Indexed OCR Text

Pages 221-240

لَبَلَّ نعالَ القوم مُعْتَبِطْ وَزْد
فلو أنَّ أشياخًا ببدرٍ تَشاهدوا
فلما بلغ أبا سُفْيان قولُ حسَّان قال: يريد حَسان أن يَضْرب بعضَنا ببعض في رجل
من دَوس! بئس والله ما ظنّ!
آية الربا من البقرة
ولما أسلم أهلُ الطَّائف كلَّم رسولَ اللهِ وَلَ خالد بن الوليد في ربا الوليد، الذي
كان في ثقيف، لما كان أبوه أوصاه به.
قال ابن إسحاق: فذكر لي بعضُ أهل العلم أن هؤلاء الآيات من تحريم ما بقي من
الربا بأيدي الناس نزلن في ذلك من طلب خالد الرّبا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللَّهَ
وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى آخر القصة فيها.
شهر شوال إذا اجتمعوا، ويقال: عَكَظَ الرجلُ صاحبه إذا فاخره وغَلَبَه بالمفاخرة، فسُميت
عُكَاظ لذلك(١).
وذكر :
لَبَلْ نِعالَ القوم مُغْتبِطْ وَرْدُ
يعني: الدَّمَ العَبِيطَ(٢).
ما أنزل الله في الربا
فصل: وذكر ما أنزل الله في الربا الآيات من سورة البقرة، وقد قدمنا في حديث بنيان
الكعبة من قولهم: لا تنفقوا فيها رِبًا ولا مَهْرَ بِيٍّ، وأن في ذلك دليلاً على قِدَم تحريمه
عليهم في شرح إبراهيم عليه السلام، أو في غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين
وذلك أنّه من أقبح الأعمالِ لما فيه من هَذْم جانب المروءة، وإيثار الحرص مع بعد الأمل،
ونسيان بَغْتة الأجل، وترك التوسعة وحسن المعاملة، ومن تأمل أبوابَ الرِّبا لاح له شر
التحريم من جهة الجَشْعَ المانع من حسن المعاشرة والذّريعة إلى ترك القَرْض، وما فيه، وفي
التوسعة من مكارم الأخلاق، ولذلك قال سبحانه: ﴿فإن لم تفْعَلوا فأُذَنُوا بِحَرْبٍ من الله
(١) عكاط: عكظ دابته يعكظها عكظًا: حبسها، وتعكظ القوم تعكظًا إذا تحيّسوا لينظروا في أمورهم.
وعكاظ: سوق للعرب كانوا يتعاكظون فيها؛ قال الليث: سميت عكاظًا لأن العرب كانت تجتمع
فيها يتعكظ بعضهم بعضًا بالمفاخرة، اللسان (٤٤٧/٧).
(٢) العبيط: الطري من كل شيء. مقاييس اللغة (٢١١/٤). اللسان (٣٤٧/٧).
٢٢١

الهمّ بأخذ ثأر أبي أَزيهر:
ولم يكن في أبي أُزَيهر ثأرٌ نعلمه، حتى حَجَزِ الإسلامُ بين الناس، إلا أن ضِرار بن
الخطّاب بن مِزْداس الفِهْري خَرج في نَفَر من قُرَيش إلى أرض دَوْس، فنزلوا على امرأة
يقال لها أُمّ غَيْلان، مولاة لدَوْس، وكانت تَمْشُطِ النِّساء، وتجهّز العرائس، فأرادت دَوْس
قتلَهم بأبي أُزَيهر، فقامت دونهم أُمُّ غيلان ونسوةٌ معهم، حتى منعتهم، فقال ضرار بن
الخطاب في ذلك :
ونسوَتها إذا هُنَّ شُغْثٌ عَواطلُ(١)
جَزَى الله عنَّا أُمّ غَيْلان صالحا
وقد بَرَزَتْ للثَّائرينِ المَقاتل
فهنّ دَفَعن الموتَ بعد اقترابه
بعزّ وأدّتها الشَّراجِ (٢) القَوابل(٣)
دعتّ دعوةً دَوْسا فسالت شُعابها
وما بردتْ منه لديّ المَفاصِل
وَعِمْرًا جَزاه الله خيرًا فَمَا وَنى(٤)
وعن أيّ نَفْس بعد نفسي أقاتل
فجرّدتُ سَيْفي ثم قمتُ بنَصْله
عمل أُم غيلان:
قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة: أن التي قامت دون ضِرار أُمُّ جميل، ويقال: أُمّ
غَيلان، قال: ويجوز أن تكونَ أُمُ غَيلان قامت مع أُم جميل فيمن قام دونه.
فلما قام عمرُ بن الخطّاب أتته أُمُّ جميل، وهي تُرى أنه أخوه: فلما انتسبت له
عرف القِصّة، فقال: إني لستُ بأخيه إلا في الإسلام، وهو غاز، وقد عرفتُ مِنَّتَك عليه،
فأعطاها على أنها ابنة سَبيل.
ورسوله﴾ [البقرة: ٢٧٩]. غضبًا منه على أهله، ولهذه التّكْتة قالت عائشة لأن محبة مولاة
زيد بن أرقم: أُبلِغي زيدًا تعني زَيْدَ بن أرقم أن قد أَبْطَلَ جهادَه مع رسول الله - بَالــ حين
ذكرت لها عنه مسألةً من البيوع تشبه الربا، فقالت: أَبْطَلَ جهادَه، ولم تقل صَلاتَه ولا
صيامه، لأن السيئات لا تُخْبَط الحَسَناتِ، ولكن خصَّت الجهادَ بالإِبطال، لأنه حرب لأعداء
الله، وآكلُ الربا قد أذن بحربٍ من الله، فهو ضده، ولا يجتمع الضدان، وهذا معنى ذكره أبو
الحسن بن بطال في شرح الجامع، وتلك المسألة مذكورة في المُدَوَّنة، لكن إسنادُها إلى
عائشة ضعيف.
(١) أي ليس لهن حلي.
(٢) الشراج: جمع شرج: وهو مسيل الماء من الحرة إلى السهل.
(٤) الونى: الضعف.
(٣) أي المتقابلات.
٢٢٢

قال الراوي: قال ابن هشام: وكان ضِرار لحق عمرَ بن الخطاب يوم أحد، فجعل
يَضْربه بعَرض الرمح، ويقول: انجُ يابن الخطّاب لا أقتلك، فكان عمر يعرفها له بعد
إسلامه.
من المؤذين لرسول الله:
قال ابن إسحاق: وكان النَّفَر يؤذون رسولَ الله ◌َّ في بيته أبا لَهَب، والحَكّم بن
العاص بن أُمَيَّة، وعُقْبَة بن أبي مُعَيط، وعديّ بنْ حَمراء الثَّقفيّ، وابنَ الأصداء الهُذليّ،
وكانوا جيرانه لم يُسْلم منهم أحد إلا الحَكَمَ بن أبي العاص، فكان أحدهم - فيما ذكر
لي - يطرح عليه وَّهِ رَحمَ الشاة وهو يُصَلّ، وكان أحدهم يطرحها في بُرْمته إذا نُصبت
له. حتى اتخذ رسولُ الله - بَله ـ حجْرًا يستتر به منهم إذا صلى، فكان رسولُ اللهِ وَهِ إذا
طرحوا عليه ذلك الأذى، كما حدثني عمرُ بن عبد الله بن عُروة بن الزبير، عن عُروة بن
الزبير، يخرج به رسولُ الله و # على العود، فيقف به على بابه، ثم يقول: يا بني
عبد مناف، أيّ جوارٍ هذا! ثم يُلقيه في الطريق.
ما عاناه الرسول و18َ بعد وفاة أبي طالب وخديجة(١):
قال ابن إسحاق: ثم إن خديجة بنت خُويلد وأبا طالب هَلَكا في عام واحد،
فتتابعت على رسولِ الله ﴿ المصائبُ بهُلْك خديجة، وكانت له وَزِيرَ صِدْق على
الإسلام، يشكو إليها، وبهُلْك عمّه أبي طالب، وكان له عضدًا وحِرْزًا في أمره، ومَنَعَة
وناصرًا على قومه، وذلك قبل مُهاجره إلى المدينة بثلاث سنين. فلما هلك أبو طالب،
نالت قريشّ من رسول الله و 8* من الأذى ما لم تكن تَطْمع به في حياة أبي طالب، حتى
اعترضه سَفِيه من سُفهاء قريش، فنثر على رأسه ترابًا .
قال ابن إسحاق: فحدثني هشام بن عُروة، عن أبيه عروة بن الزبير، قال: لما نثر
ذك السفيهُ على رأس رسول الله - وَ طَر ◌ِ ذلك الترابَ دخل رسولُ اللهِنَّه بيتَه والترابُ
على رأسه، فقامت إليه إحدى بناته، فجعلت تغسل عنه الترابَ وهي تبكي، ورسول
(١) انظر طبقات ابن سعد (١٢٢/١) البداية والنهاية (١٢٢/٣) السيرة الحلبية (٤٦٦/١)
المنتظم (٧/٣) الكامل (٦٠٦/١) السيرة الشامية (٥٦٣/٢) الدلائل للبيهقي (٣٥١/٢) النويري
(١٦/ ٢٧٧).
٢٢٣

