Indexed OCR Text

Pages 321-340

مُتساندون، على كلّ قَبِيل من قريش وكِنانة رئيسٌ منهم، وعلى كلّ قَبيل من قَيْس رئيسٌ
منهم.
وشهد رسولُ الله - وَل﴾ - بعض أيامهم، أخرجه أعمامُه معهم، وقال رسول
الله - ◌ََّ -: ((كنت أَنَبْلُ على أعمامي))، أي: أَرُدّ عنهم، نَبْلَ عدوّهم، إذا رَمَوْهم بها (١).
قال ابن إسحاق: هاجت حربُ الفِجَار، ورسولُ الله - وَّ - ابنُ عشرين سنة، وإنما
سمّي يوم الفِجَار، بما استحلّ هذان الحيَّان: كنانةُ وقَيْسُ عَيْلان فيه الْمَحارم بينهم .
وكان قائدَ قريش وكنانة حَرْبُ بني أميّة بن عَبْد شَمْس، وكان الظّفَر في أوّل النهار
لقَيْس على كِنانة، حتى إذا كان في وسط النهار كان الظَّفَرُ لكنانة على قيس.
قال ابن هشام: وحديثُ الفِجار أطول ممَّا ذكرت، وإنما منعني من استقصائه قَطْعُه
حديثَ رسول الله وَلهـ
آخر أمر الفجار:
وكان آخرُ أمرِ الفِجارِ أن هَوَازِنَ وكِنانة تواعدوا للعام القابِل بعُكّاظَ فجاؤوا للوعدِ،
وكان حَرْبُ بن أُمَيَّةَ رَئيسَ قُرَيْشٍ وكِنانة، وكان عُثْبَةُ بن رَبِيعَة يتيمًا فِي حِجْرِهِ، فضَنَّ به
حَرْبٌ، وأشفق من خُروجه معه، فخرج عُثْبَةُ بغير إذْنِه، فلم يَشْعُروا إلاَّ وهو على بعيرِه بين
الصَّفّين ينادي: يا مَعْشَرَ مُضَرَ، عَلاَمَ تقاتلون؟ فقالت له هَوازِنُ: ما تدعو إليه؟ فقال:
الصلح، على أن ندفعَ إليكم دِيَةً قَتْلاَكُمْ، ونَعْفو عن دمائِنا، قالوا: وكيف؟ قال: ندفع إليكم
رَهْنَا مِنَّا، قالوا: ومَنْ لنا بهذا؟ قال: أنا. قالوا: ومَنْ أنت؟ قال: عُثْبَة بن ربيعة بن عبد
شَمْس، فَرَضُوا ورضيت كِنانةُ، ودفعوا إلى هَوازِنَ أربعين رَجُلاً: فيهم: حكيمُ بن حِزَامِ [بن
خُوَيْلد]، فلما رأت بنو عامر بن صَعْصَعَة الرَّهْنَ في أيديهم، عَفَوْا عن الدماءِ، وأطلقوهم
وانقضت حَرْبُ الفِجَار، وكان يقال: لم يَسُدْ من قريشٍ مُمْلِقٌ إلاَّ عُتْبَةُ وأبو طالب، فإنهما
سادا بغير مال.
(١) أورده ابن كثير في البداية (٢٦٩/٢) وفي الطبقات لابن سعد (١٢٦/١).
الروض الأنف/ ج ١ / ٢ ٢١
٣٢١

حديث تزويج
رسول الله وَلّ خديجة رضي الله عنها (١)
قال ابن هشام: فلما بلغ رسول الله - ◌َ﴾ - خمسًا وعشرين سنة، تزوّج خديجةً
بنتَ خُوَيْلد بن أسد بن عَبد العُزّى بن قُصَيّ بن كلاب بن مُرّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن
غالب، فيما حدّثني غيرُ واحد من أهل العِلْم عن أبي عمرو المَدَني.
قال ابن إسحاق: وكانت خديجةُ بنتُ خُويلد امرأةً تاجرة، ذاتَ شرف ومال،
تستأجر الرجال في مالها، وتُضاربهم إياه، بشيء تجعلُه لهم، وكانت قُرَيش قومًا تِجَارًا،
فلما بلغها عن رسول الله - وَل﴿ - ما بلغها، من صدق حديثه، وعِظَم أمانته، وكَرَم
أخلاقه، بعثَتْ إليْه، فعَرضَتْ عليه أن يَخْرُج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتُعطيه أفضلَ
ما كانت تُعطي غيرَه من التُّجَّار، مع غُلام لها يقال له: مَيْسَرَة، فقَبِله رسولُ الله - وَهـ ـ
منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامُها مَيْسَرَة، حتى قَدِم الشام.
فنزل رسولُ الله - وَ﴿ر ◌ِ فِي ظِلّ شجرة قريبًا من صَوْمَعَةِ راهب من الرّهبان، فاطّلع
الراهبُ إلى مَيْسرة، فقال له: مَنْ هذا الرجلُ الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال له
مَيْسرة: هذا رجلٌ من قريش من أهل الحَرَم، فقال له الراهبُ: ما نزل تحت هذه الشجرة
قطّ إلاَّ نبيٌّ(٢) .
فصل في تزويجه عليه السلام خديجة رضي الله عنها
شرح قول الراهب:
ذكر فيه قول الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلاَّ نَبِيٍّ. يريد: ما نزل تحتها هذه
(١) انظر المنتظم (٣١٣/٢)/ الكامل (٥٦٩/١)/ البداية (٢/ ٢٧٢)/ الطبري (٥٢١/١).
(٢) أخرجه ابن الجوزي في المنتظم (٣١٣/٢) وابن سعد في الطبقات (١٢٩/١) وأبو نعيم في =
٣٢٢

ثم باع رسولُ الله - ◌َ - سِلْعَته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم
أقبل قافِلاً إلى مكة، ومعه مَيْسَرَة، فكان مَيْسرة - فيما يزعمون - إذا كانت الْهَاجِرَةُ،
واشتدّ الحرّ، يرى مَلَكَيْن يُظِلاَّبِه من الشمس - وهو يسير على بعيره، فلما قَدِمَ مكةً على
خديجة بمالها، باعت ما جاء به، فأضْعف أو قريبًا. وحدّثها مَيْسرةُ عن قول الراهب،
وعمَّا كان يرى من إظلال المَلَكَيْن إياه، وكانت خديجة امرأةً حازمةً شريفة لبيبة، مع ما
أراد الله بها من كرامته، فلما أخبرها مَيْسرةُ بما أخبرها به، بعثت إلى رسول الله - وَله -
فقالت له - فيما يزعمون: يا بْنَ عَمِّ، إني قد رَغِبتُ فيك لقَرابتك، وَسِطَتِك في قومك
وأمانتك، وحُسْن خلقك، وصِذْق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة
يومئذ أوسطَ نساء قريش نسبًا، وأعظمَهُنَّ شرفًا، وأكثَرَهُنَّ مالاً، كلّ قومها كان حريصًا
على ذلك منها لو يقدر عليه.
الساعةَ إلا نَبِيٍّ، ولم يُرِد: ما نزل تحتها قطّ إلاَّ نَبي؛ لبعد العهد بالأنبياءِ قبل ذلك، وإن كان
في لفظ الخبر: قَطّ، فقد تكلم بها على جهةِ التوكيد للنفِي، والشجرةُ لا تُعَمِّر في العادة هذا
الْعُمُرَ الطويلَ حتى يَذْرِي أنه لم يَنْزِلْ تحتها إلا عيسى، أو غيرُه من الأنْبياءِ - عليهم السلام -
ويَبْعَدُ في العادة أيضًا أن تكون شجرةٌ تخلو من أن يَنْزِلَ تحتها أحدٌ، حتى يجيء نبي إلاَّ أنْ
تَصِحّ روايةُ مَن قال في هذا الحديث: لم يَنْزِل تحتها أحدٌ بعد عيسى ابن مريمَ - عليه
السلام - وهي روايةٌ عن غير ابن إسحق، فالشجرةُ على هذا مخصوصةٌ بهذه الآيةِ والله
أعلم. وهذا الراهبُ ذكروا أن اسمه نَسْطُورًا ولَيْس هو بحيرا المتقدم ذكره.
تحقيق معنى الوسط:
وقول خديجة - رضي الله عنها: لِسِطَتِك في عشيرتك، وقوله في وصفها: هي أوْسَط
قُريش نَسَبًا. فالسِّطّةُ: من الوَسَطِ، مَصْدَرٌ كالعِدة والزّنة، والْوَسَطُ من أوصاف المدح
والتفضيل، ولكن في مقامين: في ذكر النسب، وفي ذكر الشهادة. أما النسب؛ فلأن أوْسَطَ
القبيلة أعرَفُها، وأولاها بالصميم وأبعدُها عن الأطراف والوسيط، وأجدرُ أن لا تضاف إليه
الدعوة؛ لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب، فَكَان الْوَسَطُ من أجل هذا مَدْحًا
في النسب بهذا السبب، وأما الشّهادة فنحو قوله سبحانه: ﴿قال أوسطُهم﴾(١) وقوله:
﴿وكذلكَ جَعَلنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لتكونوا شُهَداء على الناس﴾ [البقرة: ١٤٣] فكان هذا مدحًا في
الشهادة؛ لأنها غاية الْعَدالة في الشاهد أن يكون وَسَطًا كالميزان، لا يميل مع أحد، بل
= الدلائل (١٣١).
(١) سورة القلم آية رقم (٢٨).
١
٣٢٣

