Indexed OCR Text

Pages 381-400

قال ابن إسحاق: فحدّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير؛ قال: كان عُبيد الله بن
جَحش - حين تنصَّر ◌ِ يَمُرّ بأصحاب رسول الله وَّيه، وهم هنالك من أرض الحبشة،
فيقول: فقَّخنا وصَأْصَأْتُمْ، أي: أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر، ولم تُبصروا بعد، وذلك
أن وَلَد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه لينظر، صاصاً؛ لينظر. وقوله: فقّح: فتح عينيه.
قال ابنُ إسحق: وخَلَف رسول اللهِ وَ﴿ بعده على امرأته أم حبيبة بنت أبي
سفيان بن حزب.
قال ابن إسحاق: وحدّثني محمد بن عليّ بن حسين: أن رسول الله وَّل بعث فيها
إلى النَّجَاشيّ عَمْرو بن أَميَّة الضَّمْرِيّ. فخطبها عليه النجاشي؛ فزوّجه إياها، وأصدقها عن
رسول الله﴿م أربعمائة دينار. فقال محمد بنُ عليّ: ما نرى عبد الملك بن مروان وَقَفَ
صَدَاقَ النساء على أربعمائة دينار إلا عن ذلك. وكان الذي أمْلكها للنّبِيِّ وَّهِ خَالدُ بن
سَعيد بن العاص.
قال ابن إسحاق: وأمَّا عثمان بن الحَوَيرث، فَقَدِمَ على قَيْصَرَ ملك الروم فتنصَّر،
وحسنت منزلته عنده. قال ابن هشام: ولعثمان بن الحَوَيرث عند قيصر حديثٌ، منعني
من ذكره ما ذكرتُ في حديث حرب الفِجَار.
عبيد: بَصَّص بالباء حكاها عن أبي زيد، وقال القالي: إنما رواه البصريون عن أبي زيد بياء
منقوطة باثنتين، لأن الياء تبدل من الجيم كثيرًا كما تقول: أيل وأجل، ولرواية أبي عبيد
وَجْهٌ، وهو أن يكون بَصَّص من البصيص، وهو البريق.
بعض الذين تنصّروا:
فصل: وذكر عثمان بن الْحُوَيْرِث مع زيد، وورقة وعبيد الله بن جحش، ثم قال: وأما
عثمان بن الحويرث فإنه ذهب إلى الشام، وله فيها مع قيصر خبر، ولم يذكر ذلك الخبر،
وذكر الْبَرْقِيُّ عن ابن إسحق أن عثمان بن الْحُوَيْرِثِ قَدِمَ على قيصر، فقال له: إني أجعل لك
خَرْجًا على قريش إن جاءوا الشام لتجارتهم، وإلا منعتهم، فأراد قيصر أن يفعل فخرج
سعيد بن العاصي بن أُمَيَّة وأبو ذئب، وهو: هشام بن شُغْبة بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد
وَدِّ بن نَصْر بن مالك بن حِسْل بن عامر إلى الشام، فأخذا فحبسا، فمات أبو ذئب في
الحبس، وأما سعيد بن العاصي، فإنه خرج الوليد بن المغيرة، وهو أمية فتخلصوه في حديث
طويل، رواه ابن إسحق عن يعقوب بن عُثْبَة بن المغيرة بن الأَخْنَسِ. وأبو ذئب الذي ذكر
هو: جدّ الفقيه محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، يُكَنَّى: أبا
الحارث من فقهاء المدينة، وأُمه بُرَيْهَةُ بنت عبد الرحمن بن أبي ذئب، وأما الزبير فذكر أن
٤
٣٨١

قال ابن إسحاق: وأمَّا زيد بن عَمْرو بن نُفَيل فوقف، فلم يدخل في يهوديّة ولا
نَصْرانية، وفارق دينَ قومه، فاعتزل الأوثان والميْتَة والدم والذبائح التي تذبح على
الأوثان، وَنهَى عن قتل الْمَوءودة، وقال: أعْبدُ ربَّ إبراهيم، وبادَى قومَه بعَيْبٍ ما هم
عليه .
قيصر كان قد توّج عُثْمانَ، وولاَّه أمر مكة، فلما جاءهم بذلك أنفوا من أن يدينوا لملك،
وصاح الأسود بن أسد بن عبد العزى: ألا إنَّ مكة حَيٍّ لَقَاحٌ لا تدين لملك، فلم يتمّ له
مرادُه، قال: وكان يقال له: الْبِطْرِيق، ولا عقب له، ومات بالشام مسمومًا، سمّه عَمْرُو بن
جَفْتَة الغَسَّاني الملك.
اعتزال زيد بن عمر بن نفيل الأوثان:
فصل: وذكر اعتزال زيد الأوثان وتركه طواغيتَهم، وتركه أكل ما نُحِر [على الأوثان]
والنُّصُبِ. روى البخاري عن محمد بن أبي بكر، قال: أخبرنا فُضَيْل بن سليمان، قال:
أخبرنا موسى، قال: حدّثني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: أن النبي - وَّ - لقي
زيد بن عَمْرو بن نُفَيْل بأسفل بَلْدَح(١) قبل أن ينزل على النبي - عليه السلام - الوحي،
فقُدْمت إلى النبي - وَ لّهــ، سُفْرةً أو قَدَّمها إليه النبيُّ پے، فأبی أن یأکل منھا، ثم قال زيد:
إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا ما ذُكر اسمُ الله عليه، وأن زيد بن
عمرو بن نفيل كان يعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاةُ خلقها الله، وأنزل لها من
السماء الماء، وأنبت لها من الأرض الْكَلاَ، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟! إنكارًا لذلك،
وإعظامًا له(٢). قال موسى بن سالم بن عبد الله: ولا أعلم إلا ما تُحِدّث به عن ابن عمر أن
زيد بن عمرو بن نُفَيْل خرج إلى الشام يسأل عن الدين، ويَتَّبِعُه، فَلَقِيَ عالِمًا من اليهود فسأله
عن دينهم، وقال له إني لعلّ أن أدين بدينكم، فأخبِرُوني، فقال: لا تكون علی دیننا، حتى
تأخذ بنصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفرُّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله
شيئًا أبدًا، وأنّى أستطيعه، فهل تدلّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال:
وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نَصْرانيًا، ولا يعبد إلا الله، فخرج زید
فَلَقِيَ عالِمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال لن: تكون على ديننا، حتى تأخذ بنصيبك من
لعنة الله، قال: ما أفرّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله، ولا من غضبه شيئًا أبدًا،
وأنّى أستطيع، فهل تدلّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال: وما الحنيف؟
(١) بلدح: وادٍ قبل مكة.
(٢) (صحيح)). أخرجه البخاري في مناقب الأنصار. حديث رقم (٣٨٢٦).
٣٨٢

قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في
إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللَّهمَّ إني أُشْهِدُك أني على دين إبراهيم (١). وقال
الليث: كتب إليّ هشام بن عُرْوَةَ عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -
قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نُفَيْل قائمًا مُسنِدًا ظهرَه إلى الكعبة، يقول: يا معشر قريش،
والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يُخْبِي الْمَوْءُودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل
ابنته: لا تقتلها، أكفيك مَؤُنتها، فيأخذها، فإذا تَرعْرَعَت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك،
وإن شئت كفيتك مُؤُنتها(٢). إلى هاهنا انتهى حديث البخاري. وفيه سؤال يقال: كيف وفّق
الله زيدًا إلى ترك أكل ما ذبح على النُّصُب، وما لم يذكر اسْمُ الله عليه، ورسول الله - دَله -
كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية لما ثبت الله؟ فالجواب من وجهين، أحدهما: أنه ليس
في الحديث حين لقيه بِبَلْدَح، فقُدِّمت إليه السُّفْرَة أن رسول الله - وََّ ـ أكل منها، وإنما في
الحديث أن زيدًا قال حين قُدِّمت السفرة: لا آكل مما لمْ يُذكر اسم الله عليه: الجواب
الثاني: أن زيدًا إنما فعل ذلك برأي رآه، لا بشرع متقدّم، وإنما تقدّم شرع إبراهيم بتحريم
الميتة، لا بتحريم ما ذُبح لغير الله، وإنما نزل تحريمُ ذلك في الإسلام، وبعض الأصوليين
يقولون: الأشياء قبل وُرود الشرع عَلَى الإباحة(٣)، فإن قلنا بهذا، وقلنا إن رسول الله - دَله -
كان يأكل مما ذُبح على النصب، فإنما فَعَل أمرًا مُباحًا، وإن كان لا يأكل منها فلا إشكال،
وإن قلنا أيضًا: إنها ليست على الإباحة، ولا على التحريم، وهو الصحيح، فالذبائح خاصةً
لها أصل في تحليلِ الشرع المتقدم كالشاة والبعير، ونحو ذلك، مما أحلّه الله تعالى في دين
مَن كان قبلنا، ولم يقدح في ذلك التحليل المتقدم ما ابتدعوه، حتى جاء الإسلام، وأنزل الله
سبحانه: ﴿ولا تأكُلُوا ممَّا لم يُذْكر اسمُ الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]. ألا ترى كيف بقيت
ذبائحُ أهل الكتاب عندنا على أصلٍ التحليل بالشّرْع المتقدِّم، ولم يقدَخ في التحليل ما
أحدثوه من الكُفْرِ، وعبادة الصَّلْبان، فكذلك كان ما ذبحه أهلُ الأوثانِ مُحَلاًّ بالشرع المتقدّم،
حتى خصّه القرآن بالتحريم.
(١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار معلقًا - رقم (٣٨٢٧).
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار معلقًا - رقم (٣٨٢٨).
(٣) الرأي الأول هو المقبول المتقبل من رسول الله وله ويقول الخطابي: ((كان النبي ◌َّ لا يأكل مما
يذبحون عليها للأصنام، ويأكل ما عدا ذلك، وإن كانوا لا يذكرون اسم الله عليه؛ لأن الشرع لم
يكن نزل بعد، بل لم ينزل الشرع بمنع أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه إلا بعد المبعث بمدة طويلة.
انظر الفتح (١٣٧/٩).
٣٨٣

قال ابن إسحاق: وحدّثني هشام بن عُزْوَة عن أبيه، عن أُمّه أسماء بنت أبي بكر
رضي الله عنهما، قال: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نُفَيل شيخًا كبيرًا مُسْنِدًا ظهرَه إلى
الكعبة، وهو يقول: يا مَعْشَرَ قريش، والذي نفسُ زيدٍ بن عمرو بيده: ما أصبح منكم
أحدٌ على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللَّهمَّ لو أني أعلم أيّ الوجوه أحبّ إليك
عَبدتك به، ولكني لا أعلمه، ثم يسجد على راحته(١).
قال ابن إسحاق: وحُدِّثت أن ابنَه سعيدَ بن زَيْد بن عمرو بن نُفَيْل وعُمَر بن
الخطاب، وهو ابن عمّه، قالا لرسول الله وَّر: أَنَسْتَغْفِر لزيد بن عمرو؟ قال: ((نعم، فإنه
يُبعث أمَّةً وحده)).
زيد وصعصعة والموءودة:
فصل: وذكر خبر الْمَوْءُودَةِ، وما كان زيد يفعل في ذلك، وقد كان صَعْصَعَةُ بن معاويةً
جدّ الفَرَزْدَقِ رحمه الله يفعل مثل ذلك، ولمّا أسلم سأل رسولَ الله وَّ: هل لي في ذلك من
أجْر؟ فقال في أصحّ الروايتين: ((لك أجرُه إذا مَنَّ الله عليك بالإسلام))(٢)، وقال الْمُبَرِّد في
الكامل عن النبي - * - كلامًا لم يصحّ لفظُه ولا معناه، ولا يشهد له أصل. والأصول
تشهد له بهذه الرواية التي ذكرناها؛ لما ثبت أن الكافر إذا أسلم، وحَسُن إسلامُه، كُتب له
كلِّ حسنة كان زَلفَهَا، وهذا الحديث أخرجه البخاري، ولم يَذْكر فيه: كل حسنة كان زَلَفها،
وذكرها الدارَقُطْني وغيره، ثم يكون القِصَاص بعد ذلك: الحَسَنةُ بعَشر أمثالها، والموءودةُ
مَفْعُولَةٌ من وَأَدَه إذا أثقله قال الفرزدق:
تٍ، وأحيا الْوَئیدَ، فلم یُوأَدِ
ومِنّا الذي مَنَع الوائدا
يعني: جدَّه صَعْصَعة بن مُعاوية بن ناجية بن عِقَال بن محمد بن سفيان بن مُجاشع.
وقد قيل: كانوا يفعلون ذلك غَيْرةً على البنات، وما قاله الله في القرآن هو الحق من قوله:
﴿خَشْيَة إمْلاقٍ﴾(٣) وذكر النقاش في التفسير: أنهم كانوا يَئِدون من البنات، ما كان منهنّ
زَرْقَاءَ(٤) أو بَرْشَاءَ(٥) أوْ شَيماءَ(٦) أو كَشْحَاءِ(٧) تشاؤُمًا منهم بهذه الصفاتِ قال الله تعالى:
﴿وَإِذا الْمَوْءُودةُ سُئِلَتْ بِأَيْ ذَنْبٍ قُتِلت﴾ [التكوير: ٨ -٩].
(١) سيأتي في الشرح وهو عند البخاري.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير والبزار. وفيه الطفيل بن عمرو التميمي. قال البخاري لا يصح حديثه.
وقال العقيلي لا يتابع عليه. قاله الهيثمي في المجمع (٩٥/١).
(٣) سورة الإسراء آية رقم (٣١).
(٤) الزرقاء: العمياء.
(٥) البرشاء: مَن كان في وجهها نقط حمراء وأخرى سوداء.
(٦) الشيماء: مَن كثرت بها الشامات.
(٧) الكشحاء: أي الكسحاء أو غير ذلك.
٣٨٤

وقال زيد بنُ عمرو بن نُقَيْلٍ في فِراق دين قومه، وما كان لَقِيَ منهم في ذلك:
أدِينُ إذا تُقُسِّمت الأمُورُ
أُرَبًّا وَاحِدًا، أمْ أَلْفَ رَبِّ
عَزَلْتُ اللَّّت والعُزَّى جميعًا
فَلا العُزَّى، أدينُ ولا ابْنَتَيْها
كَذَلك يَفْعَلِ الجَلْدُ الصَّبُورُ
ولا صَنَمَيْ بني عمرٍو أَزُورُ
لنَا في الدَّهر إذْ حِلْمِي يَسِيرُ
ولا هُبَلاَّ أدينُ، وكانَ رَبًّا
وفي الأيَّامِ يَعْرِفُها البَصيرُ
عَجِبْتُ. وفي اللَّيالي مُعْجَبَاتٌ
كثيرًا كان شأنَهُمُ الفُجُورُ
بأنَّ اللَّهَ قَدْ أقْنَى رِجالاً
فيَرْبُلُ منهُمُ الطفلُ الصَّغِيرُ
وأبقى آخرين بِبَرّ قَوْمٍ
العزى:
فصل: وذكر شِعْرَ زيد بن عَمْرو وفيه: عَزَلْتُ اللَّّت والعُزَّى جميعًا. فأما اللَّتُ فقد
تقدم ذكرها، وأما الْعُزَّى، فكانت نخلاتٍ مجتمعةً، وكان عَمْرُو بن لُحَيِّ قد أخبرهم - فيما
ذكر - أن الربَّ يُشَتِّي بالطائف عند اللات، ويُصَيِّف بالْعُزَّى، فعظّموها وَبَنوا لها بيتًا، وكانوا
يهدون إليه كما يهدون إلى الكعبة، وهي التي بَعَثَ رسولُ الله - نَّوَ - خالد بن الوليد
ليكسِرها، فقال له سادتها: يا خالد احذَرْها؛ فإنها تَجْدَع وتُكَنِّع(١)، فهدمها خالدٌ وترك منها
جَذْمَها (٢) وأساسها، فقال قَيِّمُها: والله لتعودَنَّ ولتنتقِمَنَّ مِمَّن فعل بها هذا، فذُكر - والله
أعلم - أن رسولَ الله - وَلَه - قال لخالد: ((هل رأيت فيها شيئًا))؟ فقال: لا، فأمره أن يرجع،
ويستأصل بقيتَها بالهدم، فرجع خالد، فأخرج أساسَها، فوجد فيها امرأة سَوْداءَ مُنْتَفِشَة الشعر
تَخْدِش وجْهَها، فقتلها(٣)، وهرب القَيِّمُ، وهو يقول: لا تُعْبَد الْعُزَّى بعد اليوم. هذا معنى ما
ذكر أبو سعيد النَّسابوري في الْمَبْعَث. وذكره الأزْرَقِي أيضًا ورَزِين.
معنى يربل (٤):
وقوله: فَيَرْبُل منهم الطفلُ الصغير. ألفيت في حاشية الشيخ أبي بحر رَبَل الطفلُ يَزْبل
(١) تكنع: الكاف والنون والعين أصل صحيح يدلّ على تشنج وتفيض وتجمع. انظر مقاييس اللغة
(١٤٢/٥).
(٢) جذمها: أصلها.
(٣) انظر أحمد (٣٥١/٨٨/٤) وسير أعلام النبلاء (٣٧٠/١).
(٤) ربل: الراء والباء واللام أصل واحد يدل على تجمّع وكثرة في انضمام. يقال: ربل القوم
يَرْبُلون. والربيلة: السمن. ومن الباب الرَّبلة: باطن الفخذ. وامرأة مربلة: كثيرة اللحم. مقاييس
اللغة (٤٨٢/٢).
٣٨٥
الروض الأنف/ ج ١ / م ٢٥