الله وَّهُ يقول لها: لا تبكي يا بُنيَّة، فإن الله مانعٌ أباك. قال: ويقول بين ذلك: ما نالت
منّي قريش شيئًا أكرهه، حتى مات أبو طالب(١).
ما حدث بين النبي ◌َّه وبين أبي طالب والمشركين
قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشًا ثِقَلُه، قالت قريش بعضها
لبعض: إن حَمْزة وعمر، قد أسْلما وقد فشا أمرُ محمّد في قبائل قُريش كلها، فانطلقوا بنا
إلى أبي طالب، فليأخذ لنا على ابن أخيه، ولْيُعطِه منَّ، والله ما نأمن أن يَبْتَزُّونا أَمرنا.
قال ابن إسحاق: فحدثني العبَّاسُ بن عبد الله بن مَعْبد عن بعض أهله، عن ابن
عبَّاس، قال: مَشَوْا إلى أبي طالب فكلّموه، وهم أشراف قومه: عُتبة بن ربيعة، وشَيْبة بن
ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأُميَّة بن خَلف، وأبو سفيان بن حَرْب، في رجال من
أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب، إنك منَّا حيث قد علمتَ، وقد حَضَرَك ما ترى، وتخوّفْنا
عليك، وقد علمتَ الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعُه، فخُذْ له منَّا، وخُذْ لنا منه، ليكفّ
عنا، ونکف عنه، ولیدعنا ودیننا، وندعه ودینه، فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال: يا
ابن أخي: هؤلاء أشرافُ قومك، قد اجتمعوا لك، ليُعطوك، وليأخذوا منك. قال: فقال
رسول الله وَله: نعم، كلمة واحدة تُعطونيها تملكون بها العرب، وتَدين لكم بها العجم.
قال: فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشْر كلمات، قال: تقولون: لا إله إلا الله،
وتَخْلعون ما تعبدون من دونه. قال: فصفّقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمّد أن تجعل
الآلهةَ إلهًا واحدًا. إنّ أمرك لعَجب: ثم قال بعضُهم لبعض: إنّه والله ما هذا الرجل
بِمُعْطيكم شيئًا ممّا تُريدون فانطلِقُوا، وامْضُوا على دين آبائكم، حتى يحكم الله بينكم
وبينه. قال: ثم تفرّقوا.
الرسول يرجو أن يسلم أبو طالب
فقال أبو طالب لرسول الله وَّر: والله يا ابن أخي، ما رأيتُك سألتَهم شَطَطًا؛ فلما
قالها أبو طالب طَمِع رسولُ الله - وَ لّ ـ في إسلامه، فجعل يقول له: أيّ عمّ، فأنتَ
فقُلها، أستحلّ لك بها الشَّفاعة يوم القيامة. قال: فلما رأى حرصَ رسول الله وَلّر، قال:
وفاة أبي طالب ووصيته
ذكر ابن إسحق وفاة أبي طالب إلى آخر القصة، وفيها قال العباس: والله لقد قال أخي
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (١/ ٥٥٣) من طريق المصنف به.
٢٢٤

يا ابن أخي، والله لولا مخافة السُّبَّة عليك، وعلى بني أبيك من بَعدي، وأن تظنّ قُرَيش
إني قلتها جَزعًا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسُرّك بها. قال: فلمّا تقارب من أبي
طالب الموتُ، قال: نظر العباسُ إليه يحرّك شفتيه، قال: فأصغى إليه بأذنه، قال: فقال
يا ابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرتَه أن يقولها، قال: فقال رسول الله وَّه:
لم أسمع.
الكلمة التي أمرته بها، فقال رسول الله - وَل ـ: لم أسمع (١).
قال المؤلف: شهادة العباس لأبي طالب لو أداها بعدما أسلم، لكانت مقبولةً، ولم يرد
بقوله لم أسمع، لأن الشاهد العدل إذا قالت: سمعت، وقال من هو أعدل منه: لم أسمع
أُخِذَ بقول من أثبت السماع، لأن عدم السماع يحتمل أسبابًا منعت الشاهد من السمع، ولكن
العباس شهد بذلك قبل أن يُسْلِمَ مع أن الصحيحَ من الأثر، قد أثبت لأبي طالب الوفاةً على
الكفر والشرك وأثبت نزول هذه الآية فيه: ﴿ما كان لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أن يَسْتَغْفِروا
لِلْمُشْرِكين﴾(٢) [التوبة: ١١٣] وثبت في الصحيح أيضًا أن العباس قال لرسول الله وَله: إن
أبا طالب كان يَحُوطك وينصرك، ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: ((نعم وجدته في
غَمَرَاتٍ من النار، فأخرجته إلى ضَخضَاح)» (٣) وفي الصحيح أيضًا من طريق أبي سعيد، أنه
- عليه السلام - قال: لعله تنفعه شَفَاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضَخضَاحٍ من النار يبلغ
كعبيه يغلي منه دماغَه)) وفي رواية أخرى: كما يغلي المِرْجَلُ بالقُمْقُم، وهيَ مُشْكِلة، وقال
بعض أهل العلم: القُمْقُم: هو البُسْرُ الأخضر يُطبخ في المِرْجَل استعجالاً لنضجه، يفعل
ذلك أهل الحاجة، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق زيادة، وهي أنه قال: يغلي منها دماغُه
حتى يسيلَ على قدميه، ومن باب النظر في حكمة الله، ومشاكلة الجزاء للعمل أن أبا طالب
كان مع رسول الله بجملته مُتَحَزّيًا له، إلا أنه مثبت لقدميه على مِلَّة عبد المطلب، حتى قال
عند الموت: أنا على مِلَّة عبد المطلب، فسُلِّط العذابُ على قدميه خاصَّةً لتثبيته إياهما على
ملة آبائه، ثبتنا الله على الصراط المستقيم.
وذكر قول الله تعالى: ﴿ما كان للنّبيّ والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾
[التوبة: ١٣] وقد استغفر عليه السلام يوم أحُدٍ فقال: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون،
(١) انظر البداية (١٢٣/٣).
(٢) انظر خبر وفاة أبي طالب على الكفر والشرك ـ والعياذ بالله تعالى - في صحيح البخاري الحديث رقم
(٤٦٧٥). وفي الفتح (٣٤١/٨) وطبقات ابن سعد (١٢٢/١) المنتظم (٧/٣).
(٣) أخرجه مسلم في الإيمان (١٩٥).
٢٢٥
الروض الأنف/ ج ٢/ م ١٥