وهي خديجة بنت خُوَيلد بن أسد بن عبد العُزّى بن قُصَيّ بن كلاب بن مُرَّة بن
كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر. وأُمها: فاطمة بنت زائدة بن الأصمْ بن رَوَاحة بن
حَجَرٍ بن عَبْد بن مَعِيص بن عامر بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْرٍ. وأُمّ فاطمة: هالة بنت عبد
مناف بن الحارث بن عمرو بن مُنْقِذ بن عمرو بن مَعِيص بن عامر بن لُؤَي بن غالب بن
فهر. وأُم هَالَةَ: قِلاَبَةُ بنت سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم بن عَمْرو بن هُصَيْص بن كَعْب بن
لُؤي بن غالب بن فِهْر.
فلما قالت ذلك لرسول الله - وَ ل﴿ــ ذَكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمُّه حمزة بنُ
عبد المطلب - رحمه الله - حتى دخل على خُوَيلد بن أسد فخطبها إليه، فتزوجها .
يُصَمِّمُ على الحقِّ تصميمًا، لا يَجذِبُه هَوى، ولا يميل به رغبةً، ولا رَهْبٌ من ههنا، ولا من
هُهنا، فكان وصفه بالْوَسَطِ غايةً في التزكية والتعديل، وظن كثير من الناس أن معنى
الأوسط: الأفضلُ على الإطلاق، وقالوا: معنى الصلاة الْوُسْطَى: الْفُضْلى، وليس كذلك،
بل هو في جميع الأوصاف لاَّ مَدْحٌ ولا ذَمُّ، كما يقتضي لفظ التَّوَسْطِ، فإذا كان وَسَطًا في
السَّمَنِ، فهي بين الْمُمِخَّةٍ (١) والْعَجْفَاء. والوسطُ في الجمال بين الحسناء والشَّوْهَاء، إلى غير
ذلك من الأوصاف، لا يعطي مدحًا، ولا ذمًّا، غير أنهم قد قالوا في المثل: أثقل من مُغِنٌّ
وَسَطِ على الذمّ؛ لأن المغني إن كان مُجيدًا جدًّا أمْتَعَ وأطْرَبَ، وإن كان باردًا جدًّا أضحك
وألْهَى، وذلك أيضًا مما يُمْتِع. قال الجاحظ: وإنما الكَرْبُ الذي يَجْثُمُ على القلوب، ويأخذ
بالأنفاس الغناءُ الفاتر الْوَسَطُ الذي لا يُمْتِعِ بِحُسْن، ولا يُضْحِك بلَهْو، وإذا ثبت هذا فلا
يجوز أن يقال في رسول الله - * - هو: أوْسَطُ الناس. أي: أفضلهم، ولا يوصف بأنه
وَسَطْ في العِلْم، ولا في الجود، ولا في غير ذلك إلا في النسب والشهادة، كما تقدم،
والحمد لله، والله المحمود.
مَن الذي زوّج خديجة؟
فصل: وذكر مشي رسول الله - رَلي﴿ ـ إلى خُوَيلدِ بنِ أسدٍ مع عمه حمزة - رضي الله
عنه - وذكر غيرُ ابن إسحق أن خُوَيلدًا كان إذ ذاك قد أهلك، وأن الذي أنكح خديجةً
- رضي الله عنها - هو عمُّها عَمْرو بن أسد، قاله المبرد وطائفة معه، وقال أيضًا: إن أبا
طالب هو الذي نهض مع رسول الله - 18 - وهو الذي خَطَب خُطْبَة النكاح، وكان مما قاله
في تلك الخطبة: ((أما بعد: فإن محمدًا مِمَّنْ لا يُوازَن به فتى من قريش إلا رَجَحَ به شرفًا
ونُبْلاً وفضلاً وعقلاً، وإن كان في المال قُلُّ، فإنما ظل زائل، وعارية مُسْترْجَعة، وله في
(١) الممخة: السمينة.
٣٢٤

قال ابن هشام: وأصْدَقَها رسولُ الله - نَّهِ - عشرين بَكْرَةً، وكانت أول امرأة
تزوجها رسول الله - صَ لّه ـ ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت، رضي الله عنها.
خديجةً بنت خُوَيلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك)) فقال عمرو: هو الفَخْلِ الذي لا يُقْدَعُ أنفُه،
فأنكحها منه، ويقال: قاله وَرَقَةُ بن نَوْفل، والذي قاله المبرد هو الصحيح؛ لما رواه الطَّبَرِيُّ
عن جُبَيْر بن مُطْعِم، وعن ابن عباس، وعن عائشةَ - رضي الله عنهم كلهم - قال: إن
عَمْرو بن أسد هو الذي أنكَح خديجةَ رسولَ الله - وَلجر - وأن خُوَيلدًا كان قد هلك قبل
الفِجَار، وخُوَيلد بن أسد هو الذي نازَع تُبَّعًا الآخَر حين حَجَّ، وأراد أن يحتمل الركنَ الأسودَ
معه إلى اليمن، فقام في ذلك خُوَيلد، وقام معه جماعةٌ، ثم إنَّ تُبَّعًا رُوِّع في منامه تَرويعًا
شديدًا حتى ترك ذلك، وانصرف عنه والله أعلم.
فصل: وذكر الزُّهْرِيُّ في سِيْره، وهي أول سيرة أُلْفت في الإسلام، كذا رُوِيَ عن
[عبد العزيز بن محمد بن عبيد] الدَّرَاوَزْدِي أن رسول الله - مَّر - قال لشريكه الذي كان
يَتَّجِرُ معه في مالِ خديجة: هَلُمَّ فَلْنَتَحَدَّثْ عند خديجة، وكانت تُكْرِمُهما وتُتْحِفُهما، فلما قاما
من عندها جاءت امرأة مُسْتَنْشِئة - وهي الكاهنة - كذا قال الخطابي في شرح هذا الحديث،
فقالت له: جئت خاطبًا يا محمد، فقال: كلا، فقالت: ولِمَ؟! فوالله ما في قريش امرأة، وإن
كانت خديجة إلا تراك كُفْئًا لها، فرجع رسول الله - وَل﴿ ــ خاطبًا لخديجة مُسْتَخييًا منها،
وكان خويلدٌ أبوها سكرانَ من الخمر، فلما كُلِّم في ذلك أنكحها، فألقت عليه خديجة حُلَّة
وَضَمَّخَتْه بِخَلُوقٍ (١) فلما صحا من سُكْرِه قال: ما هذه الحُلَّةُ والطِّيب؟ فقيل: إنك أنكحت
محمدًا خديجة، وقد ابتنى بها، فأنكر ذلك، ثم رَضِيَهُ وأمضاه، ففي هذا الحديث أن أباها
كانَ حَيًّا، وأنه الذي أنكَحَها. كما قال ابن إسحاق. وقال راجزٌ من أهل مكة في ذلك:
لاَ تَزْهَدِي خَديجَ في محمدِ نَجْمٌ يضيء كإضاء الفَرْقَد(٢)
وقيل: إن عمرو بن خُوَيد أخاها هو الذي أنكحها منه، ذكره ابن إسحق في آخر
الكتاب(٣).
(١) الخلوق: الطيب.
(٢) الفرقد: النجم.
(٣) ومن القصص الذي يُدرّس في ((مصر المحروسة))، قصة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد. ويدرسه
أبناء الصف الثامن من التعليم الأساسي وقد حوى الكتاب بين دفتيه سوس ينخر في عقيدة أبناء
الإسلام، فالقصة تتحدّث بطرق ملتوية كيف كانت ((أم المؤمنين)) خديجة رضي الله عنها. تستقبل
الرجال في بيتها وكيف كانت تجالسهم وتختلط بهم. دون بيان الحكم الشرعي من هذا، وكيف أن
((خديجة)) رضي الله عنها كلما تقدمت بها السنّ زادت في أعين الرجال حلاوة، ثم تجد الكتاب
يدعو في ثناياه وبين سطوره إلى ترك الزواج والعمل بالتجارة فتقول خديجة لورقة: ((علمت يا ورقة =
٣٢٥