كما يَتَرَوّح الغُصْنِ الْمَطيرُ
وَبَيْنا الْمَرْءُ بعثُرُ ثاب يومًا
ليَغْفِرَ ذَنْبِيَ الرَّبُّ الْغَفُورُ
وَلَكِنْ أَعْبُدُ الرَّحِمِنَ رَبّي
مَتى ما تَخْفَظُوها. لا تَبُورُوا
فَتَقْوَى الله رَبِّكُمُ اْفَظُوها
وللكفّارٍ حامِيّةً سَعِيرُ
تَرَى الأبْرَارَ. دَارُهُمُ جِنان
يُلاقُوا ما تَضيقُ بِه الصُّدُورُ
وخِزْيٌ فِي الحَيَاةِ وَإِنْ يَمُوتوا
وقال زيد بن عمرو بن نفيل أيضًا - قال ابن هشام: هي لأُمَيَّةَ بن أبي الصَّلْتِ في
قصيدة له. إلا البيتين الأولين والبيت الخامس وآخرها بيتًا. وعجز البيت الأول عن غير
ابن إسحق :
إذا شبّ وعظم. يربَل بفتح الباء أي يكبر وينبت، ومنه أخذ تَزْبيل الأرض. وقوله: كما
يَتَرَوَّحُ الغصنُ: أي: يَنْبُت ورقه بعد سقوطه.
إعراب نعت النكرة المتقدم:
وقوله: وللكفار حاميةً سَعِير. نصب حاميةً على الحال من سعير؛ لأن نعت النكرة إذا
تقدم عليها نصب على الحال، وأنشد سيبويه في مثله:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ(١)
وأنشد أيضًا [لذي الرُّمَّة]:
ظِباءٌ أعارَتْها العيونَ الجَآذرُ
وتحت الْعَوالِي والْقَنَا مُسْتَكِنَّةً
والعامل في هذا الحال: الاستقرارُ الذي يعمل في الظرفِ، ويتعلّق به حرف الجرّ،
وهذا الحال على مذهب أبي الحسن الأخْفَشِ لا اعتراضَ فيها؛ لأنه يجعلُ النكرة التي بعدها
مرتفعةً بالظرف ارتفاعَ الفاعل، وأما على مذهب سيبويه، فالمسألة عَسيرةٌ جدًّا؛ لأنه يلزمه أن
يجعلها حالاً من المضمَر في الاستقرار؛ لأنه معرفة، فذلك أولى من أن يكون حالاً من
نكرة، فإن قدر الاستقرار آخر الكلام، وبعد المرفوع كان ذلك فاسدًا؛ لتقدم الحال على
العامل المعنوي وللاحتجاج له وعليه موضع غير هذا.
(١) البيت ينسب لكُثَيِّر عَزَّة. وانظر أمالي ابن الحاجب.
٣٨٦

إلى اللَّهِ أُهْدِي مِذْحتي وثَنائِيا
إلى المَلِك الأعلى الذي ليس فوقه
ألا أيها الإنسانُ إِيَّاك والرَّدّى(١)
وإِيَّاكَ لا تجعَلْ معَ الله غيرَه
حَنَاتَيْكَ(٢) إن الجن كانت رَجاءَهم
رضيتُ بكَ - اللَّهُم - رَبًّا فلن أُرَى
وأنت الذي مِنْ فضل مَنَّ ورحمة
فقلت له: يا اذْهَبْ وهارون فاذْعُوَا
وقولا له: آأنتَ سَوّيت هذه
وقولا له: آأنت رفّعت هذه
وقولا له: آأنت سوّيت وَسْطها
وقولا له: مَن يُرْسلُ الشمسَ غُدوةً
وقولا له: مَن يُنْبتِ الحَبَّ في الثَّرَى
ويُخرج منه حبّه في رءوسه
وأنت بفَضْل منكَ نَجَّيْت يُونُسًا
وإني لو سَبِّحْتُ باسمِكَ رَبَّنا
فربِّ العِبادِ ألْقِ سَيْبًا ورحمَةً
وقال زيد بن عمرو يعاتب امرأته صفية بنت الحضرميّ.
وقَوْلاً رَصِيئًا لا يَنِي الدَّهرَ بَاقِيَا
إلله، وَلَا رَبُّ يكونُ مُدَانِيا
فإنَّك لا تخفِي مِنَ اللَّهِ خافيًا
فإنَّ سَبِيلَ الرُّشْد أصبحَ بادِیَا
وأنْتَ إلهي رَبُّنا وَرَجائِيًا
أدينُ إلهًا غيرك اللَّهُ ثانِيا
بعثتَ إلى موسى رسولاً مُنَادِیًا
إلى الله فِرْعَوْنَ الذي كان طاغيًا
بلا وَتَدٍ، حتى اطمأنّتْ كما هيا
بلا عَمَدٍ، أرْفِقْ - إذًا - بك بانيا
مُنِيرًا، إذا ما جَنَّه اللَّيلُ مادِیا
فيُضْبح ما مسَّت من الأرض ضاحیا
فيُصبح منه البَقْلُ يَهْتزّ رابيا
وفي ذاك آياتٌ لمَن كان وَاعِيا
وقد بات في أضعاف حُوتٍ لياليا
لأُكْثِر - إلا ما غفرتَ - خَطائيا
عليّ، وبارك في بَنِيَّ وماليا
قال ابن هشام: واسم الحضرميّ: عبدُ الله أحد الصَّدِف، واسم الصَّدف: عمرو بن
مالك أحد السَّكُون بن أشْرَس بن كِنْدِيّ، ويقال: كِنْدة بنُ ثَوْر بن مُرَتْع بن عُفَيْر بن
عَدِيّ بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن زيد بن مِهْسَع بن عمرو بن عَريب بن زيد بن
كَهْلاَن بن سبأ، ويقال: مُزْتِع بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ.
من معاني شعر زيد:
فصل: وأنشد أيضًا لزيد: إلى الله أُهدي مِذْحَتي وثنائيًا. وفيه: ألا أيها الإنسان إِيَّاك
(١) الردى: الموت.
(٢) حنانيك: أي حنان بعد حنان. مقاييس اللغة (٢٥/٢).
٣٨٧