وذلك حين جَرَح المشركون وجهَه وقَتَلوا عمَّه. وكثيرًا من أصحابه، ولا يصح أن تكون الآية
نزلت في عمه ناسخةً لاستغفاره يوم أحَدٍ، لأنَّ وفاةً عمه كانت قبل ذلك بمكة، ولا ينسخ
المتقدمُ المتأخرَ، وقد أجيب عن هذا السؤال بأجوبة: أن قيل: استغفارُه لقومه مشروطٌ
بتوبتهم من الشرك، كأنه أراد الدعاءَ لهم بالتوبة حتى يغفَر لهم ويُقوِّي هذا القول روايةٌ من
روى: ((اللهم اهْدِ قومي فإنهم لا يعلمون))(١)، وقد ذكرها ابن إسحق، رواها عنه بعض رواة
الكتاب بهذا اللفظ، وقيل. مغفرة تَصْرف عنهم عقوبة الدنيا في المَسْخِ والخَسْف، ونحو
ذلك، ووجه ثالث، وهو أن تكون الآية تأخر نزولها، فنزلت بالمدينة ناسخةً للاستغفار
للمشركين، فيكون سبب نزولها متقدمًا، ونزولها متأخرًا لا سيما، وهي في سورة براءة
وبراءةُ، من آخر ما نزل، فتكون على هذا ناسخةً للاستغفارين جميعًا، وفي الصحيح أن
رسولَ الله - مَّل ـ دخل على أبي طالب عند موته، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية،
فقال: يا عَمِّ قل: لا إلا إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال له أبو جهل وابن أبي
أمية: أترغبُ عن مِلَّة عبد المطلب، فقال أنا على ملة عبد المطلب، وظاهر الحديث يقتضي
أن عبد المطلب مات على الشرك، ووجدت في بعض كتب المسعودي اختلافًا في
عبد المطلب، وأنه قد قال فيه: مات مسلمًا لما رأى من الدلائل على نُبوَّة محمدٍ - وَل ـ
وعلم أنه لا يبعث إلا بالت وحيد(٢)، فالله أعلم، غير أن في مسند البزار، وفي كتاب النسوي
من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - وَير - قال لفاطمة، وقد عَزَّت قومًا من الأنصار
عن مَيِّتهم: لعلك بلغت معهم الكُدَى، ويروى الكرى بالراء، يعني: القبور، فقالت: لا،
فقال: لو كنت معهم الكُدَى أو كما قال، ما رأيت الجنةَ، حتى يراها جدَّ أبيك(٣)، وقد
أخرجه أبو داود، ولم يذكر فيه حتى يدخلها جد أبيك، وكذلك لم يذكر فيه: ما دخلت
الجنة، وفي قوله: جد أبيك، ولم يقل: جدك يعني: أباه توطئة للحديث الضعيف الذي
قدمنا ذكره أن الله أحيا أمه وأباه، وآمنا به، فالله أعلم، ويحتمل أن يكون أراد تخويفها
بقوله: حتى يدخلها جد أبيك، فتتوهم أنه الجد الكافر، ومن جدوده عليه السلام: إسماعيل
وإبراهيم، لأن قوله عليه السلام حق، وبلوغها معهم الكُدَى لا يوجب خلودًا في النار، فهذا
من لطيف الكناية فافهمه، وحكي عن هشام بن السائب أو ابنه أنه قال: لما حضرت أبا
طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم، فقال: يا مَعْشَرَ قريش، أنتم صَفْوةُ الله من
(١) انظر مناهل الصفا (١٦) والسيوطي في الدر (٢٩٨/٢) (٩٤/٣).
(٢) لا صحة لهذا وقد تقدم التنبيه عليه غير مرة.
(٣) أخرجه أبو داود (٣١٢٣) بتحقيقي دون الزيادة. وأخرجه كاملاً النسائي (٢٧/٤) وإسناده ضعيف.
٢٢٦

٠٠
ما نزل فيمن طلبوا العهد على الرسول عند أبي طالب
قال: وأنزل الله تعالى في الرَّهط الذين كانوا اجتمعوا إليه، وقال لهم ما قال،
وردّوا عليه ما ردوا: ﴿صّ والقُرآن ذي الذّكْرِ بَلِ الَّذِينِ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾
[صّ: ١، ٢] .. إلى قوله تعالى: ﴿أَجْعَلَ الآلِهَةَ إِلْهَا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ
وانْطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أن امْشُوا وَاصْبِرُوا على آلِهَتَكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَاد ما سَمْعنا بِهَذَا فِي
خلقه، وقلبُ العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدم الشجاع، والواسع الباع، واعلموا
أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبًا إلا أَخْرَزْتموه، ولا شَرَفًا إلا أدركتموه، فلكم بذلكم
على الناس الفضيلةُ ولهم به إليكم الوسيلة، والناسُ لكم حِزْب، وعلى حربكم ألْبٌ، وإني
أوصيكم بتعظيم هذه البَنِيَّة(١)، فإن فيها مَرْضاً للرب، وقوامًا للمعاش، وَثَبَاتًا لِلْوَطأة، صِلوا
أرحامَكم ولا تقطعوها، فإن في صلة الرحم مَنْسَأَةٌ في الأجل، وسِعةً في العدد، واتركوا
البَغْى والعُقوقَ، ففيهما هَلَكَة القرون قبلكم، أجيبوا الداعي، وأعطوا السائل، فإن فيهما
شرف الحياة والممات، عليكم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، فإن فيهما محبةً في الخاص،
ومَكْرُمةً في العامِّ، وإني أوصيكم بمحمّد خيرًا، فإنه الأمين في قريش، والصديق في العرب،
وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاء بأمرٍ قبله الجَنَانُ، وأنكره اللِّسان مخافةَ الشَّنَآنِ،
وأيم الله كأني أنظر إلى صَعَاليك العَرب، وأهل البر في الأطراف والمُسْتَضْعَفِين من الناس،
قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمَته وعظموا أمره، فخاض بهم غَمَراتِ الموت، فصارت رؤساءُ
قريش وصناديدُها أذنابًا ودورُها خرابًا، وضعفاؤها أربابًا(٢)، وإذا أعظُمهم عليه، أخوَجهم
إليه، وأَبْعَدهم منه، أَحْظَاهم عنده، قد مَحَضَتْه العربُ وِدادَها، وأصْفَتْ له فُؤادَها، وأعطته
قيادَها، دونكم يا معشرّ قريش ابن أبيكم، كونوا له ولاةً ولحزبه حُمَاةً، والله لا يسلك أحد
منكم سبيلَه إلا رَشَد، ولا يأخذ أحد بِهَذْيه إلا سَعِد، ولو كان لنفسي مدة، ولأجلِي تأخير،
لِكَفَّفْتُ عنه الهَزَاهِز (٣)، ولدافعتُ عنه الدَّوَاهي، ثم هلك.
تفسير المشي في سورة صّ
فصل: وذكر ما أنزل الله تعالى في قولهم: ﴿أَنِ امْشُوا واصْبِروا على آلهتِكم﴾ وذكر
بعض أهل التفسير أن قولهم: امُشُوا من المَشَاءِ، لا من المَشْي والمَشَاء: نَماءُ المال وزيادته،
(١) يعني الكعبة.
(٢) أربابًا: أي مُطاعين.
(٣) الهزاهز: الفتن.
٢٢٧

المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يعنون النصارى، لقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ - ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ﴾
[صّ: ٧] ثم هلك أبو طالب.
يقال مَشَى الرجلُ، وأَمْشَى: إذا نَما مالُه قال الشاعر:
سَتَخْلِجُة عن الدُّنيا مَنُون
وكُلُّ فَتَّى وإن أَمْشَى وأثْرَى
وقال الراجز:
والشّاةُ لاَ تَمْشِي على الهَمَلْعِ
أي: لا تَكْثُر، والهَمَلْعُ: الذئب، وقاله الخطابي في معنى الآية، كأنهم أرادوا أن
المَشَاءَ والبركة في صبرهم على آلهتهم، وحَمْلُها على المَشْي أظهر في اللغة، والله أعلم.
تتابع المصائب بموت خديجة:
وذكر تَتَابُعَ المصائب على رسول الله - نَّرُ - بِموت خديجة ثم بموت عمه، وذكر
الزبير في حديث أسنده أن رسول الله وَّه* دخل على خديجةَ، وهي في الموت، فقال:
تكرهين ما أرى منك يا خديجة، وقد يجعل الله في الكره خيرًا شعرت أن الله قد أعلمني أنه
سَيُزَوّجني معك في الجنة مريمَ ابنةَ عِمْران، وكُلْثُوم أخت موسى، وآسية امرأةً فِرْعَوْن،
فقالت: الله أعلمَك بهذا يا رسول الله؟ فقال: نعم، فقالت: بالرفاء والبنين، وذكر أيضًا في
الحديث أن رسول الله - رَ﴿ - أطعمَ خديجةَ من عِنَبِ الجنة(١).
(١) (ضعيف)). أخرجه ابن الجوزي في المنتظم (١٩/٣).
٢٢٨