أولاده وَلخد منها
قال ابن إسحاق: فولدت لرسول الله وَّ﴿ وَلَدَه كلَّهم إلا إبراهيم: القاسمَ، وبه
كان يُكْنَى وَّهِ، والطاهر، وَالطَّيِّب، وزينبَ، ورُقية، وأَم كُلثوم، وفاطمةَ، عليهم
السلام.
قال ابن هشام: أكبرُ بَنيه: القاسم، ثم الطَّيِّب، ثم الطَّاهر، وأكبر بناته: رُقية، ثم
زینب، ثم أُم كُلثوم، ثم فاطمة.
قال ابن إسحق: فأما القاسمُ، والطَّيِّب، والطاهرُ فهلكوا في الجاهلية.
وأما بناتُه فكلَّهنّ أدركْنَ الإسلام، فأسلمن وهاجرنَ معه دَله.
أولاده من خديجة
فصل: وذكر ولده منها - وَّلَه ــ فذكر البنات، وذكر القاسمَ والطاهر والطيبَ، وذكر
أن البنين هلكوا في الجاهلية، وقال الزبير - وهو أعلم بهذا الشأن - ولدت له القاسم
وعبدَ الله، وهو الطاهر، وهو الطَّيْبُ سُمِّي بالطاهر، والطيبِ لأنه ولد بعد النبوة، واسمه
الذي سُمِّي به أوَّلُ هو: عبد الله، وبلغ القاسمُ المشيَ، غير أن رضاعَتَه لم تكن كملت،
أنني تركت الرجال والتفت إلى ما هو ((أهم))، وهبت نفسي لتجارتي))، ثم يصف لقاء رسول
=
الله ﴿ بخديجة فيقول الكتاب أن محمدًا و لو ذهب للقاء خديجة في بيتها ((فجلس ولم يطل به
المقام حتى دخلت عليه خديجة - وتأمل ما يقوله الكتاب - فيصفها: مستديرة الوجه، واسعة
العينين، طويلة الشعر، نافذة النظرات، بيضاء البشرة، تكسو شفتيها ابتسامة عريضة، ترتدي ثوبًا من
الحرير الخالص المطرز بالنقوش الجميلة، وفي قدميها خفاف من الجلد الغالي، يحيط عنقها عقد
من الجوهر ويتدلّى من أذنيها قرط من الدرّ، لا أدري من أين جاء هذا الكاتب بكل هذه الأوصاف
من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها رضي الله عنها وأزضَها، من أين جاء بكل هذا - إنه الخيال
الفاسد النتن الذي يصف أُمّنا أُمّ المؤمنين بكل هذا، تُرى هل قال هذا النبي ◌َ﴿ وقصّ قصة هذا
اللقاء وكيف كانت خديجة - حاشا وكلا - وبالطبع لم يبيّن الكاتب هل لقاء الرسول وَالفقه بخديجة
- على زعمه - وانفراده بها جائز شرعًا أم لا؟ !!! ثم يصف الكاتب حفل العرس فيقول: ((وقد
انبعث من جوانب الدار غناء رقيق، أجادته جواري خديجة - الكاسيات العاريات طبعًا -
ومحباتها ... ثم دارت أكواب الشراب .... )) كل هذا على مرأى ومسمع من النبي نَّل دون إنكار
منه !!! ثم دون بيان الكاتب لحكم الشرع من الغناء وأكواب الشراب التي دارت. إلى غير هذا
الكثير والكثير من هذه الأفكار المسمومة المحمومة التي ينفثها كل يوم أهل ((التربية والتعليم)) في
مصر المحروسة. فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. (انظر سلسلة الغزو الفكري في المناهج الدراسية
للدكتور جمال عبد الهادي وغيره).
٣٢٦

وقع في مُسْنَد الْفِرْيابي أن خديجةَ دخل عليها رسولُ الله - وَ لَّ - بعد موت القاسم،
وهي تبكي: فقالت: يا رسول الله دَرَّت لُبَيْنَة القاسم فلو كان عاش حتى يستكملَ
رضاعة لهوَّن عليَّ، فقال: إن له مُرْضِعًا في الجنة تستكمل رضاعته، فقالت: لو أعلم
ذلك لهوّن عليّ، فقال: إن شئت أسمعتُك صوته في الجنة. فقالت: بل أصدق الله
ورسوله. قولها، لُبَيْنة هي تصغير لَبَنَة، وهي قِطعة من اللبن، كالْعُسَيْلَة، تصغير عَسَلَةٍ
ذكر سيبويه اللََّنَةَ والْعَسَلَةَ والشُّهْدة على هذا المعنى. قال المؤلف: وهذا من فقهها
- رضي الله عنها - كرهت أن تُؤمن بهذا الأمر مُعَاينَة، فلا يكون لها أجْرُ التصديق
والإيمان بالغيب، وإنما أثنى الله تعالى على الذين يؤمنون بالغيب. وهذا الحديثُ يدل
أيضًا على أن القاسمَ لم يهلك في الجاهلية. واختلفوا في الصُّغرى والكبرى من البنات،
غير أن أُمّ كلثوم لم تكن الكبرى من البنات، ولا فاطمة، والأصحُّ في فاطمةَ أنها أصغرُ
من أم كلثومَ.
خديجة وبحیری ونسبها :
وخديجة بنت خُوَيلد تسمى: الطاهرة في الجاهلية والإسلام، وفي سِيَرِ التَّيْمِي. أنها
كانت تسمى: سيدة نساء قريش، وأن النبي - وَلر - حين أخبرها عن جبريل، ولم تكن
سمعت باسمه قطّ، ركبت إلى بَحيرى الراهب، واسمُه سَرْجِس فيما ذكر المسعودي، فسألته
عن جبريل، فقال: قُدُّوسٌ قُدُوسٌ يا سيدةَ نساء قُرَيْش أنَّى لك بهذا الاسم؟! فقالت: بغليّ
وابنُ عمّي محمد أخبرني أنه يأتيه، فقال: قُدُّوس قُدُّوسٌ ما عَلم به إلا نَبِيٍّ مُقَرَّب، فإنه
السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يجترى أن يَتَمثَّل به، ولا أن يَتَسمَّى باسمه،
وكان بمكة غلامُ لِعُثْبَةَ بن ربيعة سيأتي ذكره، اسمه: عَدَّاس عنده علم من الكتاب، فأرسلت
إليه تسأله عن جبريل، فقال: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ !! أنَّى لهذه البلاد أن يُذْكَرَ فيها جبريلُ يا سيدةَ
نساء قريش، فأخبرته بما يقول النبي - وَلّـ ـــ فقال عَدّاس مثل مَقالة الراهب، فكان مما زادها
اللَّهُ تعالى به إيمانًا ويقينًا.
وذكر ابن إسْحُق نسبَ أُمها فاطمة بنت زائدة بن الأصَمِّ، ولم يذكر اسم الأصم،
وذكره الزبير وغيره، فقال: جُنْدُب بن هِذْم بن حَجَر، بفتح الحاء والجيم من حَجر، كذا
قيده الدَارَقُطْنِي، وأخوه: حُجيرُ بن عبد بن مَعِيص بن عامر، وأما حَجْر بسكون الجيم ففي
حيّ ذِي رُعَيْنٍ وإليه ينسب الْحَجْرِيُّون، وأما حجر بكسر الحاء، ففي بني الدَّيَّان: عبدُ
الْحِجْر بن عبد الْمَدَانِ، وهم من بني الحارث بن كعب بن مَذْحج، وذكر يونس عن ابن
إسحلق نسب أم خديجة، كما ذكّر في رواية ابن هشام، وزاد فقال: كانت أُم فاطمة بنت
٣٢٧