والرَّدَى. تحذير من الردى، والردى هو الموت، فظاهر اللفظ متروكٌ، وإنما هو تحذير مما
يأتي به الموتُ، ويبديه ويكشفه من جزاء الأعمال؛ ولذلك قال: فإنك لا تخفي من الله
خافيًا. وفيه :
لأُكْثِرُ إلا ما غفرت خَطَائِيا
وإني وإن سَبَّحْتُ باسمك رَبَّنا
معنى البيت: إني لأُكْثِر من هذا الدعاءِ الذي هو باسمِك رَبّنا إلا ما غفرتَ ((وما)) بعد
إلا زائدة، وإن سبحت: اعتراضٌ بين اسم إن وخبرها، كما تقول: إني لأُكْثِر من هذا الدعاءِ
الذي هو باسمك رَبَّنا إلا والله يغفر لي لأفعل كذا، والتسبيح هنا بمعنى الصلاة، أي: لا
أعتمد وإن صلّيت إلا على دعائك واستغفارك من خطاياي.
تفسير حنانيك :
وقوله: حَنَانَيْك بلفظ التثنية، قال النحويون: يريد حنانًا بعد حنان، كأنهم ذهبوا إلى
التضعيف والتكرار، لا إلى القصر على اثنين خاصة دون مزيد. قال المؤلف رحمه الله:
ويجوز أن يريد حنانًا في الدنيا، وحنانًا في الآخرة، وإذا قيل هذا لمخلوق نحو قول طَرَفَةً:
أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بعضَنا حَتَانَيْك بعضُ الشَّرِّ أهون من بعض
فإنما يريد: حنانَ دَفْع، وحَنان نَفْعٍ؛ لأن كل مَن أمّل ملكًا، فإنما يؤمله ليدفع عنه
ضَيْرًا، أو ليجلب إليه خيرًا(١).
شريعة أدين:
وقوله: فلن أرى أدين إللها. أي: أدين لإللهِ، وحذَف اللامَ وعدَّى الفعل؛ لأنه في
معنى: أعبد إلهًا.
حول اسم الله:
وقوله: غيرك اللَّهُ برفع الهاء، أراد: يا ألله، وهذا لا يجوز فيما فيه الألف واللام، إلا
أن حكم الألف واللام في هذا اللفظ المعظم يخالف حكمها في سائر الأسماء، ألا ترى أنك
تقول: يأيها الرجل، ولا ينادى اسم الله بيأيُّها، وتقطع همزته في النداء، فتقول: يا ألله، ولا
يكون ذلك في اسم غيره إلى أحكام كثيرة يخالف فيها هذا الاسم لغيره من الأسماء المعرفة،
(١) انظر مقاييس اللغة (٢٥/٢).
٣٨٨

ولعل بعض ذلك أن يُذكر فيما بعد - إن شاء الله - وقد استوفيناه في غير هذا الكتاب، وفيه
بيت حَسَن لم يذكره ابن إسحق، وذكره أبو الفرج(١) في أخبار زيد وهو:
أدين لمن لم يسمع الدهرَ داعيا
أدين إلهًا يُستجار، ولا أرى
حذف المنادی مع بقاء الياء:
وفيه: فقلت: ألا يا اذهب على حذف المنادى، كأنه قال: ألا يا هذا اذهب، كما
قرىء: ألا يا اسجدوا، يريد: يا قوم اسجدوا، وكما قال غَيْلان(٢):
ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ على البِلى
وفيه: اذهب وهارونُ، عطفًا على الضمير في اذهب، وهو قبيح إذا لم يؤكد، ولو
نصبه على المفعول معه لكان جيدًا.
تصريف اطمأنت وأشياء:
وقوله: اطمأنت كما هيا، وزنه افلَعَلَّت، لأن الميم أصلها أن تكون بعد الألف، لأنه
من تطأمن أي: تطأطأ، وإنما قدّموها لتباعد الهمزة التي هي عين الفعل من همزة الوصل،
فتكون أخفّ عليهم في اللفظ كما فعلوا في أشياء حين قلبوها في قول الخليل وسيبويه فرارًا
من تقارب الهمزتين. كما هيا. ما: زائدة لِتَكْفَّ الكاف عن العمل، وتهيئها للدخول على
الجمل، وهي: اسم مبتدأ، والخبر محذوفٌ، التقدير: كما هي عليه، والكاف في موضع
نصب على الحال من المصدر الذي دلّ عليه، اطمأن، كما تقول: سِرْتَ مثلَ سیر زيد؛
فمثلٌ حالٌ من سَيْرك الذي سرته، وفيه: أزْفِقْ إذًا بك بانيًا. أرْفِقْ تعجب، وبك في موضع
رفع لأن المعنى: رفُقْت، وبانيًا تمييز، لأنه يصلح أن يجرّ بمن، كما تقول: أحْسِنْ بزيدٍ مِنْ
رجلٍ، وحرف الجرّ متعلق بمعنى التعجب؛ إذ قد علم أنك متعجب منه، ولِبَسْطِ هذا المعنى
وكشفه موضع غير هذا - إن شاء الله - وبعد قوله:
وقد بات في أضعاف حُوتٍ لياليا
بيت لم يذكره ابن إسحق، ووقع في جامع ابن وهب وهو:
من الله لولا ذَاك أصبح ضَاحيا
وأنبت يَقْطِيئًا(٣) عليه بِرَحمَةٍ
(١) هو الأصبهاني في كتابه ((الأغاني)).
(٢) هو غيلان بن عقبة المعروف بذي الرّمّة.
(٣) اليقطين: كل نبت ينبسط على ظهر الأرض. ومنه القرع وغيره.
٣٨٩

قال ابن إسحاق: وكان زيد بن عمرو قد أجمع الخروجَ من مكة، ليضرب في
الأرض يطلب الحنيفية دين إبراهيم *، فكانت صَفيَّة بنت الحضرميّ كلما رأته قد تهيأ
للخروج، وأراده؛ آذنت به الخطّاب بن نُفَيل، وكان الخطّاب ابن نُفَيل عمه وأخاه لأُمه،
و کان يُعاتبه على فِراق دین قومه، وكان الخطّاب قد وگَّل صفيّة به، وقال: إذا رأيتيه قد
هم بأمر فآذنيني به - فقال زيد:
نِ صَفيَّ ما دابي ودابة
لا تَحبسيني في الهَوا
ن، مُشَيَّعْ ذُلُلٌ رِكابه
ك وجائِبٌ للخَرْقِ نابُه
بغير أقرانِ صِعابه
نَ العَيْرُ إذ يُوهَى إهابه
بصكٌ جَنْبيه صِلاَبه
إني إذا خِفْت الهَوا
دُغْمُوصُ أبوابِ المُلو
قَطَّاعِ أسباب تَذِل
وإنمَّا أَخَذ الهوا
ويقول: إنّي لا أذلّ
ـيَ لا يُواتيني خطابه
وأخي ابن أُمْيَ، ثم عَمْـ
؛ قلت: أعياني جَوابه
وإذا يُعاتبُني بسُو
عندي مَفاتحُهُ وبابه
ولو أشاء لقُلْت: ما
قال ابن إسحق: وحُدِّثت عن بعض أهل زَيْد بن عمرو بن نُفَيل: أن زيدًا إذا كان
استقبل الكعبة داخل المسجد، قال: لبّيك حقًّا حقًّا، تعبَّدًا ورِقًّا(١).
صفية بنت الحضرمي:
وذكر صفيةً بنت الْحَضْرَمِيّ، واسم الحضرمي: عبد الله بن عمار (٢)، وسيأتي ذكر
نسبها عند ذكر أخيها بَعْدُ.
الدعموص والخرم في الشعر:
وقوله: دُغموص أبواب الملوك. يريد: ولأَّجّا في أبواب الملوك، وأصل الدُّغموص:
سمكة صغيرة كَحَيَّةِ الماء، فاستعاره هنا، وكذلك جاء في حديث أبي هريرة يرفعه: صغاركم
دَعاميص الجنة(٣)، وكما استعارت عائشة العصفور حين نظرت إلى طفل صغير قد مات،
(١) فيه مجاهيل.
(٢) وقيل عباد، وقيل عماد وهو الصواب. قاله الخشني وابن الدباغ.
(٣) (صحيح)). أخرجه مسلم في البرّ والصلة (١٥٤) وأحمد (٤٨٨/٢) والبخاري في الأدب (١٤٥)=
٣٩٠