الرسول يسعى إلى الطائف
قال ابن إسحاق: ولما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله - وَلّ - من الأذى
ما لم تكن تنال منه في حياة عمّه أبي طالب، فخرج رسول الله وَلهو إلى الطائف، يلتمس
النُّصرة من ثقيف، والمَنعة بهم من قومه، ورجاءَ أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله
عزّ وجلّ، فخرج إليهم وحدَه.
موقف ثقيف من الرسول منالنقد:
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القُرَظي، قال: لما
انتهى رسولُ اللهِ وَّهَ إلى الطائف، عَمَد إلى نَفر من ثقيف، هم يومئذ سادةُ ثقيف
وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عَبْد يالَيْل بن عمرو بن عُمير، ومسعود بن عمرو بن
عُمير، وحَبيب بن عمرو بن عُمير بن عوف بن عُقدة بن غِيرَة بن عَوْف بن ثقيف، وعند
أحدهم امرأة من قُرَيش من بني جُمح، فجلس إليهم رسولُ اللهِ وَلَّ، فدعاهم إلى الله،
وكلَّمهم بما جاءهم له من نُصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه؛
خروج النبي ◌ّية إلى الطائف(١)
وسنذكر السبب في تسميتها بالطائف، وأن الدمون !! رجل من الصَّدِف من حَضْرَمَوْتَ
نزلها، فقال لأهلها: ألا أبني لكم حائطًا يطيف ببلدتكم فبناه، فسميت: الطائف، وقيل: غير
ذلك مما سنذكره.
(١) الطائف: ناحية ذات نخل وأعناب ومزارع وأودية وهي على ظهر جبل غزوان. وانظر الخبر في
الكامل (٦٠٧/١) زاد المعاد (٣١/٣) المنتظم (١٣/٣) طبقات ابن سعد (٢١١/٢١٠/١) تاريخ
الطبري (٥٥٤/١).
٢٢٩

فقال له أحدهم: هو يَمرُط ثيابَ الكعبة إن كان الله أرسلك؛ وقال الآخر: أما وجد الله
أحدًا يُرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا. لئن كنتَ رسولاً من الله كما
تقول، لأنت أعظم خطرًا من أن أرُدّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي
لي أن أكلمك. فقام رسولُ الله ◌َ لّ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقد قال لهم
- فيما ذُكر لي -: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتُموا عني، وكَرِه رسولُ اللهِ وَلِّ أن يبلغ قومَه
عنه، فيُذْئرهم ذلك عليه. قال ابن هشام: قال عبيد بن الأبرص:
ذَئِرُوا لقَتْلى عامر وتعصّبوا
ولقَدْ أتاني عَن تَميم أنهُم
فلم يفعلوا، وأغَروا به سفهاءهم وعَبيدهم، يسبونه ويَصيحون به، حتى اجتمع عليه
الناس، وألجؤوه إلى حائط لعُتبة بن ربيعة وشَيْبة بن ربيعة، وهما فيه، ورجع عنه من
سفهاء ثَقيف من كان يتبعه، فعَمَد إلى ظلّ حَبَلة من عنب، فجلس فيه. وابنا ربيعة ينظران
وقوله: فَيُذْئرها عليه، قد فسره ابن هشام، وأنشد:
ذَيْرُوا لقتلَى عامرٍ وتَعصَّبوا
وفي الحديث لما نهى رسولُ اللهِ وَلّ عن ضرب النساء قال: ذئير النساء على
أزواجهن(١)، وفسره أبو عبيد بالنُشُوز على الأزواج، وأنشد البيت الذي أنشده ابن هشام،
ومعنی کلامهما واحد.
وذكر ما لقي من أشراف ثَقيفٍ، وذكر موسى بن عقبة زيادةً في الحديث حين أَغْرَوا
به سفهاءهم، قال: وكان يمشي بين سِمَاطين منهم، فكلّما نَقَلوا قدما، رَجَموا عَراقيبَه
بالحجارة، حتى اختضب نعلاه بالدماء، وذكر التَّيْمِيُّ كما ذكر ابن عقبة، وزاد قال: كان إذا
أَذْلَقَتْه الحجارةُ، قعد إلى الأرض، فيأخذون بِعَضِديه، فيقيمونه فإذًا مشى رَجَموه، وهم
يضحكون حتى انتهى إلى الموضع الذي ذكره ابن إسحق من حائط عُتْبة وشَيْبة.
قال ابن إسحاق: فجلس إلى ظل حَبَلة، والحَبَلةُ الكرْمة، اشتق اسمُها من الحَبّل،
لأنها تحمل بالعنب، ولذلك فتح حَمْل الشجرة والنخلة، فقيل: حَمْل بفتح الحاء تشبيهًا
بحَمْل المرأة، وقد يقال فيه: حِمْل بالكسر تشبيهًا بالحَمْل الذي على الظهر، ومن قال
في الكرمة حَبْلة بسكون الباء، فليس بالمعروف، وقد قال أبو الحسن بن كيسان في («نَهْيِ
النبي ◌ََّ عن بَيْع حَبَلِ الحَبَلَةَ(٢)، إنه بيع العنب قبل أن يَطيّب، كما جاء في الحديث
(١) أخرجه ابن ماجه (١٩٨٥) وأبو داود (٢١٤٦) بتحقيقي.
(٢) أخرجه الترمذي (١٢٢٩) وابن ماجه (٢١٩٧) وأحمد (٥٦/١).
٢٣٠

إليه، ويَرَيان ما لقي من سُفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسولُ اللهِ وَّ ـ فيما ذُكر لي -
المرأةَ التي من بني جُمَح، فقال لها: ماذا لَقِينا من أحمائك؟(١).
الآخر من نهيه عن بيع التمر قبل أن يبدو صلاحُه، وهو قول غريب لم يذهب إليه أحد
في تأويل الحديث، وقد قال عمر بن الخطاب في الأَرضِين التي افتتحت في زمانه - وقد
قيل له: قسمها على الذين افتتحوها - فقال: والله لأدعَنّها حتى يجاهدَ بها حَبَل الحَبَلَة،
يريد: أولادها في البطون. ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال، والقول الذي ذكره أبو
الحسن في حَبّل الحَبلَة وقع في كتاب الألفاظ ليعقوب وإنما أشكل عليه وعلى غيره
دخولُ الهاء في الحَبَلَة، حتى قالوا فيه أقوالاً كلها هَباء، فمنهم من قال: إنما قال
الحَبَلَة لأنها بهيمة أو جنينة، ومنهم من قال: دخلت للجماعة، ومنهم من قال:
للمبالغة، وهذا كله ينعكس عليهم بقوله: حَبَل الحَبَلة، فإنه لم تدخل التاء إلا في أحد
اللفظين دون الثاني، وتبطل أيضًا على من قال أراد: معنى البهيمة بحديث عمر المتقدم،
وإنما النكتة في ذلك أن الحَبَل ما دام حَبّلاً لا يدرى: أذكرٌ هُو أم أنثى، لم يُسَمَّ حَبَلاً،
فإذا كانت أنثى، وبلغت حد الحمل، فحبلت فذاك الحبل هو الذي نهى عن بيعه، والأول
قد علمت أنوثته بعد الولادة، فعبر عنه بالحبلة، وصار معنى الكلام أنه نهى عن بَيْع
حَبَل الجَنَينَة الي كانت حَبَلاً لا يعرف ما هي، ثم عرف بعد الوضع، وكذلك في
الآدميين، فإذًا لا يقال لها: حبلة إلا بعد المعرفة بأنها أنثى، وعند ذكر الحبل الثاني لأن
هذه الأنثى قبل أن تحبل، وهي صغيرة: رِخْلى، وتسمى أيضًا حائلاً وأشباه ذلك، وقد
زال عنها اسم الحبل فإذا حبلت، وذكر حبلها وازدوج ذكره مع الحالة الأولى التي كانت
فيها حبلاً فُرُّق بين اللفظين بتاء التأنيث، وخص اللفظ الذي هو عبارة عن الأنثى بالتاء
دون اللفظ الذي لا يُدرى ما هو: أذكر أم أنثى، وقد كان المعنى قريبًا والمأخذ سهلاً
لا يحتاج إلى هذه الإطالة لولا ما قدمناه من تخليطهم في تأويل هذا الكلام الفصيح
البليغ الذي لا يَقْدُر قَدْرَه في البلاغة إلا عالم بجوهر الكلام.
(١) تقدم ذكر ورود الخبر. وقد أخرجه المصنف هنا عن محمد بن كعب مرسلاً. والقصة صحيحة
دون ذكر الدعاء الآتي، فقد ذكره المصنف رحمه الله تعالى بلا سند فقال كما سيأتي: ((فيما
ذكر لي)). وقد أورد الحديث [الدعاء] الهيثمي في المجمع (٣٥/٦) من حديث عبد الله بن
جعفر وقال: رواه الطبراني وفيه ابن إسحق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات. وهو كما قال رحمه
الله .
٢٣١

