جلسات في الصلوات الخمس بعد ذكر التحيات: السلام علينا، وعلى عباد الله
الصالحين، فيحيون ويحيون تحية من عند الله مباركة طيبة، ومن قوله: السلام علينا كما
قيل لهم، فسلموا على أنفسكم تحيةً من عند الله، ومن ثم قال: الطيبات المبارَكَاتُ، كما
في رواية ابن عباس في التشهد انظر إلى هذا كله كيف حيا وحُيِّي تسع مرات، حَيَّته
ملائكةُ كلِّ سماء، وحَيَّهم، ثم ملائكةُ الكرسي، ثم ملائكة العرش، فهذه تسعّ، فَجُعِل
التشهدُ في الصلوات على عدد تلك المرات التي سَلَّم فيها وسُلُّم عليه، وكلها تحياتٌ لله،
أي: من عند الله مباركة طيبة، هذا إلى نُكت ذكرناها في شرح سُبْحَانَ الله وبحمده، فإذا
جمعت بعض ما ذكرناه إلى بعضٍ عَرَفت جملة من أسرارِ الصلاةِ وفوائِدها الجلية دون
الخفية، وأما بقية أسرارِها وما تضمنته أحاديثُ الإسراء من أنوارها، وما في الأذان من
(١) تقدم التنبيه غير مرة على هذه اللفظة ونسبتها إلى الله تعالى.
(٢) انظر التخريج قبل السابق.
٣٥٨

رؤيا عمر في الأذان:
قال ابن إسحاق: حدّثني بهذا الحديث محمدُ بن إبراهيم بن الحارث، عن
محمد بن عبد الله بن زيد بن ثَعْلَبَة بن عَبْدِ ربِّه، عن أبيه.
لطائف المعاني والحكم، في افتتاحه بالتكبير وختمه بالتكبير مع التكرار، وقول: لا إله إلا
الله في آخره، وأشهد أن لا إله إلا الله في أوله(١)، وما تحت هذا كله من الحِكم الإلهية
التي تملأ الصُّدورَ هيْبة وتُنَوِّر القلوب بنور المحبة، وكذلك ما تضمنته الصلاةُ في شَفْعها
وَوَثْرِها والتكبير في أركانها، ورفع اليدين في افتتاحها، وتخصيص البقعة المكرّمة بالتوجّه
إليها، مع فوائد الوضوء من الأحداث لها، فإن في ذلك كلِّه من فوائد الحكمة، ولطائف
المعرفة ما يزيد في ثَلَج الصدور، ويَكْحُل عينَ البَصِيرة بالضّياء والنور، ونعوذ بالله أن ننزع
في ذلك بمنْزَعِ فَلْسَفِي أو مقالة بدْعي، أو رأيٍ مجَرَّد من دليل شَرْعِي، ولكن بِتَلْوِيحَاتٍ من
الشريعة، وإشارات من الكتاب والسنة يَعْضُدَ بعضُها بعضًا، وينادي بعضُها بتصديق بعض:
﴿وَلَوْ كَانَ من عند غيرِ الله لوَجَدوا فيه اخْتِلافًا كثيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. لكن أضربْنا في هذا
الكتابِ عن بَثِّ هذه الأسرارِ، فإن ذلك يخرج عن الغرض المقصود، ويَشْغَل عما
صَمَدْنا(٢) إليه في أول الكتاب، ووعدنا به الناظرَ فيه من شرح لغاتٍ وأنساب وآداب، والله
المستعان(٣).
وقد عُرفت رؤيا عبد الله بن زيد وكيفيتها برواية ابن إسحاق وغيره، ولم تُعْرَف
كيفيةُ رؤيا عمر حين أُرِيَ النداءَ، وقد قال: قد رأيت مثلَ الذي رأى، لكن في
مُسْنَد الحارث ميانٌ لها. روى الحارثُ [بن أبي أسامة] في مُسْنده أن رسول
الله - وَ - قال: ((أولُ من أَذَّن بالصلاة جبريلُ أذن بها في سماءِ الدنيا فسمعه عُمَرُ وبلالٌ
فسبق عمرُ بلالاً إلى رسول الله - رَله - فأخبره بها، فقال عليه السلام لبلال: ((سبقك بها
(١) قال بعضهم: الحكمة في قول المؤذِّن أولاً: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) وفي نهايته ((لا إله إلا الله))
دون الشهادة؛ أنه قد يكون المؤذِّن كاذبًا في شهادته الأولى وقوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) قال
تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد أنك رسول الله﴾؛ فإنه إن كان كاذبًا في شهادته الأولى
وقوله: ((أشهد أن لا إله إلا الله)) إلا أنه صادق في قوله في نهاية الأذان: ((لا إله إلا الله)) ولهذا
كانت خاتمة الأذان هذه الكلمة وليس الشهادة. فتأمل.