عُذْت بِما عاذ به إبراهيم، مستقبلَ القِبلة، وهو قائمٌ إذ قال:
مهما تُجَشِّمْني فإني جاشمُ
أنْفِي لك اللَّهُمَّ عانٍ راغمُ
ليس مُهَجِّرْ كمَن فال
البرَّ أبغي لا الخال
قال ابن هشام: ويقال:
ليس مُهَجَرٌ كمن قال
البرّ أبْقَى لا الخال
قال: وقوله: ((مستقبل الكعبة)) عن بعض أهل العلم.
قال ابن إسحاق: وقال زيد بن عمرو بن نُقيل:
له الأرضُ تحمِلُ صَخْرًا ثِقَالاً
وأسلَمْت وَجْهي لمَن أسلمت
على المَاء، أزسى عليها الجبالا
دَحاها فلمَّا اسْتوَت
له الْمُزْنُ تَحمِل عَذْبًا زُلاَلا
وأسلَمْت وَجْهي لمَن أسلمتْ
أطاعَت، فَصَبَّت عليها سِجالا
إذا هي سِيقَت إلى بَلْدَةٍ
فقالت: طُوبَى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل سوءًا، فقال لها النبي ◌َّ: ((وما
يدريك؟ إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلاً، وخلق النار، وخلق لها أهلاً))(١) أخرجه مسلم،
وفي هذه الأبيات خَزْم في موضعين، أحدهما قوله:
عندي مَفَاتِحُهُ وبابه
ولو أشاء لقلت ما
والآخر قوله:
ـعَيْرُ إذ يُوهى إِهابه
وإنما أخذ الهوانَ الـ
وقد تقدم مثل هذا في شِعر ابن الزِّبَعْرَى، وتكلمنا عليه هنالك بما فيه كفاية. وقوله:
ويقول: إني لا أذِلُّ أي: يقول العيْر ذلك بِصَكِّ جَنْبَيْه صِلابُة، أي: صِلاب ما يوضع عليه،
وأضافها إلى العَيْرِ لأنها عِبْؤُه وحمله.
لغويات ونحويات:
وذكر قوله: البِرَّ أبغى لا الخال قال ابن هشام: البرَّ أبغى: بالنصب، والخال:
=
والبيهقي (٤/ ٦٧).
(١) (صحيح). أخرجه مسلم في القدر (٣١/١٠) وأحمد (٤١/٩).
٣٩١

وكان الخطاب قد آذى زيدًا، حتى أخرجه إلى أعلى مكة، فنزل حِرَاءَ مقابل مكة،
ووكّل به الخَطابُ شبابًا من شباب قريش وسفهاء من سفهائهم، فقال لهم: لا تتركوه
يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرًّا منهم، فإذا علموا بذلك، آذَنوا به الخطّاب،
فأخرجوه، وآذَوْه كراهيةً أن يُفْسد عليهم دينَهُم، وأن يُتابعه أحدٌ منهم على فِرَاقه. فقال -
وهو يعظّم حُزْمته على مَن اسْتَحَلَّ منه ما استحل من قومه:
لاَ هُمَّ إني مُخرِمٌ لا حِلَّهِ وإِنْ بَيْتي أوْسَطَ الْمَحِلَّه
عند الصَّفَا ليس بذي مَضَلَّهْ
ثم خرج يطلب دينَ إبراهيم عليه السلام، ويسأل الرهبان والأخبار، حتى بلغ
المَوْصِلَ والجزيرة كلَّها، ثم أقبل فجال الشَّامَ كلِّه، حتى انتهى إلى راهب بِمَيْفَعَةً من
أرض البَلْقَاء، كان ينتهِي إليه عِلْمُ أهلِ النّصرانية فيما يزعمون، فسأله عن الحَنِيفِيَّةِ دين
إبراهيم، فقال: إنك لتطب دينًا ما أنت بواجِدٍ مَنْ يَحْمِلُك عليه اليومَ، ولكن قد أظلَّ
زمانُ نبيّ يخرج من بلادك التي خرجت منها، يُبعث بدين إبراهيم الحنيفيَّة، فالَحَق بها،
فإنه مبعوث الآن، هذا زمانه، وقد كان شامَّ اليهوديةَ والنَّصرانيةَ، فلم يَرْضَ شيئًا منهما،
فخرج سريعًا، حين قال له ذلك الراهب ما قال، يريد مكة، حتى إذا توسَّط بلاد لَخْمٍ،
عَدَوْا عليه فقتلوه - فقال وَرَقَةُ بن نوفل بن أُسَد ییکیه:
تجنّبْت تَثُورًا من النَّار حامِيا
رَشَدْت، وأنعمتَ ابنَ عمرو، وإنما
وتَرْكِكَ أوثانَ الطّواغي كما هِيَا
بِدِينِك ربًّا ليس ربِّ كمِثله
ولم تَكُ عن تَوْحيد ربِّك ساهيا
وإِذْرَاكِكَ الدينَ الذي قد طلبتَه
تُعَلَّلُ فيها بالكرامَة لاهيا
فأصبحت في دارِ كرِيمٍ مُقامُها
تُلاقي خَلِيلَ الله فيها، ولم تَكُنْ
من النَّاسِ جَبَّارًا إلى النار هاويا
وقد تُدرِكُ الإنسانَ رحمةُ ربِّه
ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
قال ابن هشام: يُروى لأَمَيَّةَ بن أبي الصَّلْت البيتان الأولان منها، وآخرها بيتًا في
قصيدة له. وقوله: ((أوثان الطواغي)) عن غير ابن إسحق.
الْخُيَلاءُ والكِبر: وقوله: ليس مُهَجِّر كمَن قال، أي: ليس مَن هَجَّر وَتكيَّس، كَمَنْ آثر
القائِلة والنوم، فهو من: قال يَقِيل؛ وهو ثلاثي، ولكن لا يُتعجّب منه. لا يقال: ما
٣٩٢

أقْيله !! قال أهل النحو: استَغْنَوْا عنه: بما أنْوَمه، ولِذكر السر في امتناع التعجب من هذا
الفعل موضع غير هذا. وقول زيد: إني مُخرِمٌ لا حِلَّة. مُخرِمٌ أي: ساكن بالحرَم،
والْحِلَّة: أهلُ الْحِلِّ. يقال للواحد والجميع: حِلَّة. ذكر لقاءَ زيد الراهبَ بِمِيْفَعَة هكذا تقيد
في الأصل بكسر المِيم من مِيْفَعة، والقياس فيها: الفتحُ؛ لأنه اسمٌ لموضعٍ أخد من
الْيَفَاعِ، وهو المرتفع من الأرض. وقوله: شامَّ اليهوديةَ والنصرانية، هو فاعل من الشَّمِّ كما
قال يزيد بن شَيْبان حين سأل النَّسَّابة من قُضَاعَةَ، ثم انصرف، فقال له النَّسَّابة: شامَمْتنا
مُشامَّة الذئبِ الغنمَ، ثم تنصرف. في حديث ذكره أبو عَليَّ في النوادرِ، ومعناه: استَخْبَرَ،
فاستعاره من الشم، فنصب اليهوديةَ والنصرانيةَ نَصْبَ المفعول، ومن خفض جعل شامّ اسم
فاعل من شَمَمت، والفعل أولى بهذا الموضع، كما تقدم، وقول ورقة: رَشِدْت وأنعمت
ابن عمرو، أي: رَشَذْت وبالغت في الرشد، كما يقال: أمْعَنت النظر وأنعمته، وقوله: ولو
كان تحت الأرض سبعين واديًا بالنصب. نصب سبعين على الحال، لأنه قد يكون صفةً
للنكرة، كما قال: فلو كنت في جُبِّ ثمانين قامة وما [يكون] صفة للنكرة يكون حالاً من
المعرفة، وهو هنا حال من البعد، كأنه قال: ولو بَعُد تحت الأرض سبعين. كما تقول:
بَعُد طويلاً، أي: بعدًا طويلاً، وإذا حذفت المصدر، وأقمت الصفة مقامه لم تكن إلا
حالاً، وقد تقدم قولُ سيبويه في ذلك في مسألة: ساروا رُوَيْدًا ونحو هذا: داري خَلْف
دارِك فَرْسَخًا، أي: تقرب منها فَرْسَخًا إن أردت القرب، وكذلك إن أردت البعد، فالبعد
والقرب مقدَّران بالفرسخ، فلو قلت: داري تقرب منك قربًا مقدّرًا بفرسخ، لكان بمنزلة مَن
يقول: قُرْبًا كثيرًا أو قليلاً، فالفرسخ موضوع موضع كثير أو قليل فإعرابه كإعرابه، وكذلك
قول الشاعر:
مِيلٌ إذا نظم الفَوارسَ مِيلاً
لا تعجبوا فلو أن طول قَنَاته
أي: نظمهم نظمًا مستطيلاً، ووضع مِيلاً موضعَ مُسْتَطِيلاً، فإعرابُه كإعرابه، فهو وَصْفٌ
للمصدر، وإذا أُقيم الوصفُ مقام الموصوف في هذا البابٍ لم يكن حالاً من الفاعل، لكن
من المصدر الذي يدلّ الفعلُ عليه بلفظه نحو: ساروا طويلاً، وسقيتها أحْسَنَ من سَقْي
إبلك، ونحو ذلك.
٣٩٣