فلما اطمأنّ رسولُ اللهِ وَّهِ قال: فيما ذُكِر لي: ((اللَّهمّ إليك أشْكو ضَعْف قُوَّتي،
وقِلَة حيلتي، وهَوانِي على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت
نور الله ووجهه(١):
فصل: وذكر دعاءَه - عليه السلام - عند الشدة، وقوله: اللهم إني أشكو إليك ضَعْفَ
قُوَّتي وقلةَ حيلتي إلى آخر الدعاء، وفيه: أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت به
الظلماتُ، وصَلَح عليه أمرُ الدنيا والآخرة، ويُسأل عن النور هنا، ومعنى الوجه، وإشراق
الظلمات، أما الوَجْه إذا جاء ذكره في الكتاب والسنة، فهو ينقسم في الذكر إلى موطنين:
موطن تقربٍ واسترضاء بعمل، كقوله تعالى: ﴿يُريدون وَجْهَه﴾ وكقوله: ﴿إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْه رَبِّه
الأعلى﴾ فالمطلوب في هذا الموطن: رضاه وقبوله للعمل، وإقباله على العبد العامل، وأصله
أن من رضي عنك، أقبل عليك، ومن غضب عليك أعرض عنك، ولم يُرِكَ وَجْهَه، فأفاد
قولُه: بوجهك ههنا معنى الرضى والقبول، والإقبال، وليس بصلة في الكلام كما قال أبو
عبيدة لأن قوله ذلك هُراءً من القول، ومعنى الصلة عنده: أنها كلمة لا تفيد إلا تأكيدًا
للكلام، وهذا قولُ من غَلُظ طبعُه وبَعُد بالعُجْمَةِ عن فهم البلاغَةِ قلبُه وكذلك قال هو ومن
قَلَّده في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّك﴾ [الرحمن: ٢٧] أي يبقى رَبُّك، وكُلَّ شيء هالك
إلا وجهه، أي: إلا إيَّاه، فعلى هذا قد خلا ذكر، الوجه من حِكْمةٍ، وكيف تخلو كلمةٌ منه
من الحكمة، وهو الكتاب الحكيم، ولكن هذا هو الموطن الثاني من مواطن ذكر الوجه،
والمعنى به ما ظهر إلى القلوب والبصائر من أوصاف جلاله ومجده، والوَجْهُ لغةً ما ظهر من
(١) الوجه صفة من صفات ربنا الرحمن جلّ وعلا، نؤمن أن الله تعالى وجهًا كما صرّح القرآن الكريم،
وأن له تعالى يد، ولله تعالى قدم وساق وأصابع، نؤمن بكل ما صرّح به القرآن وما جاءت به السُّنّة
((الصحيحة)) مع إيماننا بأنه تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾، ومَن فسّر وتأوّل اليد
وقال هي القدرة، فقد كذب القرآن واتهم ربه إما بالجهل بنفسه تعالى، أو بالجهل بلغة العرب فلم
يعلم الفرق بين اليد والقدرة، أو أنه تعالى يريد أن يضلّ عباده فيقول لهم ويأمرهم أن يؤمنوا بما لا
يريده منهم، فهو تعالى يريد أن يضلّهم حينما قال تعالى في كتابه أن اليهود قالوا: ﴿يد الله مغلولة﴾
ردّ تعالى عليهم قولهم فقال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾، وأمر عباده أن يؤمنوا أن
له يد مبسوطة، ويسألهم يوم القيامة عن هذا ثم يقول لهم: كلام لم أرد منكم أن تؤمنوا أن لي ((يد))
بل هي ((القدرة)) - سبحانه وتعالى علوًا كبيرًا - أو أن التأوّل يتهم ربه واللهه ومعبوده بكل هذا. ثم
تقول لمَن يقول إن اليد معناه القدرة، وأن الوجه معناه كذا، وأن الضحك والغضب والفرح معناهم:
كذا وكذا وكذا، تقول لهم: ((أنتم أعلم أم الله)). إنه تعالى هو الذي قال عن نفسه هذا في كتابه
وعلى لسان رسوله و 98. والنور: اسم من أسماء الله تعالى قاله ابن القيم وغيره. وقد جمعت
أقوالهم في كتابي ((القول الأسنى في تفسير أسماء الله الحسنى)) فانظره لزامًا.
٢٣٢

رتي، إلى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلى بعيد يتجهَّمني؟ أم إلى عدوّ مَلْكْتَه أمري؟ إن لم يكن بك عليّ
غَضَب فلا أَبالي، ولكن عافيتَك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقتْ له
الشيء معقُولاً كان أو محسوسًا، تقول: هذا وجهُ المسألة، ووجْهُ الحديث، أي: الظاهر
إلى رأيك منه، وكذلك الثوب ما ظهر إلى بصرك منه، والبصائر لا تحيط بأوصاف
جلاله، وما يظهر لها من ذلك أقل مما يغيب عنها، وهو الظاهر والباطن - تعالى وجَلَّ -
وكذلك في الجنة نظر أهلها إلى وجهه سبحانه إنما هو نظر إلى ما يَرَوْن من ظاهر جلاله
إليهم عند تجليه، ورفع الحجاب دونهم، وما لا يدركون من ذلك الجلال أكثر مما
أدركوا .
وقوله سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عليها فانٍ ويبقى وَجْهُ ربك ذو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن:
٢٦، ٢٧] لما كانت السموات والأرض، قد أظهرت من قدرته وسلطانه، ما أظهرت أخبر
تعالى أَن فناءها لا يُغيِّر ما علم من سلطانه وظهر إلى البصائر من جلاله، فقد كان ذلك
الجلالُ قبل أن يخلُقَها، وهو باقٍ بعد فنائها كما كان في القِدَم، فهو ذو الجلال والإكرام،
قال الحسن: معناه: تَجَلَّل بالبهاء وأكرم من شاء بالنظر إلى وجهه أما الأشعري(١) فذهب في
معنى الوجه إلى ما ذهب فيه من معنى العين واليد، وأنها صِفَاتٌ لله تعالى لم تُعْلم من جهة
العقُول، ولا من جهة الشرع المنقول، وهذه عُجْمةُ أيضًا فإنه نزل بلسان عربي مبين، فقد
فهمته العربُ لما نزل بلسانها، وليس في لغتها أن الوجهَ صفةٌ ولا إشكال على المؤمن منهم،
ولا على الكافر في معنى هذه الآي التي اختيج آخر الزمان إلى الكلام فيه مع العجمان، لأن
المؤمن لم يخش على عقيدته شَكًا ولا تشبيهًا، فلم يستفسر أحدٌ منهم رسولَ الله عليه
السلام، ولا سأله عن هذه الآية التي هي اليوم مشكلة عند عوام الناس، ولا الكافر في ذلك
الزمان لم يتعلق بها في معرض المناقضة والمجادلة، كما فعلوا في قوله تعالى: ﴿إنكم وما
تَعْبُدُون من دُون الله حَصَبُ جَهَنَّم﴾ [الأنبياء: ٩٨] ولا قال أحدٌ منهم: يزعم محمد أن الله
ما يشبهه شيء من خلقه، ثُم يُثبت له وجهًا ويدين إلى غير ذلك فدل على أنهم لم يَرَوا في
الآية إشكالاً، وتلَقَّوا معانيها على غير التشبيه، وعرفوا من سَمَانَةِ الكلام، ومَلاَحة الاستعارة
أنهُ مُعْجِزٌ، فلم يَتَعَاطَوا له مُعَارضة، ولا توهَّموا فيه مُناقضة، وقد أملينا في معنى اليدين
والعين مسألةٌ بديعة جدًا، فلتنظر هنالك.
وأما النورُ فعبارة عن الظهور وانكشاف الحقائقَ الإلهية، وبه أشرقت الظلمات، أي
أشرقت محالها وهي القلوب التي كانت فيها ظلماتُ الجهالة والشكوك، فاستنارت القلوبُ
(١) أتباع أبا الحسن الأشعري.
٢٣٣