قال ابن هشام: وأما إبراهيم فأُمه: مارِيَةُ القبطية. حدّثنا عبد الله بن وَهْب عن ابن
لَهِيعة، قال: أُمَ إبراهيم: مارِيَةُ سُرِّيَّةُ النبيِّ وَّرِ التي أهداها إليه الْمُقَوْقِسُ من جَفْن من
كُورَة أنْصِنَا.
زائدة: هالةَ بنت عبد مناف بن الحارث بن عَبْد بن مُنْقِذٍ بن عَمْرو بن مَعِيص بن عامر بن
لُؤَيٍّ، وأُمها قِلاَبة، وهي الْعَرِقَة بنت سُعَيْد بن سَعْد بن سهم بن عمرو بن هُصَيْص بن
كعب بن لُؤَيّ وأُمُّها: أُمَيْمَةُ بنتُ عامرِ بن الحارث بن فِهْرٍ .
مَن تزوّجت خديجة قبل الرسول؟ :
وكانت خديجة قبل رسول الله - وَّل﴿ه - عند أبي هالةً، وهو هند بن زُرَارَة، وقد قيل في
اسمه: زُرَارَة، وهند: ابنه، ابن النَّاشِ من بني عَدِيٍّ بن جِزْوَةَ بن أَسَيِّد بن عمرو بن تميم،
فهو أُسَيْدِي بالتخفيف، منسوب إلى أُسَيِّد بالتشديد، كذا قال سيبَوَيه في النسبِ إلى أُسَيِّد.
وعديّ بن جِزْوة، يقال إن الزُّبَيْرَ صَحَّفه، وإنما هوى عِذْيُ بن جِزْوَةَ، وكانت قبل أبي هَالَةَ
عند عتيق بن عائذٍ بن عبد الله بن عَمْرو بن مَخْزوم، ولدت له عبد مناف بن عَتيق، كذا قال
ابن أبي خَيْئَمَةَ، وقال الزُّبَيْرُ: ولدت لعَتيقِ جاريةً اسمُها: هندُ وولدت لهند أبي هالة ابنًا
اسمُه: هِنْدُ أيضًا، مات بالطاعون طاعونِ الْبَصْرَة، وكان قد مات في ذلك اليوم نحو من
سبعين ألفًا، فشُغِل الناسُ بجنائزهم عن جِنازته، فلم يوجد مَن يحملها، فصاحت نادبتُه:
واهِنْد بن هِنْداه !! وارَبِيبَ رسول الله - وَ﴿ - فلم تبق جِنازةٌ إلاَّ تُركت، واخْتُمِلَتْ جِنازتُه
على أطرافِ الأصابع إعظامًا لربيب رسول الله - وَلَ﴿ - ذكره الدَّوْلاَبِي، ولخديجةَ من أبي هالةً
ابنان غير هذا، اسم أحدهما: الطاهرُ، واسم الآخر: هَالةُ. واختلف في سِنْه - نَّهِ - حين
تَزَوَّج خديجةَ فقيل ما قاله ابن إسحق، وقيل: كان ابن ثلاثين سنةً، وقيل ابن إحدى
وعشرين سنة .
مارية وإبراهيم :
فصل: وذكر أن خديجةَ - رضي الله عنها - ولدت للنبي وَّرِ ولدَه كلَّهم إلا إبراهيمَ،
فإنه من مارِيَةَ التي أهداها إليه الْمُقَوْقِس، وقد تقدّم اسمُ الْمُقَوْقِس، وأنه جُرَيْجُ بن مِينا،
وذكرنا معنى الْمُقَوْقِس في أول الكتاب، وذكرنا أنه أهدى مارِيَةَ مع حَاطِبٍ بن أبي بَلْتَعَةَ،
ومع جَبْر مَوْلى أبي رُهُمِ الْغِفَارِيِّ، واسم أبي رُهم: كُلْتُوم بن الْحُصَيْن. وذلك حين أرسلها
إليه رسولُ الله - بِّهِ - يدعوه إلى الإسلام، وأهدىَ معها أُختَها سِيرينَ، وهي التي وهبها رسولُ
الله - رَّ - لِحَسَّان بن ثابتٍ - رضي الله عنه - فأوْلَدها عبدَ الرحمن بن حسان، وأهدى معها
الْمُقَوْقِسُ أيضًا غلامًا خَصِيًّا اسمُه: مأبورُ، وبغلةً تسمى: دُلْدُلَ، وقدحًا من قَوارِيرَ كان
٣٢٨

رسولُ الله - وَلِ﴾ - يشرب فيه، وتُوفيت مارِيَةُ - رضي الله عنها - سنة ستَّ عَشْرَةَ في خلافةٍ
عُمَرَ - رضي الله عنه - وكان عُمر هو الذي يَحْشُر الناسَ إلى جِنازتها بنفسِه، وهي مارِيَةُ بنت
شَمْعُونَ الْقِبْطِيَّة من كُورَةِ حَفْن. وأما إبراهيمُ ابن رسولِ الله - وَ حَ - فمات، وهو ابن ثمانيةً
عَشَرَ شَهْرًا في سنة عَشْرٍ من الهجرة في اليوم الذي كُسِفَتْ فيه الشمسُ،، وكانت قابلتهُ،
سَلْمَى امرأة أبي رافع، وأرضعته أُمّ بُرْدَةَ بنت الْمُنْذِر النَّجَّارية امرأة الْبَرَء بن أوْس، وسَلْمَى:
هِي مَوْلاةُ رسول اللهَ - وََّ - وقابلةُ بني فاطمةً كلْهم، وهي غَسَّلتها مع أسماء بنت عُمْيْس
الْخَثْعَمِيَّة، وغسلها معهما عليّ بن أبي طالب - كرَّم الله وجهَه - وفي الْمُسْنَد من طريقِ أنَسٍ
أنَّ رسول الله - وَ﴾ - حين ولدت له مارِيَةُ ابنَه إبراهيم وقع في نفسِه منه شيءٌ، حتى نَزَل
جبريلُ عليه السلامُ، فقال له: السلام عليك يا أبا إبراهيم(١).
ترجمة ورقة :
وذكر ورقةً بن نَوْفل بن أسد بن عَبْد الْعُزَّى، وأُم ورقة: هندُ بنتُ أبي كبير بن
عَبْدِ بن قُصَيٍّ، ولا عَقِبَ له، وهو أحد مَن آمن بالنبي - وَ لَّه ــ قبل الْبَعْثِ(٢)، وروى
التِّزْمِذِيُّ أن رسولَ الله - وَّهِ قال: ((رأيته في المنام، وعليه ثيابٌ بيضٌ، ولو كان من أهلٍ
النار، لم تكن عليه ثيابٌ بيض)»(٣)، وهو حديث في إسناده ضَعْفٌ. لأنه يدور على
عُثْمان بن عبد الرَّحمن، ولكن يُقوّيه ما يأتي بعد هذا من قوله عليه السلام: ((رأيت الْقَسَّ))
يعني، وَرَقَةً وعليه ثيابُ حرير، لأنه أولُ مَن آمن بي، وصدقني، وسيأتي بقيةٌ من خبره(٤)
فيما بعد - إن شاء الله - وقد ألْفَيْت للحديث الذي خَرَّجه الترمذيُّ فِي وَرَقَةً إسنادًا جيدًا
غير الذي ذكره التّرْمِذِيّ، وهو ما رواه الزُّبَيْرُ بن أبي بكر عن عبد الله بن مُعَاذ الصَّنْعَانِيِّ
عن مَعْمَرٍ عن الزُّهْرِيِّ عن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ - رضي الله عنه - قال: سُئِلَ رسولُ الله - بَّهِ -
عن ورقة بن نوفل، كما بلغنا فقال: ((رَأيتُه في المنام، عليه ثيابٌ بيضٌ، فقد أظن أنْ لو
كان من أهلِ النار لم أرَ عليه البياضَ)»(٥)، وكان يذكر اللَّة في سفره في الجاهلية،
ويسبّحه، وهو الذي يقول:
لقد نصحتُ لأقوام، وقلتُ لهم:
أنا النذيرُ، فلا يَغْرُزكم أحَدُ
(١) أخرجه البزار (١٨٩/٢) وانظر الزاد (١٠٣/١) والمنتظم (٣١٦/٢).
(٢) الصواب أن يقال: صدّق. وليس آمن.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٩٧١٩). وإسناده ضعيف.
(٤) أخرجه البيهقي في الدلائل (١١٥/١) وفيه انقطاع.
(٥) أخرجه أحمد (١٣٢/٣) وإسناده ضعيف أيضًا وأخرجه ابن الجوزي في المنتظم (٣٧٣/٢).
٣٢٩