صفة رسول الله وَلهو من الإنجيل
قال ابن إسحاق: وقد كان - فيما بلغني عما كان وضَعَ عيسى ابنُ مريم فيما جاءه
من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل - من صفّةِ رسول الله وَّر، مما أثبت يُحَنَّس
الحواريّ(١) لهم، حين نَسخ لهم الإنجيلَ عن عهد عيسى ابن مريمَ عليه السلام في رسول
الله - ◌َ﴿ - إليهم أنه قال: ((مَن أبغضني فقد أبغض الربّ، ولولا أني صنعت بحضرتهم
صنائعَ لم يصنعها أحدٌ قبلي، ما كانت لهم خطيئةٌ، ولكن من الآن بَطِرُوا وظَنُوا أنهم
يَعُزُّونني، وأيضًا للربّ، ولكن لا بُدّ من أن تتم الكلمة التي في النَّاموس: أنهم أبغضوني
مَجَّانًا، أي: باطلاً. فلو قد جاء المُنْحَمَنَّا هذا الذي يُرسله الله إليكم من عند الربِّ،
وروح القدس هذا الذي من عند الربّ خَرَج، فهو شَهيدٌ عليّ وأنتم أيضًا؛ لأنكم قديمًا
کنتم معي في هذا، قلتُ لكم: لكيما لا تشکوا.
يحنس الحواري
فصل: وذكر يُحَنَّس الْحَوارِيّ وسيأتي في آخر الكتاب ذكرُ الْحَوَارِيِّينَ كُلُّهم بأسمائهم
وذكر قوله: أبْغضتموني مَجَّانًا، أي: باطلاً، وكذلك جاء في الحكمة: يا بْنَ آدَمَ علِّم مَجَّانًا،
كما عُلْمت مَجَّانًا، أي: بلا ثمن، وفي وصايا الحكماء: شاوِرْ ذَوي الأسنان والعقول يُعطُوك
من رأيهم مَجَّانًا ما أخذوه بالثمن، أي بطول التجارب، ومن صفة النبي - 3 14 - يقول الله
سبحانه: أنت عَبْدي ورسولي سَمَّيْتُكَ المتوكلَ، ليس بِفَظَ(٢) ولا غليظ(٣)، ولا سَخّاب(٤)
في الأسواق، ولا يَذْفع السَّيّئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به
الْمِلَّة الْعَوْجَاءَ، فيفتح به عيونًا عُمْيًا وآذانًا صُمَّا، وقلوبًا غُلْفًا؛ بأن يقولوا: لا إله إلاَّ اللَّهُ(٥).
من صفات النبي عند الأحبار
ومما وجد من صفته - 10 - عند الأحبار ما ذكره الواقدي(٦) من حديث النعمان
(١) هو يوحنا صاحب أحد الأناجيل الأربعة المنسوبة زورًا وبهتانًا إلى عيسى عليه السلام. وانظر معنى
الكلام في إنجيل يوحنا ١ صحاح رقم (١٥- ١٦). وانظر في صفة النبي ◌َّر في العهدين القديم
والجديد. انظر نظرات في إنجيل برنابا - وإظهار الحق لرحمت الله الهندي.
(٢) أي ليس سيىء الخلق جافيًا.
(٣) أي: ليس غليظ القلب.
(٤) سخاب: بتشديد الخاء بعد السين وهي لغة في صخاب - أثبتها الفراء وغيره. والصخاب أشهر وهو
الذي يرفع صوته على الناس لسوء خلقه.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه (١٣٦/٦) وانظر شرح القسطلاني (٤/ ٥١- ٥٢).
(٦) تقدمت ترجمته غير مرة وهو ضعيف.
٣٩٤

والمُنْحَمَنَّا بالسُّريانيَّة: محمد: وهو بالرومية: الْبَرَقْلِيطِس، صلّى الله عليه وآله
وسلم.
التَّيْمي. قال: وكان من أحبار يهودَ باليمن، فلما سمع بذلك النبي - بَّهــ قَدِمَ عليه، فسأله
عن أشياء، ثم قال: إن أبي كان يختم على سِفْرٍ، ويقول: [لا تقرأه] على يهود حتى تسمع
بنبي قد خرج بيَثْرِبَ، فإذا سَمِعْتَ به فافتحه. قال نعمان: فلما سمِعتُ بك فتحت السفر،
فإذا فيه صِفَتُك كما أراك الساعة، وإذا فيه: ما تُحِلُّ وما تُحَرِّم، وإذا فيه: إنك خيرُ الأنبياء
وأُمتُك خير الأمم، واسمك: أحمد، وأمتك الحامدون. قُزْبانهم: دماؤهم، وأناجيلُهم:
صُدورُهم، وهم لا يحضرون قتالاً إلا وجبريلُ معهم، يتحَّن الله عليهم كتَحَنُّن النَّسْر على
فراخه، ثم قال لي: إذا سمعت به فاخرج إليه، وآمِنْ به، وصدِّق به، فكان النبي - وَّر -
يحب أن يسمع أصحابُه حديثه، فأتاه يومًا، فقال له النبي - وَ ◌ّ ﴿ -: ((يا نُعْمَانُ حدِّثنا))، فابتدأ
النعمانُ الحديث من أوله، فرُؤِيَ رسول الله - وَطير - يومئذ يتبسم، ثم قال: ((أشهد أني رسول
الله، وهو الذي قتله الأسودُ الْعَنْسِيُّ، وقطّعه عضوًا عضوًا، وهو يقول: إن محمدًا رسولُ
الله، وإنك كذاب مُفْتَرٍ على الله، ثم حَرَّقه بالنار)).
٣٩٥

مبعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا
قال: حدَّثنا أبو محمد عبدُ الملِك بن هشام، قال: حدّثنا زِيادُ بنُ عبدِ الله
الْبَكَّائِي(١) عن محمد بن إسحق المطلبي قال: فلما بلغ محمدٌ رسولُ الله - نَّهِ - أربعين
سنةً بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، وكافّةً للناس بشيرًا، وكان الله تبارك وتعالى قد أخذ
الميثاق على كل نبي بعثه قبلَه بالإيمان به، والتصديق له، والنصر له على مَن خالفه،
وأخذ عليهم أن يؤدّوا ذلك إلى كل مَنْ آمن بهم وصدقهم، فأدَّوْا من ذلك ما كان عليهم
من الحق فيه. يقول الله تعالى لمحمد صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: ﴿وإذْ أَخَذَ اللَّهُ
کتاب المبعث
متى بعث رسول الله؟
ذكر ابن إسحق أن رسولَ الله - رَلي ـ بُعث على رأس أربعين من مولده عليه السلام،
وهذا مَرْوِيٍّ عن ابن عباس، وجُبَيْر بن مُطْعِم وقَبَاتٍ بن أشْيَم، وعطاء وسعيد بن الْمُسَيِّب،
وأنس بن مالك وهو صحيحٌ عند أهل السّيّر والعلم بالأثَر، وقد رُوِيَ أنهُ نُبِىءَ الأربعين
وشهرين من مولده، وقيل لقباث بن أشْيّم: مَن أكبر، أنت أم رسول الله - وَ* ـ؟ فقال:
رسولُ الله أكبرُ مني، وأنا أسَنُّ منه، ووُلد رسول الله - بَير - عام الفيل، ووقفت بي أُمي
على رَوْثٍ الفيل ويُزوى: خَزْقِ الطير، فرأيته أخْضَرَ مُحِيلاً، أي: قد أتى عليه حَوْل، وفي
غير رواية البَكَّائي من هذا الكتاب أن رسول الله - وَل﴾ - قال لبلال: لا يَفُتْكَ صيامُ يوم
الاثنين؛ فإني قد وُلدت فيه، وبُعثت فيه، وأموت فيه(٢).
(١) تقدمت ترجمته مرارًا وهو ضعيف. وانظر البداية (٢٨٤/٢)/ الكامل (٥٧٥/١)/ تاريخ الطبري
(٥٢٨/١)/ المنتظم (٣٤٧/١).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام (١٩٧) من حديث أبي قتادة. بنحوه.
٣٩٦