الظلمات، وصَلَح عليه أمرُ الدنيا والآخرة من أنّ تُنْزل بي غضَبك، أو يحلّ عليّ
سُخْطك، لك العُتبى حتى تَرْضَى، ولا حول ولا قوّة إلا بك)).
قال: فلما رآه ابنا رَبيعة، عُثْبَةُ وشَيْبةُ، وما لَقي، تحرّكت له رَحمُهُما فَدَعَوَا غلامًا
لهما نَصرانيًا، يقال له عدَّاس فقالا له: خذ قِطْفًا من العنب، فضَعْه في هذا الطّبق، ثم
اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عَدّاسٌ، ثم أقبل به حتى وَضعه
بين يدي رسول الله - وَالرَ - ثم قال له: كُل، فلمَّا وضع رسولُ اللهِ وَّل فيه يَده، قال:
((باسم الله))، ثم أكل، فنظر عَدّاس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلامَ ما يقوله
أهلُ هذه البلاد، فقال له رسول الله وَله: ((ومِنْ أهل أيّ البلاد أنت يا عَدّاس، وما
دينك))؟ قال: نَصْرَاني، وأنا رجل من أهل نَينوى. فقال رسول الله وَلّى: ((من قرية
الرجل الصالح يونس بن متى»؟ فقال له عَدّاس: وما يُذْريك ما يونسُ بن متى؟ فقال
رسولُ اللهِ وَلجر: ((ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبيّ))، فأكبّ عَدّاس على رسول اللهِ وَله يقبّل
رأسَه ويَدَيْهِ وقَدَمیه.
بنور الله، وقد قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نورِهِ﴾ أي: مَثَلُ نورِه في قِلب في
المؤمن كَمَشْكَاة، فهو إذًا نور الإيمان والمعرفة: المُجْلِي لکل ظلمةٍ وشك، قال كعب:
المِشْكاةُ مَثَلٌ لِفَهْمِه، والمصباحُ مَثَلٌ للسانه، والزجاجة: مثلٌ لصَدْرِهِ، أو لقلبه أي: قلب
محمّد بَله، وقال: أعوذ بنور وجهك، ولو قال: بنورك لحسُن، ولكن توسل إليه بما أودع
قلبه من نوره، فتوسّل إلى نعمته بنعمته وإلى فَضْله ورحمته بفضله ورحمته، وقد تكون
الظلماتُ هاهنا أيضًا الظلمات المحسوسة وإشراقها جلالتها على خالقها، وكذلك الأنوار
المحسوسة، الكِلُّ دالَّ عليه فهو نور النور، أي: مظهره مُنوِّر الظلمات، أي جاعلها نورًا في
حكم الدلالة عليه سبحانه وتعالى.
خبر عداس :
فصل: وذكر خبر عَدَّاس غلام عُتْبَةً وشَبْيَةَ ابني ربيعة حين جاء بالقِطْفِ من عندهما إلى
آخر القصة، وفيه قبولُ هدية المشرك، وأن لا يَتَوَرّع عن طعامه، وسيأتي استقصاءُ ذلك إن
شاء الله تعالى، وزاد التَّيْمِيَّ فيها أن عَدَّاسًا حين سمعه يذكر يُونُسَ بن مَتَّى قال: والله لقد
خَرَجْتِ منها يعني: نِينَوى، وما فيها عَشْرةٌ يعرفون: ما مَتَّى، فمن أين عرفت أنت مَتَّى،
وأنت أُميّ، وفي أُمة أُمَّيَّةٍ؟ فقال رسول الله - وَّر ـ: ((هو أخي، كان نبيًا، وأنا نبي))، وذكروا
أيضًا أن عَدَّاسًا لما أراد سيداه الخروج إلى بدر أمراه بالخروج معهما فقال لهما: أقتال ذلك
الرجل الذي رأيته بحائطكما تريدان، والله ما تقوم له الجبال، فقالا له: وَيُحَكَ يا عَدَّاس: قد
٢٣٤

قال: يقول ابنا ربيعة أحدُهما لصاحبه: أمَّا غُلامك فقد أفسده عليك. فلما
جاءهما عَدّاس، قالا له: ويلك يا عدّاس! ما لك تقبّل رأسَ هذا الرجل ويدّيه
وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يَعلمه
إلا نبيّ، قالا له: ويحك يا عَدّاس، لا يَصْرفنَّك عن دينك، فإنّ دينَك خير من
دينه .
أمر جنّ نصيبين
قال: ثم إن رسول الله - ﴿ه ـ انصرف من الطائف راجعًا إلى مكة، حين يَئِس من
خَيْر ثقيف، حتى إذا كان بنَخلة قام من جَوْف الليل يصلّي، فمرّ به النَّفر من الجنّ الذين
سخّرك بلسانه، وعندما لقي رسولُ الله - وَل ◌َ ـ من أهل الطائف، ما لقي، ودعا بالدعاء
المتقدم، نزل عليه جبريلُ ومعه ملك الجبال كما رَوى البخاري عن عبد الله بن يوسف،
عن يونس، عن ابن شهاب قال: حدّثني عُزْوَةُ أن عائشةَ زوج النبي - نَّ- حدّثته أنها
قالت للنبي عليه السلام: هل أتى عليك يومّ كان أشدَّ عليك من أُحُدٍ؟ فقال: ((لقد لقيتُ
من قومك، وكان أشدَّ ما لقيت منهم يوم العَقَبة إذ عَرَضْتُ نفسي على ابن عَبْدِ يالِيلَ بن
عَبْدِ كُلاَلٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت على وجهي، وأنا مهموم، فلم أَسْتَفِقْ إلا
وأنا بقَزْنِ الثَّعَالِبِ))(١)، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني، فنظرتُ فإذا فيها
جبريلُ، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما رَدُّوا عليك، وقد بعث
إليك مَلَكَ الجبال، لتأمرَه بما شئت فيهم، فناداني مَلَكُ الجبال، فسَلَّم عَليَّ فقال: يا
محمّد ذلك لك، إن شئت أطبق عليهم الأَخْشَبَين، فقال النبيّ وَلّ: ((بل أرجو أن يخرج
الله من أصلابهم مَنْ يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا))(٢). هكذا قال في الحديث:
ابن عَبْدِ كُلاَلٍ، وهو خلاف ما نسبه ابن إسحق.
(٣)
جنّ نصيبين(٣)
فصل: وذكر حديث وفد جنِّ نَصِيبِين، وما أنزل الله فيهم، وقد أملينا أول المبعثين من
هذا الكتاب طرفًا من أخبارهم وبيَّنا هنالك أسماءَهم، ونَصِيبِين مدينةٌ بالشام أثنى عليها رسولُ
(١) قرن الثعالب: هي ميقات أهل نجد تلقاء مكة .
(٢) (صحيح)). أخرجه البخاري (٦/ ٢٢٥) ومسلم في الجهاد. حديث رقم (١٧٩٥).
(٣) ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره (١٦٢/٤) أن جنّ نصيبين واستماعهم للقرآن كان من أول البعثة
وليس بعد فقوله - 1 - من الطائف. وانظر فتح الباري (٥١٤/٨).
٢٣٥

ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم - فيما ذكر لي - سبعة نفر من جنّ أهل نَصِيبِين فاستمعوا
له، فلما فَرَغ من صلاته ولَّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا. فقصّ
الله خبرَهم عليه بَّهِ، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ صِرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنّ يَسْتَمِعونَ
القرآنَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ويُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم﴾ وقال تبارك وتعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ
إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنّ﴾ إلى آخر القصة من خبّرّهم في هذه السورة.
الله ◌َيُّ. رُوِي أنه قال: ((رفعت إليّ نصيبين حتى رأيتُها فدعوت الله أن يَعْذُب نَهْرُها، ويَنْضُر
شجرُها، ويطيب ثمرُها)) أو قال: ((ويَكْثُر ثَمرُها))، وتقدم في أسمائهم ما ذكره، ابن دُرَيْد.
قال: هم منشي وماشي وشاصر وماصر والأحقب، ولم يزد على تسمية هؤلاء، وقد ذكرنا
تمام أسمائهم فيما تقدم، وفي الصحيح أن الذي أذن رسول الله - ولفيه - بالجن ليلة الجن
شجرة، وأنهم سألوه الزاد، فقال: ((كُلُّ عَظُمْ ذُكِرَ اسم الله عليه يقع في يد أحدهم. أوفر ما
يكون لحمًا، وكل بَعْرِ علفٌ لَدَوابُهم)»(١). "زاد ابن سلام في تفسيره أن البَغْر يعود خَضِرًا
لدوابهم، ثم نهى رسولُ الله - وَ ﴿ - أن يُسْتَنْجى بالعظم والرَّوْث، وقال: ((إنه زاد إخوانكم
من الجن))، ولفظ الحديث في كتاب مسلم كما قدمناه: ((كل عظم ذُكِرَ اسمُ الله عليه))(٢)،
ولفظه في كتاب أبي داود: ((كل عظم لم يُذكر اسم الله عليه))، وأكثر الأحاديث تدل على
معنى رواية أبي داود، وقال بعض العلماء روايةُ مُسْلم في الجن المؤمنين، والرواية الأُخرى
في حق الشياطين منهم، وهذا قول صحيح تعضده الأحاديث إلا أنا نكره الإطالة، وفي هذا
رَدِّ على من زعم أن الجنَّ لا يأكل ولا يشرب، وتأولوا قوله - عليه السلام: ((إن الشيطان
يأكل بِشِماله، ويشرب بِشِمالِه))(٣) على غير ظاهره، وهم ثلاثة أصناف كما جاء في حديث
آخر: صِنْفٌ على صُوَرِ الحيَّات، وصِنْفٌ على صُوَر الكلاب سُودٌ وصِنْفْ رِيحٌ طَيَّارة أو
قال: هَفَّافَةٍ ذَوُو أجنحةٍ، وزاد بعضُ الرواة في الحديث: وصِنْف يَخُلُون ويَظْعَنُون(٤)، وهم
السَّعَالَى، ولعل هذا الصّنف الطَّّارَ هو الذي لا يأكل، ولاً يشرب إن صح القول المتقدم والله
أعلم. وروينا في حديث سمعتُهُ يقْرَأ على الشيخ الحافظ أبي بكر بن العربي بسنده إلى
جابر بن عبد الله، قال: بينا أنا مع رسول الله وَّ نمشي إذ جاءت حَيَّةٌ، فقامت إلى جنبه،
وأدنت فاها من أذنه، وكانت تناجيه، أو نحو هذا، فقال النبي بَّر: ((نعم)) فانصرفت، قال
جابر: فسألته، فأخبرني أنه رجل من الجن، وأنه قال له: مُز أمتِك لا يستنجوا بالرَّوْثِ، ولا
بالرُّمَّة، فإن الله جعل لنا في ذلك رزقًا.
(١) أخرجه البيهقي (١٠٩/١١/٢) وانظر البخاري في مناقب الأنصار (٣٢).
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة (١٥٠) والترمذي وأحمد (٣٩/١).
(٤) انظر أحمد (٢١٨/١).
(٣) أخرجه مسلم في الأشربة (١٠٦/١٠٥).
٢٣٦

عرض رسول الله ◌َفي نفسه على القبائل
قال ابن إسحاق: ثم قَدم رسولُ اللهِ وَلَّهِ مكة، وقومُه أشد ما كانوا عليه من خِلافه
وفراق دينه، إلا قليلاً مُسْتضْعَفين، ممن آمن به. فكان رسولُ اللهِ وَلَهُ يَعْرض نفسَه في
المَواسم، إذا كانت، على قبائل العرب يدعوهم إلى الله، ويخبرهم أنه نبيّ مُرْسَل،
ويسألهم أن يصدّقوه ويَمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به.
قال ابن إسحاق: فحدّثني من أصحابنا، من لا أتهم، عن زيد بن أسْلَم عن
ربيعة بن عِبَادِ الدِّيلي أو مَن حدّثه أبو الزناد عنه - قال ابن هشام: ربيعة بن عِبَاد.
قال ابن إسحاق: وحدّثني حُسَين بن عبد الله بن عُبيد الله بن عبَّاسٍ، قال: سمعت
ربيعة بن عبّاد، يحدّثه أبي، قال: إني لغلام شاب مع أبي بِمَنى، ورسول الله وَّل يقف
على منازل القبائل من العرب، فيقول: ((يا بني فلان، إنّي رسولُ الله إليكم، يأمركم أن
ذكر عرض نفسه على القبائل(١)
فصل: وذكر عَرْضَه نفسَه - وَ ل﴿ ـ على القبائل، ليؤمنوا به، ولينصروه قبيلةً قبيلةً، فذكر
بني حنيفة، واسم حنيفة: أَثَال بن لُجَيْم، ولجيم: تصغير اللُّجَمِ، وهي دُوَيَبَةُ، قال قُطْرُب،
وأنشد :
لها ذَتَبٌ مثلُ ذَيْلِ العروس إلى سَبَّةٍ مثل جَخْرِ اللُّجَمْ
ابن صَغْب بن علي بن بكر بن وائل، وسمى حنيفة لحَنَفٍ كان في رجليه، وقيل: بل
حنيفة أُمهم، وهي بنت كاهل بن أسد عُرِفوا بها، وهم أهل اليمامة، وأصحاب مُسَيْلمة
الكذَّاب، وقد أملينا في أول الكتاب سببَ نزولهم اليمامة وأول من نزلها منهم.
وذكر بَيْخَرة بن فراس العامري، وقولَه لرسول الله وَّلَ: أَفَتُهْدِفُ نُحورَنا، للعرب
دونك. نُهْدِف أي: نجعلها هَدَفًا لسهامهم، والهَذْفُ: الغرض.
وذكر قولَ الشيخ(٢): هل لها من تَلاَفٍ، أي: تَدارُك، وهو تَفَاعُل من: تَلاَفَيْتُهم،
وهل لذناباها من مطلب: مَثَلٌ ضُرِب لما فاته منها، وأصله: من ذُنَابَي الطائر: إذا أفلت من
الحِبَالة، فطلبت الأخذ بِذُنَاباه، وقال: ما تقوَّلها إسماعيلي قط أي: ما ادعى النبوة كاذبًا أحدٌ
من بني إسماعيل.
(١) انظر تاريخ الطبري (٥٥٦/١) الكامل لابن الأثير (٦٠٨/١).
(٢) هذا القول هو عند ابن إسحاق في السيرة تحت عنوان ((العرض على بني عامر)).
٢٣٧

تَعْبُدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تَخْلَعُوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن
تؤمنوا بي، وتصدّقوا بي، وتمنعوني، حتى أُبَيِّن عن الله ما بعثني به)). قال: وخَلْفه رجل
أَخْوَلُ وَضيءٌ، له غَديرَتان عليه حُلَّ عَدَنِيَّة، فإذا فرغ رسولُ اللهِ وَلّر من قوله، وما دعا
إليه، قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إنّ هذا إنما يدعوكم أن تسلُخوا اللات والعُزّى من
أعناقكم، وحلفاءَكم من الجنّ من بني مالك بن أُقَيْش، إلى ما جاء به من البِذْعة
والضلالة، فلا تُطيعوه، ولا تسمعوا منه.
قال: فقلت لأبي: يا أبت، مَن هذا الذي يتبعه ويردّ عليه ما يقول؟ قال: هذا عمُّه
عبد العُزّى بن عبد المطّلب، أبو لهب (١).
قال ابن هشام: قال النابغة :
كأنَّك مَنْ جمال بَنِي أُقَيْشٍ
يُقَعْقَعُ خلفَ رجلَیه بِشَن
قال ابن إسحاق: حدثنا ابنُ شهاب الزهريّ: أنه أتى كِنْدة في منازلهم، وفيهم سيِّد
لهم يقال له: مُلَيح، فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ، وعرض عليهم نفسَه، فأبَوْا عليه.
العرض على بني كلب:
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين: أنه أتى
كَلْبًا في منازلهم، إلى بَطْن منهم يقال لهم: بنو عبد الله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم
نفسَه، حتى إنه ليقولُ لهم: يا بني عبد الله، إن الله عزّ وجلّ قد أحسن اسم أبيكم، فلم
يقبلوا منه ما عرض عليهم.
عرض نفسه على. كندة:
فصل: وذكر عرضه نفسه على كِنْدَةَ، وهم بنو ثَوْر بن مُرَّة بن أُدَد بن زَيْد بن
ميسع بن عمرو بن عَرِيب بن زَيْد بن كَهْلان بن سبأ على أحد الأقوال بين النسابين في
كِنْدَة، وسمي كِنْدة لأنه كَنَد أباه، أي عَقِّه، وسمى ابنه مُرْتِعًا لأنه كان يجعل لمن أتاه من
قومه مَرْتَعًا، فهم بنو مُرْتع بن ثور، وقد قيل إن ثورًا هو مُزْتِع، وكندة أبوه(٢).
في هذا الكتاب تتمة لفائدته:
فصل: وذكر غير ابن إسحق ما لم يذكر ابنُ إسحق مما رأيت إملاء بعضه في هذا
الكتاب تتمة لفائدته. ذكر قاسمُ بن ثابت والخطابي عرضه نفسه على بني ذهْلٍ بن ثَغْلبة، ثم
(١) أخرجه الطبري في تاريخه (٥٥٥/١) من طريق المصنف به.
(٢) انظر جمهرة ابن حزم (٣٩٤).
٢٣٨