فإن دَعَوْكُمْ فقولوا: بيننا جَدَدُ(١)
لا تَعْبُدُنَّ إلهًا غيرَ خالقِكم
سُبْحَانَ ذي العرشِ سُبْحانًا يدوم له
مُسَخّر كلُّ ما تحت السماءِ له
لا شَيْء مما ترى تبقى بشاشتُهُ
لم تُغْن عن هُزْمُز يومًا خزائنُهُ
وقبلنا سَبِّحَ الْجُودِيُّ والْجُمُدُ
لا ينبغي أن يُنَاوي مُلْكَه أحدُ
يَبْقَى الإلهُ ويُودِي المَالُ واْوَلَدُ
والخُلد قد حاولت عادٌ فما خَلَدُوا
والإنْسُ والْجِنُّ فيما بينها مرد
ولا سُلَيْمان إذْ تجري الرياحُ به
من كل أوْب إليها وافدٌ يَفِدُ
أين الملوكُ التي كانت لعزّها
لا بُدّ من وِزْدِه يومًا كما وَرَدُوا
حَوْضٌ هنالك مَوْرودٌ بلا كذبٍ
نسبه أبو الفرج إلى وَرَقَةَ، وفيه أبياتٌ تُنسب إلى أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلْتِ، ومن قوله فيما
خبرته به خديجة - رضي الله عنها - عن رسول الله - اَلر -:
وما لِشَيْءٍ قضاه اللَّهُ من غِيَر
يا للرجالِ لِصَرْفِ الذَّهْرِ والْقَدَرِ
أمرًا أراه سيأتي الناسَ من أُخْر
فيما مضى مِنْ قديم الدهر والعُصُر
جبريلُ: إنك مبعوثْ إلى الْبَشَرِ
لك الإلهُ فَرَجِّي الخيرّ وانتظري
عن أمْرِهِ ما يَرَى في النوم والسَّهَر
يَقِفُ منه أعالي الجِلْد والشّعَر
في صورة أكملت في أهْيَبِ الصُّوَرِ
مما يُسَلْم مِنْ حَوْلي مِن الشّجَرِ
أنْ سوف تُبْعث تَتْلو مُنْزَلَ السُّورِ
من الجهاد بِلاَ مَنَّ ولا كَدَرٍ
حتى خديجةُ تدعوني لأُخبِرَها
فخبَّرَتْنِي بأمرٍ قد سمعت به
بأن أحمدَ يأتيه فيخبرُه
فقلت: عَلَّ الذي تَرْجِین ینجزُه
وأرسلته إلينا كي نسائله
فقال حين أتانا منطِقا عَجَبًا
إني رأيتُ أمينَ اللَّهِ واجهني
ثم استمر فكان الخوف يَذْعَرُني
فقلت: ظني وما أدري أيَصْدُقني
وسوف أُبْليك إن أعْلَنْتَ دعوتهم
(١) في الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني (١١٥/٣) وفي البداية (٢٧٦/٢): ((حدد)). بالحاء. وفيهما بعض
الاختلاف .
٣٣٠

. قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خُوَيلد قد ذكرت لوَرَقَةَ بن نَوْفل بن أسد بن
عبد العُزّى - وكان ابنَ عمها، وكان نصرانيًّا قد تتبَّع الكتب، وعَلِم من عِلْم الناس - ما
ذكر لها غلامُها مَيْسَرَةُ من قولِ الراهب، وما كان يرى منه إذا كان المَلَكَان يُظلانه، فقال
وَرَقَةُ: لئن كان هذا حقًّا يا خديجةُ، إن محمدًا لنبيّ هذه الأمة، وقد عرفتُ أنه كائنٌ لهذه
الأمَّة نبيّ يُنتَظر، هذا زمانُه، أو كما قال:
فجعل وَرَقَةُ يستبطىءُ الأمرَ ويقول: حتى متى؟ فقال ورقةُ في ذلك:
لِهَمَّ طالما بعث النَّشيجا(٢)
لَحِجْتُ(١) وكنتُ في الذكرى لَجُوجًا
فقد طَال انتِظارِي يا خَديجا
وَوَصْفٍ من خديجةَ بَعْدَ وَضْفٍ
حَدِيثَكَ أن أرَى مِنْهُ خُروجًا
بِبَطْنِ الْمَكَّتَين على رجائي
مِنَ الرُّهْبانِ أُكْرَهُ أنْ يَعُوجا
بمَا خَبَّرْتِنَا مِنْ قَوْلِ قَسٌ
وَيَخْصِم مَنْ يكُونُ لهُ حَجيجا
بأنّ محمدًا سيَسُود فِينا
مثنی يقصد به المفرد:
فصل: وفي شعر وَرَقَة :
ببَطْنِ الْمِكْتَيْن على رَجّائي حديثك أن أَرَى منه خُرُوجا
ثَنَّى مكة، وهي واحدةٌ؛ لأن لها بِطَاحًا وظواهرَ، وقد ذكرنا مَنْ أهلُ البِطاح، ومَنْ أهلُ
الظواهر فيما قبل، على أن للعرب مَذْهَبًا في أشعارِها في تثنية الْبُقْعة الواحِدة، وجمعِها نحو
قوله: وَمَيْتٌ بِغَزَّاتِ. يريد: بغزَّةَ وبغادينَ في بَغْدَاد، وأما التثنية فكثير نحو قوله:
بالرَّقْمَتَيْنِ (٣) له أجْرٍ (٤) وأغراسُ(٥) والْحِمَّتَيْنِ سَقَاكِ الله مِنْ دَار
وقول زهير: ودار لها بالرَّقْمَتَيْنِ. وقول ورقة من هذا: ببطن الْمُكَّتَيْن. لا مَعْنَى لإدخال
الظواهرِ تحت هذا اللفظ، وقد أضاف إليها الْبَطْنَ، كما أضافه الْمُبْرِقُ حين قال:
ببطن مكةَ مَقْهُورٌ وَمَفْتُونُ
وإنما يقصد العربُ في هذا الإشارةَ إلى جانبي كل بلدة، أو الإشارة إلى أعلى البلدة
وأسفلها، فيجعلونها اثنين على هذا المغزى، وقد قالوا: صِدنا بقَنَوَيْنٍ وهو قنا اسم جبل،
(١) لججت: الولوج: الدخول في الشيء.
(٣) الرقمة: الروضة.
(٥) جمع عروس. وتطلق على الرجل والمرأة.
(٢) النشيج: الصوت والنشيج: أشد البكاء.
(٤) جمع جرو.
٣٣١

ويظهر في البلادٍ ضِياءُ نُور
يُقِيم به الْبَرِيَّةَ أن تَموجًا
وقال عَنْتَرة :
شَرَبَتْ بِمَاءِ الدُّخْرُضَيْنِ(١)
وهو من هذا الباب في أصَحّ القولين، قال عنترة أيضًا:
بِعُنَيْزَتَيْنِ (٢) وأهلُنا بالْعَيْلَم(٣)
وُنيزة اسم موضع، وقال الفرزدق:
عشِيَّةَ سال الْمِرْبَدان(٤) كلاهما
وإنما هو مِزْبد البصرة. وقولهم:
تسألني برَامَتَينَ(٥) سَلْجَمَا(٦)
وإنما هو رامَة وهذا كثير. وأحسن ما تكون هذه التثنية إذا كانت في ذكر جنة وبستان،
فتسميها جنتين في فصيح الكلام، إشعارًا بأن لها وجهين، وأنك إذا دخلتها، ونظرت إليها
يمينًا وشمالاً رأيت من كلتا الناحيتين ما يملأ عينيك قُرَّةً، وصذْرَكَ مَسَرَّة، وفي التنزيل:
﴿[لقد كان لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيةٌ جَنّتان عَن يمين وشمال﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وبدَّلْنَاهُم
بجنْتَيْهم جنتين﴾ [سبأ: ١٥]. وفيه: ﴿جعلنا لأحدهما جنتين﴾ [الكهف: ٣٢] الآية. وفي
آخرها: ﴿ودخل جَنَّتَه﴾ فأفرد بعدما ثنّى، وهي هي (٧)، وقد حمل بعض العلماء على هذا
المعنى قوله سبحانه: ﴿وَلَمَنْ خاف مقام ربّه جَنَّتان﴾ [الرحمن: ٤٦]، والقول في هذه الآية
يتسع، والله المستعان.
النور والضياء :
فصل: وقال في هذا الشعر: ويظهر في البلادٍ ضياءُ نور. هذا البيت يوضح لك معنى
النور ومعنى الضياء، وأن الضياء هو المنتشر عن النور، وأن النور هو الأصل للضوء، ومنه
مبدؤه، وعنه يصدر، وفي التنزيل: ﴿فلما أضاءت ما حولَه ذهب اللَّهُ بنورهم﴾
[البقرة: ١٧]. وفيه: ﴿جعل الشمسَ ضياء والقمرَ نورًا﴾ [يونس: ٥] لأن نور القمر، لا
(١) الدخرضين: اسم موضع.
(٢) عنيزتين: اسم موضع بين البصرة ومكة.
(٣) العيلم: بالغين. موضع في شعر عنترة.
(٤) المربد: اسم المكان الذي تُحبّس فيه الإبل.
(٥) برامتين: رامة منزل من طريق البصرة إلى مكة.
(٦) السلجم: قيل نوع من البقول. وقيل غير ذلك.
(٧) وقيل: إنما قال هذا المؤمن تقليلاً لشأنهما بما عند الله تعالى.
٣٣٢