مِيثاقَ النَّبِينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءِكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لتُؤْمِنُنَّ بِهِ
ولَتَنْصُرُنَّهُ قال أَقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ على ذَلِكُمْ إصْرِي﴾: أي ثِقَل ما حمّلتكم من عَهْدِي:
﴿قَالُوا أَقْرَرْنا قال فاشْهَدُوا وأنا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهدِين﴾ [آل عمران: ٨١] فأخذ الله ميثاق
النَّبيِّين جميعًا بالتصديق له، والنصر له ممّن خالفه، وأدّوا ذلك إلى مَنْ آمن بهم،
وصدقهم من أهل هذين الكتابين.
قال ابن إسحق: فَذَكرَ الزُّهْريّ عن عُزْوة بن الزُّبير، عن عائشة رضي الله عنها أنها
حدّثته: أن أوّل ما بُدىء به رسولُ اللهِ وَله من النّبوّة، حين أراد الله كرامته ورحمة العباد
به: الرُّؤيا الصادقة، لا يرى رسولُ الله - وَل ◌َ ـ رؤيًا في نومه إلا جاءت كفَلَق الصبح.
قالت: وحَبَّب اللَّهُ تعالى إليه الْخَلوة، فلم يكن شيء أحبَّ إليه من أن يخلوَ وحدَه(١).
إعراب لما آتيتكم (٢):
وذكر ابن إسحق قول الله سبحانه: ﴿وإذ أخَذَ اللَّهُ میثاقَ النَّبِّينَ لَمَا آتِيتُكم من كتابٍ
وحِكْمةٍ﴾ الآية. وما في هذه الآية: اسمٌ مبتدأ بمعنى: الذي، والتقدير: لَّلْذِي آتيناكم من
كتاب وحكمة، ولا يصحّ أن تكون في موضع نصب على إضمار فعل، كما ينتصب ما
يشتغل عنه الفعل بضميره، لأن ما بعد اللام الثانية لا يجوز إن يعمل فيما قبلها، وما لا
يجوز أن يعمل فيه ما قبله، فلا يجوز أن يكون تفسيرًا لما يعمل فيه، وقد قيل: إن ما هذه
شَرْط. والتقدير: لمهما آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمِنُنَّ به، وهو ظاهر قول سيبويه، لأنه
جعلها بمنزلة: إن، وقول الخليل: إنها بمنزلة الذي، أي: إنها اسم لا حرف، ويمكن
الجمع بين قوليهما على هذا، فتكون اسمًا، وتكون شرطًا، ويحتمل أيضًا أن تكون على قول
الخليل: خبرية في موضع رفع بالابتداء، ويكون الخبر: لَتُؤْمِنُنَّ به ولتنصُرُنّه، وإن كان
الضميران عائدين على الرسول، لا على الذي، ولكن لما قال: رسول مُصَدِّقٌ لما معكم،
ارتبط الكلام بعضه ببعض، واستغنى بالضمير العائد على الرسول عن ضمير يعود على
المبتدأ، وله نظير في التنزيل منه قوله تعالى: ﴿والذين يُتَوَفَّوْن منكم﴾ [البقرة: ٢٣٤] خبره:
يَتَربَّصْنَ بأنفسهن، ولم يعد على المبتدأ شيء، لتشَبُّث الكلام بعضه ببعض، وقد لاح لي بعد
نظري الكتابَ أن الذي قاله الخليل وقول سِيبَوَيْه قَوْلٌ واحد، غير أنه قال: ودخول اللام على
ما، كدخولها على إن، يعني: في الجزاء، ولم يرد أن يعمل ما جزاء، وإنما تكلم على اللام
خاصّة والله أعلم.
(١) (صحيح). أخرجه البخاري في بدء الوحي (٣) ومسلم في الإيمان (٢٥٢) وأحمد (١٥٣/٦).
(٢) وانظر ((ما منّ به الرحمن)) للعكبري.
٣٩٧

قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الملك بن عُبَيْد الله بن أبي سُفْيان بن العَلاَءَ ابن
جارية الثَّقَفِيّ، وكان واعيةً، عن بعض أهل العلم:
أنّ رسول الله - وَ﴿ ﴿ ـ حين أراده الله بكرامته، وابتدأه بالنبوّة، كان إذا خرج لحاجته
أَبْعَدَ حتى تَحسَّرَ عنه البيوتُ، ويُفضِي إلى شِعَاب مكة وبُطون أوديتها، فلاَ يمرُّ رسول
الله - وَلَهُ - بحجَر ولا شَجَر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. قال: فيلتفت رسولُ
اللهِ وَلّ حولَه، وعن يمينه وشماله وخلفه، فلا يرى إلا الشجر والحجارة. فمكث رسول
الله ◌َيّر كذلك يرى ويسمع، ما شاء الله أن يمكث، ثم جاءه جبريل عليه السلام بما جاءه
من كرامة الله، وهو بحراء في شهر رمضان(١).
النبوءة وأولو العزم:
وذكر قول ابن إسحق: والنُّبُوءة أثقال ومُؤْنة لا يحملها ولا يستطيعها إلا أهلُ القوة
والعزم من الرّسُلِ، ووقع في رواية يونس عن ابن إسحق في هذا الموضع عن ربيعة بن أبي
عبد الرحمن قال: سمعت وهب بن مُنَبِّهِ وهو في مسجد مِنى - وذُكر له يونُس النبي - وَلّ ـ
فقال: كان عبدًا صالحًا، وكان في خُلُقه ضيق، فلما حُمِلت عليه أثقالُ النُّبُوءة، ولها أثقال
تَفسَّخَ تحتها تَفَسَّخِ الرُّبَع(٢) تحت الحِمْل الثقيل، فألقاها عنه وخرج هاربًا، وفي رواية عن
ابن إسحاق: إن أولي العزم من الرُّسُل منهم: نوحٌ وهودٌ وإبراهيمُ أما نوحٌ فلقوله: ﴿يَا قوْم
إنْ كان كَبُر عليكم مَقَامي وتذكيري بآياتِ الله﴾ [يونس: ٧١] وأما هود فلقوله: ﴿إني أُشْهِد
الله واشْهدوا أنّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْركون﴾ [هود: ٥٤] وأما إبراهيم، فلقوله هو والذين معه:
﴿إِنّا بُرَآءُ منكم ومِمَّا تَعْبدون من دون الله﴾ وأمر الله نبينا أن يصبر كما صبر هؤلاء(٣).
أول ما بُدِىء به النبي ◌َّظاهر من النبوءة:
فصل: وذكر ابن إسحاق: ما بدىء به النبي - وَلِ﴿ - من النّبُوءة، إذ كان لا يمرّ بحجر،
ولا شجر إلا قال: السلامُ عليك يا رسول الله، وفي مصنّ التّزْمِذِي ومسلم أيضًا أن رسول
الله - رَ﴿ - قال: ((إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عَليَّ قبل أن يُنَزِّل عَلَيَّ»(٤)، وفي بعض
المسندات زيادة أن هذا الحجرَ الذي كان يُسَلِّم عليه هو الحجر الأسود، وهذا التسليم:
(١) أخرجه الطبري بنحوه في تاريخه (٥٢٩/١) من حديث برّة بنت أبي نجراة.
(٢) الرُّبع: الفصيلِ.
(٣) والأشهر أن أولي العزم هم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم
أجمعین.
(٤) (صحيح). أخرجه مسلم في الفضائل (٢) وأحمد (٨٩/٥) والدارمي (١٢/١).
٣٩٨