(٢) صمدنا: أي توجهنا إليه. انظر للمحقق ((القول الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى)).
(٣) انظر لابن القيم في أسرار الصلاة وفوائدها: ((الوبل الصيب)) (٣٤ - ٤٢) تارك الصلاة، شفاء العليل
(٤٥٢) إغاثة اللهفان (١٥٦/١٤٦/١٠٨/١٠٧/١) حكم سماع الغناء (١١٣) وللمحقق كل ما تقدم
وزيادة في كتاب ((الصلاة وأسرارها)).
٣٥٩

قال ابن هشام: وذكر ابن جُريج، قال: قال لي عطاء: سمعت عُبَيْد بن عُمَيْر
اللَّيثي يقول: اثْتَمر النبيُّ وََّ وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينما عمرُ بن
الخطّاب يُريد أنْ يَشْترِيّ خَشَبتين للنَّاقوس، إذ رأى عمر بن الخطاب في المنام: لا
تجعلوا الناقوس، بل أذّنوا للصلاة. فذهب عمرُ إلى النبيّ وَّهَ ليُخبرَه بالذي رأى، وقد
جاء النبيَّ نَّ الوحيُ بذلك، فما راع عُمر إلا بلالٌ يؤذّن، فقال رسول الله وَّ ل حين
أخبره بذلك: قد سَبقك بذلك الوحي (١).
ما كان يقوله بلال في الفجر:
قال ابن إسحق: وحدّثني محمد بن جعفر بن الزُبير، عن عُروة بن الزُّبير، عن
امرأة من بني النجار، قالت: كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يؤذّن
عليه للفجر كلّ غداة، فيأتي بسَحَر، فيجلس على البيت ينتظر الفَجر، فإذا رآه تمطَّى، ثم
قال: اللهمّ إني أحمدك وأستعينك على قريش أن يُقيموا على دينك. قالت: والله ما
علمته كان يتركها ليلةً واحدة (٢) .
عمرُ))(٣)، وذكر باقي الحديث. وظاهرُ هذا الحديثِ أن عمرَ سمع ذلك في اليقظة، وكذلك
رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان رآها، وهو بين النائم واليَقْظانِ: قال: ولو شئت لقلت: كنت
يَقْطَانًا .
فصل: وأما قولُ السائل: هل أذَّن رسُول اللهِ وَلِّ بنفسه قَطُ، فقد روى الترمذي
من طريقٍ يدور على عمر بن الرماح يرفعه إلى أبي هريرة أن رسولَ الله - رَّهِ - أَذِّن في
سفر، وصلى بأصحابه، وهم على زَوَاحلهم، السماءُ من فوقهم والبِلَّة من أسفلهم(٤)،
فَزَع بعضُ الناس بهذا الحديث إلى أنه أذَّن بنفسِه، وأسنده الدَّارَقُطْنِي بإسناد الترمذي إلا
أنه لم يذكر عُمَر بن الرماح، ووافقه فيما بعده من إسنادٌ ومَثْنٍ، لكنه قال فيه: فقام
المؤذن، فأذن، ولم يقل: أذن رسولُ الله - رَ﴿هـ والمُتَصَّل يَقْضِي على المُجْمَلِ
المُختمل، والله أعلم.
(١) انظر أيضًا مصنف عبد الرزاق (١٧٧٥) والبداية (٢٣٣/٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٥١٩) بتحقيقي. وفيه مجهول. وهي المرأة من بني النجار.
(٣) أخرجه الحارث بن أبي أسامة بسند ضعيف. انظر الطالب (٢٢٤) الفتح (٧٨/٢).
(٤) أخرجه الترمذي.
٣٦٠