فيَلْقى مَنْ يُحارِبُه خَسَارًا
فيا لَيْتِي إِذَا ما كانَ ذاكُمْ
وُلُوجًا في الذي كَرِهَتْ قُرَيْشٌ
أُرَجّي بالذي كرِهوا جميعًا
وهَلْ أمْرُ السَّفالَةِ غيرُ كُفْر
فإِنْ يَبْقَوْا وَأَبْقَ تَكُنْ أُمورٌ
وإنْ أهْلِكْ فَكلُّ فتى سَيَلقَى
ويَلْقى مَنْ يُسَالِمُهُ فُلوجا
شَهِدْتُ فكنت أوَّلَهُم وُلُوجَا
ولَوْ عَجَّتْ بمكَّتِها عَجِيجا
إلى ذي العرش إن سَفَلوا عُرُوجا
بمَنْ يختار مَنْ سمكَ البُرُوجا
يَضِجُّ الكافِرُونَ لها ضَجِیجا
مِنَ الأَقْدَارِ مَثْلَفةً خَرُوجا(١)
ينتشر عنه من الضياء ما ينتشر من الشمس، [و] لا سيما في طرفي الشهر، وفي الصحيح:
((الصلاة نور، والصبر ضياء)»(٢)، وذلك أن الصلاة هي عمود الإسلام، وهي ذكر وقرآن،
وهي تنهى عن الفحشاء والمنكر، فالصبر عن المنكرات، والصبر على الطاعات هو: الضياء
الصادر عن هذا النور الذي هو القرآن، والذكر، وفي أسماء الباري سبحانه ﴿الله نور
السماوات والأرض﴾ [النور: ٣٥] ولا يجوز أن يكون الضياء من أسمائه - سبحانه - وقد
أمليت في غير هذا الكتاب من معنى نور السموات والأرض ما فيه شفاء، والحمد لله.
نون الوقاية في إن وأخواتها:
فصل: وفي شعر ورقة: فيا لَيْتني إذا ما كان ذاكم. بحذف نون الوقاية، وحذفها مع
ليت رديء، وهو في لعل أحسن منه، لقرب مخرَج اللام من النون، حتى لقد قالوا: لعلَّ
وَلَعَنَّ ولأن بمعنى واحد، ولا سيما وقد حكى يعقوبُ أن من العرب مَن يخفض بلعل،
وهذا يؤكد حذف النون من لعلني، وأحسن ما يكون حذف هذه النون في إنَّ وأنَّ ولكنَّ
وكأن لاجتماع النونات، وحسَّنه في لعل أيضًا كثرة حروف الكلمة، وفي التنزيل: ﴿لَعَلِّي
أرجع إلى الناس﴾ [يوسف: ٤٦]. بغير نون، ومجيء هذه الياء في ليتي بغير نون مع أن
ليت ناصبة، يدلّك على أن الاسم المضمر في ضربني هو الياء، دون النون كما هو في:
ضربك، وضربه حرف واحد، وهو الكاف، ولو كان الاسم هو النون مع الياء - كما قالوا في
المخفوض: منّي وعنّي بنونين نونٍ: من، ونون أخرى مع الياء، فإذا الياء وحدها هي الاسم
في حال الخفض، وفي حال النصب.
(١) انظر البداية (٢٧٥/٢).
(٢) (صحيح)). أخرجه مسلم في الطهارة (١٠٠) والترمذي (٣٥١٧) وابن ماجه (٢٨٠) وغيرهم في
غیرهم.
٣٣٣

حول تقدم صلة المصدر عليه :
فصل: وفيه: حديثك أن أرى منه خروجًا. قوله منه الهاء راجعة على الحديث،
وحرف الجر متعلق بالخروج، وإن كره النحويون ذلك؛ لأن ما كان من صلة المصدر
عندهم، فلا يتقدم عليه؛ لأن المصدر مقدَّر بأن والفعل، فما يعمل فيه هو من صلة أنْ، فلا
يتقدم، فمَن أطلق القول في هذا الأصل، ولم يخصّص مصدرًا من مصدر، فقد أخطأ
الْمَفْصِل، وتاه في تُضُلْلِ؛ ففي التنزيل: ﴿أكان للناس عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رجُلٍ منهم﴾
[يونس: ٢]. ومعناه: أكان عجبًا للناس أن أوحينا، ولا بدّ للام هاهنا أن تتعلق بعجب؛
لأنها ليست في موضع صِفة، ولا موضع حال لعدم العامل فيها، وفيه أيضًا: ﴿لا يَبْغُون
عنها حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨] ﴿ولم يَجِدوا عنها مَصْرِفا﴾ [الكهف: ٥٣]. وفيه أيضًا:
﴿لولَّيت منهم فرارًا﴾ [الكهف: ١٨]. وتقول: لي فيك رغبة، وما لي عنك مُعَوَّلٌ، فيحسُن
كلُّ هذا بلاَ خلاف، وقد أجاز ابن السراج أبو بكر، و[محمد بن يزيد] الْمُبَرِّد أيضًا في ضَرْبًا
زيدًا، إذا أردت الأمر: أن تقدم المفعول المنصوب بالمصدر، وقال: لأن ضَرْبًا هاهنا في
معنى: اضرب، فقد خصص لك ضربًا من المصادر بجواز تقديم معمولها عليها فإن كان
المصدر غير أمر، وكان نكرة لم يتقدّم المفعول خاصة عليه، بخلاف المجرور والظرف،
فالواجب إذًا رَبْطُ هذا الباب وتفصيله.
متى يجوز تقديم معمول المصدر؟
فنقول: كل مصدر نكرة غير مضاف إلى ما بعده يجوز تقديم معموله عليه إلا المفعول
لأن المصدر النكرة لا يتقدّر بأن والفعل؛ لأنك إن قدّرته بأن والفعل بقي الفعل بلا فاعل،
وما كان مضافًا إلى ما بعده، فالمضاف إليه فاعل في المعنى أو مفعول؛ فلذلك يصير
المصدرُ مقدَّرًا بأن والفعل، فقف على هذا الأصل، فمنه حُسن قول ورقة: أن أرى منه
خُروجًا، أي: أرى خروجًا منه، وكذلك لو ذكر الدخولُ، فقال: أرى فيه دخولاً، يريد:
دخولاً فيه، لكان حسنًا، وتقول: اللَّهمَّ اجعل من أمرنا فَرجًا ومَخْرجًا، فمِن أمرِنا: متعلقٌ
بما بعده، وهو مصدر، ولا خَفَاء في حُسْن هذا التقديم لما ذكرناه.
ومن قول وَرَقَةَ بن نوفل في معنى ما تقدم من رواية يونس عن ابن إسحاق:
وفي الصدر من إضْمَارِكَ الحزنَ قادح
أَتُبْكِرُ أم أنتِ الْعَشِيَّةَ رائِحُ
كأنك عنهم بعد يومين نازح
لِفُزْقةٍ قومٍ لا أحب فِرَاقَهُمْ
يخبرها عنه إذا غاب ناصح
وأخبارٍ صِدْقٍ خَبَّرَت عن محمد
٣٣٤