قال ابن إسحاق: وحدّثني وَهْب بنُ كَيْسان، مولى آل الزبير. قال: سمعتُ
عبد الله بن الزُّبير وهو يقول لعُبَيد بن عُمَير بن قتادة الليثيّ: حدِّثْنا يا عُبيد، كيف كان
بدءُ ما ابتُدىء به رسولُ اللهِ وَ لَ من النبوّة، حين جاءه جبريلُ عليه السلام؟ قال: فقال
عبيدٌ - وأنا حاضرٌ يُحدّث عبدَ الله بن الزبير، ومَنْ عنده من الناس: كان رسول الله وَله
يُجاور في حِرَاء من كلّ سنة شهرًا، وكان ذلك مما تَحَنَّثُ به قريشٌ في الجاهلية.
والنَّحَنُّث: التَّبَرُّزُ.
قال ابن إسحاق: وقال أبو طالب:
وراقٍ ليَزْقى في حِراءَ ونازِلٍ
وثَوْرٍ ومَنْ أرْسَى ثَبِيرًا مكانَه
قال ابن هشام: تقول العرب: التحنُّث والتحثّف، يريدون الْحَنِيفية فيُبْدِلون الفاء من
الثاء، كما قالوا: جَدَفٌ وجَدَثْ، يريدون القبر. قال رؤية بن العَجَّاج (١):
لو كان أخجَاري مع الأجْدَاف
يريد: الأجداث: وهذا البيت في أُرجوزة له. وبيت أبي طالب في قصيدة له،
سأذكرها إن شاء الله في موضعها.
الأظهر فيه أن يكون حقيقةً، وأن يكون الله أنطقه إنطاقًا كما خلق الْحَنينَ في الْجِذْعِ، ولكن
ليس من شرط الكلام الذي هو صوت وحرف: الحياةُ والعلمُ والإرادة، لأنه صوتٌ کسائِرٍ
الأصوات، والصوتُ: عَرَض في قول الأكثرين، ولم يخالف فيه إلا النَّظّام، فإنه زعم أنه
جِسْمٌ، وجعله الأشعريُّ اضْطِكاكًا في الجواهر بعضها لبعض، وقال أبو بكر بن الطيب: ليس
الصوت نفسَ الاصطكاك، ولكنه معنّى زائد عليه، وللاحتجاج على القولين ولهما موضع غير
هذا، ولو قَدَّرت الكلام صفةً قائمة بنفس الحَجَر والشّجر، والصوتَ عبارة عنه، لم يكن بُدَّ
من اشتراط الحياة والعلم مع الكلام، والله أعلم: أي ذلك كان، أكان كلامًا مقرونًا بحياة
وعلم، فيكون الحجر به مؤمنًا، أو كان صوتًا مجرّدًا غير مقترن بحياة؟ وفي كلا الوجهين هو
عَلَمْ من أعلام النُّبُوءة، وأما حَنِين الجِذْعِ فقد سُمّي حنينًا، وحقيقة الحنين يقتضي شرط
الحياة، وقد يحتمل تسليمُ الحجارة أن يكون مضافًا في الحقيقة إلى ملائكة يسكنون تلك
الأماكن، يَعْمُرُونها، فيكون مجازًا من قوله تعالى: ﴿واسْأَلِ القَرِيَةِ﴾ والأول أظهر، وإن
كانت كل صورة من هذه الصور التي ذكرناها فيها عَلَمٌ على نبوّته - عليه السلام - غير أنه لا
يسمى معجزة في اصطلاح المتكلمين إلا ما تَحَدَّى به الخَلْقَ، فعجزوا عن معارضته.
(١) انظر ديوانه (ص ١٠٠).
٣٩٩

قال ابن هشام: وحدّثني أبو عُبيدة أن العرب تقول: فُمَّ، في موضع: ثُمَّ، يبدلون
الفاء من الثاء.
قال ابن إسحاق: حدّثني وهب بنُ كَيْسان قال: قال عُبيد [بن عمير]: فكان رسول
اللهِ الَّهُ يجاور ذات الشهر من كل سنةٍ، يطعِم مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول
الله ◌َّ جواره، من شهره ذلك، كان أوّلَ ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبةُ،
مدلول تفعل:
وذكر حديث عُبَيْدٍ بن عُمَيْرِ أن رسول الله - وَ ل﴿ - كان يجاور بغار حِرَاء ویتحَنَّثُ فيه،
قال: والتَّحَنَّثُ: التَّبَرُّزُ. تَفَعُّلُ من الْبِرِ، وتَفَعُلٌ: يقتضي الدخول في الْفِعل، وهو الأكثر فيها
مثل: تَفَقّه وتَعَبَّد وتَنَسَّك وقد جاءت في ألفاظ يسيرة تعطي الخروج عن الشيء واطْراحه،
كالثَّأَثُّم والتَّحَرّج. والتَّحَنَّثُ بالثاء المثلثة، لأنه من الْحِنث، وهو الْحِمْلِ الثّقِيلُ، وكذلك
التَّقَذّر، إنما هو تَبَاعُدْ عن الْقَذَرِ، وأما التَّحَتُّفُ بالفاء، فهو من باب التَّبَرُّر؛ لأنه من الحنيفيَّة
دين إبراهيم، وإن كان الفاء مُبْدَلةً من الثَّاء، فهو من باب التَّقَذُّر والتأثُّم، وهو قول ابن
هِشَام، واحْتَجِّ بجَدَف وجَدَث، وأنشد قول رُؤْبةَ: لو كان أحْجَارِي مع الأجَّدَاف، وفي بيت
رُؤْبَة هذا شاهدٌ وردِّ على ابن جِنِّي حيث زعم في سِرِّ الصناعة أن جَدَف بالفاء لا يجمع على
أجدَاف، واحتجّ بهذا لمذهبه في أن الثاء هي الأصل، وقول رُؤْبَة ردِّ عليه، والذي نذهب
إليه أن الفاءَ هي الأصل في هذا الحرف، لأنه من الْجَذْف وهو القَطْعِ، ومنه مِجْدَافُ
السفينة، وفي حديث عمر في وصف الجنّ: شرابهم الْجَدَفُ وهي الرَّغْوَة، لأنها تُجْدَف عن
الماء، وقيل: هي نبات يقطع ويؤكل. وقيل: كل إناء كشف عنه غطاؤه: جَدَفٌ، والْجَدَفُ:
القبر من هذا، فله مادة وأصل في الاشتقاق، فأجدِر بأن تكون الفاءُ هي الأصل والثاء داخلة
علیھا .
حول مجاورته في حراء:
وقوله: يُجاور في حراء إلى آخر الكلام. الجوار بالكسر في معنى المجاورة وهي
الاعتكاف، ولا فرق بين الجوار والاعتكاف إلا من وجه واحد، وهو أن الاعتكاف لا يكون
إلا داخل المسجد، والجِوارُ قد يكون خارج المسجد كذلك قال ابن عبد البرّ، ولذلك لم
يُسَمَّ جوارُه بِحِراءَ اعتكافًا، لأن حراء ليس من المسجد، ولكنه من جبال الحرم، وهو الجبل
الذي نادى رسولَ الله - ◌َ﴿ ـ حين قال له ثَبِيرٌ وهو على ظهره: اهبط عنّ؛ فإني أخاف أن
تُقْتَل على ظهري فأعذّب، فناداه حِراء: إليَّ إليَّ يا رسولَ الله(١).
(١) قصة من حاجة إلى دليل ((صحيح)) يعتضدها.
٤٠٠