العرض على بني حنيفة:
قال ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ أصحابنا عن عبد الله بن كعب بن مالك: أن
رسول الله ◌َ﴿ أتى بني حنيفة في منازلهم، فدعاهم إلى الله وعَرض عليهم نفسه، فلم
يكن أحدٌ من العرب أقبحَ عليه ردًا منهم.
العرض على بني عامر:
قال ابن إسحاق: وحدّثني الزهري أنه أتى بَني عامر بن صَعْصعة، فدعاهم إلى الله
عزّ وجلّ، وعرَض عليهم نفسَه، فقال له رجل منهم - يقال له: بَيْحَرة بن فِرَاس. قال
ابن هشام: فِراس بنُ عبد الله بن سلمة بن قُشَير بن كَعْب بن ربيعة بن عامر بن
صَغْصعة: والله، لو أني أخذت هذا الفتى من قُريش، لأكلتُ به العربَ، ثم قال: أرأيتَ
إن نحن تابعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قال: الأمرُ إلى الله يضعه حيث يشاء، قال: فقال له: أفَنُهدِف نحورنا للعرب دونك، فإذا
أظهرك الله كان الأمرُ لغيرنا! لا حاجة لنا بأمرك، فأبَوا عليه.
على بني شَيْبان بن ثَعْلبة، فذكر الخطّابي وقاسم جميعًا ما كان من كلام أبي بكر مع
دَغْفَل بن حَنْظَلَة الذُّهلي زاد قاسم تكملة الحديث فرأينا أن نذكر زيادة قاسم، فإنها مما تليق
بهذا الكتاب قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينةُ والوقار، فتقدم أبو بكر، فسلم
قال علي: وكان أبو بكر مُقَدَّمًا في كل خير، فقال مِمَّن القومُ، فقالوا: من شَيْبان بن ثَعْلَبة،
فالتفت أبو بكر إلى رسول الله - وَ﴿ه - فقال: بأبي أنت وأمي، هؤلاء غُرَرٌ في قومهم، وفيهم
مَفْرُوقُ بن عمرو وهانىء بن قَبِيصَة، ومُثَنَّى بن حارثة، والنعمان بن شَرُيك؛ وكان
مفروق بن عمرو قد غلبهم جَمَالاً ولِسَاناً وكانت له غَدِيرَتان(١) تسقطان على تَرِيبَتَيْه(٢)، وكان
أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال له مَفْروق إنا لنزيد
على الألف، ولن تُغْلَب ألفٌ من قِلَّة فقال أبو بكر: كيف المنَعَة فيكم؟ فقال مَفْروق: علينا
الجهد، ولكل قوم جد، فقال أبو بكر: كيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مفروق: إنا
لأشدُّ ما نكون غَضَبًا لحين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاءً حين نغضب، وإنا لنُؤثر الجيادَ
على الأولاد، والسلاحَ على اللّقاحَ(٣)، والنصرُ من عند الله، يُدِيلنا مَرَّةً ويُديلُ عَلَيْنا، لعلك
أخو قريش؟ فقال أبو بكر أَوقَدْ بلغكم أنه رسول الله، فها هو ذا، فقال مَفْروق: قد بلغنا أنه
(١) غديرتان: ضفيرتان.
(٣) اللقاح: أي الإبل.
(٢) تريبتيه: أي عظام صدره.
٢٣٩

فلما صدر الناسُ رجعتْ بنو عامر إلى شيخ لهم، قد كانت أدركتْه السن، حتى لا
يقدر أن يُوافِيَ معهم المواسمَ، فكانوا إذا رجَعوا إليه حدَّثوه بما يكون في ذلك المَوْسم،
فلما قَدموا عليه ذلك العامَ سألهم عمَّا كان في مَوْسمهم، فقالوا: جاءنا فَتَى من قُريش،
ثم أحَدُ بني عبد المطّلب، يزعم أنه نَبيّ، يدعونا إلى أن نمنعه ونقومَ معه، ونخرج به
إلى بلادنا. قال: فوضع الشيخ يَدَيْه على رأسه ثم قال: يا بني عامر، هل لها من تَلاف،
هل لِذْنَابَاها من مَطْلب، والذي نَفْسُ فلان بيده، ما تَقَوّلها إسماعيليّ قَطْ، وإنها لحقّ،
فأين رأيُكم كان عنكم.
يذكر ذلك، فإلى م تدعو إليه يا أخا قريش؟ فتقدم رسولُ اللهِ وَّله، فقال: ((أدعو إلى شهادة
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني رسولُ الله، وإلى أن تُؤْوُوني، وتَنْصروني، فإن
قريشًا قد ظاهرت على أمر الله، وكذبت رسولَه، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغني
الحميد))، فقال مفروق: وإلى م تدعو أيضًا يا أخا قريش؟ فتلا رسولُ اللهِ وَله: ﴿قُلْ تَعَالَوا
أثْلُ ما حَرَّم رَبُّكم عليكم ألاَّ تُشْرِكوا به شَيْئًا وبالوالدين إحسانا ولا تَقْتلوا أولادَكم من إمْلاَقٍ
نحن نرزقكم وإِيَّاهُمْ ولا تَقْربوا الفواحشَ ما ظَهَر منه وما بَطَن ولا تقتلوا النفسَ التي حرّم الله
إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون﴾ [الأنعام: ١٥١] فقال مفروق: وإلى مم تدعو
أيضًا يا أخا قريش؟ فتلا رسولُ الله ◌ِّهِ - ﴿إِنَّ اللَّهَ يأمُر بالعَذلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى
ويَنْهَى عن الفَخْشَاءِ والمُنْكر والبَغْيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكم تَذَكَّرُون﴾ [النحل: ٩٠] فقال مفروق:
دعوتَ والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، والله لقد أَفِكَ قومٌ كذَّبوك،
وظاهروا عليك، وكأنه أراد أن يَشْرَكَه في الكلام هانىءُ بن قَبِيصة، فقال: وهذا هانىء بن
قَبِيصة شيخُنا، وصاحب دينِنا، فقال هانىء: قد سَمِعت مقالتَك يا أخا قريش، وإني أرى أنَّ
تَرْكَنا دينَنَا واتباعنا إيَّاك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر زَلَّةٌ في الرأي،
وقِلَّة نظرٍ في العاقبة، وإنما تكون الزَّلَّة مع العَجَلة، ومِنْ ورائنا قومٌ نكره أن نعقد عليهم
عَقْدًا، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر، وكأنه أحب أن يَشْرَكه في الكلام المُثَنَّى، فقال:
وهذا المُثَنَّى بن حارثة شيخنا وصاحب حَرْبنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا
قريش، والجوابُ: هو جوابُ هانىء بن قَبِيصَة في تركنا ديننا، واتباعنا إيَّاك لمجلس جلسته
إلينا ليس له أول ولا آخر، وإنا إنما نزلنا بين صَريَان اليمامة والسَّمَاوة، فقال رسول الله - وَله
((ما هذان الصَّرَيان))؟ فقال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى، فذنْبُ
صاحبيه غيرُ مغفور، وعُذْرُه غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب، فذنبهُ معفور وعذره
مقبول، وإنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كِسْرى أن لا نُحدِث حَدَثًا ولا نُؤوي مُخْدِثًا، وإني
أرى هذا الأمرَ الذي تدعونا إليه هو مما تكرهه الملوكُ، فإن أحببتَ أن نُؤْويك وننصرك مما
يلي مياه العَرب، فَعَلنا فقال رسولُ الله - وَّل ـ: ((ما أسأتم في الرد، إذ أفصحتم بالصّدق،
٢٤٠