فتاك الذي وجّهت يا خيرَ حُرَّةٍ
إلی سُوقٍ بُضرَی في الرکاب التي غدت
فخبَّرنا عن كلِّ خير بِعلمه
بأن ابنَ عبدِ الله أحمدَ مُرسَلٌ
وظنّي به أنْ سوف يُبْعَث صادقًا
وموسى وإبراهيمُ حتى يُرى له
ويتبعه حَيَّا لُؤُيِّ جماعة
فإن أبْقَ حتى يُدركَ الناسَ دَهرُه
وإلا فإني يا خديجة - فاعلمي
بِغَوْرٍ (١) وبالنَّجْدَيْنِ حيث الصَّحاصِحُ(٢)
وَهُنَّ من الأحمال قُغْصٌ(٣) دَوَالح(٤)
وللحق أبوابٌ لَهُنَّ مفاتح
إلى كلِّ مَنْ ضُمَّتْ عليه الأباطح
كما أُرْسِلَ العبدان هُودٌ وصالح
بهاءٌ ومنثورٌ من الذكر واضح
شيابُهم والأشْيَبُون الْجَحَاجِحُ(٥)
فإني به مُسْتَبْشِرُ الْود فارح
عن أرضِك في الأرض العريضة سائح
(١) غور: موضع ما بين ذات عرق إلى البحر، وكل ما انحدر مغربًا عن تهامة.
(٣) القعص: داء يصيب الصدر.
(٢) الصحاصح: الأرض الجرداء.
(٤) الحمل الثقيل.
(٥) الجحجاح: السيد.
٣٣٥

حديث بنيان الكعبة
وحكم رسول الله وَله بين قريش في وضع الحجر(١)
قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله - * - خمسًا وثلاثين سنة اجتمعت قريش
لبنيان الكعبة، وكان يَهُمُّون بذلك، ليُسقِّفُوها ويهابون هَذْمها، وإنما كانت رَدَمًا فوق
القامة، فأرادوا رَفْعها وتَسْقِيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنزًا للكعبة، وإنما كان يكون في
بنيان الكعبة
ففي خبرها أنها كانت رَضْمًا فوق القامة. الرَّضْمُ: أن تُنَضَّدَ الحجارة بعضها على بعض
من غير مِلاَطٍ(٢) كما قال:
رُزِئْتُهُمُ في ساعةٍ جَرَّعَتْهُمُ كُؤُوسَ المنايا تحت صَخْرٍ مُرَضَّمٍ
وقوله: فوق القامة، كلامٌ غيرُ مُبَيِّن لمقدارِ ارتفاعها إذ ذاك، وذكر غيره أنها كانت تِسْعَ
أذرع من عهد إسماعيل، ولم يكن لها سقف، فلما بنتها قريشٌ قبل الإسلام زادوا فيها تسعَ
أذرع، فكانت ثمان عشرة ذراعًا، ورفعوا بابها عن الأرض، فكان لا يُصعَد إليها إلا في دَرَجِ
أو سُلَّم، وقد ذكرنا أول مَن عمل لها غَلَقًا، وهو تُبَّع. ثم لما بناها ابنُ الزبير زاد فيها تسع
أذرع، فكانت سبعًا وعشرين ذراعًا، وعلى ذلك هي الآن، وكان بناؤها في الدهر خمس
مرات. الأولى: حين بناها شيثُ بن آدم، والثانية: حين بناها إبراهيم على القواعد
الأولى(٣)، والثالثة: حين بنتها قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام، والرابعة: حين احترقت في
عهد ابن الزبير بشرارة طارت من أبي قُبَيْس، فوقعت في أستارها، فاحترقت، وقيل إن امرأة
(١) انظر البداية (٢٧٧/٢)/ المنتظم (٣٢٠/٢)/ الطبري (٥٢٣/١).
(٢) الملاط: الطين.
(٣) وقيل أن أول مَن بناها هو إبراهيم - وهو الأرجح.
٣٣٦

بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وُجد عنده الكنز دُوَيْكًا مولى لبني مُليح بن عمرو من
خزاعة. قال ابن هشام: فقطعت قريشٌ يده. وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند
دُوَيْك وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدّةً لرجل من تجَّار الروم، فتحطّمت، فأخذوا
خَشَبها فأعدّوه لتسْقيفها، وكان بمكة رجل قبطيّ نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعضُ ما
يُصْلحها وكانت حَيَّةٌ تخرج من بئر الكعبة التي كان يُطْرَح فيها ما يُهدَى لها كل يوم،
فتَتَشَرَّقُ على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا
اخْزَالَّتْ وَكَشَّتْ، وفتحت فاها، وكانوا يهابونها، فبينا هي ذات يوم تَتَّشرَّق على جدار
الكعبة، كما كانت تصنع بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنّا
لنرجو أن يكون الله قد رَضِيَ ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا اللَّهُ
الحيّةَ .
فلما أجمعوا أمرَهم في هَذْمها وبنائها، قام أبو وَهْب بن عمرو بن عائذٍ بن عبد بن
عِمران بن مخزوم. قال ابن هشام: عائذ بنُ عمران بن مخزوم. فتناول من الكعبة
حجرًا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا مَعْشَرَ قريش، لا تُدْخلوا في
بنائها من كَسْبكم إلا طَيِّبًا، لا يدخل فيها مَهْرُ بَغِيٍّ ولا بيعُ رِبًا، ولا مَظْلَمَةُ أحد من
الناس، والناس يَنْحَلون هذا الكلام الوليد بن المُغِيرَة عبد الله بن عُمر بن مخزوم.
قال ابن إسحاق: وقد حدّثني عبد الله بن أبي نَجيخ المكّيّ أنه حُدّث(١) عن
عبد الله بن صَفْوان بن أُميَّة بن خَلَفِ بن وهب بن حُذَافَةَ بن جُمَح بن عمرو بن
هُصَيص بن كَعْب بن لُؤَيّ. أنه رأى ابنًا لجعدة بن هُبِيرة بن أبي وَهْب بن عَمْرو يطوف
بالبيت، فسأل عنه، فقيل: هذا ابنّ لَجَعْدَةَ بن هُبَيْرَة، فقال عبد الله بن صفوان عند
ذلك: جدُّ هذا، يعني: أبا وهب الذي أخذ حجرًا من الكعبة حينٍ أجمعت قريش
لهدمها، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: يا معشر قريش: لا
تُدْخِلُوا في بنائها من كسبكم إلا طيبًا. لا تدخلوا فيها مهر بَغِيٍّ، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة
أحد من الناس.
قال ابن إسحاق: وأبو وهب: خالُ أبي رسول الله - بَله ـ وكان شريفًا، وله يقول
شاعر من العرب:
غَدَتْ مِن نَدَاهُ رَحْلُها غيرُ خائبٍ
ولو يأبى وَهب أنختُ مَطِيَّتي
(١) انقطاع.
٣٣٧
الروض الأنف/ ج ١/ م ٢٢

إذا حُصِّلت أنسابُها في الذّوَائبِ
بأبيضَ من فَرْعَيْ لُؤَيّ بن غالب
توسَّط جَدّاه فُرُوعَ الأطابِبِ
أبِيٍّ لأخذِ الضَّيم يرتاح للنّدى
من الخُبز يعْلوهنَّ مثلُ السَّبائبِ
عظيم رَمَاد القِدْر يملا حِفانه
ثم إن قُريشًا تَجَزَّأْت الكعبة، فكان شِقُّ الباب لبني عبد مناف وزُهْرَةً وكان ما بين
الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم، وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر
الكعبة لبني جُمَحِ وسهم، ابني عمرو بن هُصَيْصَ بن كعب بن لَؤَي. وكان شِقُّ الحِجْرِ
لبني عبد الدار بنْ قُصَيّ، ولبني أسَد بن العُزَّى بن قُصَيّ، ولبني عَدِيٍّ بن كعب بن لَؤَيّ
وهو الخَطِیمُ.
ثم إن الناس هابوا هَذْمها وفَرِقُوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في
هَدمها، فأخذ الْمِعْوَلَ، ثم قام عليها، وهو يقول: اللَّهمَّ لم تُرَعُ (١) - قال ابن هشام:
ويقال: لم نَزِغْ - اللَّهِمَّ إنّا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنَيْن، فتربَّص الناسُ
تلك اللَّلةَ، وقالوا: ننظرُ، فإن أُصيب لم نهدم منها شيئًا وردَذناها كما كانت، وإنْ لم
يُصِبه شيء، فقد رضي الله صُنْعَنا، فهدَمْنا. فأصبح الوليدُ من ليلته غاديًا على عمله،
فَهَدَمَ وهَدَمَ الناسُ معه، حتى إذا انتهى الهدمُ بهم إلى الأساس أساسٍ إبراهيم عليه السلام
أفْضَوْا إلى حجارة خُضْر كالأسْنِمة آخذٍ بعضُها بعضًا.
قال ابن إسحاق: فحدّثني بعض مَنْ يَزْوي الحديث(٢): أنّ رجلاً من قُرَيش، ممن
كان يهدمها، أدخل عَثَلَّةً بين حَجَرين منها ليقْلَعَ بها أحدهما، فلما تحرّك الحجر تَنَقَّضَت
مكةُ بأسرها، فانتَهوا عن ذلك الأساس.
أرادت أنْ تُجْمِرها، فطارت شرارة من الْمِجْمَرِ (٣) في أستارها، فاحترقت، فشاور ابنُ الزبير
في هدمها مَنْ حضره، فهابوا هدمها، وقالوا: نرى أن تصلح ما وهَى، ولا تهدم. فقال لو
أن بيتَ أحدكم احترق لم يرض له إلا بأكمل صلاح. ولا يكمل إصلاحُها إلا بهدمها.
فهدمها حتى أفضى إلى قواعد إبراهيمَ، فأمرهم أن يزيدوا في الحفر. فحرّكوا حَجَرًا فرأوا
تحته نارًا وهَوْلاً(٤). أفزعهم فأمرهم أن يُقِرُّوا القواعد، وأن يبنوا من حيث انتهى الحفرُ.
(١) ترع: كلمة تقال لتسكين النفس من الفزع وغيره. أي لم تفزع مكة ولم نُرِد بها شرًّا. والله أعلى
وأعلم.
(٢) مجهول. وأخرجه الطبري في تاريخ (٥٢٦/١) من طريق ابن إسحق - به.
(٣) المجمر: ما يوضع فيه الجمر. وهو العود أيضًا.
(٤) حديث النار التي وجدت تحت الحجر فيها نظر.
٣٣٨

وفي الخبر أنه سترها حين وصل إلى القواعد، فطاف الناس بتلك الأستار، فلم تخل قَطُ من
طائف حتى لقد ذُكِر أن يوم قتل ابن الزبير اشتدت الحربُ، واشتغل الناس فلم يُرَ طائف
يطوف بالكعبة إلاَّ جملٌ يطوف بها، فلما استتمّ بنيانها، ألصَق بابها بالأرض، وعمل لها خَلْفًا
أي: بابًا آخر من ورائها، وأدخل الْحِجْرَ فيها، وذلك لحديث حدّثته به خالتهُ عائشة، عن
رسول الله - * - أنه قال: ((ألم تَرَيْ قومَك حين بَنَوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم حين
عجزت بهم النفقة))، ثم قال عليه السلام: ((لولا حذثان عهد قومك بالجاهلية لهدمتها،
وجعلت لها خَلْفًا وألصقت بابها الأرض، وأدخلت فيها الْحِجْرَ)) أو كما قال - عليه
السلام(١) - قال ابن الزبير: فليس بنا اليوم عجز عن النفقة، فبناها على مقتضى حديث
عائشة، فلما قام عبد الملك بن مروان، قال: لسنا من تخليط أبي خُبَيْب (٢) بشيء، فهدمها
وبناها على ما كانت عليه في عهد رسول الله - 10 - فلما فرغ من بنيانها جاءه الحارث بن
أبي ربيعة المعروف بالقُبَاع، وهو أخو عمر بن أبي ربيعة الشاعر، ومعه رجل آخر، فحدّثاه
عن عائشة، عن رسول الله - رَ﴿ - بالحديث المتقدم، فندم، وجعل يَنْكُتُ في الأرض
بِمِخْصَرَةٍ في يده، ويقول: وَدِدْتُ أني تركت أبا خُبَيْب، وما تحمّل من ذلك، فهذه المرة
الخامسة، فلما قام أبو جعفر المنصور، وأراد أن يبنيها على ما بناها ابن الزبير، وشاور في
ذلك، فقال مالك بن أنس: أنْشُدك الله يا أمير المؤمنين، وأن تجعل هذا البيتَ مَلْعَبَةً للملوك
بعدك، لا يشاء أحد منهم أن يُغَيّره إلا غيَّره فتذهب هيبتُه من قلوب الناس، فصرفه عن رأيه
فيه(٣)، وقد قيل: إنه بُنِيَ في أيام جُزهم مرة أو مرتين؛ لأن السيل كان قد صدع حائطه،
ولم يكن ذلك بنيانًا على نحو ما قدّمنا، إنما كان إصلاحًا لما وَهَى منه، وجِدارًا بُنِيَ بينه
وبين السيل، بناه عامر الجارود، وقد تقدم هذا الخبر، وكانت الكعبة قبل أن يبنيها شيثٌ
عليه السلام خيمةً من ياقوتة حمراء يطوف بها آدم، ويأنَس إليها؛ لأنها أُنزلت إليه من الجنة،
وكان قد حج إلى موضعها من الهند، وقد قيل: إن آدم هو أول مَن بناها، ذكره ابن إسحق
في غير رواية البَكْائي. وفي الخبر أن موضعها كان غُثَاءَةً على الماء قبل أن يخلق اللَّهُ
السموات والأرض، فلما بدأ الله بخلق الأشياء خلق التُّرْبَةَ قبل السماء، فلما خلق السماء،
وقضاهن سبع سموات دحا الأرض، أي: بسطها، وذلك قوله سبحانه: ﴿والأرض بعد ذلك
(١) (صحيح)). أخرجه البخاري (٢/ ١٨٠) ومسلم في الحج (٣٩٨) والنسائي (٢١٥/٥) وأحمد
(٥٧/٦) وابن خزيمة (٢٧٤٢).
(٢) أبو خبيب: يعني عبد الله بن الزبير.
(٣) ذكر النووي والقاضي عياض أن القائل هو الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة للرشيد أو لأبيه.
٣٣٩

دحاها﴾ [النازعات: ٣]. وإنما دحاها من تحت مكة؛ ولذلك سُمِّيَتْ أُم القرى، وفي التفسير
أن الله سبحانه حين قال السموات والأرض: ﴿اثْتيَا طَوْعًا أو كَرْهًا قالتا أتينا طائعين﴾
[فصلت: ١١] لم تجبه بهذه المقالة من الأرض إلا أرض الحرم(١)، فلذلك حرّمها. وفي
الحديث: أن الله حرّم مكة قبل أن يخلق السماوات والأرض (٢)، فصارت حرمتها كحرمة
المؤمن، لأن المؤمن إنما حرم دمه وعرضه وماله بطاعته لربه، وأرض الحرم لما قالت: أتينا
طائعين، حرُم صيدُها وشجرُها وخَلاها إلا الإذْخِرِ، فلا حُرْمَةَ إلا لذي طاعةٍ، جعلنا الله مِمِّن
أطاعه .
سبب آخر لبنیان البيت:
ورُوِيَ في سبب بنيان البيت خبر آخرُ، وليس بمُعارِضٍ لما تقدم، وذلك أن الله سبحانه
لما قال لملائكته: ﴿إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً قالوا أتجعل فيها مَن يُفْسِد فيها﴾
[البقرة: ٢٩].
خافوا أن يكون الله عاتبًا عليهم لاعتراضهم في علمه، فطافوا بالعرش سبعًا، يسترضون
ربّهم، ويتضرعون إليه، فأمرهم سبحانه أن يبنوا البيت المعمور في السماء السابعة، وأن
يجعلوا طوافهم به، فكان ذلك أهونَ عليهم من الطواف بالعرش، ثم أمرهم إن يبنوا في كل
سماء بيتًا، وفي كل أرض بيتًا، قال مجاهد: هي أربعةً عَشَر بيتًا، كل بيتٍ منها مَنَا صاحِبه،
أي: في مقابلته، لو سقطت لسقطت بعضها على بعض(٣).
حول بناء الكعبة مرة أخرى:
رُوِيَ أيضًا أن الملائكة حين أسّست الكعبة انشقت الأرضُ إلى منتهاها، وقذفت فيها
حجارة أمثال الإبل، فتلك القواعد من البيت التي رفع إبراهيم وإسماعيل، فلما جاء الطوفان
رفعت، وأودع الحجر الأسود أبا قبيس.
وذكر ابن هشام أن الماء لم يَعْلُها حين الطوفان، ولكنه قام حولها، وبقيت في هواء
إلى السماء(٣)، وأن نوحًا قال لأهل السفينة، وهي تطوف بالبيت: إنكم في حرم الله، وحول
بيته، فأحرموا لله، ولا يمسّ أحد امرأة، وجعل بينهم وبين السماء حاجزًا، فتعدّى حام،
(١) كلام لا أصل له ليردّه الآية الصريحة التي لم تستثنٍ أرضًا ولا سماءً.
(٢) أخرجه البخاري (١٩٤/٥) وأحمد (٣٢/٤) وابن ماجه (٣٠٠٩).
(٣) كلام يفتقر إلى الدليل الصحيح وكذا الخبر الآتي بعدُ.
٣٤٠